اللقاء الحواري الأول – برلين 13 و14 آب/ أغسطس 2016

 

 

إن أحد أهم إنجازات الثورة السورية، هو زوال عامل الخوف عند أغلبية الشعب السوري؛ حيث أصبح في استطاعة المواطن السوري أن يتكلم في السياسة، ويطلق عنان أفكاره، من دون أن يلتفت حوله متخوفًا ممّا إذا كان أحد من رجالات النظام قد يسمعه. ومن المعروف بأن النقاش وتداول الأفكار، هو الذي يوّلد أفكارا جديدة ويطورها، ولكن حبسها أو قصّها وهي في الرأس، يقتل كل إمكانيات التطور والإبداع. إضافة إلى ذلك، يوجد إنجاز مهمّ آخر للثورة السورية؛ ألا وهو رفع الغطاء عن العصابة الحاكمة في سورية، وإظهارها للعالم وهي غارقة إلى أعلى رأسها في العفن السياسي، والفساد الأخلاقي والمالي.

إن الكبت السياسي والفكري، الذي كان يعاني منه الشعب السوري، ولعقود طويلة، تحول إلى تفاعل ونشاط سياسي قلّ مثيله، وبدأت الشريحة المثقفة تناقش وتحاور وتفكر من أجل مستقبل سورية، إلى ما بعد سقوط النظام، وكيف سيكون نظام الحكم في سورية المستقبل.

إن الأغلبية الساحقة للشعب السوري، على استعداد أن تقبل بكل الحلول التي تضمن لها حريتها وكرامتها ووحدة سورية أرضًا وشعبًا، ولكنها لن ترضى بأي حل، مهما كان مغريًا، إذا ما مس بوحدة الأراضي السورية، أو فيه من النوايا التي تشير إلى تقسيم سورية. بسبب الخوف من تقسيم سورية إلى دويلات صغيرة، أصبحت أغلبية الشعب السوري تتخوّف كثيرًا، ليس فقط من فكرة الفدرالية، بل حتى من هذا المصطلح بذاته، وتتحاشى أن تنطقه أو تتفاعل معه، وخاصة عندما يرون ما يحدث أمام أعينهم في العراق، من عملية تمزيق تحصل تحت اسم الفِدرالية، وكذلك ما يحصل الآن في شمالي سورية، من محاولات انفصالية تحت اسم دويلة “روج آفا” أومن محاولات لتغير أسماء بعض المدن السورية، إضافة إلى ترسيخ هيمنة حزب ال”ب ي د” على الشمال السوري، ما يزيد الأمور تعقيدًا.

إن حالة المكوّن الكردي في سورية تختلف كثيرًا على ما عليه الكرد في العراق، من الناحية الجغرافية والتركيبة السكانية، لأن التواصل السكاني والجغرافي بين المدن الكردية في كردستان العراق قائم، أما في سورية فإن الوضع يختلف، حيث توجد مناطق فيها كثافة سكانية كردية عالية، ولكنها ليست متواصلة جغرافيًّا مع بعضها بعضًا، فعلى سبيل المثال، في منطقة عين العرب “كوباني” وكذلك منطقة عفرين، فحتى لو تم إقتطاع ولاية أو دويلة كردية في شمالي سورية، وذلك بقوة الحديد والنار، وبدعم من القوى العالمية العظمى، فإنّ الأغلبية السكانية الكردية غير متوافرة في هذه المنطقة، إن لم يقم الانفصاليون وأعوانهم في تلك المنطقة بعملية تهجير السكان الأصليين، وجلب آخرين عوضًا عنهم، من أجل تغيير التركيبة السكانية لهذه المنطقة، أي القيام بنوع من أنواع التطهير العرقي هناك. في حالة عدم وجود الأغلبية الكردية في أي منطقة كانت؛ فإن إمكانية سن القوانين اللازمة بشكل ديمقراطي في الولاية العتيدة، من أجل المحافظة على الثقافة والهوية الكرديتين سيكون فيه صعوبة بالغة. وكذلك، فإنّ فرض أمر الواقع بالقوة، لن يجلب إلى المنطقة إلا العنف والدمار والدماء وعدم الاستقرار.

