تكثر التصريحات التي تتناول صعوبة بل و استحالة عودة سورية دولة موحدة؛ كما تكثر الدراسات التي تصدر عن مراكز بحثية، وخاصة أمريكية، تضع تصوراتٍ لحلٍ يدعو إلى وقف إطلاق النار  فقط، وعدم الإصرار على الوصول إلى اتفاق سياسي شامل في وقت قريب في سورية لأنه لن يتحقق، وأن  قيام دولة موحدة بنظام ديمقراطي غير طائفي هو هدف غير واقعي على المدى القصير، والأمر الممكن هو الفصل بين العملية السياسية ووقف إطلاق النار ، والعمل على تحقيق وقف العمليات القتالية، وتقسيم البلاد على طول خطوط النار، ضمن مناطق سيطرة القوى التي تكون ممسكة بالأرض لحظة نفاذه، من دون أن يكون ذلك جزءًا من أي حل سياسي أو يترافق معه، وأن يتعامل المجتمع الدولي معها كأمر واقع. وبعد ذلك يتم البحث في الحلول الممكنة خلال أمد زمني مفتوح يستغرق سنوات عديدة.

الرئيس الأميركي  الأسبق جيمي كارتر ينشر مقالة بعنوان “خطوة أولى لسورية:  أوقفوا الاقتتال”  يطلب فيها “التركيز على وقف سفك الدماء أولًا، مع تأجيل الحديث عن أي من المسائل ذات الصلة بالحكم إلى مرحلة لاحقة، منها، مثلًا، متى يتنحى الرئيس بشار الأسد، وأي آلية بمكن اعتمادها لاستبداله، وأن تجمّد بشكل موقّت السيطرة على الأراضي القائمة حاليًا، من  دون أن تتخلّى الحكومة أو المعارضة أو الأكراد عن إمكانياتكم العسكرية، والاتفاق على إجراءات من أجل تثبيت الأوضاع في الأراضي الخاضعة لسيطرة هذه الأطراف المتنازعة، مع ضمانات بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية”. وينشط مركز كارتر بعقد ندوات وورش عمل وإصدار أوراق تروج للفكرة نفسها: “أوقفوا الاقتتال”.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، جون برينان، قال في كلمة ألقاها في “منتدى أسبن” الأمني السنوي في ولاية كولورادو في أواخر تموز/ يوليو الماضي، إلى أنه لا يعرف “ما إذا كان يمكن أو لا يمكن عودة سورية موحدة مرة أخرى”. أما وزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق، موشيه يعلون، فقد قال في مقال له تحت عنوان “اتفاق عديم الاحتمال” (في إشارة إلى الاتفاق الأميركي-الروسي)، نشرته صحيفة “يديعوت أحرنوت” في الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري “إن إطلاق النار في سورية لن يتوقف، لأن المصالح المتناقضة بين المحافل الخارجية المشاركة في الحرب في سورية لا تسمح بتحقيق حسم أو تسوية سياسية تقرّر واقعًا جديدًا في الدولة المتفكّكة، وتوقف سيل الدماء”، ورأى أن ادّعاء الجهات الخارجية توحيد سورية من جديد “ليس واقعيًا”.

معهد بروكنغز الأميركي أصدر تصورًا لمعالجة الوضع في سورية يدعو للعمل وفق تصور واقعي، يأخذ في الحسبان الوقائع الميدانية، وخريطة القوى المسيطرة على الأرض. ويقترح سياسيًا تطبيق النموذج الفدرالي الذي اعتمد في البوسنة”. والعمل على إقامة شيء من التوازن على ما تسميه الورقة “سورية المفككة”، من خلال إقامة كيانات فدرالية متعددة لها قواتها العسكرية الخاصة.

معهد راند الأميركي اقترح خطة تقوم على العمل على وقف إطلاق النار ضمن الستاتيكو الحالي، وتقسيم سورية الى أربعة مناطق يسميها “مناطق آمنة لاستقرار للسلام: 1) مناطق سيطرة النظام، 2) مناطق سيطرة الأكراد، 3) مناطق سيطرة المعارضة السنية، 4) مناطق سيطرة داعش والتي ستوضع تحت إدارة دولية بعد إجلاء داعش عنها، ثم نقل سلطة المركز الى القوى المسيطرة على هذه المناطق، والتسليم بفترة انتقالية طويلة. وترى الخطة احتمال أن تستغرق استعادة سورية موحّدة زمنًا، إن كان ذلك ممكنًا على وجه الإطلاق؛

من الواضح أن المقترحات السابقة كافةً، تغفل أي دور للسوريين، وتلحظ دورًا ضعيفًا، بل ثانويًا، للقوى الإقليمية ولأوروبا، إذ إنّ الولايات المتحدة أصرّت حتى الآن على تهميش الجميع، واستأثرت بكل ما يخص القضية السورية أمام خصومها الروس.

