الكتاب: أوزْبَر جبرائيل أو تفسير رواية عزازيل

تأليف: نايف سلّوم

الناشر: دار التوحيد -حمص

مكان النشر: بيروت.

تاريخ النشر: 2016

 

 

المحتويات

مدخل

أولًا: في عنوان الكتاب

ثانيًا: تعريف بالكاتب

ثالثًا: مقدمة الكتاب

خلاصة

 

مدخل

صدر مؤخرًا، عن “دار التوحيد” في “حمص”، كتاب بعنوان “أوزْبَر جبرائيل أو تفسير رواية عزازيل”، للكاتب نايف سلّوم، عام 2016، والذي يقع في 432 صفحة من القطع المتوسط.

الكتاب أقسام ثلاثة؛ الأول فيه أبواب ستة، وهو متن الكتاب والمداخل المتعددة الباطنيّة (الصوفيّة)، وفيه الإطار النظريّ الذي يعتمد الكاتب فيه على مفهوم “التشابه” في قراءة الرواية. وهذا الإطار النظريّ مأخوذ عن “تفسير الأحلام” عند “فرويد” وتفريقه بين ظاهر الحلم العشوائي، وباطن الحلم الذي يحمل حقيقة اللاشعور. ولأن الرواية تشبه الحلم يعاملها الكاتب معاملة الحلم ويعدّ حقيقتها كامنة فيما وراءها. وعن نقد تدوين السيرة الذاتيّة بوصفه تحريفًا قد نبه له “أفلاطون” بمحاورة “فايدروس”، وترابط هذه المحاورة مع الرواية بوصفها تدوينًا لسيرة ذاتية لراهب مسيحيّ “نسطوريّ”. وكذلك عن أطروحات “جاك دريدا” عن الإله “طوط”؛ إله الكتابة والطب، السُمّ والدواء[1]، ودوره في تحريف التدوين والوحي وكيف أنَّ زمن الرواية هو زمن خارج الوصل، لذلك ثمة تحريف في الترجمة المُفترضة وفي تدوين السيرة الذاتيّة، وعن تحريف ترجمة “باختين” على يد “تودوروف”، وتشابه تحريف ترجمة الرواية كونها ترجمة لرقوق سريانية مُفترضة. ولا ننسَ “عبد الرحمن بدوي” في كتابه “شخصيات قلقة في الإسلام” وجمعِه لرأي المستشرقين بـ”السهروردي”، وكيف يرى الكاتب التشابه بين “السهروردي” في رسالته “أصوات أجنحة جبريل”، وبطل الرواية في حواره مع عزازيل أو إبليس.

ثم يبرهن الكاتب زيف ظهور “الغرب اليوناني-الروماني وكأنه بلا أصل، أصله الآرامي/العربي، أصله الآسيوي/الكريتيّ”[2]، معتمدًا على آراء “توينبي”، “غارودي”، “فرويد”، “ألتوسير”. وربما حال الشرق كحال البطل الذي “اعتنق دين قاتل الأب”[3]؛ فالغرب بتأسيسه “المعجزة اليونانية” قام بقتل الأب الشرقيّ الذي تلقّحت أفكار الغرب منه. والشرق بدل أنْ يتماهى مع قاتل الأب، قام باعتناق دين قاتل الأب.

وبهذا يحاول الكاتب أن يُرمِّم الرواية[4] ويعيد بناءها من جديد؛ لتقول رؤيته بالقسر أحيانًا[5] وبالمصاقبة والتشابه أحيانًا أخرى. ويربط ظهور الرواية بحاجة العصر في الألفية الثالثة إلى عودة العذراء المخلِّصة البتول ودور هذه الحاجة بنشر الرواية. “لقد تم استدعاء العذراء المقدّسة بفعل إحباط التاريخ، والتمرد السلبي عليه، ما يعني فيما يعنيه أن العبارة التاريخية باتت خاوية من المعنى”[6].

أما القسم الثاني فهو شروح للرواية وفي بعضها شطحات صوفيّة تعتمد المفاتيح سالفة الذكر و”حساب الجُمَّل”، والثالث تحقيقات وتعليقات عليها لا تخلو من مغالطة وإضافة وزلة قلم[7]. ليقدِّم الكاتب مقابلة بين تدوين السيرة الذاتية وتدوين التراتيل، التدوين الأول دوراني خارج الزمن والتدوين الثاني زمن دوريّ وتكراريّ. فالكلام عنده أهم من التدوين، والله أهم من الإنسان! ويغيب عن هذا كلّه، الإنسانُ كخالقٍ لعالمهِ ومصيره. وبوصلة الكاتب دائمًا هي غياب الأثر العربيّ في الثقافة الغربيّة؛ ذلك الأثر الناتج عن نمط الإنتاج الآسيويّ التجاريّ، والذي حمل بذور التمرد والصراع الطبقيّ عن طريق التصّوف ولم يتحقق إلا مع ظهور الدعوة المحمديّة بحسب الكاتب. يقول: “إنني بعملي هذا أفشي سرّ الكنيسة الكاثوليكيّة بعينها. بالتالي، أنا أواجه تاريخًا طويلًا طول الدهر من التضليل العالمي لحقيقة عيسى وأمه مريم البتول العذراء المقدّسة. وأفشي العسف التاريخي الذي وقع على مفكري آسيا الآراميّة/العربيّة وعلى مفكري مصر من قبل “آباء الكنيسة”، وأفشي سر تهميش الثقافة الآراميّة/العربيّة نظرًا “لتحول آباء الكنيسة إلى أساقفة يحددون ما هي التعاليم الصحيحة وما هو هرطقة””[8]. هذا الاقتباس يلخص تفسير الكاتب للرواية. ويقوم بإيجاد العلاقات بين هذا المعنى ومعنى الرواية.

