المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: خطورة السؤال

ثالثًا: جذور السؤال

رابعًا: هل يمكن للنظام السوري الحالي حكم سورية؟

1- الأسباب الذاتية

2- الأسباب الموضوعية

خامسًا: هل يمكن للقوى والفصائل الإسلامية حكم سورية؟

1- الأسباب الذاتية

2- الأسباب الموضوعية

سادسًا: ما الخيار الثالث؟

 

 

أولًا: مقدمة

تناقش هذه الورقة سؤال: ” هل سورية بين خيارين فقط: النظام أو الإسلاميين؟”، الذي يطغى على المفاوضات السياسية الدولية حول سورية، وعلى الإعلام الغربي، وإلى حدٍ بعيدٍ على الإعلام العربي. ينطلق النقاش من فرضيتين؛ أن الغلبة كانت لأحد خياريّ السؤال؛ النظام والإسلاميين، في سورية، في الشهور المقبلة؛ ثم تناقش الورقة قدرة كلا الخيارين على إعادة بناء الدولة السورية وإدارتها.

ثانيًا: خطورة السؤال

يستخدم السياسيون هذا النوع من الأسئلة، لفرض فكرة ما على الشارع، ضمن عملية صناعة الرأي العام؛ ويكون طرح السؤال، غالبًا، ذا شكل ديمقراطي، يعطي الإنسان العادي انطباعًا مفادُه أنه يشارك في صوغ  القرار، وهو دون أن يشعر، يكون قد تم توجيهه منذ البداية، إلى الجهة التي يريدها السياسي؛ فمن أحد الأمثلة المشهورة، أنّ السؤال الذي طرحته الإدارة الأميركية، بعد جريمة تفجير البرجين في نيويورك في العام 2001؛ وكان سؤالًا بسيطًا: “لماذا هم يكرهوننا؟”، فاستنفر الإعلام، والسياسيون، والمحللون، وتبعهم الشارع الأميركي، والغربي في نقاش حامٍ حول هذا السؤال، ذي الظاهر الديمقراطي، و”المسكين”؛ مهما كانت الأجوبة التي تم طرحها، بما فيها التي انتقدت السؤال، لم تستطع منع وصول الفكرة الأساسية للسؤال، لتصبح بديهية في العقل الجماعي الأميركي: “هم، أي المسلمون أو بقية العالم، يكرهوننا، نحن الأميركيين، شعبًا وسياسة، لأننا أميركيون”؛ طارح السؤال لم يعاقب، أو يحجر على من فند السؤال؛ لسبب بسيط أن السؤال المبني على بساطة “تسطيحية” في الطرح، انتشر آلاف المرات أكثر من الأجوبة العاقلة، التي -غالبًا- هي أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى شرح، وتحليل ينفر منه الرأي العام الشعبي. السؤال محور هذه الورقة يقع ضمن الخانة نفسها، “السؤال الفخ”، الذي يخدم الأهداف السياسية للمتصارعين فوق سورية.

المشكلة الأساس وراء هذا السؤال؛ أنه تسرّب ليطغى على قناعة الرأي العام خارج سورية، سواء الغربي أم العربي، من خلال المواقف السياسية والإعلام بكل توجهاته؛ بل إن هذا السؤال، أصبح منتشرًا بقوة بين العديد من السوريين أنفسهم، ويعيد صوغ مواقف بعضهم، ما بين: الانحياز لأحد الخيارين، أو تأجيل السؤال إلى ما بعد “النصر”، أو الهروب إلى حالة الإنكار واللامبالاة.

خطورة انتشار هذا السؤال، تكمن في ترسيخه لبديهية مصطنعة في عقول الناس، سواء السوريين، أم غيرهم، وتضع مصير سورية بين هذين الخيارين فحسب؛ فهذا العمل على صناعة الرأي العام، من جانب جميع الأطراف، لا يمهّد -بالتأكيد- لحل مستدام مستقر للأزمة السورية؛ فتاريخ كل الحروب والصراعات البشرية، مهما كان شكلها، والأطراف الفاعلة بها، استند، ويستند إلى التمهيد، عبر صناعة رأي عام قابل للتجييش، والقبول، أو على الأقل الصمت أمام قرارات صانعي الصراع، والمستفيدين الحقيقيين منه.

 

ثالثًا: جذور السؤال

أول من طرح هذا السؤال، كان النظام السوري نفسه منذ 2011، بعدة صيغ خلاصتها هي، “سورية بين خيارين فقط: النظام السوري بقيادة بشار الأسد، أو حكم الإسلاميين المتطرفين الطائفيين”؛ فمن أول تصريحات النظام الرسمية، حول التظاهرات الشعبية السورية السلمية، المطالبة بالحرية والكرامة؛ أن هذه التظاهرات هي “تمرد مسلح إرهابي طائفي، يريد جلب الإسلاميين للحكم، وتدمير سورية الممانعة بقيادتها، ضمن مؤامرة كونية شريرة”؛ ودعمها بحرب شائعات ضمن الشارع السوري، تتحدث عن “إرهابيين إخوانيين، ووهابيين، يريدون قتل العلويين، وتشريد المسيحيين وبقية الأقليات الدينية”؛ كان هدف النظام التوجه إلى لداخل والخارج في الوقت نفسه؛ داخليًا، هو يدرك تمامًا أن الأغلبية السورية، بمن فيهم العرب السنة، لا يتوافقون مع حكم إسلامي، أكان قاعديًّا، أم إخوانيًا، وبالتالي، أراد النظام أن يسبق الثورة بعدة خطوات للإمام، لزرع الخوف بين السوريين من المقبل، فيحوّلهم إما إلى صامتين، أو مؤيدين، أو أن يختاروا أهون الشرين، وخارجيًا؛ أراد النظام استغلال الشعور العام العالمي، المناهض للإسلامية القاعدية، وخوف الشارع الغربي من هذا التيار.

في خندق النظام السوري؛ دعمت الحكومتان الروسية والإيرانية هذا السؤال بقوة، وسوّقتا له إعلاميًا وسياسيًا، بشكل واسع ضمن صراعهما مع الحلف الغربي الخليجي؛ كما أن البلدين يعانيان أزمات عميقة اقتصادية وسياسية تهدد استقرارهما، فبقاء كابوس المؤامرة الأميركية المتحالفة مع الإسلامية القاعدية الوهابية، يشكل عامل تجييش أساسي لشعوب هذين البلدين خلف قيادتهما، خصوصًا أن القاعدة تحيط بإيران من الشرق والغرب، وتخترق جنوب روسيا المسلم بأغلبيته السكانية[1].

أما من جهة المعارضة السورية بقياداتها والداعمين لها؛ فقد رسّخوا هذه الدعاية الإعلامية، سواء من خلال تأييد  الثورة وتشجيع صبغها بالصبغة الإسلامية، ما بين المعتدل والمتشدد، أو من خلال الصمت على ما يجري من إقحام للشعارات الإسلامية الجهادية، أو حتى من خلال معارضة الأسلمة لكن بأسلوب المثقف المتعالي؛ وفي جميع الأحوال، أدّى عمل المعارضة السورية، وداعميها، والإعلام السوري والعربي المتوافق معها، دوراً أساسيًا في ترسيخ هذه الصورة المشوهة للثورة السورية؛ فبات من الصعب إظهار حقيقة تمايز الثورة السورية الشعبية  الوطنية، عن السلوكات الإسلامية المتطرفة.