لا شك أن فكرة وقف الاقتتال مرحب بها أولًا من السوريين الذين لحق بهم الأذى الأكبر من استمرار الاقتتال، وهي خطوة تغري المجتمع الدولي العاجز عن التوصل الى حل للصراع الدائر حول سورية؛ حيث يستطيع القول “لقد حققنا خطوة هامة في سورية؛ فقد أوقفنا القتال وأوصلنا مساعدات إنسانية إلى المناطق المحاصرة”.

الأوروبيون، كلاعبين ثانويين، وعلى الرغم من التباين في مواقفهم، فإن آثار الصراع تتساقط في ديارهم القريبة، ولهم المصلحة الأكبر في وضع حد للاقتتال والتهجير، وباتوا يرون أن وقف الاقتتال أمر جيد في حد ذاته، عندما لا يكون في الإمكان تحقيق حل شامل للصراع.

الإدارة الأميركية الديمقراطية سعت لتحقيق هذه الخطوة كي تقدم للديمقراطيين بعض النفع في حملة الانتخابات الأميركية الجارية الآن، هذا إن لم يكن استمرار الصراع هو الغاية الأساسية للإدارة الأميركية، وقد سعى الروس لاستغلال حاجة الأميركيين وتمسكوا بطلباتهم، ما اضطر الأميركيين الى موافقة الروس، وإبرام اتفاق في العاشر من أيلول/سبتمبر وفق المفهوم الروسي.

 

ما تخطط له روسيا:

روسيا التي تذهب جميع حساباتها في اتجاه إعادة تأهيل النظام، وبقاء بشار الأسد في السلطة، وفي الوقت نفسه، تعلم أنه من المستحيل أن يتمكن نظام الأسد من استعادة السيطرة على سورية كاملةً، تجد أن الأمر الممكن تحقيقه هو السيطرة على أكبر قسم ممكن من “سورية المفيدة”، قبل أن يستقر وقف إطلاق النار، مستفيدة من صمت الجميع عما تقوم به من غارات واسعة وقصف وتدمير، وقد عملت على المماطلة وعدم تنفيذ الاتفاق الأخير مع الأميركان، بل صعّدت، بالاشتراك مع طيران النظام، قصفها لمناطق المعارضة، وخاصة على حلب، بما في ذلك قصف قافلة المساعدات الإنسانية لحلب المحاصرة وقصف المشافي، والغاية هي جعل الحياة مستحيلة في مناطق سيطرة المعارضة في مدينة حلب المحاصرة، لإرغام جميع فصائل المعارضة وسكان مناطقها على مغادرة مدينة حلب، واستعادة السيطرة على حلب كاملةً.

وفق رغبة الروس والنظام، يتوقع أن يتم تركيز القصف بعد حلب على منطقة دمشق وريفها، بدءًا بالمعضمية بعد داريا، ثم قدسيا والهامة، وسيتوجه النظام وحلفاؤه نحو وادي بردى لوصل دمشق بمنطقة سيطرة حزب الله في البقاع اللبناني. وقد تكون الغوطة الشرقية هي الخطوة التي تليها، ثم قد تكون محافظة درعا والقنيطرة هي الهدف التالي، ويأملون أن تصبح منطقة سيطرة النظام وحلفائه ممتدة من درعا والسويداء ومدينة دمشق وغوطتيها والمناطق القريبة منها ومنطقة غرب دمشق ووادي بردى حتى الحدود اللبنانية وتشمل القلمون ومدينة حمص، والجزء الشرقي من بادية حمص، تصل حتى مدينة تدمر للسيطرة على حقول الغاز الواقعة في هذه المنطقة، إضافة إلى أهمية مدينة تدمر الأثرية، كما تشمل مدينتي حمص وحماه وريفهما الغربي إضافة إلى الساحل السوري بكامله. هذا ما يحلم به الروس والنظام وإيران ويخططون له، بغض النظر عن مدى واقعيته.