 

أولًا: في عنوان الكتاب

العنوانُ، “أوزْبَر جبرائيل أو تفسير رواية عزازيل”، عنوانان متقاطعان؛ أحدهما على اسم رسالة لــ”السهروردي” وهو تركيبٌ في اللّغة الفارسيّة، ويعني في اللّغة العربية “صوت (حفيف) أجنحة جبريل”، أو “أزيز[9] أجنحة جبريل” بحسب ترجمة الكاتب لهذا التركيب[10]. والآخر تفسيرٌ باطنيّ لرواية “عزازيل”[11]، أو “إبليس، الشيطان”، استنادًا إلى فحوى رسالة “السهروردي” وبالترابط اللامباشر معها.

وهنا لا بدّ من نبذة عن رسالة “السهروردي” وعن رواية “عزازيل” حتى يشترك القارئ متفاعلًا مع هذه المراجعة:

فقد وسمَ “السهرورديّ” -صاحب كتاب “حكمة الإشراق” والمقتول بحلب عام 1191 والمعاصر لـ”ابن رشد”- إحدى رسائله باللّغة الفارسيّة بـ”أوزبر جبرائيل”. وهذه الرسالة من الكتابات التي لم يترجمها “السهروردي” إلى العربيّة، بل قام بذلك المستشرقان “هنري كوربان” و “باول كروس” وتم نشرها تحت اسم “أصوات أجنحة جبريل”[12].

والرسالة عبارة عن رؤيا سماوية حدثت لـ”السهروردي”، وقابل فيها عشرة عقول في هيئة شيوخ حكماء، ولا يجوز له أنْ يتكلم إلا مع واحد منهم وهو الشيخ الذي في آخر الصف، أو العقل العاشر، أو العقل الفعّال، وهو جبرائيل الذي يُعلِّم “السهروردي” ما هو ميسر له من كلام الله. وعن هذا اللقاء يُعلِّق “سلّوم” بقوله عن “السهرورديّ”: “إنه يتلقى الوحي الإلهي مباشرة في الزمن خارج الوصل! يتلقاه ابتهالًا ولعنة”[13]!  ليؤكد الكاتب بقوله هذا إظهار التوحيد في غير أوانه، وتحريف الوحي.

وكانت مناسبة هذه الرسالة هي للردّ على المستهزئين والساخرين من أئمة الصوفيّة وعدّ كلامهم “هذيانًا مُزخرفًا”، حسب قول أحد الساخرين أمام “السهروردي”. وبشكل خاص كانت الرسالة دفاعًا عن “أبي علي الفارمدي” أحد مشايخ الطريقة، الذي كان يرى كما غيره من الصوفيّين المسلمين، أنَّ أكثر الأشياء التي تشاهدها الحواس، بما فيها الأفراد، تنبعث من أصوات أجنحة جبريل[14].

وإذا أُخذت الرسالة على “ظاهر معناها كانت تخيّلات لا حاصل لها قط”، كما تقول الرسالة عن الظاهر؛ فلذلك يجب أخذها على باطن معناها الذي يفيد مغادرة الحسيّة والجسديّة والمباشر إلى النفسيّة والروحية وغير المباشر، إلى ما وراء الظاهر بمعنى آخر، أو إلى الباطن. فـ”في الزمن خارج الوصل يظهر الحق كفرًا وتلبيسًا (أبلسة) وبدل نسخ التراتيل وتكرار إنشادها، ما برح يقص سيرته في إظهار الكفر”[15]. وهذا يشابه ما حدث للراهب “هيبا” في الرواية مع “عزازيل” في ظروف غير مواتية.

وجبريل في الرسالة هو: الروح القدس بحسب العقيدة المسيحية، وهو العقل الفعّال حسب الفلسفة الوسيطة. أما الإنسان فهو الروح المخلوقة عن طريق جبريل من الله. وهذه الروح المخلوقة ما هي إلا الكلمة الصغرى المنبعثة من كلمة اللوغس أو الله، أو الكلمة الكبرى، والمنبعثة من أزيز أجنحة جبريل. وجناحا جبريل -الأيمن المضيء، وجوب الوجود ينضاف مجرد وجوده إلى الحق، والأيسر المظلم، إمكان الوجود ينضاف إلى العدم- هما تمثيل لهذه الثنائية في الطبيعة المخلوقة. بمعنى وجوب إضافة الإنسان إلى الله من جهة أولى، وبمعنى إمكان وجود الإنسان المضاف إلى العدم من جهة ثانية؛ فالنفس في الإنسان خالدة والجسد فانٍ.

وفحوى الرسالة عمومًا هو: لا للتفكير بالله عقليًا، نعم للرحيل إليه صوفيًا! أي الخلاص من الجسد-القميص وتطهير النفس من الآثام والأدران لترجع راضية مرضية إلى باريها.

