الكتاب: الإسلام والحداثة من خلال كتابات المفكّر فضل الرحمن

تأليف: دونالد ل. بيري

ترجمة: ميرنا معلوف ونسرين ناضر

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر

مكان النشر: بيروت،

تاريخ النشر: 2013.


 

يحاول الباحث دونالد بيري، الحائز شهادة الدكتوراه من المعهد اللاهوتي المعمداني الجنوبي، والأستاذ المشارك في مادة العمل التبشيري والأديان العالمية، ومدير المركز العالمي لموارد البعثات الدينية في كلية م. كريستوفر وايت للّاهوت في جامعة غاردنر- ويب؛ أن يتصدى من خلال هذا البحث لمعضلة الحداثة في مواجهة النزعة الدينية التقليدية، حيث يتمحور البحث حول نقطتين اثنتين: معضلة النزعة الدينية التقليدية في سياق الحداثة، وعرض حياة وفكر أحد أهم الباحثين الإسلاميين في القرن العشرين، حيث تعكس مقاربة المؤلف للدراسات الإسلامية مقاربة “فينومينولوجية” للموضوع تحاول وصف الظاهرة كما تبدو من الداخل.

ويركز الدكتور دونالد بيري خلال كتابه المكون من أربعة فصول على نقطتين اثنتين: معالجة إشكاليات الحداثة وبحث سبل استيعاب التراث الديني لها، في سياق نزعة دينية تقليدية بين الأديان كافة، تواجه الحداثة كإحدى التحديات، وإبراز طريقة للتعامل مع الحداثة، حيث أبرز المؤلف مساهمة فضل الرحمن في كشف معضلات الحداثة كمشكلة كونية. وتطرق إلى دعوة فضل الرحمن لإعادة اكتشاف القرآن وإعادة بناء الإسلام، من خلال مسيرته في عدة مجالات، ومناقشةً لردود أحد خصوم فضل الرحمن، وهو أبو الأعلى المودودي، بوصفهما ممثلين للنقاش الدائر في البلدان الإسلامية حول التعامل مع الحداثة.

 

الفصل الأول: معضلة النزعة الدينية التقليدية في سياق الحداثة

يستهل الباحث الفصل الأول بجهد بحثي مكثف لتعريف الحداثة ومحاولة توضيحها من خلال الأدبيات الغربية والعربية لعدد كبير من الباحثين، في محاولة لتحديد ملامح إشكالية البحث التي يطرحها، إلا أن كل التعريفات تكاد تجمع وعلى الرغم من اختلافاتها على أنه لابد لمن يتناول إشكالية الحداثة أن يركز  على بعدَيها، أي التأثير الثقافي والتأثير المؤسسي البنيوي، وهذ ما يضعها أمام مواجهة للتقليدية الدينية، لأن الحداثة ليست سياقًا واحدًا، إنما تكاد تكون أيديولوجيا جديدة، هناك حيث الالتزامات الكونية والكوزموبوليتية تحل مكان الروابط المحلية ووجهات النظر الضيقة، وأن حقائق الفائدة والحسابات والعلوم تتقدم على حقائق العواطف والمقدس وغير العقلاني ، وأن الفرد وليس المجموعة هو الوحدة الأساسية في المجتمع والسياسية، وأن الهوية تختار وتنجز، ولا تنسب إلى أحد ولا تؤكد. ولعل هذا السجال حول الحداثة في مواجهة التقليدية الدينية، يعكس أهمية هذا المشروع البحثي.

يبرر الباحث خلال الفصل الأول اختياره فضل الرحمن كموضوع بحثي في هذا السياق، كون فضل الرحمن اكتسب لنفسه موقعًا فريدًا من خلال تفسير الإسلام للحكومة الباكستانية، ولاحقًا مزاولته مهنة التعليم في العالم الأكاديمي في أمريكا الشمالية، فكان شغوفًا بتوفير حلول عملية للمعضلات التي تطرحها الحداثة، وكان لديه شغف أيضًا بالنص القرآني، ما أتاح له ان يشكل جسرًا للتفكير بين الأبراج العاجية من جهة، وبين البراغماتية غير المطلعة من جهة أخرى، فقد أدرك فضل الرحمن تأثير الحداثة على النزعة الدينية التقليدية،  وأن الإسلام “مستقطب جذريًّا” من العالم العلماني، وأنه في حالة تخمّر وتحول لا لبس فيهما، لقد أدرك خطورة المعضلات التي تطرحها الحداثة، إنما اليقين أيضًا بأنه في إمكان الإسلام أن يكون قوة ديناميّة  في مجتمع سلك طريق الحداثة، حيث يشكل فكر فضل الرحمن موردًا غنيًا وغير مستغل، يجب أخذه في الحسبان لدى تقويم الوضع الحالي في الإسلام، أو النظر في ما قد يخبئه المستقبل للعالم الإسلامي.

