المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: مفهوم المبادئ فوق الدستورية

ثالثًا: مضمون المبادئ فوق الدستورية

1- القواعد فوق الدستورية العالمية

2- القواعد فوق الدستورية الوطنية

رابعًا: الخصائص العامة للمبادئ فوق الدستورية

خامسًا: ديمقراطية المبادئ فوق الدستورية

سادسًا: المرتبة القانونية لإعلانات الحقوق

سابعًا: الحاجة إلى مبادئ فوق دستورية في سورية، والصعوبات التي تعترضها

ثامنًا: خاتمة

 

 

أولًا: مقدمة

غالبًا ما تخرج الشعوب من فترات الحروب والنزاعات والثورات، بحالة من الخراب والدمار الشامل على مختلف الصعد، ليجد المجتمع نفسه، بعد التخلص من النظام القديم، في مواجهة تحدٍ كبير، هو بناء نظام سياسي جديد يتلاءم مع تطلعات الناس، وأساس هذا البناء هو النظام القانوني الذي يُفترض به أن يوفر البيئة، والشرعية، والآليات القانونية، لبناء النظام السياسي المنشود.

والدستور، وهو رأس أي نظام قانوني ومظلته، يضع أسس النظام السياسي الجديد، ويحدد شكله وطبيعته، ويحدِّد السلطات العامة، ووظائفها، وكيفية توليها وممارستها وانتقالها، وعلاقاتها البينية. كما يحدِّد، ويحمي، الحقوق الأساسية للمواطنين والحريات العامة، ويتيح للشعب محاسبة حكامه، ويوفر له الآليات اللازمة لتغييرهم، من دون عنف، عندما يتطلب الأمر.

نحتاج -إذن- إلى صوغ دستور ديمقراطي، يحظى بإجماع مختلف قوى وفئات المجتمع، ويكون قادرًا على البقاء فترة طويلة نسبيًّا، لكن ظروف المجتمع الخارج من الأزمة لا تسمح بذلك؛ فآثار المرحلة الماضية تلقي بظلالها القاتمة على المشهد، فحجم الانتهاكات الحاصلة مرعب، والثقة شبه معدومة بين فئات المجتمع، وفلول النظام القديم تبذل وسعها لاسترجاع نفوذها، والقوى المنتصرة، في الثورة أو في الحرب، تسعى لفرض رؤيتها وشروطها، والتدخّلات الخارجية على أشُدِّها.

في مناخات صعبة ومعيقة كهذه، لا بدّ من إيجاد حلول يقبلها الجميع، سواء في اختيار فريق المشرِّعين الدستوريين (الهيئة التأسيسية)؛ حيث لا بدّ من تمثيل جميع الفئات من دون استثناء، أم في صيغة مسودة الدستور؛ حيث لا بدّ من صيغة مقبولة من الجميع، وتتيح فرص التعايش والتعاون وانتقال السلطة بسلاسة، وحتى تكون كذلك، يُفترض بها أن تعبر عن رأي الأغلبية، من دون أن تهدر حق الأقلية، (أغلبية وأقلية بالمعنى السياسي).

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ لا يكفي، لطمأنة الأقلية، وجود صيغة دستورية تحقق التوافق والرضا، فلا شيء يمنع من قيام الأغلبية في لحظة ما، باستغلال أغلبيتها، وإجراء تعديلات على الدستور، تهدر حقوق الأقلية مجددًا، فالخوف من طغيان الأغلبية يتعلّق بالحاضر وبالمستقبل.

لا بدّ -إذن- من وجود ضمانات، في صلب الدستور، بأن لا تُجرِي الأغلبية، في لحظة ما، تعديلات من شأنها النيل من حقوق الأقلية، أي: لا بد من حائل يحول دون طغيان الأغلبية (مهما ثقل وزنها) على حقوق الأقلية (مهما خفّ وزنها)؛ لذلك، فإن التفويض الذي سيُمنح لمن سيُناط بهم وضع الدستور، لا يجب أن يكون تفويضًا مطلقًا، بل تحدُّه قيود محددة، تُلزمهم بأن يضمّنوا مسوّدة دستورهم مبادئ محددة، لا تسمح لأي أغلبية قادمة باستبعادها من الدستور لاحقًا. كما لا يجوز لها إحلال أحكام جديدة تخالفها، وهذه المبادئ هي ما اصطُلح على تسميته “مبادئ فوق دستورية”.