انتقل هذا السؤال بسرعة نسبيًا، في منتصف 2012، إلى الإعلام الغربي، مع بدايات ظهور جبهة النصرة الإسلامية القاعدية، وأصبح شغل الإعلام الغربي، قائماً على ترسيخ الصورة العامة السورية، على أن سورية بين فكيّ كماشة: نظام ديكتاتوري عنيف ظالم، لكنه علماني بربطة عنق، وبين فصائل إسلامية قاعدية طائفية إرهابية بذقون مغبرة، وبالتالي؛ فليس من مصلحة الغرب، أن يتدخل مباشرةً  في سورية، لإسقاط النظام السوري؛ لأن ذلك سيؤدي إلى سيطرة الإسلامية المتطرفة، كما أن لا مصلحة له في دعم النظام السوري، لأنه نظام عنيف ودموي؛ هذه الصورة بدأت في التوسع ضمن الرأي العام الغربي، المسكون ببعبع الإرهاب الإسلامي، بسرعة أكبر منذ العام 2014، ومع توسع داعش في سورية وأفلامها الهوليوودية؛ فقد منحت سيطرة هذه الصورة على الرأي العام الغربي السياسة الغربية، و الأميركية منها بخاصة، الحرية الكاملة بالتعامل مع الأزمة السورية في هدوء، والتنقل بقوة على مسارات المناورة السياسية حول سورية، من دون ضغط شعبي غربي؛ لقد تم تحييد الرأي العام الغربي بما يخص سورية، والمنطقة كلها.

للإجابة عن هذا السؤال وتفنيده، يمكن مناقشته عبر تفكيكه إلى مكوّنيه الأساسيين: هل يمكن للنظام السوري الحالي حكم سورية؟ وهل يمكن للإسلاميين الجهاديين حكم سورية؟ ومناقشة الموانع الموضوعية والذاتية التي تجعل الخيارين مستحيلين؛ لذلك سنفترض بداية أن الغلبة العسكرية، والأمنية كانت لأحد هذين الطرفين، لسبب ما أدى إلى اختلال ميزان القوى موقّتًا. ولن نتطرق، ضمن هذا النقاش، إلى موقف الشارع السوري، فهذا النقاش يحتاج إلى بحث مستقل، والأهم أن الافتراضين يقومان على افتراض حصول خلل ما في التوازن العسكري في سورية، حيث لا دور للشعب السوري -حاليًا-  فيه.

 

رابعًا: هل يمكن للنظام السوري الحالي حكم سورية؟

لنفترض بداية أنه ولسبب ما، وبطريقة ما، استطاع نظام بشار الأسد، حتى نهاية العام 2016، فرض سيطرته الكاملة عسكريًا وأمنيًّا على سورية، والانتصار عسكريًا على أغلبية الفصائل المناوئة له، أي أنّ معسكر إيران وروسيا استطاع فرض رؤيته على حساب معسكر الغرب والخليج العربي وتركيا؛ فهل يستطيع النظام السوري الاستمرار في حكم سورية، وإنشاء الدولة السورية، بالحدود الدنيا المطلوبة للدولة في القرن 21؟ الجواب: لا يمكن له حكم سورية، وحفظ استقرارها، وأمنها لأكثر من سنة، لعدة أسباب ذاتيّة تتعلق ببنية وتاريخ النظام نفسه، ولأسباب موضوعية تتعلق بالحال السورية ذاتها، ولأسباب تتعلق بالصراع الدولي الجيوسياسي الشرس حول سورية.

1- الأسباب الذاتية

لا بدّ -لدراسة الأسباب الذاتية- من العودة قليلًا، بالتاريخ، إلى الوراء، فإن تحليل بنية النظام السوري وتاريخه يحتاج إلى بحوث، وكتب كثيرة، وهي ليست غاية هذه الورقة، ولكن يمكننا تناول الموضوع من خلال نقاط أساسية، لا ينكرها حتى النظام السوري نفسه؛ النظام السوري هنا يمتد تاريخيًا، بحسب رؤية الورقة، إلى عام 1963، الذي شهد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في سورية.

فرضت السيرورة التاريخية على سورية، -بعد ربع قرن من الاحتلال الفرنسي، وأربعة قرون من الاحتلال العثماني، إضافةً إلى حركة النهضة العربية، وانتقال مفهوم الدولة الوطنية إلى منطقتنا- نشوء الدولة السورية، شكلًا ابتدائيًّا للدولة الحديثة، ضمن تركيبة معقدة ما بين السلطة المالية، والسلطة العسكرية اللتين أنتجتا السلطة الحكومية، والإدارية، بسبب نكبة فلسطين 1948؛ فقد تقدمت السلطة العسكرية إلى الأمام، خلال عدة سنوات رسمتها مرحلة الانقلابات العسكرية، لكن سرعان ما عاد التوازن، واستعادت السلطة المالية مكانتها نسبيًا، في الخمسينيات، من خلال الطبقة البرجوازية والإقطاعية، لكن اكتساح النموذج الناصري للعالم العربي، والوحدة السورية المصرية، خلخلا سريعًا هذا التوازن، وأعادا القوة إلى المكون العسكري في سورية؛ فكانت هذه الخلخلة في التوازن أداة أساسية، استخدمها قادة حزب البعث للوصول للسلطة في العام 1963.

كان انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، انقلابًا عسكريًّا بحتًّا، مهما لونّه المنظرون البعثيون بلون الثورة، والاشتراكية، ومطالب الجماهير؛ فقد حاول القادة البعثيون في الستينيات، التوجه نحو النموذج الستاليني السوفياتي لديكتاتورية الحزب الواحد، ووضع القوة العسكرية بالمستوى الثاني سلطويًّا؛ لكن هذه المحاولة، مع ما رافقها من جمود يساري متطرف، إضافةً إلى نكسة 1967 أمام إسرائيل، أدت إلى انهيار حتميّ لهذا النموذج.

أدرك حافظ الأسد وزملاؤه سرّ هذه التركيبة في نهاية الستينيات، فقاموا بانقلابهم الحزبي، والعسكري في 16 تشرين ثاني/ نوفمبر 1970، والذي سمّوه “الحركة التصحيحية”؛ إذ استفاد حافظ الأسد من أخطاء الماضي؛ فأعاد أرجحية القوة للعمود العسكري، والأمني في السلطة على حساب الحزبي، وفي الوقت نفسه؛ أعاد القوة للعمود المالي كحليف أساسي في الحكم، وأنشأ بين هذين المكونين، السلطة الإدارية الحكومية، ورسم على السطح سلطة تشريعية؛ أما سلطة الحزب الواحد، فقد تحولت إلى إطار لمكونات السلطة، وليس إلى سلطة بحد ذاتها، ومقارنة بفترة الستينيات؛ فإنّ أهم التغييرات التي أدخلها حافظ الأسد، كانت استغلال التنوع العرقي، والطائفي في سورية، وتحويله من نعمة، وميزة سورية، إلى أداة تحكم أساسية في هرم السلطة؛ ضمن هذه التركيبة الجديدة، حوّل حافظ الأسد حكم الحزب الواحد، إلى حكم القائد الأبدي الأوحد، وتحول حزب البعث، ومشتقاته النقابية والمهنية، إلى طابور خامس يخدم السلطتين العسكرية الأمنية والمالية.

