ورقة عمل مقدمة في ورشة عمل مركز حرمون

حول المفاوضات والمرحلة الانتقالية في 27 و28 تموز/ يوليو 2016 بالدوحة

 

لم يكن متوقعًا أن تحقق مفاوضات جنيف2 أيّ اختراق نحو حل سياسي في سورية، انطلاقًا من وثيقة جنيف١ والقرار ٢١١٨، والسيناريو الذي اعتمداه حول سلام يبدأ، كما يقول نص القرار ٢١١٨ “بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية بتراضي الطرفين”، تشرف بعد تشكيلها بمفردها على الانتقال الديمقراطي. وقد افترضت الوثيقة أنّ تراضي -أو رضا- الطرفين سيكتسب طابعًا تنفيذيًّا من خلال تخلّي جهات مقررة في النظام عن بشار الأسد، تنفيذًا لقرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقول إن الصلاحيات التنفيذية التي ستتمتع بها الهيئة الحاكمة الانتقالية هي صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، اللذين لن يبقيا بطبيعة الحال في منصبيهما، بعد فقدهما صلاحياتهما، وحلول الهيئة الحاكمة محلهما، بمشاركة ذلك الطرف من السلطة، الذي سيقبل الانتقال الديمقراطي، بالتلازم مع تخليه عن الاسد. بما أن هذه الجهات لم تظهر داخل السلطة، فإن شرط التراضي لم يتحقق، وجعل غيابه قيام الهيئة الحاكمة الانتقالية، وبدء الحل السياسي مستحيلًا، حتميًّا. هذه العقبة، التي أوجدها نص صريح في وثيقة جنيف واحد، لعبت ولا تزال تلعب دورًا وازنًا في إفشال الحل السياسي، بما أن الطرف الآخر افتقر وما زال يفتقر إلى قدر من الثقة بالحل يقنعه أنه سيحفظ مصالحه، ويصون دور وحياة أتباعه في الدولة والمجتمع، وأن الخيار الأفضل بالنسبة إليه يكمن في تماسكه والتفافه حول الأسد، كما في مواصلة القتال وصولًا إلى تغيير موازين القوى لصالحه، في الداخل السوري وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، بالإفادة من تشابك مصالح النظام مع مصالح دول أجنبية تعلن جهارًا نهارًا أنها لن تسمح بهزيمته، وتتخذ فعليًا كلّ ما هو ضروريّ من خطوات عسكرية واقتصادية وسياسية، لتمكينه من المحافظة على قدر من التفوق الميداني، يتيح له مواجهة أي تصعيد يمارسه الطرف المقاوم والمعارض.

 

اختلف موقفا الطرفين المتصارعين في الداخل من وثيقة جنيف والقرار ٢١١٨، وعطل الإشكال التنفيذي المتجسد في تراضيهما الحل وجعله حلما بعيد المنال، بإثارة شكوك الطرف السلطوي، الذي رأى فيه محاولة لشق صفوفه وزرعها بصراعات لن تعود على أي منها بالأمن والنجاة. قبلت المعارضة تطبيق وثيقة جنيف والقورار ٢١١٨، ورفضهما النظام رفضًا باتًّا. بالمقابل، عم الخلاف موقف القوتين الدوليتين الممسكتين بمفاتيح الصراع والحل، اللتان تنحاز إحداهما (روسيا) بقوة إلى النظام، بينما تدير الأخرى ( أميركا) أزمة سورية وتجري بمعونتها تبدلات إستراتيجية كبيرة في مواقفها من المنطقة ومجمل الوضع الدولي. وبلغ الاختلاف بين الدولتين حدًّا عطلت روسيا معه، بدعم مطلق من إيران، تطبيق وثيقة جنيف والقرار ٢١١٨، بوسائل تدخلية سورية وإقليمية ودولية، منها تكثيف  دعم النظام وتقديم كل ما يلزمه لاستمرار الحرب من سلاح وخبرات وتمويل، ومنها أيضًا انخزاط موسكو المتعاظم في الحرب، لأسباب تتصل بصراعاتها المتشعبة مع أميركا والغرب عمومًا، وتعزيز التنسيق مع إيران، صاحبة الدور الرئيس في الصراع منذ يومه الأول، بحجة الدفاع عن أمنها الوطني، الذي جعلته يبدأ من داخل سورية، أي في الإبقاء على النظام عامة والأسد خاصة، الذي صار إسقاطه يعني نجاح الثورة في اختراق المجال الإيراني نفسه، وتهديد نظام طهران من خلال إنزال هزيمة بها في سورية، ليست، ولن تكون، خارجية أو برّانية بالنسبة إليها، بل هي داخلية بجميع المعاني والأبعاد، ولا بد من الاستمرار في خوضها، وفي منع الوصول إلى حلّ سياسي يحقّق سلميّا مطالب السوريين، التي تعدّ مُساويةً لهزيمتها العسكرية ومصدر مخاطر لا يجوز التهاون في التصدي لها. بهذا الموقف من الحل السياسي، رفضت إيران وثيقة جنيف والقرار ٢١١٨ وبقية القرارات الدولية، لاعتقادها أنها لصالح الثورة السورية، وقالت مرارًا وتكرارًا إنها لن تمتثل لها أو تقبل بتطبيقها.