أما عن الرواية، فهي تَفترض أنها ترجمة عربيّة لوثيقة تاريخية سريانيّة، وُجِدت في دير “أنطاكيّ” شمال غربي “حلب”. وفيها رقوق كتبها الراهب “هيبا” عن سيرته الذاتية، وهو شخصية غير تاريخية بل افتراضية. ويؤكد “يوسف زيدان” هذا في مقدمة الرواية بقوله: “وقد اجتهدتُ في التعرُّف إلى أي معلومات عن المؤلِّف الأصلي، الراهب هيبا المصري، إضافةً إلى ما رواه هو عن نفسه في روايته، فلم أجد له أيَّ خبرٍ في المصادر التاريخية القديمة، ومن ثم، فقد خلت المراجع الحديثة من أيَّ ذكرٍ له، فكأنه لم يوجد أصلًا، أو هو موجودٌ فقط في هذه (السيرة) التي بين أيدينا”[16].

وتناقش هذه الرواية حوادثَ تاريخيةً وقعت في النصف الأول من القرن الخامس ميلادي، وكذلك تتطرق إلى ما يمكن تسميته بـ”علم الكلام” المسيحيّ عن علاقة اللاهوت بالناسوت. وتناقش “عزازيل” أو إبليس كنقيض لـ الله ولـ الإنسان! “عزازيل” الذي قد اخترعه الإنسان من عندياته تاريخيًا بحسب الرواية: “إنّ بقية الأشياء مثل بقية الأشياء، لا يمتاز منها إلا ما نُميِّزه نحنُ من وهْمٍ وظنٍّ واعتقاد”[17]. وأيضًا تناقش تناقضات الإنسان أمام ما يُسمى “الإيمان القويم” (الأرثوذكسيّة) الذي تبنته الإمبراطورية الرومانية-البيزنطية وكنيستهما.

ويجب أن نلاحظ هنا أنَّ إبليس نقيضٌ للإنسان فقط في دين الله الواحد، وليس نقيضًا لله بأي شكلٍ من الاشكال. وعدّه نقيضًا لله في الرواية[18]، وفي تفسير الرواية أيضًا[19]، يتنافى مع روح دين الله الواحد، ويجعلنا نقف ما قبل دين الله الواحد؛ أي أمام “المزدائية” الفارسيّة التي تقول بإله الخير أو النور “أهورا مازدا”، وتقول بنقيضه، إله الشرّ أو الظلام “أهريمان”. فالشرّ إله كما الخير إله وهما متناقضان. وهنا لا تراعي الرواية وبعدها تفسير “سلّوم” لها، تخفيض إبليس، الذي أتى به دين الله الواحد، من إله إلى مخلوق يوسوس في صدور الناس وموضوعه النفس الأمارة بالسوء. وعن هذا يقول “إلياس مرقص”: “ونذكر بلا توقف أن دين الإله الواحد ليس فيه بتاتًا أهورا مازدا وأهريمان، بل فيه إله واحد خلق الوجود، بما فيه النور والظلام والمذكر والمؤنث، وإبليس مخفّض، وهو مأمور، وأصله ملاك متمرّد وساقط، وله دورٌ مع الإنسان بالذات، في القصد الإلهي الأعلى، وهو عند هيغل وغوته وسواهما حامل النفي أو رمز النفي ومُحرِّك التاريخ كدراما وكمأساة وكتقدم وارتقاء”[20].

ويتخذ د. نايف سلّوم، مؤلف الكتاب الذي نراجعه هنا، من عنوان رسالة “السهروردي”، عنوانًا لكتابه، ومدخلًا لقراءة رواية “عزازيل”؛ ليقوم بالربط الباطنيّ بين جبريل عند “السهروردي” وبين “عزازيل” عند “هيبا”؛ فكلاهما قاما بتحريف الوحي وتدوين سيرتهما الذاتيّة لا تكرار التراتيل والتسابيح؛ لأنَّ زمنهما وظروفهما غير مواتية وخارجة عن الوصل. فعن “هيبا” تروي الرواية حياة راهبٍ مسيحيٍّ افتراضيّةٍ اسمه “هيبا”، وهو اسم اتخذه الراهب لنفسه، بعد أنْ عمّد نفسه بنفسه، من نصف اسم “هيباثيا” الفيلسوفة الهلنستيّة التي يُفترض أنَّه حضر سحلها وقتلها على يد جماعة من المسيحيين في الإسكندرية، ولم يُقدِّم يد العون لها، وخذلها كما خذل أباه وحبيبته “أوكتافيا” من قبل، وكما سيخذل “نسطور” وحبيبته الثانية “مرتا”. وهذا موقفٌ “لم يتجاوز فيه فرديته وسلبيته في تحويل معاناته إلى معاناة اجتماعيّة ومن ثم عالميّة، واكتفى بالهروب ودفن مذكّراته، علَّ الأجيال القادمة والزمن يحلون التناقض له”[21]. إنه “التصوف بالانكفاء” كمل يقول “فيستوجيير”[22] الباحث في “هرمس”.