لقد تبلور نموذج الحكم الأسدي، في شكله النهائي، في نهاية الثمانينيات، بعد أن استطاع حافظ الأسد هزيمة معارضيه السياسيين؛ فقد كانت البداية، بحربه الداخلية ضد محاولة الانقلاب المسلح، التي قام بها الإخوان المسلمون، في نهاية السبعينيات، وبحجة هذه الحرب استطاع النظام السوري قمع كل معارضيه، سواء اليساريين، أم القوميين العرب الناصريين، أم القوميين السوريين؛ كما أنه تخلص من أخطر التهديدات على سلطته المطلقة، التي أتت من أخيه، رفعت الأسد؛ فمنذ بداية الثمانينيات، أدرك حافظ الأسد أهمية التركيز على جيل الشباب بدءًا من المرحلة الإعدادية؛ فقدم دعما كبيرًا لمنظمة اتحاد شبيبة الثورة، التي استطاعت من خلال الإغراء أو الترهيب، تمرير أغلبيّة من الشباب السوري الصغير، خلال نفق التدريب العسكري المدرسي (دورات الصاعقة والمظليين)، ثم من خلال التدريب العسكري المرافق للدراسة الجامعية؛ حيث مكّنت هذه السياسة النظام السوري من فرز فئة من الشباب، غالبًا غير المؤهّل دراسيًّا أو مهنيًّا والفاقد للهدف[2]، للانتقال بعد المدرسة واتحاد شبيبة الثورة، ليشكل جيشًا من “المخبرين والمُرهِبين” بسلطة معنوية ومادية، ضمنت ولاءهم المطلق؛  هذه الفئة، والتي يسميها الناس بسورية “زعران الشوارع”، على الرغم من قلة عددها إلا أنها، وبسبب القوة التي منحها لها النظام، كانت اليد الأكثر فائدة للنظام، من حيث التجسّس على الناس، وإرهاب الشارع؛ فاتحاد شبيبة الثورة لم يكن سلطة بحد ذاته، بل بوتقة لتصنيع جيل شاب خائف أو موالي؛ فالقوة الأمنية والعسكرية، كمؤسسات، لم تكن كافية للانتشار الأفقي ضمن المجتمع؛ فهذه الفئة الشبابية وجدت نفسها، دون أيّ مؤهلات، إلاّ عضلاتها وصوتها، في موقع يخيف المجتمع المحيط، فاستشاطت في غيّها، بتوجيه السلطة الأمنية، وتحت أنظارها.

بعد محنة الثمانينيات، وبعد حرب الكويت وإطلاق يده في لبنان، خرج حافظ الأسد منتصرًا داخليًا وإقليميًا، فانتفت الحاجة الملحة إلى فئة “زعران الشارع”، والتي كانت قد أسست نفسها، ضمن عصابات قوية ماليًّا وتسليحيًّا، بقيادة أولاد الضباط وعائلة الأسد؛ لكن هذه الفئة أرادت ، أن تأخذ ثمن دعمها للنظام، فانطلقت في عمليات التهريب والتشليح، وظهر أول مرة مصطلح “الشبيحة” في سورية، وبخاصة في منطقة الساحل وجبالها، حيث تركز نشاط مافيات عائلة الأسد؛ لكن حافظ الأسد أدرك خطورة فوضى هذه الفئات، فاستطاع قمعها، واحتواءها بجهازه الأمني العسكري، والإداري في منتصف التسعينيات.

هذه التركيبة السلطوية المعقدة، أمنيًا، وعسكريًا، وماليًا، وإداريًا، بحد ذاتها، كفيلة بإنتاج الفساد كسلطة خفية، تدير العلاقة بين جميع مكونات السلطة الأخرى، وبشكل طبيعي، كنظام ديكتاتوري، اعتمد النظام السوري على سرطانية الفساد، كأداة تحكم أساسية، في ضمان سلطة حافظ الأسد المطلقة؛ فقد تم إنشاء “الدولة الخفية” القائمة على علاقات المصلحة والمال، ضمن تشكيلة معقدة من الفساد، بين السلطات العسكرية والأمنية والمالية والإدارية.

لم يهمل حافظ الأسد التأثير الكبير للدين على السوريين، وساعدته مواجهته مع الإخوان المسلمين، على فرز التيار الديني الإسلامي السني الأيديولوجي، عن التيار الإسلامي السني الشعبي التقليدي، فمنح الأخير حرية العمل الدعوي، والتوسع الدراسي، حتى إن دمشق باتت محجًا مهمًا، لطلاب العلم الديني في نهاية التسعينيات.

إذًا؛ فقد ورث بشار الأسد عن أبيه، دولة أمنية، عسكرية، قوية، مبنية على الفساد كسلطة وليس كمرض، وتعتمد على تحالف صلب مع القوة المالية السورية، ومؤطرة ضمن جهاز إداري حكومي، متجاوب مع السلطة الأعلى؛ لكن بشار وجد نفسه أمام معادلة صعبة الحل، تنطلب التوفيق ما بين سياسة أبيه، التي تعتمد الصبر والحذر في كل خطوة، وما بين نظام عالمي جديد سريع وقوي، يفرض قوانينه على كل قرية في العالم. استطاع بشار الأسد، بعد سنوات قليلة، التوصل إلى النموذج الملائم لسلطته، من خلال المحافظة على سياسة أبيه، ضمن السلطة الأمنية العسكرية، مع منح القطاع المالي الاقتصادي حرية أكبر للحركة السريعة المتناسبة مع العصر، لكن مع إبقاء التحكم قائمًا عبر رجاله المخلصين، وخاصة من عائلته (محمد مخلوف كأشهر مثال)، وعبر الجهاز الحكومي الإداري، الذي نال في عهده سلطة أكبر نسبيًا، مما كان في أيام حافظ الأسد، إذ لم يجرؤ على المخاطرة بسلطته كديكتاتور حاكم، فبقي الفساد أيضا سلطة قائمة بين مكونات الدولة؛ فأزالت هذه التوليفة الجدار الحديدي، الذي وضعه حافظ الأسد بين العسكر وبين المال، واختلطت السلطتان على شكل مافيوي حديث.

أتت ثورة العام 2011، لتؤكد أن نظام بشار الأسد لم يتغير جذريًا عمّا أسسه أبوه، وأنه لم يستفد أبدًا من دروس النظام العالمي الجديد والقديم؛ فقد عاد نظام حافظ الثمانينيات كما هو: إطلاق يد السلطة الأمنية في الشارع، وتعبئة كتائب “الشبيحة” ونشرها في الشارع، مع استخدام أكثر كثافة للقوة العسكرية؛ لكن الفرق الأساسي بين سورية 2011 وسورية الثمانينيات، هو أن العالم والصراع الجيوسياسي الدولي والإقليمي أصبح مختلفًا جذريًا، وهو ما لم يدركه النظام السوري إلا متأخرًا؛ فعندما سوّى حافظ الأسد جزءًا من مدينة حماة بالأرض، وقتل وقتها، على الأقل، نحو 15000 ألفًا، لم يسمع بذلك بعض السوريين إلا بعد أسابيع، وربما شهور؛ وكذلك لم يدرك نظام بشار، أن التطور في العقل، والمعرفة، والطموح الإنساني قد سار بسرعة تطور شبكة الإنترنت، فلم تعد الديمقراطية، والحرية، والعدالة الاجتماعية أحلامًا وعناوين كتب مثل الثمانينيات فحسب؛ بل تحوّلت من أحلام، إلى حاجات إنسانية أساسية، لا يمكن لجيل القرن الحادي والعشرين التخلي عنها؛ فبدل أن يخاف الناس من آلة القمع المخابراتية، وعصابات التشبيح، وضغط وسائل الإعلام الرسمية، زاد إحساس الناس بأهمية الكرامة الإنسانية، وحقوق المواطنة. في نهاية العام 2011 دخل النظام، والثورة نقطة اللاعودة، فقرر النظام أن يوسع من قوته الضاربة؛ فكان الدخول التدريجي لحلفائه اللبنانيين والإيرانيين والروس، كذلك أدرك السوريون الثائرون ضد النظام، أن التراجع الآن يعني انتقامًا أشد بشاعة مما جرى في الثمانينيات.

