اللقاء الحواري الأول – برلين 13 و14 آب/ أغسطس 2016

 

 

ليس في عالم اليوم مجتمع (مدني) نقي ومتجانس إثنيًا أو دينيًا أو مذهبيًا؛ ومجتمعنا السوري ليس استثناء. ويعلمنا تاريخ مختلف الأمم والشعوب المتقدمة أن الوحدة الوطنية، إنما تتجلى في المجالين السياسي والحقوقي، الأول، تعبر عنه الدولة الحديثة (الجمهورية)، بما تمثله من فضاء عام مشترك بين جميع مواطناتها ومواطنيها، وبين جميع الفئات الاجتماعية بالتساوي، إثنية كانت هذه الفئات والجماعات أم دينية أم مذهبية أم طبقية. والثاني يعبر عنه الدستور، الذي تضمنه مؤسسة تشريعية تنتخب انتخابًا صحيحًا بصفة دورية، وقضاء مستقل استقلالًا تامًا عن السلطة التنفيذية. ولا تفيد في بناء الوحدة الوطنية، لا عمليات الصهر والتذويب والتمثل، بالإكراه والقسر، ولا عمليات الإقصاء والاستبعاد والتهميش، على نحو ما جرى في بلادنا منذ نحو نصف قرن، وعانينا منه، نحن الكرد السوريين، أشد المعاناة وأقساها، وعانت منه كذلك جماعات سورية أخرى.

وعلى الرغم من ذلك؛ فلا نزال نعتقد أن الروابط الوطنية التي أنتجتها تجربة تاريخية مشتركة، يناهز عمرها قرنًا من الزمن، وعززها الكفاح من أجل الاستقلال ومناهضة الدكتاتورية والنظام الشمولي التسلطي الذي أقامته الشوفينية القومية العربية، وانتهى إلى حرب مفتوحة على الشعب، وعلى القيم الوطنية والإنسانية، كما عزّزها الكفاح من أجل المساواة والحرية والعدالة، لا نزال نعتقد أن هذه الروابط جعلت من الكرد السوريين جزءًا من النسيج الوطني السوري، وأن القضية الكردية في سورية قضية وطنية سورية من الدرجة الأولى مبدأ ومآلًا، على قاعدة الحقوق المتساوية، أسوة بغيرنا من السوريين.

فالكردية، في نظرنا، كالعروبة في نظر الديمقراطيين العرب، فضاء ثقافي مشترك بين الكرد أينما وجدوا ومفتوح على الثقافات الأخرى وعلى القيم الانسانية العامة. هذا الفضاء الثقافي المشترك لا يحتِّم قيام دولة كردية واحدة (نقية عرقيًا)، مثلما لا يحتم الفضاء الثقافي العربي المشترك بين العرب، أينما وجدوا، قيام دولة عربية واحدة (نقية عرقيًا) أيضًا، ما يعني أن حل القضية الكردية في سورية قد يكون مختلفًا عن حلها في العراق أو تركيا أو إيران.

لذلك، كانت الحركة السياسية الكردية في سورية، تصر على أنها جزء من الحركة الوطنية السورية، وأن الكرد السوريين جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، ولا يخلو الأمر من متطرفين هنا وهناك. وفي جميع الأحوال، إن حق تقرير المصير للكرد السوريين ليس منوطًا بهذا الحزب (القومي) أو ذاك ولا حكرًا عليه، بل بإرادة الكرد السوريين جميعًا، مثلما حق تقرير مصير العرب السوريين ليس منوطًا بهذا الحزب (القومي) أو ذاك ولا حكرًا عليه، بل بإرادة العرب السوريين جميعًا. فليس بوسع أحد أن يعيد التاريخ إلى الوراء، ويبدأ من الصفر. المواطنة والوطنية اختيار سياسي وأخلاقي حر للأفراد والجماعات على السواء، ولكنها اختيار حر للأفراد أولًا وأساسًا.