يركز المؤلف في الفصل الأول على خمس معضلات عرضها “بيتر بيرغ” كمعضلات طرحتها الحداثة أو فرضتها على الحياة البشرية، وهي: “التجرد، المستقبلية، التشخيص، التحرير، والعلمنة”، تشكل كل واحدة من هذه المعضلات بحسب بيتربرغ، قوة أساسية يجب أن تتعامل معها أي جماعة دينية معاصرة، فيعرض المؤلف تأثيرها بإيجاز في أشكال التعبير الديني الحديث.

يوضح الكاتب بداية في معضلة التجرد، بأن التقليدية الدينية، غالبًا ما نشأت في سياق محلي معين وسط مجتمع متجانس نسبيًا؛ بيد أن التجرد الذي ولده التمدين والتعددية أنتج مجتمعات غير متجانسة. يمكن أن ينحصر تنوع هذه المجتمعات في الاختلافات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الإثنية، إلا أنه يمكن أن تشمل أيضًا الاختلافات اللغوية والدينية في أحيان كثيرة، التمدين والتعددية هما عنصران أساسيان تأثرت بهما المجتمعات التقليدية والأفراد بفعل التجرد الناجم عن الحداثة. كما ولّدت معضلات التجرد تغييرات هائلة في أنماط حياة ملايين الأشخاص حول العالم وذهنيّاتهم، من هنا، يمثل التجرد الشخصي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي للمؤسسات التقليدية واحدة فقط من المعضلات المطروحة أمام التقليدية الدينية.

ينتقل المؤلف إلى المعضلة الثانية، والتي أطلق عليها بيتر بيرغ مصطلح “المستقبلية”، فقد ولدت الحداثة تحولًا ثوريًا في مفهوم الزمن واختباره، فيستشهد المؤلف في تفسير هذه المعضلة بوجهة نظر لانغدون غيلكي، والذي يؤكد أن التركيز على الصيرورة وعلى سرعة الزوال والتغيير، سمة أساسية في الروح الحديثة تكاد تضاهي صفة المصادفة والترابط، لقد جرى التعبير عنها بطرائق متعددة ومتنوعة، وكانت لها مضاعفات لا تعد ولا تحصى على حياتنا الروحية والفلسفية والدينية.

ويشدد الباحث ضمن هذه المعضلة على ضرورة التنبه للفارق بين معضلة المستقبلية وبين الإيمان بالأخرويات، والذي نجده في عدد كبير من التقاليد الدينية في العالم، فكثير من التقاليد الدينية تقبل تصورًا خطيًا للتاريخ، تقدم بعض التعاليم حول اكتمال التاريخ، ما يمنح أملًا لأشخاص كثيرين؛ لكن يجب عدم الخلط بين المستقبلية والإيمان بالعالم الآخر، حيث تركز المستقبلية على المستقبل، لكنها لا تبشر بالضرورة بحدث كامل معين سوف يطبع “نضوج” العالم، أو تستبق هذا الحدث.

ويرى دونالد بيري أن تركز المستقبلية على التخطيط للمسار الوظيفي والحاجة المستمرة إلى التدريب المتخصص، يتيح لنا رؤية معضلة أخرى تتسبب فيها الحداثة، والتي يعرفها بـ”التشخيص“، تلك التي تتعلق بالفصل التجريدي للفرد عن الكيانات الاجتماعية أو المجتمع كلّه، فلم يسبق في التاريخ أن كان الفرد في المجتمع في وضع بمثل هذه الهشاشة، فقد يبدو التشخص وكأنه ديالكتية التجرّد، لكنهما مترابطان في شكل متناقض. المفارقة هي أنه في الوقت الذي استبدلت فيه بهذه المجتمعات الملموسة يكليات ضخمة مجردة للمجتمع الحديث، ظهرت الذات الفردية بأنها متمايزة ومعقدة إلى حد كبير، ومن هذا المنطلق، بحاجة أكبر إلى الانتماء الشخصي الذي يصعب إيجاده في المؤسسات المجردة. حيث يشير المؤلف في هذا السياق إلى نقطة مهمة، وهي أنه يجب النظر إلى تأثير الفردانية المنفعية من خلال شكلها الاقتصادي، أي الرأسمالية، وشكلها السياسي أي البيروقراطية، وشكلها الأيديولوجي أي العلموية، ومعناها تأليه المنطق التقني من دون سواه.