يبدو أن النظام وحلفاءه سلّموا بالتخلي عن شمال حماه وإدلب ومناطق سيطرة داعش في الرقة ودير الزور والبادية السورية الممتدة الى الشرق من تدمر، ومناطق سيطرة قوات حزب البي واي دي الكردي شرق الفرات ومنطقة عفرين شمال غربي سورية.

تدفع  روسيا مع النظام الآن لعقد جولة جديدة من مفاوضات جنيف3، وستصر على إشراك مجموعات أوسع ممن تسميهم معارضة ممن يوالونها ويوالون النظام، وبمشاركة ما يسمى منصة موسكو وحميميم وأستانا، ومجموعات نسائية ومدنية متنوعة إضافة إلى البي واي دي، ويتوقع أن يتبعوا أسلوب الدورة الماضية نفسه، لعدم تحقيق أي تقدم في المفاوضات من أجل دفع الهيئة العليا للمفاوضات للانسحاب، بينما يستمرون هم كما جرى في المرة السابقة، بتواطؤ من دي ميستورا، ثم يخرج النظام مع تلك المجموعات “المعارضة” “باتفاق للحل في سورية” يشكلون بموجبه “حكومة وحدة وطنية” مع برنامج انتقالي يتضمن تعديلات دستورية وانتخابات برلمانية ورئاسية مسبقة الصنع، وفق ما عهدته سورية على مدى خمسة عقود منصرمة. وستبارك هذا الاتفاق موسكو والصين وبعض دول العالم مثل إيران والعراق ولبنان وغيرها، لمنحه شرعية دولية مستفيدين من أن نظام الأسد مازال معترفًا به من الأمم المتحدة وفي المنظمات الدولية، ومعظم سفارات سورية في العالم مازالت في يد النظام، وقد تعرض موسكو الاتفاق على مجلس الأمن لاعتماده وإحراج الأميركان وغيرهم ودفعهم لرفضه علنًا في معركة دبلوماسية. ويعمل الروس والنظام منذ الآن على مصالحات مع فصائل المناطق المحاصرة حول دمشق وفي حوران، وسيتخذ بعض الإجراءات مثل إصدار عفو عام وغيرها من إجراءات.

 

المعارضة بدون رؤية:

المعارضة من جهتها مفككة، وداعموها المباشرون متفرقون، ويفتقدون أي إستراتيجية، ويكتفون برد الفعل، والإدارة اليومية للصراع في سورية وعليها، وبنوا إستراتيجيتهم قصيرة الأجل على الإدارة الأميركية الجديدة التي يأملون أن يكون لها موقف أكثر حزمًا من نهج إدارة أوباما تجاه الصراع في سورية، سواء بقيت ديمقراطية ام انتقلت إلى الجمهوريين، بينما تخشى المعارضة وداعموها من طرف آخر أن ثمة احتمالًا كبيرًا أن تتابع الإدارة الأميركية الجديدة بنهج سياسية إدارة أوباما نفسها، لأن الجزء الرئيس من العاملين فيها باقون، على الرغم من تغيير الفريق القريب من الرئيس، بمعنى أن تغيير الرئيس الأميركي لا يعني بالضرورة تغيير سياسة أميركا في موضوع الصراع الجاري في سورية، أو إذا صدقت تحليلات بعض المراقبين بأن الفوضى الخلاقة هي غاية في حد ذاتها للسياسة الأميركية التي تحتاجها، سواء لغايات ضبط الداخل عبر خلق تهديدات خارجية، أو لتوريط روسيا أكثر في الوحل السوري، أو لكليهما معًا. فإن كانت أهداف أميركا هي كذلك فاحتمال تغيير سياستها حيال الصراع في سورية سيكون أضعف، رغم تباين وجهات النظر بين مراكز القوى في الإدارة الأميركية الحالية، عكس الإدارة الروسية التي تتسم بمركزية شديدة حول بوتين على النمط السوفيتي السابق.

 

نتائج مثل هذا الحل:

دعونا نتصور النتائج الفعلية لتفكيك سورية على هذا النحو، فهذا الحل هو أولًا نتيجة عجز السياسة الدولية عن وضع حد لهذا الصراع المميت، فسورية ستُمسي مفككة ومتشظية إلى عدة مناطق نفوذ رئيسة داخل كل منها مناطق سيطرة ونفوذ فرعية.