مع تزايد حجم كرة النار، وتحول الأرض السورية إلى ساحة صراع دولي متوحش، تسارع الانهيار الاقتصادي، وغلاء المعيشة، وعدد الضحايا في جانب قوات النظام سواء العسكرية، أم المخابراتية، أم التشبيحية، فكان لا بدّ من انفتاح مصدر تمويل إضافي للأفراد والقادة، وفي هذه الحالة ليس هناك ما هو مثل الرشوة والفساد يستطيعان التعويض، فتوسعت سلطة الفساد ضمن جميع أجهزة دولة النظام السوري بشكل فاحش.

إلى الآن؛ نتكلم عن النظام السوري كبنية واحدة، لكن هل هو فعلًا ذو بنية واحدة متماسكة؟ النظام السوري في العام 2011، لم يكن متماسكًا ومنسجمًا ضمن بنيته ذاتها، كنتيجة حتمية للعوامل المذكورة سابقًا، التي يمكن تلخيصها، بأن النظام السوري، ومنذ نهاية الألفية الثانية، كان يسير بقوة الدفع الذاتي، وضمن حماية لعبة الصراع الدولي، حيث لم يشكل تهديدًا حقيقيًا لأي قوة كبرى أو إقليمية، فهو كان يسير عكس عجلة التاريخ؛ كذلك لم تكن بنية النظام مستعدة كفاية للدخول الثقيل للحليفين الإيراني والروسي ضمن بنية النظام؛ فقد أثبتت هذا التفكك في بنية النظام، كمية الانشقاقات خلال السنوات الماضية ونوعيّتها، و كذلك عمليات التصفية الجسدية، أو الإقصاء السلمي عن السلطة، للعديد ممن كانوا يُعدّون أعمدة مهمة ضمن بنية النظام؛ فالتصفية والفرز لم يعيدا فحسب تشكيل قمة الهرم السلطوي، بل أعادا تشكيل العديد من مستويات هذا الهرم ،وصولًا إلى قاعدته؛ وبالتالي فإنّ إعادة التشكل هذه، أدت إلى إعادة إنتاج هرم سلطوي غير متماسك، مليء بالتناقضات المادية والمعنوية، لأنها تمّت تحت ضغط الحالة الراهنة، وبسرعة كبيرة نسبيًّا، وبين ثلاث قوى غير مُنسقة بما يكفي: النظام نفسه، والدخول الإيراني، والدخول الروسي.

هذا التفكك الداخلي لبنية النظام يبدو أوضح مع العدد الهائل لأعضاء المليشيا المسلحة، التي دافعت عن النظام بحرب دموية؛ إذ يريد قادة هذه المليشيا وأفرادها، قبض الثمن مضاعفًا؛ كما أن ثقتهم بأن النظام سيحميهم خلال السنوات المقبلة قد انهارت تمامًا؛ والأهم أنها مليشيا بُنيت وترسخت على أساس من الفوضى الأمنية والقانونية. فلو قارنّا حرب النظام في الثمانينيات، بحربه خلال السنوات الخمس الماضية؛ ت فإنّ تلك الحرب تُعدّ نزهة، ومع ذلك فقد احتاج حافظ الأسد ورجالاته عشر سنوات من العمل الحثيث، لاستعادة السيطرة الكاملة، على أجهزة الأمن، والمخابرات، ومافيات آل الأسد وما ارتبط بهم، فكيف ستكون الحال الآن، وبخاصة مع بشار، المعروف بأنه أضعف كثيرًا من أبيه؟

إذًا؛ فالأسباب الذاتية للنظام السوري، التي تمنعه من السيطرة على سورية، وتأمين استقرارها وأمنها بالحد الأدنى- بفرض انتصاره العسكري- تتلخص في النقاط الآتية:

  • تناقض بنية النظام السلطوية وتفكّكها، وبخاصة ضمن المكون العسكري والأمني.
  • توحش الفساد ضمن كل أجهزة النظام، إلى مستوى يمنع حتى من بسط غطاء مؤسساتي على هذا الفساد، مثلما كان الحال قبل العام 2011.
  • استحالة استعادة السلطة المركزية لرأس الهرم السلطوي، كما كانت الحال قبل 2011.
  • أجبرت هذه الحرب الطويلة جيش النظام على سلوكات مليشياوية، ستشكل صعوبة هائلة أمام إعادة تشكيله كجيش نظامي؛ كما أن هذا الجيش سيجد نفسه آخر المستفيدين من قوة النظام، مقارنة بالجهاز الأمني الاستخباري ومليشيات الدفاع عن النظام، ما سيزيد من صعوبة حفظ تماسكه، خاصة أنه يعدّ نفسه، أكثر من قدّم جهدًا وتضحيات.
  • الصعوبة الأكبر ستكون في المليشيات الأجنبية، التي أرسلتها الحكومة الإيرانية، فهذه مليشيات مرتزقة تحركها المصلحة المادية، مهما قيل عن العقائدية خلفها، ولن تغادر سورية في هدوء؛ عدا عن أن النظام -غالبًا- سيحتاج إليها لسنوات مقبلة، بعد فقده هذا العدد الهائل من المقاتلين، فمهما قيل عن هذه المليشيا هي جسم غريب ضمن سورية، سيشعل حتميًّا الكثير من الاضطرابات والفوضى الأمنية.
  • أخيرًا؛ فإن النظام قد خسر الكثير من الطاقات الإدارية والعلمية والتقنية، التي تستطيع إعادة بناء الجهاز الإداري والإنتاجي، وعلى الرغم من كل مساوئ هذا الجهاز قبل 2011.

2- الأسباب الموضوعية

تتمحور الأسباب الموضوعية، التي تمنع النظام السوري من حكم سورية، والسير بها كدولة مستقرة، حول الحقائق الموضوعية السورية والدولية.