وقد قام هذا الراهب “هيبا” بتدوين سيرته الذاتية القلقة وزمنه المضطرب بدلًا من تدوين ابتهالاته وتسبيحاته التي تُكرِّر السجود الصوفيّ لله، وذلك في النصف الأول من القرن الخامس ميلادي، أيام الأسقف (البطريرك) “نسطور”، وكذلك قام بتدوين أيام عزل “نسطور” وتهمته بالهرطقة والكفر لتخلخل أركان الدين “القويم” آنذاك؛ وذلك لأنَّه ناقض الكنيسة الأرثوذكسيّة (المرقصيّة) في الإسكندريّة، ومن خلفها سلطة الإمبراطوريّة البيزنطيّة-الرومانيّة، على إشكالية ألوهية المسيح ومريم. و”نسطور” هذا هو من تابع أفكار “آريوس” و”يوحنا فم الذهب” و”تيودور” أسقف “لمصيصة”، في طرح مشروع “إيمانٍ سوريٍّ قويم” آخرَ، مضادٍّ لـ”الإيمان القويم الإسكندراني” آنذاك. وهو أسقف (بطريرك) القسطنطينيّة عاصمة الإمبراطوريّة البيزنطيّة، ولِد في قرية “مرعش” الحلبيّة السوريّة آنذاك، وقد عدّه المجمع المسكوني عام 431م، بمدينة “أفسس”، خطرًا سوريًا على الامبراطورية وكنيستها يجب تقويضه.

وتكمن أهمية العنوان في غرابته التي تجمع بين التصوّف الإسلاميّ والمسيحيّ واليهوديّ والوثنيّ والفلسفة، بين الإشراق الزرادشتيّ والعقل الأفلوطينيّ والفيض، بين الإيمان الإشراقيّ والبرهان الأرسطيّ؛ وذلك لقراءة رواية “عزازيل” قراءة جديدة وبمداخل متعددة. إنَّها قراءة تؤكد على دور الثقافة الشرقيّة الآسيويّة العربيّة الآراميّة في الثقافة الغربيّة. وتناقش الطريق الذي سلكته الفلسفة وسلكه التصوف شرقًا؛ أي الطريق المسلوك من مكتبات ومدارس وأديرة وكنائس الإسكندريّة وجنوب مصر، إلى مكتبات ومدارس وأديرة وكنائس فلسطين وسوريّة والعراق وتركيا وإيران، بعد غياب لمثل هذا النقاش الذي طال كثيرًا أمام حضور نقاش الطريق الذي سلكته الفلسفة وسلكه التصوف غربًا مقطوعًا عن ترابطه الشرقيّ، وقاتلًا لأبيه الشرقيّ، وكأنه طريق “غربيّ” محض أو ثقافة يتيمة الأب. ويلخص “الجابري” المشكلة بقوله: “لقد كانت هذه المدارس مشغولة بتحديد العلاقة بين اللاهوت والناسوت في ذات المسيح، والنزاع كان أساسًا بين اليعاقبة الذين أكدوا على وحدته فجعلوا منه إلهًا، وبين النسطوريين الذين أثبتوا له خصائص بشريّة في الوجود والإرادة والفعل مميزين بينها وبين ما فيه من عنصر إلهي”[23].

وهكذا، ما الرابط -الذي رآه الكاتب ليكتب فهمه وتذوقه ومراجعته أو “تفسيره” للرواية الغارقة في سياق الفلسفة الهلنستية- بين “السهروردي الشهيد” و”هيبا” بطل الرواية؟ بين “أوزبر جبرائيل” و”عزازيل”؟ بين ما تقدمه الرواية من تدوين مُفترض لسيرة ذاتيّة، ومحاورة “فايدروس” لـ”أفلاطون” التي تعترض على التدوين وبعض أنواع الكتابة؟ بين “باختين” الفيلسوف الروسيّ و”زيدان” الروائيّ المصريّ؟ لا بدَّ من أنَّ الرابط هو تدوين السيرة الذاتية اضطرارًا، لا تدوين التراتيل والتسابيح في زمنٍ مضطربٍ شروطه غير مواتية للتمرد وطرح المشاريع الجديدة!

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ الكاتب يأخذ الرواية مأخذ الوثيقة التاريخية؛ بفضل أسلوب كاتب الرواية “يوسف زيدان” الذي أوهم قرّاءه بذلك، في حين كان بطل الرواية “هيبا” شخصيّة افتراضيّة! ويستخدم الكاتب مفردة “المُبجّل زيدان” على مدار صفحات الكتاب وكأنَّ “زيدان” قديس يقول الحقيقة بينما هو روائي يقول افتراضاته. وعلى الرغم من أنَّ الكاتب يعرف حالة الافتراض في شخصية “هيبا” بدليل قوله عن “هيبا”: “إنَّه شخصيّة مُتخيلة”[24]. إلا أنه يتعامل معها معاملة الوثيقة التاريخية؛ وهذا يُحدِث فارقًا كبيرًا في تفسير الرواية بالخلط بين الوثيقة التاريخية، ورأي مؤلف الرواية. فالوثيقة المُحقّقة واقعة يُعتمد عليها، بينما الرأي وجهة نظر يجوز الاعتماد عليها أحيانًا ولا يجوز أحيانًا أخرى. قد يمكن لنا القول: الافتراضيّ واقعيّ والواقعيّ افتراضيّ ولكن بالعلاقة مع فاعلية الإنسان المُتخذ هدفًا من جهة، وبالتمييز بين الافتراض الذي لم يقع بعد وما زال احتماليًا، والواقع الذي وقع وانتهى وبات حتميًا من جهة أخرى.