يصل الباحث في شرح وتوضيح المعضلات التي تولدها الحداثة، إلى أحد شعارات الحداثة الأكثر إغراءً، وهو “التحرير”، والذي يراه الكاتب، “كدينامية مضطربة للحداثة، تلك التي تتجلى بالتعطش الدائم والقوي للابتكار والثورة. لم يعد التقليد ملزمًا؛ يمكن تغيير الوضع القائم، فالمستقبل آفاق مفتوحة […]، ما يحدث فعليًا اليوم ليس أن الأفراد يصبحون مقتنعين بقدرتهم على تغيير الوضع القائم وحقهم في ذلك، بل أُضعف التقليد إلى درجة أنه بات لزامًا عليهم الاختيار بين البدائل، شاؤوا أم أبوا، فنظرة الإدانة الوجودية إلى الحرية حديثة بطريقة غريبة ومعبرة، مع التحديث يجري تحدي القدر، ولا يعود النظام الاجتماعي من المسلمات، ويحيط الالتباس أكثر فأكثر بالحياة الفردية والجماعية، لاشك في أن لهذا التحرير جانبًا يبعث على البهجة، وهناك أيضًا رعب الفوضى”.

ولعل مناقشة الكاتب دونالد بيري للنقطة الأخيرة، تعكس الجانب المحافظ في كتاباته؛ حيث يبرز خوف مبالغ فيه من التحديث كآليات، أضف إلى ذلك أن التحرر كرغبة والتحرير كمفهوم وجدا قبل الحداثة، وأن هذا التحرير قد يكون حافزه التغيير ليس تجاه الحداثة فقط، إنما الحداثة قد تمثل محفزًا له لدى بعض المجموعات الاجتماعية، يبرز خوف الكاتب من رعب الفوضى مقابل التحرر الذي يرى أنه يحمل بجزء منه تغيرًا لا يمكن السيطرة عليه.

يطلق الكاتب على المعضلة الخامسة للحداثة اسم “العلمنة”، ويظهر من خلال مناقشة هذا المفهوم في سياق بحثه، محاولة جاهدة لفصله عن مفهوم ” العلمانية”، إذ يستند الكاتب إلى بريان ويلسون، الذي عرض تمييزًا مهمًا بين هاتين اللفظتين. حيث تتعلق العلمنة بشكل أساسي في عملية تراجع في النشاطات والمعتقدات الدينية ونمط التفكير الديني والمؤسسات الدينية، والذي يحدث بشكل أساسي بالترافق مع آليات أخرى من التغيير البنيوي الاجتماعي، أو كنتيجة غير واعية وغير مقصودة لتلك الآليات. أما العلمانية فعبارة عن أيديولوجيا يندد أنصارها، وبكامل وعيهم بالظواهر الخارقة للطبيعة بمختلف أشكالها، وبالوكالات التي تروج لها، وينادون باعتماد مبادئ غير دينية، أو مناهضة للدين؛ أساسًا للأخلاق الشخصية والتنظيم الاجتماعي.  وبناء عليه يرى الباحث أن العلمنة كأزمة لا تقتصر على التقليدية الدينية، حيث تطرح مشكلة حقيقية جدًا للأشخاص الذين لا يزعمون أن لديهم التزامات دينية مثل (اللاأدريين أو الملحديين)، وذلك من وجهة نظر أن “العلمنة تحبط التطلعات البشرية المتجذرة بقوة، والأهم بينها التطلع إلى الوجود في كون ذي مغزى، ومفعم بالأمل في نهاية المطاف”.

وعليه يجب تعميم السؤال على المجتمع كله: ما حجم الحرية التي يجب أن يتمتع بها الدين في مجتمع علماني؟ أو ماحقوق التعبير الديني التي يجب حمايتها في مجتمع يستثمر بشدة في عملية العلمنة؟ وثمة سؤال آخر يجب على الجماعات الدينية الإجابة عنه: ما القدر الذي يجب رفضه بالكامل في عملية العولمة؟ أو استيعابه؟ أو تكييفه؟ يتعين على التقليدية الدينية أن تواجه مجموعة من الأسئلة في سياق الحداثة.

 

الفصل الثاني: الدعوة إلى إعادة الاكتشاف وإعادة البناء في فكر فضل الرحمن

يتطرق الفصل الثاني إلى جوهر الدعوة التي أطلقها فضل الرحمن من أجل إعادة اكتشاف القرآن، وإعادة بناء الإسلام على ضوء التفسير القرآني، حيث يعرض الباحث مسيرة فضل الرحمن ويشرح في هذا الفصل فكره في أربع فئات: فقهي، اجتماعي، سياسي، اقتصادي.