أ- الحقائق الموضوعية السورية

  • كما ذُكر في بداية الورقة؛ فإنّ مناقشة موقف الشعب السوري ليست إحدى نقاط التحليل هنا، لكن، وبغض النظر عن موقف السوريين من النظام، فالواقع يقول: إن خمس سنوات ونصف من الخوف، والدم، والتشريد، والتهديم، قد خلقت ورسخت شروخًا عميقة قاسية بين السوريين أنفسهم، وتركت جروحًا عميقة، وآلامًا وإحباطًا عميقًا، إضافة إلى غضب كبير يطلب -مُحِقًّا- العدالة. إن معالجة كل هذه الآثار العميقة، يتطلب قيادة سورية واعية قريبة من الناس، وتتقن، أوّلًا كيف تخاطب العقول والمشاعر، وكيف تعطي القدوة، وكيف ترتب الأولويات، وكيف تحقق العدالة في حدها الأدنى، بعد كل ما جرى، أي أن تحترم القانون وشرعيته؛ لتحقق المصالحة الشعبية السورية اللازمة لإعادة البناء. إنّ هذا الوعي، والرؤية، والشجاعة، واحترام القانون بالتأكيد، لا يملكها النظام السوري؛ فتاريخيًّا، لم يكن النظام السوري دولة قانون ولا دولة مواطنة، وبعد 2011 انفجرت أمراض هذا النظام بشكل كارثي ومرعب، كما نراها حتى في المناطق التي ما زال يسيطر عليها. حتى إن خطابه الشعبي والإعلامي، ما زال يزيد اعتماده على منهجه التاريخي القديم، القائم على تصنيف الشعب إلى فسطاطين: وطني وخائن، وهو منهج ديكتاتوري إقصائي، لا يمكن أن يعيد بناء بلد، تعرّض لعُشْر ما تعرضت له سورية خلال السنوات الماضية، فكيف الحال مع سورية الآن؟ لقد أثبتت تجارب التاريخ في حالات الحروب الأهلية، وبغض النظر عن المُسبب وموقع الحق والباطل، أن إعادة البلد إلى حالة الاستقرار تستوجب وجود قيادة سياسية، وثقافية، وإعلامية تمثل القدوة والموجه في تقليص سلوكات وأحكام التخوين والتجريم بين أفراد الشعب.
  • من ناحية ثانية يستحيل، على أي نظام، مهما بلغت قسوته، إلغاء الشعور الوطني الفطري للشعوب، وهذا أكثر استحالة في سورية، لكن إبقاء الشعور الوطني بحالته الفطرية في العصر الحديث يجعل أي بلد، ضمن الصراع الدولي القاسي، عرضة للانهيار في أي لحظة؛ فإما أن تتحول الوطنية الفطرية إلى وقود حروب قاسية، كما حصل مع النظم النازية والفاشية في أوروبا، أو إلى أول أدوات هدم الدولة، كما حدث مع النظم الشيوعية السوفياتية (والتي يشبهها النظام السوري إلى حد كبير)؛ وفي واقع الحال، النظام السوري لم يكتفِ بعدم تطوير ومأسسة الوعي الوطني السوري، بل إنه سعى لهدمه ليخدم الوطنية التي عرفها على وفق مقاسه بناء على معيار الولاء لقائد النظام، فكيف ستكون الحال بعد كل هذه المآسي الإنسانية في سورية، خصوصًا أن النظام لم يقدم خلال السنوات الماضية، أي نظرة تحديثية ورؤية عصرية للوطنية السورية، فما زال مجلس الشعب التابع للنظام يصرخ “بالروح بالدم نفديك يا بشار” بدلًا من “يا سورية”؛ إذا كان النظام السوري، تاريخيًا وحاليًا، عاجزًا بنيويًا عن تقبل المواطنة الحقيقية، فكيف سيستطيع إعادة بنائها وحمايتها.
  • الصعوبة الأشد في إعادة بناء سورية، هي الجيل السوري الشاب الذي كان عمره بين 10 و20 سنة، والآن أصبح عمره بين 15 و25 سنة، وهو يشكل الأغلبية السكانية، وجزء كبير منه يعيش في بلاد اللجوء، وبفرض تسليمنا بمقولة النظام، إنها تمرد قلة من الخونة والعملاء، فالسؤال هنا: هل أبدى أو ادعى النظام أي سياسة أو رؤية أو استراتيجية يمكنها التعامل مع هذا الجيل الذي أدرك الحياة على صوت الرصاص والقنابل ومأسي اللجوء، وتشرب يوميًا بشتى أنواع الأفكار والتوجهات؟ واقع الحال يقول: أن لا شيء من هذا يقع على سلم أولويات النظام السوري.
  • كمية الدمار المادي الهائل في سورية تحتاج إلى إدارة حكومية، ذات كفاءة عالية، وفي الحد الأدنى من الفساد والفوضى، وإلى موارد مالية ضخمة، وكما ذكرنا سابقًا، فالنظام السوري كان، قبل 2011، قائمًا على الفساد بوصفه سلطة خفيّة أساسية، وتوسعت هذه السلطة أكثر خلال السنوات الماضية؛ كما أن الإدارة الحكومية للنظام خسرت الكثير من الإمكانيات البشرية الإدارية والتقنية. من ناحية ثانية، يعتمد النظام السوري، في وعوده لما بعد استعادة سلطته، على الدعم المالي من حلفائه، وبخاصة إيران وروسيا، لكن هذين البلدين، بالكاد يستطيعان تسيير الحياة اليومية في بلديهما، ضمن أزمات اقتصادية ضخمة، لم تتوقف عندهما منذ عقود، فالنظام السوري عاجز إداريًا عن إعادة البناء، وهو أكثر عجزًا ماديًا مع حلفائه على إعادة البناء، فالبناء دائما أكثر كلفة وصعوبة من الهدم.
  • عطفًا على الفكرة السابقة؛ فإن ما يُسمى طبقة “تجار الحرب”، التي نشأت وتوسعت وترسخت بقوة، خلال السنوات الخمس الماضية، أصبحت من القوة، وتشابك المصالح فيما بينها، وفيما بينها وبين النظام نفسه، حيث أنها ستدافع عن سبب صعودها وغناها، وهو الحرب والفوضى الأمنية؛ فمواجهة هذه الطبقة تحتاج، بالتأكيد، إلى حكم سوري أكثر وعيًا، وتماسكًا، وأقل فسادًا من النظام السوري.

ب- الحقائق الموضوعية الدولية

إن فرضيتنا الأساسية: النظام استعاد السيطرة على سورية عسكريًا، تعني أن هناك افتراضًا بتراجع مرحلي للحلف الدولي الرافض لاستمرار النظام، كحليف تابع للحلف الروسي الإيراني الصيني.

المعسكر الإيراني الروسي الصيني، الحامي للنظام السوري، لا يملك الخبرات ولا الإمكانيات اللازمة لتوجيه النظام السوري نحو تأسيس دولة عصرية مستقرة، بشروطها الدنيا؛ فالصين، وهي الأقوى اقتصاديًا، ما زالت تسير بسياسة ناعمة “من بعيد لبعيد”، أمّا إيران وروسيا؛ فهما ،بنيويًا، دولتان قائمتان على أسطورية الزعيم، مع شكليات ديمقراطية، والأهم؛ أنّ وضعهما الاقتصادي في أسوأ حالاته، ويحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي، كذلك، فالحكومتان فشلتا في محيطهما الأقرب، جغرافيًا، في تأمين حد أدنى من الاستقرار، سواء في العراق، أم في أفغانستان، أم في أوكرانيا، أم في جورجيا ومنطقة القوقاز. هذا الحلف سيتابع دعم النظام السوري، لكن بمستويات أقل ماديًا، وفي كل الأحوال؛ فإنّ دعمهم سيتوجه حكمًا إلى الجهاز العسكري والأمني، أكثر منه إلى إعادة البناء، فهذه النظرة العسكرية الأمنية لم تتجاوزها هاتان الحكومتان، حتى في بلديهما.

وفق افتراضنا الأساسي هنا؛ فإنّ النظام الإيراني، سيسعى ليكون أكثر التصاقًا بالتفاصيل مع النظام السوري، من الحكومة الروسية، لكن النظام الإيراني نفسه، نظام مريض قائم على تحالف، خارج العصر والتاريخ، بين السلطة الدينية المتشددة، والمتعصّبة طائفيًّا، مع السلطة العسكرية والأمنية والمالية والإدارية، أي أنه سيكون مريضًا يقدم الدواء إلى مريض آخر، وبالتالي؛ فإن قوة النظام الإيراني في سورية، التي ستأتي، حتميًّا، وفق افتراضنا الحالي، ستؤدي، حكمًا، إلى تأجيج الشروخ والمشاكل، وليس إلى حلها، وقد شهدنا ما حدث في العراق، بإشراف النظام الإيراني وسيطرته خلال 13 عامًا بعد الغزو الأميركي.

ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الحلف الخليجي العربي التركي الغربي، لن يسلّم بعودة سورية مع النظام السوري إلى الحلف المقابل، بعد كل ما بذله خلال السنوات الماضية، وبالتالي ؛ فلن يتوقَّف عن محاولات التدخل، لزعزعة قوة النظام السوري، المنهك أصلًا بعد هذه الحرب الطويلة، ولن يجد صعوبة كبيرة في إعادة تشكيل بعض المعارضة السياسية، والأهمّ؛ الفصائل المحاربة للنظام السوري؛ فكثيرٌ من المقاتلين قد يتفرقون ويختفون لبعض الوقت، وربما يمنحون أنفسهم فرصة المراقبة، ولكن سياسة النظام الفاسدة والانتقامية، ستسهل على حكومات الخليج العربي وتركيا والغرب العودة، دعم هؤلاء المقاتلين، وتحريكهم بسرعة وفعالية، ضد النظام السوري وحلفائه.

 

خامسًا: هل يمكن للقوى والفصائل الإسلامية حكم سورية؟

لنفترض، بداية، أنّه ولسبب ما انهار النظام السوري فجأة، واستطاعت الفصائل الإسلامية، مثل جيش الإسلام، جيش الفتح، النصرة، أحرار الشام، وما شابهها مع نهاية العام 2016 فرض سيطرتها الكاملة عسكريًّا وأمنيًا على سورية، وطرد أو إنهاء قوى النظام العسكرية وأغلبية الفصائل التابعة له. أي أن معسكر إيران وروسيا قد هُزم موقّتًا، وانتصر معسكر الخليج العربي وتركيا والغرب. السؤال: هل تستطيع هذه الفصائل حكم سورية، وتأمين استقرارها واستقلالها لعدة أشهر على الأقل؟ والجواب هو: لا تستطيع ذلك لأسباب ذاتية تتعلق بتاريخها وبنيتها، ولأسباب موضوعية تتعلق بالحالة السورية والصراع الدولي.

بدايةً، وقبل الإجابة المفصلة، نوضح عدة نقاط:

  1. إنّ وضع هذه الفصائل في سلة واحدة، وعلى الرغم من الاختلافات فيما بينها، والتي نراها شكلية وليست جوهرية، لن تؤثر على نقاشنا فيما يلي من فقرات.
  2. ما يجمع بين هذه الفصائل، ويفْرقها عن بقايا الجيش الحر، أنها كلها ترفع شعارات الدولة الإسلامية، وفق الفكر السني السلفي الجهادي، إضافة إلى شعار إسقاط النظام؛ وهي أيضا كلها تقرر أن حربها، بشكل كلي أو جزئي، هي دفاع عن السنة ضد الشيعة والعلوية.
  3. استبعاد وضع “تنظيم الدولة” داعش، معها أو بالمعسكر المقابل، لن يغير جوهريًا من أسباب عجزها عن حكم سورية، فلو كانت داعش ضمن معسكرهم أو خارجه، فالعجز سيكون أعمق. فما زلنا نرى أن داعش هي حصان طروادة، الذي تستخدمه جميع الحكومات المتصارعة فوق الأرض السورية[3]، فهو نتيجة وليس محور الصراع.
  4. العديد من الأسباب، التي تجزم بعجز هذه الفصائل عن حكم سورية، متشابه مع الأسباب التي تمنع النظام عن حكم سورية، لذلك قد يكون نقاش هذه الأسباب أكثر اختصارًا هنا.

1- الأسباب الذاتية

إن تاريخ تطور الإسلامية السياسية، وأسبابها، وأشكالها، يحتاج إلى بحوث وكتب، لذلك سنتطرق هنا، إلى بعض العموميات المتفق عليها غالبًا، وتجنب الإشكالات الجدية، والتي لن تغير نتيجة النقاش؛ حيث يتفق كثير من الباحثين على أن الظهور الأهم للإسلامية السياسية، في المنطقة العربية، بدأ مع الإخوان المسلمين في ثلاثينيات القرن الماضي، ويربطه بعضهم بانهيار الخلافة الإسلامية العثمانية، وبظهور التيار القومي العربي السياسي. نمت الإسلامية السياسية تحت الأرض، في البلدان العربية التي نحت منحى القومية العربية، المرتبطة بالشعارات الاشتراكية، الأكثر قربًا للسوفيات، وبالتالي؛ فقد حاربت كل المناوئين بمن فيهم الإسلاميين، بينما لم تجد أرضًا خصبة في دول الخليج العربي، التي قطعت الطريق بإعلانها أنها دول حماية الإسلام، وبخاصة، السعودية الدولة الأكبر والأثقل.

شكلت الإسلامية السياسية، حتى تسعينيات القرن الماضي، نقطة ارتكاز أساسية للحلف الغربي، في حربه الباردة ضد الحلف السوفياتي، وكذلك أداة مناورة مع النظم العربية المتحالفة مع السوفيات؛ فقد كان أول تحرك مسلح للإسلامية السياسية في سورية، في نهاية السبعينيات على يد الإخوان المسلمين، لكن تأثير هذا التحرك لم يغادر سورية، إلا بقدر ما قوّى سلطة حافظ الأسد كلاعب إقليمي أساسي. التحركان الأهم للإسلامية السياسية، خلال العقود الأربعة الماضية، كانا:

  • الأول: نشوء حركة طالبان، ومن ثم تنظيم القاعدة في حرب أفغانستان، المرتكزين عقائديًّا على السلفية الجهادية السنية، والمدعومين ماديًّا وعسكريًّا من قبل السعودية والباكستان والناتو.
  • الثاني: سيطرة منهج الخميني على الثورة الإيرانية، وتحويل إيران إلى دولة دينية، مؤسّسة على العقيدة الشيعية الخمينية.

مع نهاية الحرب الباردة، وانسحاب السوفيات من أفغانستان، عاد الأفراد بأفكارهم وخبراتهم إلى بلادهم، فاشتعلت مصر والجزائر خلال التسعينيات، بين جهاديين أصوليين يريدون تأسيس الخلافة الإسلامية، ونظم ديكتاتورية عسكرية أمنية، وبين فقر وانتشار كبير للأمية؛ وخلال نفس  الفترة، التي شهدت انطلاق الولايات المتحدة، قطبًا عالميًّا وحيدًا، كانت إيران تحاول التعافي من حربها الطويلة المريرة مع العراق، بمتابعة الالتفاف على عراق صدام حسين، من خلال الحلف الاستراتيجي مع حافظ الأسد في سورية، ومن خلال دخول حرب لبنان الأهلية، عبر حزب الله، واختراق الفصائل الفلسطينية المقاومة لإسرائيل؛ لكنّ حركتها هذه، كانت تلقى مقاومة عنيدة، من جانب السعودية والخليج العربي، وحليفهم الأهم حسني مبارك في مصر. ومن طرائف الحركة التاريخية في التسعينيات كانت أن مبارك والأسد، كانا يحتفظان بشكل حداثي لاديني، وينُشِئان حلفَين، مع إسلاميين محليين، لكن من مدارس لا تتدخل بالسياسة، ولا تسعى للسلطة؛ فالأول: أي مبارك، كان يتحالف مع السلفية المصرية، الأقرب إلى المنهج الوهابي السعودي، المؤمن بلزوم طاعة الأمير-الحاكم، والثاني: أي الأسد، فقد تحالف مع الإسلامية الأشعرية المعتدلة، حتى طائفيًّا، والمؤمنة بعدم السعي إلى السلطة.