أما القول مع الكاتب بـ”مذهب وحدة الوجود” للظروف غير المواتية كما عند “السهروردي” وقبله “الحلاج” ومثلهم “الراهب هيبا”، من دون فاعلية الإنسان الذي اتخذ هدفًا، فإنه قول قاصر يُهمِّش فاعلية الإنسان المُتخذ هدفًا، يُهمِّش إنتاجه وإبداعه لعالم الطبيعة ولعالمه، وذلك بالرغم من إمكانية الذهاب بالعكس وتأكيد “وحدة الوجود” ولكن مع فاعلية الإنسان و”النفي” كما فعل “سبينوزا”، ومع “نفي النفي” كما فعل “هيغل” و ماركس”. فللوقوف على التصوف كجذرٍ روحيٍّ في السيرورة المعرفيّة، يجب رؤية وجهي التصوف: وجهٌ إيجابيٌّ مع النفي ونفي النفي قوامه وحدة الوجود مع فاعلية الإنسان، ووجهٌ سلبيٌّ قوامه وحدة الوجود وعجز الإنسان واستلابه لله. ومن هنا علينا التمييز بين أفلاطون يؤسس لارتقاء الإنسان، وأفلاطون آخر يعدّ المعرفة تذكرًا والتقدم انحدارًا، بين السهروردي في إشراق النور على الإنسان، وسهروردي آخر عدميّ لا خلق عنده إلا بوساطة جناحي جبريل، بين الحلاج الذي يؤسس الله كأُسٍّ للإنسان وتعاليه، وحلاج آخر يعدّهما شيئًا واحدًا ساقطًا في الوجود، بين هيبا القَلق والمعاناة، وهيبا الانكفاء والخذلان.

 

ثانيًا: تعريف بالكاتب

“نايف سلّوم” مثقفٌ وكاتبٌ سوريٌّ يساريٌّ وطبيب، اعتقله النظام السوريّ في بداية الثورة السوريّة لدواعٍ سياسيّة، وله عديد الكتب والمقالات المنشورة مثل: “ما بعد الحداثة”، الأبعاد الستة”، “في القول السياسيّ”، “علم الديالكتيك والمذهب الجدليّ” ومؤخرًا “نقد النساء”.

يريد القول: إنَّ قطع العلاقة بين الثقافة الشرقيّة، والثقافة الغربيّة هو ما أسّس لاستبداد الامبراطورية الرومانيّة-البيزنطيّة، وحال دون وصول التمرد العربيّ إلى مداه إلا مع الدعوة المحمديّة. ولذلك اتخذ هذا التمرد بسبب الظروف القاهرة التصوف طريقًا للعلم والتقية شكلًا من أشكال السريّة!

كما يريد القول: إن إعلان وحدة الوجود أو التوحيد بين الله، والعالم، أو بين الله والمتصوف في غير أوانه يؤدي للقتل مثلما حدث مع “السهروردي” ومن قبله “الحلاج” ومن ثم “هيبا”. وهذا موقف باطنيّ قديم قال به “الحلاج” نفسه وأكده “السهروردي” وتابعته الفرق الباطنيّة الإسلاميّة، وهو ما نجده في المذهب “الدرزيّ” مثلًا، والذي يقول أصحابه عنه إنه مذهب التوحيد.

وكذلك القول: إنَّ جبرائيل في الظروف غير المواتية يكون هو عزازيل ويظهر عندها جناحه المظلم. وعزازيل هذا هو من كلّم “هيبا” واضطره لتدوين سيرته الذاتية بدلًا من تدوين تراتيل وتسابيح تُمجِّد لله.

وكما فعل “ماركس” ورأى قيمة البضاعة فيما وراءها؛ أي في زمن العمل المبذول اجتماعيًا لإنتاجها، وكذلك فعل “باختين” ورأى قيمة اللفظ فيما وراءه؛ أي باللسانيات، كذلك يفعل “سلّوم” ويرى قيمة التصوف فيما وراءه، في نمط الإنتاج الآسيوي التجاري لا المائي حسب تمييز “إيف لاكوست” بين النمطين. والحقيقة أنَّ القيمة علاقة مساواة بين أشياء مختلفة وكثيرة؛ فنجد قيمة السلعة مثلًا في مساواتها مع سلعة أخرى بالمقايضة أو المبادلة، وكذلك نجد المساواة بين سلعتين أو أكثر في الزمن المبذول اجتماعيًا لإنتاج كلّ منهم. وهذا معناه أن وراء جسد البضاعة ثمة مساواة ووراء ظاهر النص كذلك مساواة باطنية ووراء جسد الإنسان مساواة.