 

  • المسائل الفقهية في القرآن

وصف فضل الرحمن ثلاثة مواضيع يمكن رؤيتها بوضوح في القرآن: “التوحيد، العدالة الاقتصادية-الاجتماعية، واليوم الأخير (دينونة الإنسان الأخيرة)، مصرًّا على مناقشة هذه المواضيع لكشف النقاب عن دينامية الرسالة القرآنية، وعلى الرغم من أن فضل الرحمن ركز على أن القرآن ليس بحثًا فقهيًا، إلا أنه أماط اللثام عن التفاصيل المهمة الصغيرة التي تعبر عن جوهر الوحي القرآني. ولقد شدد فضل الرحمن على أنه يجب النظر إلى مفهوم الله في القرآن الكريم بأنه مفهوم وظيفي، الله في القرآن هو خالق ومقدم الرعاية وديّان على جميع خلقه، “هو الله الخالق المصور لهُ الأسماءُ الحسنى يُسبح لهُ ما في السماوات والأرض”.

ولكن يبدو أن فكر فضل الرحمن بنزعته الدينية نحو القرآن كان ولايزال يُعرضُهُ إلى انتقادات واسعة، وتحديدًا من “النيو أصوليين” حول إغفال السنة النبوية، حيث يقلص فضل الرحمن مصادر  المرجعية الإسلامية، ليحصرها في القرآن الكريم فحسب، وفق قراءة جديدة تتلاءم مع روح العصر ومتطلباته، ولا تحفل قراءة فضل الرحمن الجديدة بالسنة النبوية، كما أنها تتعاطى مع إنتاجات الفقهاء بحسب سياقاتها الزمانية والمكانية، والتي تغاير أحوال زماننا، ما يعني فقدانها صفة الإلزام كأحكام فقهية مرجعية ملزمة لسائر المسلمين في قابل الأيام، الأمر الذي قد يعود ليولد صراعًا على المرجعية ومعارك فقهية تحول دون التطبيق الحقيقي لديناميكية القرآن التي نادى بها. تلك التي يكاد يطغى عليها الموروث التاريخي للإسلام الذي حُمِل عبر الحديث والقصص والأثر القدسي.

  

  • المسائل الاجتماعية في القرآن

ركز فضل الرحمن في فهمه للقرآن، بشدة، على سلوك الكائنات البشرية في علاقتها مع الله، عادًّا، بالتالي، أن القرآن يتطرق إلى القضايا الاجتماعية التي يواجها العالم الإسلامي، وأدرج هذه القضايا ضمن عنوانين عريضين: حقوق الإنسان والمجتمع، حيث يعرض دونالد بيري ضمن هذا المبحث أراء قوية جدًا عبر عنها فضل الرحمن حول بعض المسائل الاجتماعية المعاصرة، فقد أثار موقفه من الميراث، والزواج، وحقوق المرأة، والطلاق والضرائب، نقمة عدد من التقليديين الإسلاميين، حيث خرج فضل الرحمن عن التقليدية في تناول هذه القضايا بمنظور جديد.

ومن خلال الغوص بعمق في نظرة فضل الرحمن للمسائل الاجتماعية في القرآن، نلحظ أن الرجل يطالب بالوسطية ضمن حركتين في تاريخ الإسلام شكلتا طرفي نقيض؛ مدرسة المعتزلة (القرن الثامن ب.م) والحركة الأشعرية (القرن العاشر ب.م) والتي ظهرت كرد فعل عليها،  رفعت الحركة الأولى إرادة الإنسان الحرة إلى مرتبة أعلى، وحصرت نشاط الله بميدان الطبيعة أما الثانية؛ فأنكرت أن تكون للإنسان أي قوة من خلال الإرادة الحرة، مؤكدة أن الله كلي القدرة وهنا تظهر دعوة فضل الرحمن وتشديده على أن القرآن يدعو إلى سلوك طريق وسطي يقع بين الحتمية الفقهية والمسؤولية البشرية.

بالمقابل يؤكد فضل الرحمن، أنه لا يمكن تحقيق الغاية الإسلامية، إلا بعد استعادة الإنسان الحرية الأصيلة، وتحرره من مختلف أشكال الاستغلال الاجتماعي الروحي والسياسي والاقتصادي، عندئذٍ فقط يمكن أن يصبح التعاون والأخوة والتضحية بالذات حقائق فعليّة.

 

 

  • المسائل السياسية في القرآن

يتعذر بناء مجتمع قائم على المساواة دون أن تتغير المؤسسات من أجل تطبيق الإصلاحات اللازمة والمناسبة، فلا يمكن اتخاذ موقف سياقي من المسائل الفقهية والاجتماعية المتعلقة بالحداثة، من دون حصول تبدل في السياسات الحكومية. هل يجب أن يبنى المجتمع الإسلامي على الاشتراكية أم الديمقراطية، أم عليه أن يطور طابعه الخاص، يحاول دونالد بيري في هذا المبحث تسليط الضوء على بعض الملاحظات المثيرة للاهتمام لفضل الرحمن حول طبيعة الدولة الإسلامية ووظيفتها.