لا تتوقف الحاجة إلى المبادئ فوق الدستورية، على منع طغيان الأغلبية، وضمان حقوق الأقلية، وإن كان هذا الجانب هو الأعقد، بل يُناط بها -أيضًا- مهمة عدم إتاحة الفرصة للنظام القديم؛ كي يتسلل، ويعود عبر ثغرات، قد تولّدها العملية الدستورية نفسها. يُناط بها، إضافة إلى ذلك، مهمة ضمان وحراسة حقوق الإنسان والحريات العامة، والمحافظة على وحدة البلاد.

 

ثانيًا: مفهوم المبادئ فوق الدستورية

المبادئ فوق الدستورية، أو المواد فوق الدستورية، أو المبادئ الدستورية العليا، أو القواعد المؤسِّسة للدستور، أو المواد الحاكمة للدستور…إلخ (وكلها تسميات لشيء واحد)، هي قواعد دستورية تُعطى، بوصفها قواعد تمس قضايا كبرى ومصيرية، وذات أبعاد استثنائية في الدولة، وتتعلق بحقوق ومصالح ومستقبل كل فئات الشعب دون استثناء، حصانةً استثنائية تجاه التغيير والتعديل، تفوق الحصانة التي تُعطى لغيرها من قواعد الدستور، بحيث يكون تعديلها أو تغييرها أو إيقافها، نتيجة تعديل الدستور أو تغييره أو تعطيله، أمرًا بالغ الصعوبة على السلطات الحاكمة، إن لم يكن مستحيلًا (1)، فيصبح لدينا -بالنتيجة- قواعد دستورية أكثرُ سموًّا من قواعد الدستور الأخرى، والتي -بدورها- أسمى من القوانين العادية.

لا يُشترط في المبادئ فوق الدستورية أن تكون قواعد موجودة في صلب الدستور، بل قد تكون وثائق مستقلة عنه، كإعلانات الحقوق (نتناولها بالتفصيل لاحقًا)، يتم إلحاقها به، ومنحها الحصانة اللازمة كمبدأ أعلى.، وما يمنح المبادئ فوق الدستورية صفتها تلك، هو مستوى الحصانة التي تُعطى لها في الدستور، وهذه هي النقطة الجوهرية في الموضوع.

 

ثالثًا: مضمون المبادئ فوق الدستورية

من خلال الاطلاع على تجارب الدول، في هذا المضمار، أسمح لنفسي بتقسيم المبادئ فوق الدستورية إلى فئتين رئيستين: تشمل الأولى القواعد فوق الدستورية العالمية، وهي التي تحظى باعتراف معظم دول العالم، دون خلاف، وترتبط بحقوق ثابتة ومستقرة للبشر، كحقوق الإنسان، والحريات العامة، والمساواة بين المواطنين، وإعلانات الحقوق هي المثال الأبرز لها، والثانية تشمل القواعد الدستورية الوطنية، أو الخاصة بالدولة صاحبة العلاقة، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتجربتها، وحاجاتها؛ فلكل تجربة خصوصيتها، وهواجسها التي تميزها عن تجارب الآخرين، فهنا نريد القطع مع النظام الملكي، وتثبيت النظام الجمهوري (فرنسا)، وهناك نريد حماية الحالة الاتحادية بين الولايات (الولايات المتحدة)، وفي مكان ثالث نريد تحصين البلاد من عودة الاستبداد (ألمانيا). إنّ هذه التجارب التاريخية، والهواجس التي تميز بلدًا عن آخر، هي ما تكون -عادة- وراء اعتماد مبادئ فوق دستورية تخصها لوحدها.

 

1- القواعد فوق الدستورية العالمية

كما أشرنا في الفقرة السابقة، فالقواعد فوق الدستورية، هي قواعد ذات صفة عالمية؛ لأنها مرتبطة بحقوق ثابتة ومستقرة للبشر، وهي محل اعتراف وقبول معظم دول العالم، وأصبحت متضَمَّنة في أغلب دساتيرها، وقد تكرّست بالتجارب التاريخية العالمية المهمة التي صدرت عنها إعلانات الحقوق، كالثورة الأميركية (وثيقة الحقوق) (2)، والثورة الفرنسية (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) (3)، كما تكرَّست بالشَّرعة الدولية لحقوق الإنسان، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(4) ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية(5)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(6)). وقد أصبح من الصعب على أي دولة تجاهل هذه المبادئ، مهما كان نظامها، حتى لو بقيت حبرًا على ورق لدى أنظمة غير ديمقراطية.