وإذ نعتقد أن المواطنة جملة من الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية المتساوية، تقابلها واجبات أخلاقية والتزامات قانونية، نعتقد أن هذه الحقوق هي حقوق أفراد وحقوق جماعات، والثانية مؤسسة على الأولى، ومن ثم؛ فإن المساواة بين الأفراد، مواطني الدولة، تقتضي المساواة بين الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية، بغض النظر عن عدد أفراد كل منها، لأن كثرة العدد أو قلته لا تضيف شيئًا إلى ماهية أي من هذه الجماعات، ولا تنقص منها شيئًا، ولا تَنْتُج منها أي نتيجة سياسية، إلا إذا كان هناك من يعتقد أن السياسة استثمار في الكم الإثني، أو الديني، أو المذهبي، لإعادة إنتاج مبدأ الغلبة والقهر و”حق الأقوى”، أو الأكثر عددًأ، وهو ذاته مبدأ العصبية، الذي يحمل جرثومة الاستبداد، ويتناقض على طول الخط مع مبادئ العقد الاجتماعي والتشارك الحر.

حري بنا نحن السوريين، المعنيين بالأمر، من مثقفين وسياسيين وفاعلين اجتماعيين، (ذكورًا وإناثًا) أن نبحث بقدر ما نستطيع من الموضوعية، والشعور بالمسؤولية الوطنية، عن العوامل الموضوعية والذاتية التي أوصلت بلدنا سورية إلى حال من الاستبداد والفساد وتهتك النسيج الوطني، فضلًا عن الإفقار والتهميش والتمييز بين السوريين، على أساس العرق واللغة والدين والمذهب والجنس،  وأن نكشف سر الأيديولوجيات ما فوق الوطنية، والممارسات ما دون الوطنية، من دون أن نلقي بالمسؤولية كلها على جهة واحدة، داخلية أو خارجية، لأننا جميعًا في مركب واحد، إن غرق نغرق معًا وإن نجا ننجُ معًا.

نعتقد، في هذا الصدد، أن العصبيات، الكبرى أو المحورية، كالعصبية “القومية” أو الدينية أو المذهبية، والعصبيات الصغرى أو الفرعية، كالعائلية والعشائرية؛ من أهم هذه العوامل وأكثرها تأثيرًا، وأنها كانت -ولا تزال- عقبة في طريق التحول، من مجتمع تقليدي إلى مجتمع مدني حديث، مثلما هي عقبة في طريق بناء الجمهورية السورية، دولة وطنية حديثة لجميع مواطنيها بالتساوي. ولعل أخطر ما في العصبية كان -ولا يزال- ممارستها في الحقل السياسي، الذي يفترض أنه حقل عام مشترك بين جميع السوريين بالتساوي؛ فالعصبية بيئة مواتية لإنتاج الاستبداد وإعادة إنتاجه، من حيث هي إنكار وتنكّر لإنسانية الفرد وحريته، وتنكر للآخر المختلف، وإنكار لحقوقه وهدر لكرامته الإنسانية.

إن منطق العصبية وممارستها في الحقل السياسي كانا في أساس نشوء أحزاب ومنظمات “قومية”، وأحزاب دينية أو مذهبية، تحولت إلى نوع من عصبيات “حديثة”، أسهمت في تعميق خطوط الفصل بين المنتمين إلى هذه الإثنيات والأديان والمذاهب. فلا فرق في المبدأ والأساس بين الأحزاب القومية والأحزاب الدينية أو المذهبية. فإنه مما يدعو إلى الأسى أن مفهوم العصبية الخلدوني لا يزال مفتاحًأ لفهم أوضاعنا الاجتماعية والسياسية، على الرغم من مظاهر الحداثة السطحية والهشة في هذا القطاع أو ذاك.

في ضوء ما تقدم نتطلع إلى إنتاج تنظيمات اجتماعية وسياسية حديثة لا تقوم على أسس أيديولوجية، عقائدية، عرقية أو دينية أو مذهبية، بل على أساس برامج وطنية، وتنافس سلمي خلاق فيما بينها على تقديم ما هو أفضل للوطن والمواطن، تنظيمات اجتماعية وسياسية يدافع فيها العرب، بصفتهم الأكثر عددًا، عن حقوق الأكراد أو الأثوريين أو الأرمن أو الشركس أو التركمان أو غيرهم، مثلما يدافع هؤلاء أنفسهم عن حقوقهم. فلا نزال نرى أن على الأكثرية الإثنية أو الدينية أو المذهبية مسؤولية تاريخية، سياسية وأخلاقية، في تحقيق الاندماج الوطني واستيلاد الوطنية السورية، مما هو مشترك بين الأفراد المختلفين والجماعات المختلفة.