بحسب تصوري، فإن النظام الديمقراطي سيكون كفيلًا بحل أغلبية المشاكل العالقة، وإزالة المخاوف التي يعاني منها السوريون بشكل عام والكُرد بشكل خاص، وخاصة عندما يتم انتخاب مجالس المحافظات والبلديات، وكذلك من يترأسها، من الشعب مباشرة وليس تعيينهم من جانب السلطة المركزية في دمشق. أنا أجد أكثر الحلول المناسبة للحالة السورية هو أن يكون نظام الحكم برلمانيًّا ديمقراطيًّا، مع الاعتماد على اللامركزية الموسعة في إدارة شؤون المحافظات والمدن، وإعطائها صلاحيات واسعة، وفي كل المجالات، إضافة إلى تطبيق مبدأ البرلمان بحُجرتَين، وذلك على غرار ما هو موجود الآن في ألمانيا، أي أن يكون هنالك إلى جانب البرلمان الأساسي (البوندستاغ)  برلمانٌ خاصٌّ للمحافظات (البوندسرات)، والذي يتم فيه تداول كل شؤون المحافظات فيما بينها، وعلاقتها بالحكومة المركزية. بهذا نكون قد تجاوزنا كثيرًا من المخاوف والنقاشات التي تدور حول شكل الحكم في سورية بعد سقوط النظام، وهل سيكون فدراليًّا أم على شكل “كانتونات” أم مركزيًّا كما هو عليه الآن. التمثيل في مجلس المحافظات لا يتم على طريقة الانتخاب، بل على طريقة الانتداب، وذلك من جهة مجالس المحافظات، ويكون عدد الممثلين لكل محافظة، في هذا المجلس، متعلّقًا بعدد سكان المحافظة ذاتها، وأألّا يكون عددهم أقل من ثلاثة أعضاء، والّا يتجاوز الستة أعضاء من كل محافظة.

من أجل دعم الهوية الكردية في المناطق التي توجد فيها كثافة سكانية كردية عالية، يمكن تحويل بعض المدن السورية إلى محافظات، مع القيام بتغييرات طفيفة على الحدود الإدارية الحالية، لبعض المدن والمحافظات، ولكي لا يظل المكوّن الكردي يشكل أقلية في محافظات أغلبيتها غير كردية؛ ففي هذا الصدد نقوم، حاليًّا، بإعداد دراسه معمّقة لإعادة رسم المناطق الإدارية، وتشكيل المحافظات، بما يخدم مصلحة الشعب السوري عمومًا، ويحقق آمال وتطلعات المكونات بشكل خاص.

بعد ذلك، يتم رسم الدوائر الإنتخابية في كل المناطق السورية، ويكون الترشيح ليس بطريقة القوائم الانتخابية، بل بطريقة الترشيح الشخصي، وللناخب صوت واحد فقط، وتكون نسبة الحصول على مقعد في المجالس البلدية أو في مجالس المحافظات، يبدأ بنسبة تسمح بتمثيل أصغر مكوّن في مجلس كل منطقة أومحافظة.

هذه وجهة نظر مطروحة للنقاش، وفي حالة نضوجها يجب أن يتم طرحها على الشعب السوري من أجل التصويت عليها. نحن، كسوريين، علينا أن نعمل أولًا على إرساء الحقوق العامة، مثل العدالة والمساواة وحق المواطنة والديمقراطية في سورية المستقبل، والتي بوساطتها سنستطيع أن نزيل أغلب التخوفات التي تراودنا الآن جميعا. مصيرنا الآن بين أيدينا ومطلوب منا جميعا أن نضحي مرة أخرى ونتسامح، وربما أكثر مما ضحينا به سابقًا، لكي نستطيع أن ننقذ وطننا من محنته هذه، وعلينا ان نعلم بأن مقياس “سوريتنا” بمقدار رؤيتنا وتقييمنا للسوري الآخر، بأنه سوري في الدرجة الأولى، وبعد ذلك، وبمسافة طويلة، تأتي المُحدِّدات الأخرى مثل الدين والمذهب والقومية. وكم ستفرح سورية الوطن، عندما تسمع منا، ونحن نخاطب بعضنا بعضًا، ونقول: أنت سوري؟ إذًا أنت أخي وشريكي في الوطن!

 

*جمال قارصلي، نائب ألماني سابق، من أصل سوري.