خلال فترة التسعينيات، التي تميزت بسباق محموم بين الدول الكبرى لصوغ النظام العالمي الجديد، انطلقت القاعدة، بمعناها الواسع عقائديًا، للتحرك حول العالم بسلسلة من الهجمات الإرهابية، مستغلة حالة الفوضى والفراغ، التي نشأت مع انهيار السوفيات، إلا أن بداية الألفية الثالثة، التي ترافقت مع تفجيرات نيويورك، وانطلاق الاستراتيجية الأميركية؛ لتأسيس السيطرة الأميركية على السوق العالمي، أدّت إلى لجم نسبي لهذه الحركة القاعدية العنيفة، وبخاصة بعد حربي أفغانستان والعراق. لكن هذه الحركة لم تمت، بل استمرت في التوسع الفكري والعقائدي، ومع احتدام الصدام السعودي الإيراني، حول المنطقة، وحول العراق بثقله وحجمه الكبير، فتضاعفت الأموال والأفكار، التي تخدم طرفي الصدام الأغنى والأقوى إسلاميًا؛ فاشتعلت أول شرارة في العالم الإسلامي، منذ قرون، لحرب مصالح، تحت مسمى “صراع السنة والشيعة” في العراق، فاختلطت الأوراق بشدة حول العراق وداخله؛ وعلى الرغم من أن النظام السوري، كان وما زال الحليف الاستراتيجي الأهم لإيران؛ إلا أنه فتح حدود سورية، وبإشراف مخابراته المباشر، لدخول المقاتلين الجهاديين السنة إلى العراق، بحجة محاربة الأميركيين، وكان جزء من هؤلاء المقاتلين سوريين، وجزء أتى من السعودية والخليج العربي عبر الأردن؛ وفي طبيعة الحال؛ فقد كان قتال الأميركيين مرحلة موقّتة، انتهت بسرعة، لتشتعل الحرب بين مقاتلين جهاديين سنة، مباركين من جانب النظام السوري والسعودي، ومقاتلين جهاديين شيعة، مباركين من جانب النظام الإيراني؛ ولعلنا لا نزال نذكر دعوى الشيخ أحمد كفتارو للجهاد في العراق، واتهامات الأميركيين للنظام السوري بدعم “الإرهاب”، وصيحات رئيس الوزراء العراقي، المالكي، ضد النظام السوري. لقد كان النظام السوري يلعب بالنار، في تلك السنوات التي تلت حرب العراق، وعرّض سلامة سورية للخطر، بصياغته هذه التحالفات المعقدة، ما بين النظام الإيراني وحزب الله المتشددين شيعيًّا، وما بين فصائل جهادية متشددة سنيًّا.

مع بدايات الثورة السورية السلمية في العام 2011، أطلق النظام السوري سراح الكثير من المساجين السياسيين الإسلاميين، وعديد منهم كان قد شارك في حرب العراق، ضمن إستراتيجية لتحويل الثورة السورية إلى حرب مع الإسلامية الجهادية؛ ومع بداية 2012؛ تدفقت الأموال والدعم والسلاح والمقاتلين على الفصائل المعارضة للنظام، التي تعلن شعار الدولة الإسلامية، وحرب السنة والشيعة، فتوسّعت جبهة النصرة القاعدية بسرعة كبيرة، بسبب غنى مواردها المالية، والدعم الإعلامي لها. ومع ازدياد المأساة السورية تعمقًا، وتورط كل دول الجوار في حرب بالوكالة على الأرض السورية، وخلافات الحكومات الرافضة للنظام السوري فيما بينها؛ نشأت الكثير من الفصائل الإسلامية، التي لم تتباين جوهريًا، من حيث الهدف في سورية “إسقاط النظام السوري، وإنشاء الدولة الإسلامية”، لكنها اختلفت بحسب جهة التمويل والتسليح والقادة، وبحسب حضور المقاتلين الأجانب ضمنها؛ ففي الوقت نفسه كانت الفصائل المساقة بعقيدة الشيعة الخمينية، المدعومة إيرانيًا، تزداد توغلًا على جانب مناطق النظام، إلى أن وصلت الحال بسورية، إلى أن تكون ساحة، لمئات الفصائل الإسلامية الجهادية، السنية منها والشيعية، وساحة لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب الجهاديين، على طرفي المعركة الأساسي، مع النظام السوري أو ضدّه.

بناء على ما سبق؛ فالحركة الجهادية الإسلامية نشأت كنتيجة وأداة، ضمن الصراع الدولي الممتد، منذ الحرب الباردة إلى الآن، ولم تنجح أي مجموعة منها في تأسيس ما يمكن تسميته دولة، ضمن المفاهيم الحديثة؛ فهي في الواقع الفعلي كانت “بندقية وفتوى للإيجار”، وليست جماعات سياسية صاحبة مشروع دولة. أما في سورية فقد نشأت هذه الجماعات على عجل نسبيًا، وبدفع الصراع الدولي على سورية، أكثر منه توليدًا ذاتيًّا للمجتمع السوري، وقد أثبتت السنوات الماضية، أن هذه الجماعات لا يمكن أن تنسجم في العمل كمجموعة واحدة، فالصدامات فيما بينها، وخلال بضع سنوات فقط، كثيرة جدًا، ليس آخرها، ما حدث خلال شهر أيار 2016 من صدامات في الغوطة بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن من جهة، وجبهة النصرة من جهة ثانية. إذًا؛ يمكن تلخيص ما سبق في عدة نقاط، تؤكّد عجز هذه الجماعات عن حكم سورية:

  1. هذه الجماعات لا تملك مشروعًا سياسيًا متكاملًا، لإنشاء دولة مدنية تناسب العصر الحديث.
  2. الأوضاع الموضوعية والتمويلية لهذه الجماعات، تضع صعوبة كبيرة أمام توحدها في كتلة واحدة منسجمة، والتجربة الليبية خير دليل.
  3. هذه الجماعات ليست وليدًا طبيعيًا للمجتمع السوري، بل هي ردة فعل، وقرار إقليمي ساهم فيه كلا المعسكرين المتصارعين على سورية.

2- الأسباب الموضوعية

تتمحور أيضًا الأسباب الموضوعية، التي تمنع الجماعات الإسلامية الجهادية من حكم سورية، حول محورين:

أ- الحقائق الموضوعية السورية

إن الموقع الجغرافي لسورية، منذ آلاف السنوات، فرض على سكان هذه الأرض الميل إلى الاعتدال والانفتاح على الآخر، فلم تشهد أرض في العالم عبر التاريخ، ما شهدته سورية، من تنوع بشري عرقي، وديني، وثقافي بحكم موقعها المتوسط بين ثلاث قارات، سواء أتى الوافدون محاربين، أم تجارًا، أم لاجئين؛ فالتنوّع السوري لا يمكن أن يتحمّل، سلطة حاكمة متعصبة، متزمتة برؤيتها ومنهجها وسلوكها؛ فكل الحكام الذين حكموا سورية، فترات طويلة، وبديكتاتورية، كانوا مضطرين إلى التعامل الذكي والمرن، مع مكونات الشعب السوري، وكما أسلفنا في القسم الأول؛ فإن سرّ نجاح حافظ الأسد في البقاء حاكمًا أربعين سنة، مع ابنه، كان إدراكه لسرّ التنوع السوري.