مناطق سيطرة النظام وحلفائه، والذي سيبقى مسيطرًا على جزء واسع من غرب سورية، ستكون تحت سيطرة ميليشيات حزب الله والمليشيات العراقية و الأفغانية والإيرانية والروسية، مع وجود مركز قيادي يضمن نوعًا من التنسيق، ولكن توقف القتال سيؤجج التنافس الذي سيتحول الى صراع مضبوط بين هذه الميليشيات وبين طهران وموسكو، من أجل الإمساك أكثر بتلابيب النظام السوري، وستسعى كل من روسيا وايران لزيادة نفوذها وتوسيع مناطق سيطرتها، وسيمنح توقف القتال أفضلية للإيرانيين الذين يتحكمون بجميع الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية وحتى ميليشيات النظام وقواته، إذًا ستصبح الأفضلية للقوة التي تقبض على الأرض وليس للقوة التي تطير في السماء، بينما سيتراجع نفوذ الروس مع تراجع حاجة النظام إلى قصف الطيران الروسي. من جانب آخر فإن أغلبية قاطني هذه المناطق هم في داخلهم معارضين لنظام الأسد ولسيطرة إيران وروسيا، فلا يمكن لأي جزء من شعب سورية أن يقبل برضاه ومن غير إرغام، بقاء سلطة الأسد بعد كل هذا القتل والدمار والتهجير، وكل من لديه عقل يدرك ذلك. وفي أي عملية سياسية ديمقراطية وانتخابات حرة يطبقونها، لن تعيد الأسد للسلطة ولن تنتج سلطة تابعة لإيران، إلا إذا طبقوا نموذجًا من الحكم شبيهًا بنظام ولاية الفقيه، مع بقاء الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية والقوات النظامية الإيرانية والروسية في سورية لأمد طويل. ولكن هذا النمط من النظام سيثير عداءً أكبر ضد هذه السلطة، ويخلق بيئة حاضنة لعمل المجموعات المعادية لهذه السيطرة، ومهما فعلت إيران لإحداث تغيير ديموغرافي فلن تستطيع أن تغير من واقع الحال كثيرًا. أي أن هذه المناطق لن تبقى آمنة.

ستكون مناطق سيطرة قوات البي واي دي (جميل باييق وصالح مسلم) مسيطرة على جزء واسع من شمال سورية، وهي الأكثر مركزية كونها قوة واحدة فرضت سيطرة أحادية مطلقة، وسيكون لهؤلاء مصلحة كبيرة في تفتيت سورية، لأنه الوضع الوحيد الذي يمكنهم من إقامة كيان مصطنع في شمال سورية. وسينسق هذا الكيان مع النظام وحلفائه. وسيكون بمنزلة قاعدة لحزب البي كي كي التركي الذي دخل في صراع مسلح جديد مع الدولة التركية، وسيمنحه هذا قوة كبيرة. ولن يروق هذا الوضع لتركيا وستقوم بقصف هذه المناطق التي سينطلق منها مقاتلو البي كي كي وسيؤدي إلى تصعيد الصراع بينهما، وسيغري هذا الوضع تركيا لتوسيع سيطرتها على مناطق أوسع في شمال سورية.

ستتشظى مناطق سيطرة المعارضة الى عشرات البقع تشمل شمال محافظة حماه وادلب وريف حلب، بعد طرد داعش منه بدعم تركي، إضافة لمناطق في درعا والقنيطرة وغوطة دمشق ووادي بردى التي يعجز النظام وحلفاؤه من السيطرة عليها. ولكن ستكون مناطق المعارضة مجزأة، حيث يسيطر على كل منها فصيل مستقل، ومع توقف القتال مع قوات النظام وحلفائه ستنشب صراعات بين هذه الفصائل إذ ستسعى الفصائل القوية بينها لفرض سيطرتها ونفوذها على مناطق الفصائل الصغيرة. ومع توقع استمرار الروس والنظام بقصف مناطق المعارضة، تحت ذريعة مكافحة الارهاب، ستندفع فصائل كثيرة غاضبة للانضمام الى جبهة فتح الشام، “النصرة سابقًا” التي لن تعدم من يستمر في دعمها وتمويلها. كما سيدفع بمجموعات كثيرة من فصائل المعارضة للنزول والعمل تحت الأرض والقيام بتفجيرات عديدة في مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة البي واي دي، بما يهدد تحول هذه المنطقة الى ما يشبه عراقًا آخر.