 

في العودة إلى الجانب الروسي، نجد أنه أصرّ على الحيلولة دون تطبيق ما وافق عليه في وثائق الحل وقرارات مجلس الأمن ، لأن واشنطن كانت تمارس سياسات تقوم على “إدارة أزمات خصومها في سورية وأزمة سورية”. ولم تكن عازمة على حلّها، كي تبقي احتمالاتها السيئة كلّها مفتوحة على أشكال متنوعة من توريط خصومها واستنزافهم فيها، ولأنها رفضت، بالمقابل، القيام بأيّ خطوة تصالحية على الصعيد الثنائي مع الكرملين، تتفهم مطالبه الدولية، التي يضعه رفضها أميركيًّا في مواجهة مشكلات تنهك قدراته، وتحول دون خروجه من حال هو فيها منتج سلاح وصاحب قوة عسكرية مكلفة جدًا، لكنه في الوقت نفسه بائع مواد أولية، يعتمد في مشاريعه وخططه على سوق دولية يسيطر الغرب عليها، تحول بينه ومبارحة وضع يُعاد إنتاجه، لعب دورًا كبيرًا في إسقاط الاتحاد السوفييتي، إن استمر ظلت روسيا دولة من الدرجة الثانية اقتصاديًّا وتقنيًّا وعلى الصعيد الدولي. برفض واشنطن تسوية مشكلات روسيا الدولية، تراجع اهتمام الجانب الروسي بالحلّ السياسي في سورية، وتعاظمت مصلحته في استمرار الحرب السورية، وشجعه على موقفه الدعم المحدود والمتقطع، الذي تقدمه أميركا إلى معارضة مسلحة فقدت إيمانها باعتدال معظم فصائلها، وشكت كثيرًا في أهليتها لتحقيق الانتصار وأخذ السلطة، فامتنعت عن مساعدتها بالقدر الذي يخرجها من عجزها عن كسب معركة مزدوجة تجلّت من جهة في قهر السلطة، ومن جهة أخرى في التغلب على ما يهددها من تنظيمات سلفية وجهادية، كان صعودها السريع وما أحرزته من سيطرة أرضية يُفضيان إلى تأكّل الجيش الحر وتقليص انتشاره الميداني، الفقير بصورة متفاقمة إلى السلاح والمال، في حين كانت قوتها هي تتصاعد بفضل دعم كثيف تتلقاه من جهات خفية، مكّنها من إزاحة أو تهميش قوى الثورة، المؤيّدة من جهات إقليمية عُدّت صديقة للثورة، وأتاح لها قدرًا من الاستقلال النسبي عن جهات عربية، تتحكم بالمفاصل الحيوية لأطراف عديدة في المقاومة المسلحة والحرب.

 