يقول الكاتب: ـ”قياس الحسيّ على الحسيّ؛ هو مقابلة بين جسد بضاعة وجسد بضاعة أخرى مقابلة مدوّخة تُبعِد الباحث عن معرفة حقيقة قيمة البضاعة ومعناها”[25]. وهذا ما وقع فيه بطل الرواية “هيبا” وقبله “السهروردي”؛ أي رؤية الباطن عن طريق عزازيل أو جناح جبريل الأسود في زمن غير مناسب، فكانت أفكارهم في إظهار الحقّ تُظهِر الحقّ وكأنه باطل. وبالحقيقة هو باطل لأنه يفتقد فاعلية الإنسان الذي اتخذَ هدفًا. فلم نغادر بعد من ظاهر الظروف غير المواتية إلى ما وراء هذه الظروف وهو فعل الإنسان لا فعل الله. فالمشكلة تُقيم في غياب إرادة الإنسان ووعيه أكثر مما هي في تخارج الظروف الموضوعية حسب “سلّوم”. ومما لا شك فيه أن المعرفة بوجه ما منها هي معرفة الباطن ومعرفة الما وراء، ولكن هذا لا يختزل المعرفة إطلاقًا، ولا يرفع هذا النوع من المعرفة إلى منزلة الحقيقة المطلقة الخارجة عن الزمان والمكان. وبالتالي لا يجوز وضعها موضع العلم كما يريد الكاتب.

ثالثًا: مقدمة الكتاب

تشير المقدمة إلى أنَّ رواية “عزازيل” تدور في فترة صاخبة من التاريخ السابق لظهور الدعوة المحمديّة، والتي شكلّت “فراشًا ومهادًا حاسمًا لفهم إسهام الإسلام النظرانيّ”[26]. ولنتذكر هنا أن بين أحداث الرواية وظهور الإسلام ما يقارب مئتي عام!

وتوضّح المقدمة كذلك غاية الكاتب وهدفه ووحدة موضوعه: فهو يتكئ على رواية “عزازيل” للتعبير النقديّ عن كتاب “المبدأ الحواريّ” للفيلسوف “تزفيتان تودوروف”، وعن كتاب “الماركسيّة وفلسفة اللّغة” للفيلسوف “ميخائيل باختين”، وذلك في سياق الدفاع عن أطروحة أساسيّة يقول فيها إنَّ: “الفكرة تتعلق بعمل الحلاج الأساسيّ ومن سار على درب آلامه من المتصوفة المسلمين، خاصة السهروردي المقتول. فقد اعتمد هؤلاء طريقة سُميّت بـ”علم القلب” في مقابل “علم العقل” ابتغاء ممارسة العلم[27] في شروط تاريخيّة غير مواتية”[28].

إذن اتخذ “الحلاج” و”السهروردي” بحسب الكاتب وكذلك الفرق الباطنية، من النفس لا العقل طريقًا للعلم! أي؛ من التصوف أو علم القلب (العرفان) “gnosis” أو الباطنية طريقًا بديلًا عن العقل لإقامة العلم بالرغم من غياب الشروط الموضوعية لإقامته كما يقول! والسؤال الذي يقفز للذهن مباشرة هو: هل العلم هو تطهير النفس من أدران الجسد، وتخليصه من شهوانيته وحسيّته، لتتحد النفس بخالقها المتعالي من جديد؟! وهل “الحلول” (اتحاد الله بالعالَم أو بالمتصوِّف) يساوي العلم؟!

الإشراق (illumination)-إشراق الله في نفس المتصوِّف، وهو اختراع “السهروردي” في كتابه “حكمة الإشراق”- هو ما يُميّز العرفان بوصفه معرفةً بالأمور الدينية لا الدنيويّة، وأنه معرفة أسمى من باقي أنواع المعرفة عنده، ويسعى العرفانيون بهذه المعرفة للتوفيق بين جميع الديانات السماوية والأرضيّة أو التوحيديّة والوثنيّة، وكأنها جميعها تقول المغزى نفسه منذ الأزل، واضعين إرادة النفس فوق العقل أو بالأحرى بديلًا عنه! حتى إنَّ الكاتب يساوي بين مفردة العرفان وبين مفردة الإبستمولوجية[29] (epistemology)، بينما هي تعني “نظرية المعرفة العلميّة” أو “نقد العلم”.

لا يُميز الكاتب بين علم وعلم آخر، ولا بين التداخل القائم بفضل الفرق الباطنيّة؛ بين العلم والدين، ولا التداخل بين العلم والأسطورة. وذلك على الرغم من التمييز الذي أقامه “السهروردي” مثلًا والذي أكدّ عليه “الجابري” بقوله: “ويبلغ التمييز بين البرهان (العلم) والعرفان (الإشراق) ذروته داخل الثقافة العربيّة الإسلاميّة لدى المتصوفة الإشراقيين كالسهروردي الذي يفصل فصلًا واضحًا وملحًّا بين “الحكمة البحثية” القائمة على الاستدلال والنظر والبرهان، و”الحكمة الإشراقية” القائمة على “الكشف” و”الإشراق” ويجعل على رأس الأولى أرسطو وعلى رأس الثانية أفلاطون”[30].

عواملُ كثيرة اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وتاريخيّة ومعرفيّة (طبيعة إنتاج العقل نفسه)، ساعدت على تراجع العقل والعقلانية الأرسطيّة، وبات العقل اليوناني يلتهم نفسه! لأنه احتقر التجربة واستنقص المعرفة الحسيّة مُعليا من الديالكتيك الداخليّ الذي أشاد ما أشاد من العقلانية آنذاك. ثم ساهم هذا الديالكتيك نفسه بتقويض العقلانيّة. فَسَادَ الهوس الدينيّ واللاعقلانيّ بعد الاعتماد على القلب وأخذ المعرفة من الله لا من العقل والتجربة والحس والملاحظة، وبعد أن تحررت المعرفة من الأسطورة على يد العقلانية الأرسطيّة انهزمت مجددًا أمام الدين على يد الهرمسيّة الهلنستيّة.

