سلسلة دراسة حالة/ تقدير موقف، تصدر عن ورشات عملٍ داخليّة في “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، بإشراف الدكتور حازم نهار، المدير العامّ للمركز.

 

فريق عمل الورقة الأولى:

يوسف فخر الدين

غريب ميرزا

همام الخطيب

 
 

المحتويات

مقدمة

أولًا: من “طيف التحالف” إلى “طيف العداء”

ثانيًا: بين “الاحتواء” و”الفوضى الخلّاقة”

خاتمة

 

 

 

مقدمة:

شكّلَ الاتّفاق النوويّ بين إيران ومجموعة 5+1، المبرم في 14 تموز/ يوليو 2015، محطّةً مميّزةً في مسيرة العلاقات الإيرانيّة الأميركيّة، سواء أكان هذا على صعيد العلاقات بين البلدين أم على صعيد تداعيات هذا الاتّفاق على خريطة الشرق الأوسط، وخريطة تحالفاته، ولا سيّما التحالف التقليديّ الذي جمع الولايات المتّحدة ودول الخليج، وخاصّة السعودية، منذ نهاية سبعينيّات القرن الماضي. وهذا ما يستدعي السؤال عمّا إذا كان هذا الاتفاق قد ارتقى ليكون مفصلًا دالًّا على تغيّرٍ في سياسة الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، وفاتحةً لتغيّراتٍ لاحقةٍ، ومن ثمَّ البحث في درجة تأثير هذه التغيّرات على العلاقات بين إيران والولايات المتّحدة على المنطقة. وهو ما نحاول في ورقتنا التصدّي لجوانبَ منه.

 

أولًا: من “طيف التحالف” إلى “طيف العداء”

ارتبطت الولايات المتّحدة الأميركيّة بعلاقات تحالفٍ قويّةٍ مع إيران في فترة حكم الشاه “محمد رضا بهلوي” (1941- 1979)، التي تصاعد فيها النفوذ الأميركي، ولا سيّما بعد انقلاب عام 1953 الذي أدارته الـ CIA من السفارة الأميركيّة في طهران وأطاح حكم رئيس الوزراء الإيرانيّ ” محمد مصدق” المنتخب ديمقراطيًّا، وذي الميول القوميّة اليساريّة، وأدّى إلى عودة الشاه “محمد رضا شاه بهلوي” إلى العرش مجدّدًا بعد أن كان قد فرّ من إيران في العام ذاته، نتيجة خلافه مع “مصدق”.

وقد انعكس هذا التحالف، بين دولةٍ عظمى تخوض صراعًا وجوديًّا مع دولةٍ نظيرةٍ لها على حدود حليفتها الإقليميّة القويّة، على عموم منطقة الأخيرة. فبرز دور إيران كشرطيٍّ في الشرق الأوسط، مستفيدةً من مبدأ “نيكسون” المعلن في عام 1969، الذي يؤكّد على تدعيم الحلفاء الإقليميّين؛ ومن قبل كانت قد استفادت من سياسة الدعامتين Twin Pillar Policy، والتي تقضي بدعم السعودية وإيران معًا. لكن بعد أزمة النفط التي حدثت عام 1973، تراجعت العلاقات بين إيران “الشاه” والولايات المتّحدة الأميركيّة، نتيجة رفض الشاه تخفيضَ أسعار النفط بناءً على الطلب الأميركيّ؛ حيث وصفه كسنجر بأنّه “شخص خلّاق لكنّه مصابٌ بداء العظمة بشكلٍ خطير”، وأنّه “لا يعير انتباهًا لمصالح الولايات المتّحدة”([1])، بعد أن كان قد وصفه في وقتٍ سابقٍ بأنّه “الأندر من الحكام”، و”حليفٌ مخلصٌ”، وأنّ “فهمه للعالم حسّن فهمنا للعالم”. وهذا ما دفع الولايات المتّحدة إلى تثقيل تحالفها مع السعودية على حساب إيران، حتى إنّها ضغطت على الشاه من خلال تخفيض أسعار النفط عام 1976، وذلك بالاتّفاق مع السعودية، ما أدّى إلى خلق أزمةٍ اقتصاديّةٍ في إيران.