تهدف إعلانات الحقوق -تلك- إلى تعريف الشعب والحكام -علنًا ورسميًّا- بالمذهب السياسي والاجتماعي، الذي يجب أن يُلهم ويُوجه نشاط الدولة، كما تهدف، من جانب آخر، إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من نشاط الدولة وإجراءاتها، وقد تغيرت قيمتها الأدبية، وقوتها الملزمة، مع الزمن؛ فبعد أن كانت مجرد قيود على نشاط الدولة، لحماية حقوق وحريات الأفراد، أصبحت في ما بعد التزامًا من الدولة بالعمل على ملء هذه الحقوق بمضامينها، والسعي لتحقيقها؛ فلم يعد يكفي -مثلًا- الحديث عن المساواة بين الجنسين، بل أصبح المطلوب القيام بأفعال إيجابية، تُساعد على تحقيق هذه المساواة فعلًا، وتُزيل العوائق من طريق تحقيقها.

إضافة إلى الخصائص العامة للمبادئ فوق الدستورية، والتي سترد لاحقًا، يمكننا استخلاص خصائص هذه الفئة من القواعد العالمية على النحو التالي:

  1. عالمية: بوصفها تهم كل الشعوب والحكومات.
  2. مستقرة: بكونها تتعلق بحقوق ثابتة، لا يمكن التراجع عنها.
  3. مرتبطة بحقوق الإنسان والحريات العامة.
  4. مقنّنة في إعلانات وتشريعات دولية.

 

ونُورد أدناه نماذج من هذه المبادئ فوق الدستورية العالمية

  • جاء في ديباجة الدستور الفرنسي: “يعلن الشعب الفرنسي -رسميًّا- تمسُّكه بحقوق الإنسان، وبمبادئ السيادة الوطنية، مثلما حددها إعلان 1789، وأكدتها وأتمتها ديباجة دستور 1946، وكذلك تمسكه بالحقوق والواجبات التي أقرها ميثاق البيئة عام 2004.” (7)

إذن، جعل واضعو الدستور الفرنسي من إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الصادر في آب/ أغسطس 1789، بُعَيد انطلاق الثورة الفرنسية (8)، وما أضيف إليه في ديباجة دستور 1946(9)، مبادئ فوق دستورية، لا يجوز المساس بها تعديلًا أو حذفًا من أي حكومة مقبلة.

  • جاء في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا، والذي صدر بتاريخ 4 تموز/ يوليو 1776، بإجماع ممثلي الولايات الأميركية الثلاث عشرة (المستعمرات البريطانية آنذاك): “نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن البشر خُلقوا متساوين، وأن خالقهم حباهم بحقوق معينة، لا يمكن نُكرانها والتصرف فيها، وأنَّ من بينها الحقُ في الحياة والحرية، والسعيُ في سبيل نُشدان السعادة. وإنَّه لضمان هذه الحقوق، تَنشأ الحكومات بين الناس، مستمِدة سُلطاتها العادلة من موافقة المحكومين، وإنه عندما يصبح أي شكل من أشكال الحكم، في أي وقت من الأوقات، هادِمًا ومدمرًا لهذه الغايات؛ يصبح من حقِّ الشعب أن يغيِّره أو يُلغيه، ويشكِّل حكومة جديدة، مقيمًا أساسها على المبادئ، ومنظمًا سلطاتها، وفق الكيفية التي تبدو له أفضلَ ملاءمةً؛ لتحقيق سلامته ورفاهه….” (10)

وقد أصبح هذا الإعلان -فيما بعد- المعيار الأخلاقي الذي يتوجب على الولايات المتحدة الدفاع عنه، وعدّه الرئيس الأميركي “أبراهام لينكولن” وثيقة الأساسيات التي ينبغي -من خلالها- تفسير دستور الولايات المتحدة (11).