يدافع الكتاب عن أطروحة أنَّ طريقة “علم القلب” (التصوف، الإشراق) هي لممارسة العلم في شروط تاريخية غير مواتية؛ أي أنها ليست انقضاضًا على العقل والفلسفة والبرهان بل دعمًا ومساندة لها! وبكلام آخر: إنَّ “علم القلب” كعلم العقل ولكن طريقتهما مختلفة حسب الشروط التاريخية! فهل يستطيع الكاتب إقامة البرهان والحجّة على أطروحته هذه، أم أنها تبقى رؤية صوفية إشراقية خطرت على باله وكأنه رآها كما يرى النائم على عادة الصوفيين!

ولأن رواية عزازيل تتطرق إلى فترة صاخبة ومأساوية في سبيل البحث عن حقيقة الوجود الإنسانيّ، وهي الفترة التي مهّدت لمساهمة الإسلام الصوفي النظريّ، وجد الكاتب فيها تشابهًا لممارسة العلم في شروط غير مواتية.

وفي نهاية التقديم يُنبه الكاتبُ القارئَ إلى أنَّ الكتاب “فسيح وصعب، حيث لا يخلو من الإهمال واللامبالاة تجاه القارئ المتعجل”![31] أماعن كونه فسيحًا فلأنه يتطرق إلى كثير من المسائل الدينية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والصوفية والفلسفية والماركسية، فالكاتب يتّكئ ويتعكّز على كثيرين كالسهروردي وباختين وتزفيتان ودريدا وعبد الرحمن بدوي لقراءة الرواية؛ إنّه يقف على أكتاف عمالقة متنوعين، أما عن كونه صعبًا فهو فعلًا كالطلاسم يحتاج إلى تفكيك رموزه وتراكيبه وكلماته لتحصيل المعنى، فهو أقرب إلى كتاب قد تُرجم ترجمة سيئة وفي حاجة إلى إعادة تحقيق وترجمة، لغياب وحدة الموضوع عنه! ونلاحظ هذا في مواضع كثيرة ابتداءً من العنوان وشرح معناه. فقد أوهم القارئ بالغوص في المعاجم العربيّة لمعرفة معنى كلمة فارسيّة ككلمة “أوزبر” فبدأ من الباب الأول الذي عنوانه “أزيز أجنحة جبريل”، في القسم الأول، بشرح مفردة “زَبَر”[32] في القواميس العربيّة وكأنها تُرادِف مفردة “أوزبر” الفارسيّة! وحتى اسم هيبا الافتراضيّ والمأخوذ من نصف اسم هيباثيا اليونانيّ يشرحه في المعاجم العربيّة[33]! وكذلك يفعل مع كلمة “الخُرّة”[34] الفارسية ويشرح معناها من القواميس العربية! فيجد ترابطًا بين مفردة الخُرّة الفارسية وبين مفردة خرّ العربية؛ في حين الأولى تعني نور العزة، والثانية تعني السقوط. وناهيك عن التعالي والعجرفة في تنبيهه هذا، فإننا نجد كثيرًا من النسخ واللصق في الكتاب في غير موضعه وبغير سياقه[35]. وهنا نلاحظ أن الكاتب متعجلٌ ويعتمد على التشابه في قراءته للرواية بتشابهها مع نصوص مختلفة أدبية وفلسفية وصوفية، وهو التشابه نفسه الذي رأى فيه “فوكو” في كتابه “الكلمات والأشياء”[36] المفهوم الذي يربط الحفر المعرفي في ثقافة العصر الكلاسيكي، والذي تم تجاوزه إلى مفهوم التمثيل الذي يربط عصر النهضة ثم إلى مفهوم الإنسان الذي يربط العصر الحديث. فهو يورد الاقتباسات الكثيرة والطويلة جدًا لمجرد التشابه فقط، ودون تعلق وشرح، ومن دون أن نعرف أن هذه فكرته أم فكرة الناسخ عنه، ويترك للقارئ حرية الخيال في الربط والاستنتاج.

 

خلاصة

الكتاب يؤسس للقسر والحشر والصوفيّة السلبيّة من دون الإنسان لينتصر للباطن الذاتيّ على الظاهر الموضوعيّ. وفي زماننا المضطرب نحن السوريّين الآن يدعونا للحياد وانتظار الظروف المناسبة ولا يدعونا للتدخل وفرض قيم الإنسان بالحرية والكرامة. فالصوفيّة كالسلفيّة بهذا المعنى.

يمكن لنا تعريف المعرفة بأنها معرفة باطن الشيء أو ما وراءه، ولكن لا يمكن الاتكاء على هذا التعريف فقط؛ لأنها في حالات أخرى تكون معرفة ظاهر الشيء، وأحيانًا معرفة تفاصيل الشيء ومرة عمومية الشيء وأحيانًا تكون المعرفة “تاريخ تصحيح أخطائها” وأحرى تجربة الشيء، وما المعرفة إلا “تاريخ تصحيح أخطائها”.

 

[1] – جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، الطبعة الأولى، (تونس: دار الجنوب للنشر، 1998)، ص38 وما بعدها.