على هذه الأسس أو المبادئ العامة يتوجه اللقاء الوطني الديمقراطي في سورية، إلى جميع القوى والفعاليات الاجتماعية والسياسية في سورية، بالدعوة إلى حوار مفتوح للتوافق على أسس فكرية وسياسية وأخلاقية، لعقد اجتماعي وسياسي وأخلاقي جديد، قوامه حرية الفرد وحقوق الانسان والمواطنة الحقة، المشروطة بالقانون والمسؤولية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

لقد انتهج الحزب الديمقراطي الكردي، الذي تأسس عام 1957 والذي انبثقت منه معظم التشكيلات السياسية الكردية الراهنة، إن لم نقل كلها، وتشكل في فضائه وعي المثقفين والسياسيين الكرد، وتبنّى النضال السياسي الديمقراطي السلمي لإحقاق الحقوق المدنية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للكرد السوريين، على نحو يضمنه الدستور والقانون، ولم يتجاوز حقيقة انتمائهم الوطني السوري، الذي ترجمته ممارستهم العملية في الدفاع عن استقلال سورية، وسيادتها ووحدة شعبها وأرضها، منذ أن نشأ الكيان السوري، بعد الحرب العالمية الأولى، ولا تزال الحركة الثقافية والسياسية الكردية على هذا النهج حتى اليوم، على الرغم من الاتهامات التي وجهت إليها، والممارسات العنصرية التي جعلت الأكراد يشعرون بالغربة في وطنهم والغربة عنه.

وبدلًا من تفهم القضية الكردية، على أنها مسألة وطنية، والعمل على حلها حلًا ديمقراطيًا، يستند إلى مقتضيات الاندماج الوطني، والشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والمواثيق والمعاهدات الملحقة بها، لجأت الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم، إلى سياسات تمييزية وقهرية ترمي إلى طمس الهوية الكردية، والتنكر لحقوق الكرد جماعة وأفرادًا. ولسنا في معرض التذكير بهذه السياسات، التي بات بعضها معروفًا للخاصة والعامة.

ناضلت الحركة السياسية الكردية، منذ تأسيسها، مع القوى الديمقراطية على الساحة الوطنية، ضد جميع أشكال الاضطهاد والتمييز العنصري، وضد الدكتاتورية، وضد نظام الاستبداد الشمولي، لتحقيق نظام ديمقراطي تعددي تداولي، يضمن الحقوق القومية المشروعة لجميع مكونات الشعب السوري. ولم يتخلف الكرد عن أي نشاط أو حراك وطني سوري، لأنهم يعدون القضية الكردية قضية وطنية بامتياز. وقد تبلور هذا التفاعل في أشكال مختلفة من ائتلافات أو تحالفات مع القوى الوطنية السورية المعارضة. ومن هنا جاء الموقف الموضوعي والواقعي للكرد السوريين، باتخاذ موقف واضح وصريح، لا بالوقوف إلى جانب الحراك الثوري في سورية، بل بِعدّ الكرد جزءًا مهمًا منه.

على هذه المبادئ والحيثيات، التقت إرادة فعاليات سياسية وثقافية واجتماعية كردية مستقلة، من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، على تقديم هذه الرؤية للعمل الوطني بشفافية ووضوح لا يحتملان اللبس، لا بهدف تأسيس حزب سياسي أو بديل لأي مكون، بل بدافع الحرص على مصلحة الكرد السوريين في إطار المصلحة الوطنية السورية.

ومن موقع المسؤولية التاريخية، نرى أن على كل فرد سوري يجد في نفسه الكفاءة ألّا يدخر جهدًا في هذه المرحلة الخطرة والحساسة، من أجل بناء الجمهورية السورية الحديثة.