وفي العام 1791، أُدخلت إلى الدستور الأميركي التعديلات العشرة المسماة “وثيقة الحقوق”، والتي تحدِّد الحقوق والامتيازات والحريات التي لا يجوز للحكومات الفدرالية أن تحرم البشر منها (12).

  • المادة (79) من الدستور الألماني، منعت المشرِّع من المساس بالمادة الأولى من الدستور، والتي تمنع، في فقرتها الأولى، المساس بكرامة الإنسان، وتوجب على الدولة حمايتها وصيانتها، وتمنع، في فقرتها الثانية، انتهاك حقوق الإنسان…. (13)

 

2- القواعد فوق الدستورية الوطنية

وهي التي ترتبط بالحاجات والأوضاع الخاصة بكل بلد، والتي تختلف عن ظروف وحاجات بلدان أخرى.

يمكننا تمييز بعض خصائص هذه الفئة بما يلي:

  1. وطنية، تخص دولة بذاتها.
  2. مرتبطة بمعاناة وأحوال تلك الدولة.
  3. لا تنص عليها تشريعات أو مواثيق دولية، ولا تُرتِّب على الدولة أي التزامات تجاه الخارج.

 

ونُورد أدناه بعض الأمثلة عن هذه المبادئ، مع الإشارة إلى الأوضاع والأسباب التي أفرزتها:

  • اشترطت المادة الخامسة من الدستور الأميركي ألا يؤدي أي تعديل على الدستور، يتم إقراره من الكونغرس، إلى حرمان أي ولاية، دون موافقتها، من حق الاقتراع في مجلس الشيوخ.” (14)

تدل هذه القاعدة على أهمية المحافظة على النظام الفدرالي، لدى واضعي الدستور الأميركي.

  • في الدستور الفرنسي، نلاحظ أن الدستور رفع مسألة الطابع الجمهوري للدولة، ووحدة التراب الفرنسي، إلى مستوى قواعد فوق دستورية، عندما منحها حصانة مطلقة ضد التعديل؛ فقد نصت المادة (89) من الدستور على أنه: “لا تجوز مباشرة إجراء أي تعديل، أو مواصلته، في حال المساس بالسلامة الترابية”، ” ولا يجوز تعديل الطابع الجمهوري للحكومة”(15).

والفقرة الأخيرة هذه، تعبر عن رغبة واضعي الدستور الفرنسي، في قطع الطريق على عودة الملكية إلى الحكم.  

  • الفقرة الثالثة من المادة (79) من الدستور الألماني، تمنع المشرّع من إجراء تعديلات على القانون الأساسي (الدستور الألماني) من شأنها المساس بـ “تجزئة الاتحاد إلى ولايات اتحادية، أو مشاركة الولايات، من حيث المبدأ، في عملية التشريع بشكل فعال”(16).

ما يعني انشغال المؤسسين بالمحافظة على النظام الفدرالي.

كما تمنع المادة (79) نفسها المشرع الألماني من المساس بالمادة 20 من الدستور، والتي تنص في فقرتها الأولى على أن: “جمهورية ألمانيا الاتحادية، هي دولة اتحادية ديمقراطية واجتماعية”، وفي فقرتها الرابعة على أنه: “يحق لكافة المواطنين مقاومة كل من يحاول القضاء على هذا النظام، إذا لم يمكن منعه من ذلك بوسائل أخرى”(17)

وهذه الفقرة الأخيرة (الرابعة) التي تم تحصينها من التعديل، تعكس مقدار الألم والمعاناة التي عاشها الشعب الألماني إبان حكم النازيين، ورغبته في تحصين ديمقراطيته ضد تسلل أمثالهم مجددًا.

  • المادة الرابعة من دستور تركيا، تنص على أنه: “لا يجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور، التي تحدد شكل الدولة كجمهورية، وأحكام المادة 2 بشأن سمات الجمهورية، وأحكام المادة 3، ولا يجوز التقدم بمقترح لذلك”، وهذه المواد هي المتعلقة بشكل الدولة “دولة تركيا دولة جمهورية”، وسمات الجمهورية “الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون… وسلامة الأراضي….” (18)

 

رابعًا: الخصائص العامة للمبادئ فوق الدستورية

لكي تستحق بعض القواعد الدستورية الحماية العالية، والتحصين ضد التعديل على المدى البعيد، ولكيلا يكون تجميدها الصارم معيقًا لتطوير وتحديث الدستور، عندما يتطلب الأمر، يُفترض أن تتميز بالخصائص التالية:

  • تتعلق بقضايا مهمة جدًا ومصيرية، سواء للمواطن أم للدولة.
  • غير مرتبطة بقضايا متحركة، تتطلب التعديل بين فترة وأخرى (تقبل التجميد).
  • بعيدة من الأيديولوجيا والتحزّب، والتجاذبات السياسية.
  • تهمُّ جميع المواطنين، وجميع الفئات، مهما كانت صغيرة وضعيفة.