بالاحتجاز الأسدي، الداخلي، للحلّ السياسي، وباختيار الحل العسكري بوصفه الحلّ السياسيّ الوحيد. وبالخلاف الدولي حول مسائل لا علاقة للثورة السورية بها، تم تعطيل أي حلّ، وحيل دون تطبيق القرارات الدولية بوساطة ألاعيب اتصلت بأولويات الصراع وآليات التصدي له، كان من الواضح أن مفاوضات جنيف، التي أقر الائتلاف المشاركة فيها وسط خلافات شقت صفوفه إلى كتلتين شبه متعادلتين، لن تأتي بالحل السياسي، الذي لم تكن له شعبية بين المقاتلين، لاعتقادهم أن الانتصار لا يكون غير عسكري. وزاد الطين بلة ما وقع من إرباك في الإعداد للمفاوضات داخل الائتلاف، فبينما وافقت الهيئة السياسية على اقتراح تقدمت به الكتلة الديمقراطية يقول بتشكيل وفد جامع وطنيًّا، يكون الائتلاف إطاره وخيمته الحاضنة، يتمثل فيه مندوبون من جميع أطياف العمل السياسي والعسكري، الداخلي في الدرجة الأولى، على أن يتم اختيارهم انتخابًا أو انتدابًا الفصائل العسكرية والجهات السياسية، وترسلهم إلى لقاء مع الائتلاف في إسطنبول، يناقش المفاوضات والموقف منها، فإن أقر المشاركة فيها تم الاتفاق على خطة سياسية/إعلامية يطبقها الوفد المفاوض في جنيف، على أن تبلغ نسبة المقاتلين وممثلي الحراك الداخلي ما بين ٥٠ و٧٠ في المئة من أعضائه، فيفاوض وفد الأسد ممثلات وممثلي الداخل من بنات وأبناء دوما وحرستا وداريا والمعضمية وحلب وحمص وحماه ودير الزور وإدلب … الخ. في الوقت نفسه، تم الاتفاق على أن يشكل الوفد من مستويات ثلاثة، هي: المفاوضون المباشرون، والاستشاريون، والمشرفون/الموجّهون، وأن يتقدم بوثائق تغطي مختلف جوانب الأوضاع السورية، قبل، وخلال وبعد، الثورة، تتركز على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام، وتكشف بالأرقام انتهاكه لحقوق وحياة السوريات والسوريين، وشراكاته مع تنظيمات الإرهاب، وصولًا إلى نمط النظام السياسي الذي ستتم إقامته في سورية البديلة،  وكيف سيلبي مطالب ومصالح مختلف مكونات الجماعة الوطنية السورية، مع مقترح تفصيلي يحدد آليات الانتقال الديمقراطي … الخ. وبعد أن كُلّف زميل من الهيئة بالتواصل مع القوى السياسية والعسكرية، وحددت فترة أسبوع لإنجاز ما قررته الهيئة، تعطل المشروع بذريعة وجود مشروع آخر لدى الرئاسة، وكانت النتيجة أن ذهب الائتلاف إلى جنيف بوفد ناقص لا يمثل حتى مختلف أطيافه، بدل أن يذهب بوفد وطني جامع، تتمثل فيه جميع أطياف العمل الثوري والمعارض، ويضم في الدرجة الأولى ممثلي الأرض والعمل الميداني. كما لم تنفذ توصية الهيئة السياسية حول ضرورة أن يكون في الوفد ممثلون أمنيون انشقوا عن مخابرات النظام، وسبق لهم أن ساهموا في تشكيل وقيادة تنظيمات إرهابية، مهمتهم عقد موتمر صحافي يكشفون فيه بالوثائق تورط النظام في أعمال التنظيمات الإرهابية وفي تشكيل عديد منها، لكن هذا لم يحدث بدوره، واقتصر التمثيل على ما نسبته ٦٠ في المئة من أعضاء الائتلاف، بعد أن خرجت منه كتلة ضمت ٤٤ عضوًا كانت ضد جنيف، وغادره أيضًا المجلس الوطني السوري.

 

بعد الوصول إلى جنيف قرر رئيس الائتلاف ألّا يرأس وفده المفاوض، وأن يكل رئاسته إلى عضو في الهيئة السياسية، فخفض النظام من جانبه تمثيله، وأسند رئاسة وفده إلى ممثله في الأمم المتحدة بشار الجعفري، في حين بقي وزير خارجيته وليد المعلم في الفندق. هذا التخفيض، لعب دورًا ما في تخفيض دور وقيمة المفاوضات الجارية بالنسبة، ولقي ترحيبًا روسيًّا وأسديًا، من حيث ساهم في تقديم ذرائع لممثلي النظام حاولوا من خلالها تسويغ موقفهم الذي يرفض التفاوض حول تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، ويجعل الإرهاب موضوع التفاوض الوحيد، وتقديم تفسير للحرب ضده يجعلها حربًا ضد المعارضة ممثلة بوفدها المفاوض، فضلًا عن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد الأخضر الإبراهيمي، الذي ناله من أذى الجعفري الكلامي ما ناله. جاء وفد النظام إلي جنيف لإحباط التفاوض على حل سياسي، ولفتح أبواب الحرب ضد السوريين على مصراعيها، بتوسيعها داخليًا وخارجيًا، استجابة لرغبة روسية خالت أن في وسعها الضغط على واشنطن في سورية، ولخطة إيرانيه تستهدف ترويض المنطقة العربية، وتقويض أمن دول الخليج وتركيا.