من ناحية ثانية؛ فإنّ هذه الجماعات لم تولد من رحم التطور، أو التغيّر التاريخي الطبيعي لسورية، فلقد وُلدت قسريا كردة فعل حادة، على تطرف العنف الذي مارسه النظام السوري، وهي بالتالي؛ لا تملك، كما يشيعون، حاضنة شعبية، بل إنّها استغلت الهروب الجماعي للسوريين من عنف النظام.

الناحية الأهم؛ وعلى مستوى السوريين المسلمين السنة، فإنّ تدينهم، مثل باقي فئات الشعب السوري، تدين وسطي معتدل كما يثبته التاريخ البعيد والقريب؛ فكون المسلمين السنة هم الأغلبية خلال القرون الماضية من تاريخ سورية، وبسبب موقع سورية؛ فهم أكثر من تطبّع بما تفرضه الأرض السورية، من وسطية وانفتاح.

 

ب- الحقائق الدولية

من المؤكد أن إيران وروسيا، في حال تحقق فرضيتنا هنا، لن تنسحبا من سورية وتعترفا بالهزيمة، بل ستواصلان العمل ضد هذه الجماعات، في محاولة لمنع وقوع سورية في الخندق المعادي لهما، وهاتان الحكومتان تملكان كثيرًا من الأوراق، بما فيها أوراق في عمق هذه الجماعات.

من ناحية ثانية؛ فإنّ حكومات المعسكر المقابل، أي الخليج العربي وتركيا والغرب، تريد إسقاط النظام، وسحب سورية إلى صفّهم، لكن لا حكومة بينهم تريد، حفظًا لمصالحها، وصول الإسلاميين الجهاديين إلى حكم بلد مثل سورية، بموقعها الجيوسياسي وبتأثيرها المعنوي الهائل على الإقليم بكامله. وبالتفاصيل؛ فالسعودية، تاريخيًا، كانت تفضل، وما زالت، حكمًا مشابهًا لحكم مبارك في مصر، وحتى الأسد في سورية، ذا شكل حداثي، فيه بعض العلمانية، ومتحالفًا مع طبقة من رجال الدين المسلمين السنة الأصوليين، الذين يضمنون تأثير السعودية المعنوي في الشارع، أما قطر وتركيا؛ فقد تفضلان شكلًا، مثل الذي تفضله السعودية، لكن بنكهة إخوانية أكثر قوة (وهذا موضوع خلاف أساسي مع السعودية)، ويمكن الجزم بأن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الغربيين، سيدعمون حلفاءهم الإقليميين في توجههم هذا، ولن يقبلوا، حكمًا، انتصارًا للإسلامية القاعدية أو الشبيهة بها، في دولة عالية الأهمية، مثل سورية، تقع على خاصرة أوروبا وتركيا وشمال إسرائيل.

سادسًا: ما الخيار الثالث؟

من الناحية الدولية؛ فمعسكر إيران وروسيا، أصبح متأخرًا كثيرًا عن طرح بديلٍ من النظام السوري، ولذلك فإن حملاته الإعلامية، ومفاوضاته السياسية، تتمحور حول أن البديل الوحيد للنظام السوري هو الإسلاميون؛ وحتى إذا أرادت روسيا التوجه إلى بديل، ضمن مفاوضاتها مع الجانب الأميركي، فهي تدرك أن أوراقها ضعيفة جدًّا، خارج النظام السوري نفسه، وانجرارها إلى حل وسط مع الأميركيين، الذين يملكون أوراقًا أقوى بكثير مع حلفائهم خارج النظام السوري، سيؤدي غالبًا إلى خسارتها في أي بديل توافقي.

أما دول الخليج العربي (خاصة السعودية)، وأيضًا تركيا، فهي تريد دعم بديل ثالث للنظام السوري ضمن توليفة ما، بين المعارضة السياسية والإسلاميين المعتدلين، لكنهم يدركون، أن ذلك مستحيل من دون تبنٍ أميركي كامل بدعمٍ قوي؛ فالواضح منذ 2012 أن الولايات المتحدة الأميركية، لا يهمها التعجيل بالخيار الثالث بلا مرابح واضحة تعوض الجهد اللازم لمواجهة روسيا وإيران[4].

يبقى الخيار الثالث مرتبطًا حتميًا بالشعب السوري، وقواه السياسية والنخبوية، إن استطاعت هذه القوى إتقان كيفية التخاطب مع الشارع السوري، داخل البلد وخارجه، ومع الرأي العام الدولي، وأدركت بوضوح إستراتيجيات الصراع الدولي على سورية. أي أنه الخيار السوري الداخلي المستقل عن الصراع الدولي، الذي يجب أن يقوم على أكتاف نخبة سياسية وثقافية وطنية جديدة، ويخاطب الشارع السوري أولًا.

هذا الخيار، الذي يبدو شكليًا مثاليًّا، هو الخيار الوحيد المتبقي؛ لأن كل الخيارات الأخرى، مرتبطة -حتميًّا- بتوصل الحكومات المتصارعة فوق سورية إلى اتفاق من نوع ما، أو مساومة، تجبر جزءًا من النظام، وجزءًا من المعارضة الديمقراطية والإسلامية، على تشكيل ما يمكن تسميته “تركيبة سياسية متنافرة”، ستكون خاضعة لاهتزازات الصراع المستمر، بين المعسكرين المتصارعين على سورية؛ فنحن نرى مؤخرًا؛ وما إن هدأت الأزمة الروسية التركية، حتى عادت لهجة الصدام السعودي الإيراني إلى التصاعد، وبدعم فرنسي للموقف السعودي (مؤتمر المعارضة الإيرانية الأخير في باريس)؛ كما أن محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، ستؤدي إلى تعقّد علاقات هذه الدول مع بعضها بعضًا، خاصة مع توجه الحكومة التركية لاتهام مدبرين خارجيين “للمؤامرة”، ولن يؤدي ذلك حتى إلى توافق حكومات الدول الرافضة للنظام السوري، فكيف بتوافقها مع الحلف الإيراني الروسي الصيني.

يجب أن يكون هذا الخيار مبنيًّا على أساس الخطاب الوطني السوري، والموجه إلى الشعب السوري، لأنه ورقة القوة الوحيدة المتبقية، ومحاولة تسريع حركة التاريخ -التي تكون عادة بطيئة- بتحقيق نوع من المصالحة الشعبية السورية، تحت شعار “الدولة السورية الموحدة الديمقراطية المدنية، من دون أي مرجعيات دينية أو قومية”، وعلى أساس نبذ قيادات النظام السوري، الذي أودى بسورية إلى هذه الحال، وقيادات الإسلامية السياسية الجهادية المتشدّدة.

[1] تقرير مترجم بعنوان ” تصدير الجهاديين من روسيا” عن مجموعة الأزمات الدولية:
http://www.infosalam.com/home/researches/%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7/

[2]  سمع كاتب الورقة من أحد كبار قادة اتحاد شبيبة الثورة في نهاية الثمانينيات كيف كانت توجيهات سعيد حمادة رئيس الاتحاد أنذاك “أحضروا لي الزعران والأباضيات ونظموهم، وقت اللي بيطلعوا من الشبيبة راح يكونوا جيش رديف لجيشنا العقائدي وللقيادة”.

[3]  مقال للكاتب “داعش أسطورة أم واقع”، موقع بيت السلام السوري

http://www.infosalam.com/home/articles/isis/

[4] راجع ورقة “السياسة الأميركية ليست في حاجة إلى حسم الأزمة السورية”

السياسة الأميركية ليست في حاجة إلى حسم الأزمة السورية