 

خامسًا: ديمقراطية المبادئ فوق الدستورية

هل تتعارض فكرة المبادئ فوق الدستورية مع الديمقراطية؟ وبتعبير آخر، هل تُعدّ مصادرة حق الأغلبية في تعديل بعض قواعد الدستور، عبر تحصينها من التعديل أو التغيير، اعتداءً على أهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية، القائم على حكم الأغلبية؟ ثم بأي حق يكون لسلطة تأسيسية حق منع سلطات تأسيسية مقبلة من ممارسة دورها؟ وهل ثمة سلطة تأسيسية أسمى من سلطة تأسيسية أخرى، ويحق لها تقييد عملها؟

يبدو الأمر وكأنه غير ديمقراطي، لكنه ليس الحقيقة؛ فالنظام الديمقراطي لا يقوم على قرار الأغلبية وحسب، بل يقتضي -بالضرورة- الحفاظ على حقوق الأقلية من جانب، والحفاظ على مبادئ الديمقراطية من جانب آخر، بمعنى أنه قرار الأغلبية دون المساس بحقوق الأقلية، ودون المساس بالمبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية، فصدور قرار بالأغلبية يهدر حقًا من حقوق الأقلية، هو قرار غير ديمقراطي حكمًا، مهما كبُرت الأغلبية، ومهما صغُرت الأقلية. وصدور قرار ممن يملك الأغلبية بتعديل الدستور، وجعل سلطة الرئيس مدى الحياة، هو قرار غير ديمقراطي حكمًا؛ لأنه يهدر مبدأ رئيسًا من مبادئ الديمقراطية، ألا وهو انتقال السلطة.

من ناحية أخرى، فمقاربة الديمقراطية في الشأن الدستوري، أمر مختلف عن غيره؛ فالدستور، بما هو القانون الأعلى للبلاد، وبما هو وثيقة تحدّد طريقة حكم البلاد، وبما هو وثيقة مُعدّة للحكم فترة طويلة، غالبًا ما تتجاوز -بكثير- عمر السلطة التشريعية المحددة بدورة واحدة، بمعنى أن شرعيته تتجاوز، من حيث المدة، حدود الشرعية الحاكمة، ويُراد له أن يحكم البلاد لأجيال مقبلة، تتغير فيها الشرعيات الحاكمة والأغلبيات مرات عديدة؛ لذلك لا بد من وضع مبادئ دستورية عليا، لا يجوز تجاوزها من قبل أي مشرّع، كونها متصلة اتصالًا وثيقًا بحقوق كل أفراد الشعب.

القصة على شيء من التعقيد، فمن سيضعون دستورًا، سيحكمهم، ويحكم غيرهم، لسنوات طويلة؛ لذلك، لا بد من تقييدهم بمبادئ فوق دستورية، لا يمكنهم تجاوزها، تمنعهم من إهدار الحقوق والحريات العامة التي لا يحق لأحد إهدارها، كما لا يحق لأي فرد من أفراد الشعب التخلي عنها، فالأفراد يتنازلون للمشرّع عن بعض حرياتهم؛ لقاء ما توفره الدولة لهم من أمان ورعاية وخدمات، لكن -بالتأكيد- ليست كل الحريات، وإلا فإن الطغيان بالمرصاد، والشعب كله مهدد بفقدان حريته.

إن السلطة المطلقة عنصر غريب عن الديمقراطية، وتتنافى معها، حتى لو كانت سلطة أغلب الشعب؛ لذلك، لا بد من تفادي طغيان الأغلبية، بفرض قيود على قدراتها التشريعية، ومنعها من المساس بحقوق أساسية ثابتة للبشر، ومن المساس بأسس النظام السياسي والاجتماعي القائم.