وبعد مناقشات مستفيضة للحقائق المستنبطة، من الواقع توصل المجتمعون إلى رؤية مشتركة، من أجل بناء شراكة وطنية فاعلة، قائمة على تعددية سياسية وفق الأهداف الآتية:

1-           العمل الجاد، في جميع المجالات، من أجل الانتقال الى نظام ديمقراطي برلماني تعددي.

2-           تحقيق مبدأ فصل السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية والتأكيد على استقلالية القضاء.

3-           ضمان حقوق المواطنة لجميع مكونات المجتمع السوري، بلا استثناء أو تمييز على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الجنس، بما يحقق تكافؤ الفرص بحسب الكفاءات لا بحسب الولاءات.

4-           عدّ القضية الكردية جزءًا أساسيًا من القضية الوطنية الديمقراطية في البلاد، وأي حل للقضية الكردية في سورية يبقى ناقصًا ما لم يضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري.

5-           الإقرار الدستوري بالحقوق القومية الكردية، وفق الأعراف والمواثيق والقواعد الدولية، والاعتراف بالهوية القومية الكردية، كقومية أصيلة، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية الى جانب اللغة العربية في البلاد، والاهتمام بتطويرها وتنميتها من خلال المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز الثقافية ومراكز الأبحاث والدراسات الخاصة والرسمية.

6-           إلغاء جميع المراسيم والقوانين والقرارات الاستثنائية المتخذة، ونتائج السياسات التميزية ضد الكرد، أو غيرهم من الجماعات القومية، وإزالة آثار ما وقع عليها من الغبن من جراء السياسات الاستثنائية، وتعويض من لحقت بهم أضرار.7-                الإقرار الدستوري بحق جميع مكونات الشعب السوري، في ممارسة ثقافتها القومية والدينية، واحترام حقوق الإنسان والمواطن.

8-           العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل لثروات البلاد بين مختلف المناطق.

9-           تحقيق المساواة دستوريًا بين المرأة والرجل، وحماية الطفولة والأمومة ورعايتهما.

10-        الارتقاء بمستوى التعليم بمراحله كافّة، وتحرير المناهج الدراسية، وإبعاده عن الاستغلال السياسي وتطويره على أسس علمية، وفق المعايير العلمية الحديثة وتأهيل العاملين فيه.

11-        الاهتمام بجيل الشباب، وتوفير المناخات والشروط المادية والمعنوية الملائمة، لتجميع طاقاتهم وإبداعاتهم، وتوظيفها في خدمة الوطن، وتنميته البشرية والإنسانية.

12-        الحرص الشديد على صون السلم الأهلي، ونبذ ثقافة العنف، والتطرف، واحترام خصوصية جميع أطياف المجتمع السوري العرقية والدينية والمذهبية.

13-        العمل على توحيد طاقات المعارضة حول إستراتيجية تلقى القبول من الجميع، بانتهاج مبدأ الحوار البناء والمصارحة والمكاشفة.

إننا إذ نطرح هذه الرؤية، بالخطوط العامة، إنما نطرحها لحوار وطني يستهدي بأهداف الثورة السورية السلمية، ويصب في تعزيز محتواها الوطني الديمقراطي، لبناء عقد اجتماعي جديد، يحفظ أمانة الدماء والأرواح البريئة التي أزهقها الطغيان، ويضع حدًا لمعاناة شعبنا السوري من الاستبداد والفساد.

 

اللقاء الوطني الديمقراطي في سورية: هو ائتلاف مكون من فعاليات سياسية وثقافية واجتماعية مهتمة بالشأن العام وتعاقدت على رؤية سياسية مشتركة افرزها الحراك السياسي في المرحلة الراهنة وتؤسس لحالة مجتمعية سياسية ترتكز على مفاهيم الحداثة وقيم المواطنة في التفاعل مع الحراك الوطني ويهدف الى تنشيط الحياة العامة وإعادة المواطنين الى حقل العمل العام والمشاركة الايجابية في انتاج الثقافة والسياسة في المجتمع بوصفهما شرطين اساسيين من شروط البناء الديمقراطي وإرساء الوحدة الوطنية على مبدأ المواطنة وسيادة القانون.