 

هذه العوامل مجتمعة، بدا وكأنها تعزّز ذرائع روسيا حول عجز المعارضة عن تولّي السلطة بعد الأسد، وحجة أميركا حول تراجع قوى الاعتدال في الثورة، وما يجب أن يترتب عليه من تقييد في دعم مقاتلي الثورة، الذين شرعت واشنطن تعدّهم مخترَقين أو مصابين بعدوى الأصولية والجهادية، ومن غير الممكن تزويدهم بسلاح متقدم كي لا يسلموه إلى الإرهابيين. شأنه في ذلك شأن روسيا، أخذ البيت الابيض يرى في الجيش الحر والمعارضة الائتلافية كيانات عاجزة عن التخلص من ضعفها وخلافاتها وتشتتها، عاجزة عن التأثير في القوى المقاتلة، المتناحرة والمتشددة بدورها، والتي تخضع أغلبية تشكيلاتها الفاعلة لنفوذ الإسلاميين ورهاناتهم الراعبة، أو لتناقضات وألاعيب اطراف عربية مختلفة، ترفض الحل السياسي، الذي قد يفضي إلى قيام نظام ديمقراطي تنصّ عليه وثيقة جنيف، وقرارات مجلس الأمن الدولي المتعاقبة، وتفتقر في الآن نفسه إلى الحرص على تطبيق هذه القرارات، خشية أن يُفضي الفشل المحتمل في إقامة نظام ديمقراطي إلى قيام بديل إسلامي للأسد، ترفضه بدوره.

 

ماذا كان يمكن أن تنتجه هذه البيئة السياسية-العسكرية وتشابكاتها العربية-الإقليمية والدولية غير فشل جنيف وتصعيد الحرب، وتعايش العرب والعالم مع الفوضى الناجمة عنها، شريطة أن تبقى داخل سورية، وأن تستنزف إيران، ولا تنتقل إلى البلدان الأخرى. في جنيف، عزف النظام على هذه الأوتار جميعها، فعدّ وفد المعارضة غير تمثيلي، والحلّ السياسي خطرًا على أمن البلاد، ومشجعًا للإرهاب، وعاجزًا عن تحقيق البديل الديمقراطي الذي قالت به وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن الدولي، وعن الحؤول دون انتشار الفوضى الشاملة التي ستهدد بلدان المنطقة والعالم بأفدح الأخطار.

 

لعبت عيوب وثغرات وثيقة جنيف دورًا كبيرًا في إحباط الحل. وكذلك فعلت الخلافات والتناقضات الدولية، ونواقص وعيوب المعارضة الذاتية، التي عبرت عن نفسها في نواقص جسيمة شابت تحضير الملف التفاوضي، وفي تدابير كيفية حالت دون الإفادة الكاملة من الأسلوب التفاوضي الناجح نسبيًا، الذي اعتمده الوفد المفاوض باقتراح من الوفد الموجِّه، وقام على فكرة جوهرية وصائبة، هي أن النظام جاء إلى جنيف، لكن قدومه لا يعني إطلاقًا أنه يريد حلًا سياسيًا وسلميًا، لذلك يجب أن لا يضيع الوفد المعارض وقته في التفاوض معه علي حل لا يريده، وعليه إدارة المفاوضات بطريقة تقنع العالم برفضه للسلام واعتماده الحل العسكري كحل سياسي وحيد، فضلًا عن كشف كذبه وزيف ادعاءاته السلمية، والبناء سياسيًا على إفشاله المفاوضات بما سيمارسه من تعنت وتشدد، علّنا نقنع العالم بإحداث تغيّر جديّ في مواقفه من الصراع، يدفعه إلى زيادة عونه للجيش الحر، لتمكينه من تغيير موازين القوى وفرض حل سياسي سلمي ينتجه، ما تبين خلال المفاوضات من مقاومة أسدية للسلام، ومن رغبة لدى المعارضة فيه، إستنادا إلى موقف دولي جديد لا قبل لروسيا وإيران بمواجهته أو موازنته، هو في الوقت نفسه مفتاح وباب الحل.

 

هذا التبدل لم يحدث، بل حدث عكسه، فنال النظام مزيدًا من الدعم العسكري الروسي المباشر، بينما تدفقت على سورية جيوش غازية من روسيا وإيران، وتنظيمات مرتزقة أتت بقتلتها من كل حدب وصوب، وقيدت واشنطن العون الشحيح الذي كانت تقدمه للمقاومة بصورة مباشرة، أو تسمح بتقديمه بصور غير مباشرة، إقليميًا وعربيًا.

 

باختلال مواقف الدولتين الكبريين تجاه طرفي الصراع السوري، وبمنح أميركا الأولوية للحرب ضد الإرهاب على حساب حلّ سياسيّ يطبق قرارات دولية تنصف الشعب السوري، وتلبّي جزءًا كبيرًا من حقوقه، تصاعد الصراع وتعاظمت جرائم الحرب، وعمّ الدمار والقتل كل شبر من سورية، وصار الحديث عن الحل السياسي الذي يطبق وثيقة جنيف والقرار ٢١١٨، افتراضيًا ووهميًا أكثر منه واقعيًا وممكنًا.