 

سادسًا: المرتبة القانونية لإعلانات الحقوق

انقسم الفقهاء في نظرتهم إلى القيمة القانونية لإعلانات الحقوق، فمؤيدوها، ومنهم فقهاء الثورة الفرنسية، يرون أن حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية، أعلى وأسمى من الدستور، وهي سابقة على وجود الدولة، وأن الدولة لم تنشأ إلا لضمان تلك الحريات؛ لذلك فإن إعلانات الحقوق، والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، تكون أعلى وأسمى من الدستور، وبحسب الفقيه الفرنسي “DUGUIT”، فإن البناء القانوني للدولة يتكون من ثلاثة طوابق: الأول هو إعلانات الحقوق، والثاني هو الدستور، والثالث هو التشريع(19)، وبذلك، فإن إعلانات الحقوق لا تُلزم المُشرِّع العادي فحسب، بل تلزم المُشرِّع الدستوري أيضًا؛ ما يستدعي ضرورة أن تتوافق أحكام الدستور مع إعلانات الحقوق، وإلا كانت جديرة بالبطلان، ويمكن اللجوء إلى القضاء في حال مخالفتها.

فريق آخر من الفقهاء، وهو الأوسع عددًا، يضع الدساتير وإعلانات الحقوق على سوية قانونية واحدة، وهذا ما تأخذ به دول عديدة، منها الولايات المتحدة الأميركية.

فريق ثالث ينكر على هذه الإعلانات القيمة القانونية، ويصفها بأنها مجرد عرض عقائدي، أو فلسفي، يفتقر إلى قابلية التطبيق المباشر، ولا يمكن أن تُرتِّب أثرًا قانونيًّا؛ فهي تُلهم المشرع فحسب، لكنها لا تلزم القاضي.

لكن هل يَملك الفرد -عمليًّا- حق مراجعة القضاء، والمطالبة بتعويض ما؛ لسبب ناجم عن تجاهل مبدأ فوق دستوري؟ أو هل يَملك أن يطالب بتطبيق حكم معين، لمصلحته، نص عليه إعلان للحقوق؟

الفقيه الفرنسي، بوردو “BURDEAU”، يرى وجوب التمييز بين طائفتين من الأحكام التي تتضمنها إعلانات الحقوق:

  1. فبعضها يعبّر عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي، وبوضعها قصد واضع الدستور أنها ملزمة قانونًا؛ لأنها ممكنة التطبيق في النظام القانوني الراهن، مثال ذلك: ما ينص عليه إعلان حقوق الإنسان، وحقوق المواطن الفرنسي، من تكريس لحرية الرأي والتعبير وحمايتها.
  2. وبعضها الآخر لا يعبٍّر عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي، كالأحكام التي تحدِّد غايات الدولة؛ فهي تصلُح لأن تكون موجِّهًا للمشرّع، لكن لا تصلُح للاحتجاج بها أمام المحاكم، بوصفها حقوقًا غير قابلة للاستيفاء مباشرة، وليس لها مؤيد قانوني. مثال ذلك: إعلان حق الأفراد في العمل (20).

 

سابعًا: الحاجة إلى مبادئ فوق دستورية في سورية، والصعوبات التي تعترضها

عانت سورية، على مدى أربعة عقود ونصف، من حكم طغمة مافيوية بوليسية فاسدة، وكانت هذه الفترة الطويلة مليئة بالقهر، وكل أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان، وكل أنواع التخريب للقيم والمبادئ والثقافة والعقول والعلاقات والروابط المجتمعية، وكانت نهايتها المأساوية حربًا داخليةً قاسيةً وطويلة، بدأها نظام الطغمة على شعبه، منذ أن خرج الشعبُ مطالبًا بحريته وكرامته، وكان من نتائجها موتٌ وتدمير وتهجير وخراب، لم يعرف له التاريخ مثيلًا، ولعل من أسوأ نتائجها، هذه التصدّعات العميقة في المجتمع السوري، وهذا الاستقطاب الطائفي الحاد، الذي سعى إليه النظام -بكل قوة- كأحد أهم طرق نجاته، وأقول من أسوأ النتائج؛ لأن إصلاح هذا الخراب المجتمعي، وإعادة الثقة بين الفئات والطوائف، يتطلب عقودًا وتعاقبَ أجيال.