أما مناطق داعش في الرقة ودير الزور والبادية، فيفترض هذا التصور أنه بعد دحرها ستكون مناطقها تحت سيطرة من يسارع إلى فرض سيطرته البديلة عليها، سواء كان التحالف الداعم للنظام أم فصائل المعارضة المسلحة أو فصائل البي واي دي المسلحة.

في اختصار شديد، فإن هذا الحل لن يحمل الاستقرار إلى سورية، ولن يوقف تدفق اللاجئين، وأصحاب هذا الحل، لا يفتقدون أيّ قيمة أخلاقية وحسب، ولكنهم يفتقدون أيضًا القدرة على التقدير الموضوعي والرؤية السليمة، هذا إذا نفينا أنهم يقصدون إحداث المزيد من الفوضى.

هذا الحل هو وصفة لفوضى طويلة الأمد، وقاعدة لنشاط المجموعات المتطرفة ونموّها، ولن يكون القضاء على داعش نهاية المطاف مع الإرهاب، إذ ستظهر تنظيمات بمسميات أخرى، فالقضاء على الزرقاوي في العراق لم يكن نهاية المطاف، مادام الصراع في العراق لم يحل حلًا عادلًا.

 

هل سيتحقق تفكيك سورية كما يخططون؟

عوامل عديدة تفتح الباب واسعًا أمام إمكانية حصول هذا السيناريو الرهيب، ولكن ثمة أبواب أخرى قد تجعل احتماله ضعيفًا، وترجح إمكانية الوصول الى حل سياسي يشكل سلطة مركزية تقوم على الشراكة بين النظام والمعارضة والمجتمع، ويضمن وحدة سورية وقيام نظام وطني ديمقراطي يشمل الجميع.

استمرار السياسة الأميركية في نهجها الحالي يرجح سيناريو التفكيك، ولكنه سيعد بمنزلة انتصار للروس والإيرانيين، ويعتقد أن السياسة الأميركية لا يمكن أن تسمح بمثل هذا الانتصار، وقد بدأت بعض هذه الملامح بالبروز. الأميركيون غضبوا من عدم التزام الروس باتفاق وقف إطلاق النار،  ودعمهم النظام وتحالف لتوسيع مناطق سيطرتهم قبل تثبيت وقف إطلاق النار، فقام الأميركان بتعليق تعاونهم مع الروس في الشأن السوري، وبدؤوا بمناقشة سيناريوهات مواجهة الوضع في سورية، ولم يوفروا مناقشة سيناريو استخدام القوة العسكرية ضد نظام الأسد، بل دعا المرشح الجمهوري لنيابة ترامب “مايك بينس”، في مناظرته يوم الثلاثاء 4 أيلول/سبتمبر مع نظيره الديمقراطي “تيم كاين”، إلى استخدام ضربات جوية ضد النظام السوري لإرغامه على فك الحصار عن حلب، بينما دعا الديمقراطي تيم كاين، إلى إقامة مناطق عازلة آمنة في شمالي سورية. ومن جانبهم هدد الروس برد صاعق على أي اعتداء على قوات النظام، وأن الصراع على سورية قد يكون بداية لحرب عالمية ثالثة، ونشروا صواريخ إس 300 المضادة للصواريخ في طرطوس. ولكن تهديد الروس هو من قبيل الحرب الكلامية، إذ يعلمون جيدًا انهم ليسوا أكفاء للغرب عند المواجهة، وأن الصين لن تدخل مع الروس في حرب من أجل سورية، وبالمقابل قد يكون تصعيد الأميركيين مع الروس لغايات انتخابية لا أكثر. ولكن ثمة احتمالًا قويًّا بأن هذا التصعيد بين الروس والأميركان، هو تصعيد جديّ، قد يدفع الروس لرؤيةٍ أكثر واقعية، والتخلي عن تبني تفتيت سورية لإقامة كيان في سورية المفيدة، والقبول بحل سياسي يحقق انتقالًا سياسيًّا وينتج سلطة بديلة عبر انتخابات حرة، لا يشارك فيها الأسد، وتضمن مصالح الروس في سورية.

لكن هذه كلّها تقديرات غير واضحة المعالم، وننتظر الأيام المقبلة كي يظهر الموقف جليًا، إذ يقف الصراع على سورية الآن على مفترق طرق.