وكانت العلاقة الثنائيّة قد انتقلت من “طيف التحالف” زمن الشاه المخلوع (وهو التنوّع ضمن صيغة التحالف)، مرورًا ببرهة ترقّبٍ في إثر الثورة حينما ظنّت إدارة “جيمي كارتر” بأنّ تحالف القوى الذي قاد الثورة يمكن أن يقوم بما يناسبها في ظروف، وأولويّات الحرب الباردة آنذاك، قبل أن تستقرّ في وضعية “طيف العداء”، نتيجة انقلاب الملالي على حلفائهم في الثورة، وجلّهم حداثيّون، من ليبراليّين وجمهوريّين ويساريّين، يتّجه تفكيرهم نحو الانفتاح على العالم، ونتيجة سعي الملالي لإجراء تغييرٍ شاملٍ على الجيش الإيرانيّ (حليف الولايات المتّحدة آنذاك) يضمن إمساكهم بزمام السلطة بشكلٍ منفردٍ ومستقرٍّ. لذا افتعل فريق “الخميني” أزمةً مع الولايات المتّحدة عبر اختطاف الدبلوماسيّين الـ (52) من السفارة الأميركيّة في طهران بعد إعلانهم الجمهوريّة الإسلاميّة في 11 شباط/ فبراير 1979، ما ساهم في تجييش الجمهور الإيرانيّ خلفه وإعطائه قضية توتّرٍ خارجيّة تسهل تكريس الاستبداد داخليًّا.

وعلى الرغم من ذلك، لم تلجأ الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى عملٍ عسكريٍّ واسعٍ ومباشرٍ، ضدّ إيران “ولاية الفقيه”، فبدلًا من التورّط في الحرب دعمت أميركا حلفاءها الإقليميّين لمواجهة إيران، واتّخذت من العقوبات الاقتصاديّة وسيلةً مرجّحة على غيرها للضغط عليها آنذاك.  أمّا العمليّات العسكريّة المحدودة التي حصلت، فقد جاءت في سياق ضبط حدود حرب السنوات الثماني بين إيران “الخميني” وعراق “صدام حسين”؛ حيث هاجمت الولايات المتّحدة سفنًا إيرانيّةً في الخليج العربيّ، وأسقطت – عن طريق الخطأ بحسب ادّعائها– طائرة ركابٍ إيرانيّة.

لكن لم يكن “طيف العداء” صيغةً بسيطةً وثابتةً، أي عبارة عن درجاتٍ لونيّةٍ حارّةٍ بمقياسٍ متدرّجٍ، ولا صيغة أحاديّة لا تعرف أيّ تلاقٍ بين المتصارعين، بل كان صيغة مركّبة تتخلّلها عمليّات تعاونٍ أحيانًا، وقتال بالوكالة أحيانًا أخرى. وبقي هذا النمط سائدًا حين تحوّلت السياسة الأميركيّة من “توازن القوى” إلى “الاحتواء المزدوج”([2]).  فنجد الرئيس الأميركيّ “رونالد ريغان”، في مرحلة سياسة “توازن القوى”، يصنّف إيران كدولةٍ داعمةٍ للإرهاب 1984، ويرسل بعد ذلك “روبرت ماكفرلين” كمبعوثٍ شخصيٍّ ليسلّم إيران صواريخ “تاو” المضادة للدروع، وصواريخ مضادة للطيران أيضًا، ضمن صفقةٍ سرّيّةٍ -كُشف عنها في فضيحة “إيران غيت” وتعرف أيضًا بـ “إيران كونترا”([3])– تضمّنت ضغط إيران على حزب الله اللبنانيّ لإطلاق سراح الرهائن الأميركيّين، وكذلك بغية فتح نافذةٍ لإعادة العلاقات الإيرانيّة الأميركيّة.

ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع الإشارات الأميركيّة التي تعبّر عن تعاونٍ ما غير مفصحٍ عنه في مواضع عديدة، أو تكون رسالة بإمكانيّته، في الوقت الذي تزيد فيه من حصارها عليها. ومن ذلك إعلان جورج بوش الأب في خطابه الرئاسيّ “أنّ حسن النيّة يولّد حسن النيّة” في إشارةٍ إلى إيران، واعتذار وزيرة الخارجيّة في إدارة “بل كلينتون” عن تدبير بلادها لانقلاب عام 1953، وعن دعم العراق في حربه مع إيران، وذلك في مناسبة عيد النيروز (رأس السنة الفارسيّة)، عام 2000 ([4]).

هذان السلوكان الأميركيّان كانا يتداخلان زمانيًّا، وخلال الإدارة الأميركيّة الواحدة. فجورج بوش الابن صنّف إيران كعنصرٍ في محور الشرّ عام 2002، على الرغم من أنّ تعاونًا كان قد حدث بين الإيرانيّين والأميركان في حرب أفغانستان. كما كان العراق في أثناء الاحتلال الأميركيّ له، ساحةً للصراع والتعاون في آن واحد بين الطرفين. وهذا التداخل نجده في سياسة أوباما – قبل الاتّفاق النوويّ – حيث تمّ فرض عقوباتٍ اقتصاديّةٍ قاسيةٍ على إيران، وفي الوقت ذاته، اعترف أوباما في القاهرة بأنّه حثّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” على ممارسة نشاطٍ نوويٍّ سلميٍّ تحت القانون الدوليّ ([5]).