ستنتهي الحرب ذات يوم، ويرحل نظام الطغمة، ويجد السوريون أنفسهم أمام مهمة بناء هائلة، في البشر والحجر، تتطلب حدًا أدنى، غير متوفر، من الثقة وحسن النيّات.

والمسألة الطائفية، كما يبدو، هي حجر الزاوية في هذه المشكلة، فالطائفة السنية، الطائفة الأكبر، إضافة إلى ما راكمته من إحساس بالظلم والتهميش، طيلة فترة حكم الطغمة، تعرّضت، خلال سنوات الحرب، لعنف مهول، وصل إلى مستوى الإبادة، ودفعت أثمانًا باهظة، لا تُقارَن بما دفعه الآخرون، وذلك على يد نظامٍ عماده أبناء الطائفة العلوية، وعلى يد إيران، وميليشيا شيعية طائفية الشكل والمضمون، ثم على يد الجيش الروسي. أما أبناء الطوائف الأخرى عمومًا، فيخشون من تغوّل وطغيان الطائفة السنية في حال وصولها إلى الحكم، ويخشون ردات فعلها على ما أصابها، ويخشون رغبتها في أسلمة المجتمع، وخشيتهم تزداد يومًا بعد آخر، مع مراقبة أداء التنظيمات السلفية الجهادية المحاربة، على اختلاف درجاتها ومستويات تطرفها، سواء في الحرب، أم في إدارة المناطق التي تقع تحت سيطرتها.

ما أوردناه أعلاه ليس كل شيء طبعًا، وإنما هو لإعطاء فكرة عن الأجواء التي قد تسود بعد الحرب، والتي، في ظلها، ستجري العملية الدستورية، وما يزيد الطين بِلة، هو احتمال إفلات المجرمين من العقاب، عبر تسوية سياسية ما لإنهاء الحرب؛ ما يعني خسارة فرصة كبيرة؛ لتهدئة النفوس وبلسمة الجروح.

إذن، سيكون هناك حرص، من القوى السياسية السنية، وحولها معظم أبناء الطائفة، على الإمساك بزمام الأمور، وعدم إضاعتها مرة أخرى، وصوغ دستور وتشريعات، توائم رؤاها وهواجسها، وبالمقابل، سيكون هناك خوف الآخرين من وصول هذه القوى السياسية السنية إلى السلطة، واحتمال استعمالها؛ لإقصائهم، أو تهميشهم، والتجاوز على حقوقهم.

لذلك، ستبرز ضرورة التوافق على مبادئ فوق دستورية، تحكم الدستور السوري الجديد، وتضع حدًّا لقدرة القوى السنية المسيطرة على تمرير قواعد دستورية، أو تشريعات تهدر حقوق الفئات الأخرى، وتضمن في الوقت نفسه:

  • حقوق الإنسان والحريات العامة.
  • الآليات الديمقراطية، والمشاركة وانتقال السلطة.
  • عدم عودة الاستبداد.
  • استقرار المجتمع السوري.
  • وحدة التراب السوري.

بقي أن أقول: إن التوافق على مبادئ فوق دستورية في سورية، سيكون أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل الأوضاع التي أوردناها، وفي ظل الانقسام المجتمعي الحاد، وستُبدي الأغلبية مقاومة شديدة حيالها، على غرار ما رأينا في مصر عام 2011، عندما حاولت السلطة الشرعية آنذاك (المجلس العسكري)، تمرير مشروع وثيقة مبادئ فوق دستورية، تضع قيودًا على البرلمان المزمع انتخابه، والذي كان واضحًا أنه سيكون تحت سيطرة الإسلاميين، حيث ثارت ثائرة القوى الإسلامية، وشنّت حملة شرسة ضد الفكرة، من زاوية أنها تتنافى مع العملية الديمقراطية، وتصادر حقّ الأغلبية في اتخاذ ما يناسبها من قرارات، ورفض الأغلبية فكرة المبادئ الحاكمة أمر طبيعي، ويمكن القول إن هذا الرفض بالذات هو الدافع الرئيس للآخرين للتمسك بها.

ويبدو لي أن إزالة هذا الاستعصاء غير ممكنة، من دون تدخلات خارجية من قوى كبرى مؤثرة.[!]