تتعلق المشكلة التي تواجهها البلدان الإسلامية في العالم بالمعضلة الحوارية بين التوسعية الغربية و”السلوك الإسلامي القويم”، والإصلاحات السياسية ضرورة للتعامل بطريقة فاعلة مع المسائل المتعلقة بالحداثة، ولكن لا يمكن تحقيق هذه الإصلاحات من دون إصلاح اجتماعي وتحديث اقتصادي، ومن جهة أخرى آمن فضل الرحمن بشدة أن أي محاولة لإنشاء دولة إسلامية “تسعى لتطبيق مشيئة الله” أن تتجذر في أوساط الجماهير المسلمة.

ونلاحظ في الدعوة الأخيرة لفضل الرحمن قربها من إحدى المحاولات الأولى لتطبيق إصلاحات سياسية في الإسلام وهي دعوة جمال الدين الأفغاني “الجامعة الإسلامية” والتي تألفت من عنصرين؛ الوحدة الإسلامية والشعبوية، فقد أتاحت مفاعيل الجامعة الإسلامية في كل بلد مقاومة تأثير القوى الأجنبية وسيطرتها، لكن النتيجة الأخرى لتيار الجامعة الإسلامية كانت القومية، والتي بدت كمشكلة إضافية يجب أخذها في الاعتبار لبناء وحدة حقيقية بين الأمة الإسلامية. وهنا ميز فضل الرحمن بين معنيين للفظة “القومية” الأول يمكن أن يكون مفيدًا في حين أن الثاني مدمّر، حيث عرف القومية بأنها “شعور بالانتماء إلى عادات وأعراف موحدّة، منها اللغة المشتركة، ما يمنح المجموعة المعنيّة إحساسًا بالتماسك، وهذا المفهوم هو تأكيد للإرث، ومحفز على حمايته ضد كل ما يهدده، ووفقًا لهذا التعريف فيمكن للمرء أن يؤكد إرثه ويحافظ على الولاء لأمة أوسع (الأمة الإسلامية)، في حين بين فضل الرحمن أن المشكلة تقع عندما تصاغ هذه القومية البدائية في شكل أيديولوجيا سياسية، وتتحول دولة قومية تدعي السيادة وتطالب بالولاء المطلق لها.

واقع الحال هو أن القومية الشديدة تستوجب العلمانية وتعززها، والعلمانية بحكم التعريف وضمن هذا السياق، تضرب جذور الإسلام بطريقتين اثنتين، عبر القضاء على إمكانات تحقيق وحدة الأمة الإسلامية في الخارج، وعبر جعل الإسلام في الداخل ينكفئ ويتحول إلى عقيدة شخصية وشعائر خاصة، “أي أنه يصبح محصورًا فقط في العلاقة بالعلاقة بين قلب الإنسان والله”.

تمسك فضل الرحمن بوجوب هيكلية الدولة الإسلامية الفاعلة حول المبادئ الديمقراطية للأمة والشورى، حيث عدّ فضل الرحمن أن القرآن أضفى مزيدًا من الديمقراطية على ممارسة شورى النادي التي كانت ممارسة قبل الإسلام، حيث يدعو القرآن إلى حكومة مركزية تعكس إجماع الأمة في شكل عام، فقد شدد فضل الرحمن على أن التأويل القرآني يحظر التمييز بمختلف أشكاله، “لا يقبل القرآن التمييز بين مؤمن وآخر، سواء كان ذكرًا أم أنثى، لناحية المشاركة بالتساوي في الحياة المجتمعية، في المقابل، يجب أن تعكس الحكومة أيضًا الأهداف الأساسية الثلاثة للمجتمع الإسلامي؛ الدفاع والتنمية والرفاه، وفي هذا السياق خلص فضل الرحمن إلى الاستنتاج الآتي:

  • أن دور الأمة الإسلامية كما حدده القرآن هو إنشاء نوع من المنظومة السياسية والاجتماعية، وإرساء توافق بين أطراف النقيض.
  • أن الحياة الداخلية للمجتمع الإسلامي وتركيبته يجب أن تقوما دائمًا على المساواة والانفتاح، من دون أن تلطخها النخبوية أو السريّة.
  • أن حياة المجتمع الداخلية وسلوكه يتمحوران حول الإرادة الطيبة المتبادلة والتعاون الناشط.