[2] – نايف سلّوم، أوزبر جبرائيل، الطبعة الأولى، (حمص: دار التوحيد للنشر، 2016)، ص56.

[3] – شوكت غرزالدين، “عزازيل: بدء مفترض وانتهاء مفتوح” ج1، مجلة طلعنا عالحرية، العدد 72 (29/6/2016)، ص18.

[4] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص408. يضيف الكاتب ضمير المتكلم “أنا”: “أنا عزازيل”، يجيب عزازيل عل سؤال “هيبا” من أنت؟ ولكن في الأصل لا يستخدم الروائي ضمير المتكلم “أنا” ويكتفي بكلمة “عزازيل”. ويعلق الكاتب “وأعوذ هنا من كلمة أنا لأن عزازيل (عدم أنا، عدم ذات)”. وعزازيل هو النقيض في الوقت نفسه. فكيف يستقيم هذا التعليق هنا؟!

[5] – المصدر نفسه، ص54. لنلاحظ القسر مثلًا في تفسيره لإهداء الرواية: “هذا التمرد السلبيّ يدفع بالإنسان المعاصر إلى إخراج مخطوطاته والالتجاء إلى الطبيعة/الأم الحمية؛ العودة إلى العذراء المقدّسة. نقرأ في هذا الإهداء الخاص جدًا للرواية: “إلى آية. تلك يا ابنتي آيتي التي لم تجعل للعالمين”! وأنا أبحث عن خلاصي وجدت أنه كامن في العودة إلى الطبيعة الأم إلى الأنثى المقدّسة؛ بالعودة إلى ما قبل ولادة عبارات التاريخ”! بينما هو إهداء يتوجه إلى الخاصة والنخبة لا إلى القراء جميعًا.

[6] – المصدر نفسه، ص62.

[7] – المصدر نفسه، ص407. نجد زلة قلم بقوله: “اكتسى المبنى الغامض بحمرةٍ خفيفة، بينما أهبط الدرج بدت لي الكنيسة الكبيرة القريبة بعيدة، فاستكملت النزول وعدت إلى صومعتي وعاودت النوم”. تسويد كلمة فاستكملت من عندنا للإشارة إلى أنها في الأصل “فاستثقلت”. وهنا زلة قلم يقع فيها الكاتب ليوهم قارئه باعتماد الجدل الهابط والجدل الصاعد من هيبا لمجرد أنه هبط الدرج.

[8] – سلّوم، مصدر سابق، ص54. والجملة الأخيرة التي بين قوسين مقتبسة من مخطوطات البحر الميت.

[9] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص153. “الأزّ واستحضار الكتابة عن الذات (كتابة سيرة ذاتيّة)؛ وصرف التسبيح أو وقفه؛ الانكفاء صوب صورة الذات”.

[10] – المصدر نفسه، ص13و ص41.

[11] – يوسف زيدان، عزازيل، طبعة أولى، (القاهرة: دار الشروق، 2008).

[12] – نقلًا عن: عبد الرحمن بدوي، شخصيات قلِقة في الإسلام، طبعة ثانية، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1964)، ص109، وأيضًا ص136.

[13] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص43.

[14] –  من مقدمة رسالة “أصوات أجنحة جبرائيل” لـ”السهرودي” نقلًا عن: عبد الرحمن بدوي، مرجع سابق، ص140.

[15] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص44.

[16] – يوسف زيدان، مصدر سابق، ص10-11.

[17] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص15.

[18] – المصدر نفسه، ص339، وأيضًا ص349.

[19] – راجع مثلًا: المصدر نفسه، ص409.

[20] – إلياس مرقص، “المغايرة الكون التاريخ”، مجلة قضايا وشهادات/الثقافة الوطنيّة 2، العدد 5 (مؤسسة عيبال، ربيع 1992)، ص49-50.

[21] – شوكت غرزالدين، “عزازيل: بدءٌ مُفترض وانتهاءٌ مفتوح” ج2، مجلة طلعنا عالحريّة، العدد 73 (19/7/2016)، ص18.

[22] – محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، الطبعة الثالثة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص178.

[23] – محمد عابد الجابري، مرجع سابق، ص163.

[24] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص62.

[25] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص11.

[26] – المصدر نفسه، ص4.

[27] – قمت بتسويد كلمة علم وهي في الأصل ليست كذلك، للتشديد عليها بوصفها كلمةً محوريّة تدور حولها أطروحة الكاتب الأساسيّة دون نقاشها؛ أي كشيء مفروغ منه!

[28] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص3.

[29] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص60.

[30] – محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، لطبعة الثالثة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص252.

[31] – نايف سلّوم، مصدر سابق، ص4.

[32] – المصدر نفسه، ص5.

[33] – المصدر نفسه، ص233.

[34] – راجع: هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلاميّة، ترجمة نصير مروة وحسن القيسي، مراجعة موسى الصدر، الطبعة الثانية، (بيروت: عويدات للنشر، 1998)، ص309.

[35] – راجع مثلًا نسخ كلام عبد الرحمن بدوي عن البرزخ ص26، أو عن السهروردي ورسالته ص41.

[36] – ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة فريق من المترجمين بإشراف مطاع صفدي، الطبعة الأولى، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1989-1990)، ص39 وما بعدها.