 

ثامنًا: خاتمة

ترسخت، بتطور الحضارة البشرية، مفاهيم وثوابت، تتعلق بحقوق الإنسان والحريات العامة، وأصبحت تشكل قواسم مشتركة بين الدول التي تتبنى أنظمة ديمقراطية، واعتُمدت في دساتيرها، كمبادئ عليا، غير قابلة للتعديل والإلغاء، وما ادعاء بعضهم، في المجتمعات الأخرى، أن تلك المبادئ لا تتناسب وقيم وثوابت مجتمعاتها، إلا محاولة للتجاوز على تلك المبادئ، وتبرير ممارسات أنظمة غير ديمقراطية؛ لأن حقوق البشر وحرياتهم لا تتجزّأ، وهي تخص كل البشر في كل المجتمعات بالدرجة نفسها، وخرقها، في أي مكان، أصبح يُعدّ جريمة ضد الإنسانية.

أما المبادئ العليا الوطنية، فتكتسي أيضًا تلك الأهمية القصوى، حيث يعوَّل عليها في حماية البلاد واستقرارها، وضمان حقوق الجميع فيها.

وقد أصبحت تلك المبادئ، في الوقت الحاضر، عنصرًا رئيسًا في الدساتير الديمقراطية، ولم يعد من الممكن تجاهلها من واضعي الدساتير، في مختلف دول العالم، تحت طائلة هدر حقوق الإنسان، وإضعاف فرص استقرار الدولة.

وإقرار تلك المبادئ، واعتمادها في بعض الدول، كسورية مستقبلًا، لن يحصل برضا كافة الأطراف، خاصة المسيطِر منها، لكن لا سبيل آخر أمامها؛ للخروج من حالة البؤس والصراعات والفوضى، التي أورثتها أنظمة الاستبداد، إلى حالة الاستقرار والبناء.

أختم بالقول: إن ثقافة المبادئ فوق الدستورية جديدة، وغريبة عن مجتمعنا، وتمريرها سيكون صعبًا؛ بسبب مقاومة الأغلبية، “جهلًا” أو مصلحةً أو كليهما، لكنها، في الوقت نفسه، أمرٌ لا بدّ منه؛ لإنجاز العملية الدستورية، وإيصال البلد إلى مرحلة الاستقرار؛ لذلك يُفترض من جميع المعنيين بذل الجهد اللازم؛ للتوعية بهذه المبادئ، وترسيخ القناعة بها لدى السوريين، لعل ذلك يسهم في التخفيف من شدة مقاومتها، وتقريب لحظة الخلاص.

 

 

 

 

هوامش:

  1. لم نجد تعريفًا محددًا معتمدًا للمبادئ فوق الدستورية، وهذه محاولة لتعريفها، استندت إلى مضمون تلك المبادئ وخصائصها، وبعض التعريفات التي وردت في الصحف المصرية بمناسبة الأزمة الدستورية عام 2011.
  2. http://hrlibrary.umn.edu/arabic/us-con.html
  3. http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil- constitutionnel/root/bank_mm/arabe/constitution_arabe.pdf
  4. http://hrlibrary.umn.edu/arab/b001.html
  5. http://hrlibrary.umn.edu/arab/b003.html
  6. http://hrlibrary.umn.edu/arab/b002.html
  7. http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil- constitutionnel/root/bank_mm/arabe/constitution_arabe.pdf
  8. الدستور الفرنسي، المصدر السابق رقم 3
  9. الدستور الفرنسي، المصدر السابق رقم 3
  10. http://iipdigital.usembassy.gov/st/arabic/texttrans/2009/03/20090326164658bsibhew0.3102075.html#axzz4DThBGzNt
  11. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A
  12. الدستور الأميركي، المصدر السابق رقم 2
  13. https://www.constituteproject.org/constitution/German_Federal_Republic_2012.pdf?lang=ar
  14. الدستور الأميركي، المصدر السابق رقم 2
  15. الدستور الفرنسي، المصدر السابق رقم 3
  16. الدستور الألماني، المصدر السابق رقم 13
  17. الدستور الألماني، المصدر السابق رقم 13
  18. https://www.constituteproject.org/constitution/Turkey_2011.pdf?lang=ar
  19. http://www.alyassir.com/index.php?pid=3&i=1&f=24
  20. د. كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، جامعة دمشق، ص 126