 

  • المسائل الاقتصادية في القرآن

تسلط مناقشة الباحث لتصور فضل الرحمن للمسائل الاقتصادية في القرآن، تركيزه على أن فضل الرحمن خاض في عديد المسائل الاقتصادية التي يمكن أن تتحول إلى ساحات معارك فقهية وسياسية، كالطريقة المناسبة لجمع الثروات وتوزيعها، وشرعية استخدام الأساليب المصرفية الحديثة في البلدان الإسلامية، والفهم الصحيح لمفهوم الزكاة في القرآن، لذلك سعى فضل الرحمن إلى تطوير فهم فعلي للقيم الاقتصادية التي يعددها القرآن، قبل الشروع في معالجة هذه الشؤون الاقتصادية الحيوية. فيعرض المبحث آراء متقدمة لفضل الرحمن في حيازة الثروة وتوزيعها والتي عدّ أن القرآن شجعها كونها ضرورة من أجل خلق منظومة اجتماعية عادلة وصحية وتقدمية، إضافة إلى آراء الرحمن حول الربا والأساليب المصرفية الحديثة، وجمع الزكاة ووظيفتها.

على الرغم مما تحتويه رؤية فضل الرحمن من تفاصيل للحداثة من خلال السياقات الأربعة، فقد تختلف في حكم طبيعة الأنظمة السياسية الحالية في كل بلد إسلامي إضافة إلى طبيعة التنوع الديني وبالتالي المرجعي والذي يمثل إشكاليات حقيقية يواجها الفكر الإسلامي داخليًا قبل مواجهته للحداثة ما يحول دون ذلك في أغلب الأحيان، إلا أن ما ركز عليه البحث من عموميات في فكر فضل الرحمن قد تكون مفيدة على جهتين؛ الأولى، كون تجربة فضل الرحمن تمثل مواجه للحداثة، وبالتالي، عدّها تحديًا وليس تهديدًا، وهي نظرة مفتقدة إلى اليوم في التقليدية الدينية، ومن جهة أخرى، يمثل منهج فضل الرحمن -بوصف الاجتهاد والشورى السبيل الوحيد كي تصبح الرسالة الدينامية للقرآن محفز التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسية- دعوة مهمة لاكتشاف زخم القرآن، يجب أن تستفيد منها التقليدية الدينية الحالية.

الفصل الثالث: الاستجابة لإعادة البناء بمنظور السيد أبو الأعلى المودودي

يقدم الفصل الثالث ردًا “نيو أصوليًا” على الحداثة، من خصم عنيف اللهجة، عاصر فضل الرحمن في باكستان، وهو سيد أبو الأعلى المودودي، حيث يركز الباحث في هذا الفصل على الاختلافات بين المودودي وفضل الرحمن، واللذين يمثلان نموذجاّ للنقاش الثنائي القطب في البلدان الإسلامية في محاولتها التعامل مع الحداثة.

شعر كل من المودودي وفضل الرحمن بالحاجة إلى الثورة أو الإصلاح في الطريقة التي يتحدث الإسلام عن الوضع المعاصر، وعدّا أن التعليم هو الحالة الأساس في هذا الإصلاح؛ إلا أنهما اختلفا في مقاربتيهما ” لإعادة اكتشاف الإسلام الحي الدينامي في القرآن”، الاختلاف الذي انعكس على عدة قضايا:

  • قضايا منهجية: يبدو أن فهم فضل الرحمن والمودودي للشريعة متقارب جدًا (إذ أقرّا بقيمة القرآن والسنة النبوية الشريفة)؛ غير أن على الباحث أن يتذكر أن السنة النبوية كانت عبارة عن رسالة شفهية، أما التقليد المكتوب للسنة النبوية، فقد حفظ بشكل خطي في الحديث، حيث برز الاختلاف بين فضل الرحمن والمودودي عندما انتقل النقاش إلى الحديث، إلا أن فضل الرحمن حاول التعاطي بجدية مع البرهان الذي شكك في تاريخيّة بعض مواد الحديث، غير أنه أكد على عدم رفض مجمل الحديث بسبب الغموض التاريخي، لأن الحديث في رأيه إن رفض بالمجمل سينبذ، وتلغى أسس تاريخيّة القرآن جملة واحدة.
  • قضايا اجتماعية: اختلف فضل الرحمن والمودودي حول معظم القضايا الاجتماعية مثل حقوق المرأة وقانون العائلة المسلمة، والتي تطرقت إلى كثير من القضايا الاجتماعية الشائكة، مثل تعدد الزوجات والطلاق والإرث. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المودودي لم يكن تقليديًا في كل آرائه، إلا أنه على ما يبدو لم يكن قادرًا على تحمّل ما يبدو أنه تقليد للحضارة الغربية، ولعل هذا ما انعكس على كتاباته وآرائه، وانعكس أيضًا على الباحثين الغربيين الذين تناولوه كممثل شرس عن التقليدية الدينية.
  • قضايا سياسية: اختلف المودودي وفضل الرحمن على العديد من القضايا السياسية التي برزت خلال تطوير الحكومات الباكستانية المختلفة وتشكيلها، حيث تجلى عمق الخلاف في ثلاث قضايا سياسية مركزية (الدولة الإسلامية، الأمة والشورى، والتعليم)، فعلى سبيل المثال رفض المودودي الديمقراطية الدنيوية وجعلها على قدم المساواة مع الشرك، كما فسر المودودي كلمة شورى على أنها إشارة إلى المجلس الاستشاري الذي ينتخب من الناس للتشاور مع الأمير، فيما فسر فضل الرحمن الشورى على أنها مبدأ حواري يستخدم الشعب المسلم (الأمة) لتحديد مسار عمل مناسب يكون ملزمًا لرأس الدولة، وشدد المودودي على ان رأس الدولة يجب أن يتمتع بالحرية للاعتراض على مشورة المجلس الاستشاري؛ غير ان على المرء أن يتذكر أن كل مواطن يتمتع بحرية الإعراب عن معارضته للسياسات الحكومية، وهنا لاحظ فضل الرحمن أن سخرية هذه الحجة أنها في حين تنكر حقّ التشريع على المجتمع بأكمله، تحصره في واحد، وهو رأس الدولة.

في المقابل، يبدو أن تلك القضايا الخلافية بين المودودي وفضل الرحمن والتي امتدت وتعمقت في المسائل الاقتصادية عندما كانت باكستان تصوغ دستورها، لا تلغي من أهمية المودودي، والذي وصفه “جون. ل. إسبوزيتو” بأنه كاتب موهوب وخصب، حاول وضع بصمة نظرية على  عملية إحياء الإسلام، أو ما سماه عملية الثورة الإسلامية، إلا أن مشكلة المودودي تكمن  في أن واقع الكتابات المثمرة تولّد القليل من الاقتراحات العملية لترجمة أفكاره، وكان جلّ كتاباته عبارة عن ترجمات لخطابات أدلى بها في أماكن مختلفة، وليست محاولة واعية لنقل أفكاره بواسطة الكلمات المكتوبة، كما أنه لا يمكن فصل كتابات المودودي ودعوته لتطهير الفكر الإسلامي من التقليد الغربي عن الظرف السياسي، الذي كانت فيه القوى الغربية ممثلة ببريطانيا العظمى تحتل الهند، إلا أنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تكون مبررًا لبعض تلك الكتابات، ولعل هذا ما رمى إليه الباحث ومؤلف الكتاب دونالد بيري باستحضار تجربتين إسلاميتين معاصرتين للظرف السياسي ذاته بإنتاج وتصور مختلفين.

فيما سعى المودودي لنهوض أو ثورة إسلامية؛ دعا فضل الرحمن إلى إعادة بناء من خلال نظرة جديدة إلى القرآن، وليس إعادة اجترار شروحات وتفسير بعض الفقهاء التاريخيين، ولعل الخلاف الأبرز في نظرة فضل الرحمن إلى الحداثة على أنها تحدٍ للإسلام، بينما رآها المودودي كمهدّد حقيقي.

فيما ركز المودودي على إعادة إحياء إشراقة الإسلام التقليدي؛ أراد فيه فضل الرحمن إعادة بناء العلوم الإسلامية بحكم أنّ القرآن وحدة متكاملة، ومن خلال تطوير نظرية قرآنية منتظمة، ليتمثّل الفرق الأساس في المنهجية وقبول سلطة الفقهاء المسلمين، فهما إذًا اختلفا بشكل كبير في ما خص مسألة طبيعة الدور الذي يقوم به التقليد في بلورة الإسلام المعاصر.

ومن هنا يمكننا فهم إصرار فضل الرحمن على تسمية المودودي بـ”النيو أصولي”، حيث اعتقد أن نقاط ضعف الحركة “النيو أصولية” تتمثل في أنهم بدوا كما لو كانوا “يغلقون الحياة الفكرية الإسلامية نهائيًا”، ذلك أن النيو أصوليين نادرًا ما كانوا متجذرين في التقاليد الإسلامية، فيما كان مؤسسو الحركات المبكرة (مثلًا الأصوليين والعصرانيين) قد تعمقوا جيدًا في الفقه والعلوم الإسلامية، حيث يؤكد فضل الرحمن أنه لا يمكن للإسلام أن يحقق عملية إعادة البناء من خلال “شعارات جذابة”، ولا يمكن أن تبرز ديناميكية القرآن من دون “جهد فكري جدي وواعي”، إلا من خلال تطوير علم قرآني قريني، واستكشاف المضاعفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا العلم.  

الفصل الرابع: أهمية فضل الرحمن في معضلة الحداثة

يعرض الفصل الأخير معضلات الحداثة كمشكلة كونية، ويكشف عن مساهمات فضل الرحمن الفكرية في المسائل المتعلقة بها، حيث يبدأ الفصل بإظهار عدد من التقاليد الدينية التي تجاوبت مع معضلة الحداثة، متطرقًا إلى التحديات التي يواجها العمل المسيحي التبشيري في سياق الحداثة.

ويعرض المبحث الأول من هذا الفصل بعض الردود من الأديان الثلاثة التي تتشاطر إرثًا ساميًا مشتركًا، (اليهودية، الإسلام، والمسيحية)، ويتطرق إلى تفاعلات تلك الأديان لمواجهة الحداثة، مرورًا بالتاريخ فيما أنتجته تلك الأديان من مجموعات أصولية وحداثوية ونيو أصولية، على سبيل المثال: “يهودية تقليدية ، يهودية محافظة، إصلاح اليهودية” وغيرها من الحركات التي مرت في التاريخ اليهودي وكذلك المسيحي في محاولة للتعاطي مع إشكاليات الحداثة، ليعود دونالد بيري ويركز على الإسلام وحركة “الحداثوية الإسلامية”، موضحاً رأي فضل الرحمن فيها.

فقد عدّ فضل الرحمن مصطلح “الحداثوية الإسلامية” كأحد ردود الإسلام على الحداثة، حيث يعود التقليد التحديثي في الإسلام إلى جمال الدين الأفغاني، والذي أطلق عليه فضل الرحمن،  بــ”أبي الحداثوية الإسلامية”، في الواقع نشأت الحداثوية الإسلامية عن حركات إحيائية ما قبل التحديثية أو أصولية، على غرار الوهابية وحركات إصلاحية في الهند وإفريقيا، كذلك يعزى بروز الحداثوية الإسلامية إلى تأثيرات اجتماعية وسياسية وفكرية من الغرب، وهنا تظهر قناعة فضل الرحمن التي حاول الباحث إبرازها بشدة، “في كون الوجود الغربي في الدول المسلمة، تقليديًا ساهم إلى حد بعيد في يقظة فقهية جديدة للمسلمين”.

في المقابل، أصر فضل الرحمن على أن الأصوليين الجدد وفروا قوة تحرير محتملة، كانت ستحرر عقل المسلمين من قيود قرون من التقاليد والهيمنة الروحية والفكرية للغرب، لكن الحركة شكلت خيبة على الصعيد الفكري، فعلى الرغم من واقع أن الأصوليين الجدد غالبًا ما دافعوا عن المواقف الإسلامية التقليدية من القضايا الاجتماعية والسياسية، إلا أن أعضاء الحركة كانوا يتمتعون بقليل من التعليم التقليدي، بل لم يكن لديهم أي تعليم تقليدي يعدّهم للمهمة الفكرية المطروحة، فيعدّ تشكل حركة طالبان، في الواقع، مثالًا بارزًا على الإعداد الفقهي المشكوك فيه لمجموعة أصولية جديدة، وكذلك تشكّل آية الله الخميني، فيما يعدّ تنظيم القاعدة فريدًا وسط المجموعات الإحيائية، فقد كان أشبه بشبكة أسسها أسامة بن لادن، ونطاق تركيزها يتخطى المجموعات المتمركزة في المنطقة، على غرار الإخوان المسلمين وجماعة الإسلام.

ويتناول الفصل الأخير دعوة فضل الرحمن لإعادة الاكتشاف والبناء والتحدي الذي يواجه العمل التبشيري المسيحي المعاصر، ويتضح من خلال معالجة الباحث دونالد بيري هذا المبحث، تأثره الشديد بفكر فضل الرحمن، حيث حاول الباحث أن يسحب أغلب تصورات فضل الرحمن بخصوص الحداثة، منطلقًا من فكرة أن التحدي الذي يرفع في وجه المسيحية العاصرة يتمثل بإعطاء الأمل للعالم من خلال اكتشاف كيف يمكن للإيمان المسيحي أن يملأ بعض الفراغ الذي أوجدته الحداثة.

وحده الوقت قادر على إظهار خيارات المسلمين في الوقت الراهن، فثمة فراغ تام من التعقّلية الإسلامية وانتشار لمؤسسات علمانية حديثة، مضطربة بشكل كبير وغير منتجة بسبب النقص في الاندماج مع البيئة المحافظة، وهنا تتجلى أهمية فكر فضل الرحمن، الذي حاول منح العالم الإسلامي بديلًا عن “العلمانية بالجملة” و “الأصولية الجديدة”.