وبعد استلام “روحاني” الرئاسة في إيران، وهو يُقدّم غربيًّا كإصلاحيٍّ متحمّسٍ لإعادة العلاقة مع الغرب، وبعد توقيع الاتفاق النوويّ، جرى أوّل اتّصالٍ هاتفيّ بين رئيسٍ أميركيٍّ وإيرانيٍّ منذ عام 1979، وأعلن “كيري” أنّ الاتّفاق النوويّ معلمٌ تاريخيٌّ مهمّ. كما دافع أوباما عن سياسته الدبلوماسيّة تجاه إيران ونجاحها في وجه المنتقدين من الجمهوريّين؛ وليس هذا فحسب، بل تشير تسريباتٌ إلى أنّ الولايات المتّحدة سمحت لإيران بتخصيب نسبةٍ من اليورانيوم أعلى من تلك المعلن عنها في الاتّفاق بشكلٍ سرّيٍّ ([6]). ما يعني أنّ الاتّفاق النوويّ يفتح المجال لنقلةٍ في العلاقة بين البلدين نحو تغليب صيغة “إمكانيّة التفاهم” – على الأقلّ – بدلًا من “طيف العداء”، وإن كان دونها جولات من التجاذب، وتغيّر في الوضع الداخليّ الإيرانيّ لا نعرف إن كان ممكنًا من دون صراعاتٍ داخليّةٍ عنيّفة.

 

ثانيًا: بين “الاحتواء” و”الفوضى الخلّاقة”

بعد سنوات من سقوط حكم البعث في العراق، وبفضل هذا السقوط، أصبحت إيران قوّةً إقليميّةً لها “نفوذٌ عنيفٌ” في عدّة دولٍ في المنطقة (لبنان وسورية واليمن والعراق وأفغانستان)، ولها “نفوذٌ ناعمٌ” في دولٍ أخرى (معظم الدول الأخرى، وأبرز مثال عليها مملكة البحرين)، ولها دالة على قوًى سياسيّةٍ كثيرةٍ بما فيها تنظيم القاعدة. لذا فإنّ إيران اليوم هي القوّة الإقليميّةٌ الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في الشرق الأوسط، وهو ما تسعى لتكريسه وتحصيل موافقة الولايات المتّحدة عليه، أو فرضه عليها مستفيدة من تحالفها مع روسيا والصين. وفي الوقت نفسه ما زالت إيران عرضةً لحصارٍ اقتصاديٍّ أميركيٍّ، وهي الدولة الأكثر تورّطًا في حروبٍ بالوكالة في عالمنا.

في هذا الوضع استقبل الاتّفاق النوويّ الأميركيّ الإيرانيّ بارتياحٍ شعبيٍّ في إيران، كونه أنعش الآمال برفع العقوبات الاقتصاديّة التي أرهقت الإيرانيّين (منذ عهد أحمدي نجاد، عام 2005، تضاعفت نسبة التضخم والبطالة)، كما منح أملًا لمن عبّرت عنهم الثورة الخضراء بانفتاح بلدهم على الغرب. أمّا على الصعيد السياسيّ، فكان هناك تباينٌ شديدٌ بين موقفين ([7]):

الأوّل يقوده المحافظون، وهو تيارٌ منقسمٌ بين متشدّدٍ جدًّا، يرفض أيّ حوارٍ مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، مثّله سابقًا أحمدي نجاد، ويمكننا أن نجد أصداءه بعد الاتّفاق في عبارة رئيس “الباسيج”: “كان حريًّا بالأمّة الإيرانيّة أن تصفع أميركا الخائنة …”، وفي رأي أحد أساتذة الجامعة في طهران أنّ أميركا أرادت حرمان إيران من عدوٍّ، وهو سبب توقيعها الاتّفاق ([8]). أمّا التيار الآخر الأقلّ تشدّدًا، فقد عبّر عنه “خامنئي” حين قال في عام 2014، “إنّنا نتفاوض مع الشيطان لردع شروره”، فهو يقبل بالحوار مع الولايات المتّحدة، لكنّه يراها عدوًّا في الوقت نفسه. وبعد توقيع الاتّفاق عبّر عن امتعاضه من موقف الرئيس الإيرانيّ “روحاني” المنفتح تجاه الولايات المتّحدة الأميركيّة والغرب من بوابةٍ اقتصاديّة، فتحدث عن “الاقتصاد المقاوم” غامزًا من قناته.

ويعتمد هذا التيار خارجيًّا على التحالف مع كلٍّ من الصين وروسيا، والعديد من الدول حول العالم بدرجةٍ أقلّ، الطامحة إلى تغيير المعادلة الدوليّة وكسر الأحادية القطبيّة، ومع نظام الأسد المنهار، وحزب الله، وطيفٍ من القوى الشيعيّة. بينما يعتمد داخليًّا على قوّة “الدولة الموازية” (الحرس الثوريّ والمؤسّسات التابعة له)، التي نمت بشكلٍ مستقلٍّ، مستفيدة من الحصار الاقتصاديّ والأزمات التي مرّت بها إيران، كما يعتمد على قطاع في “البازار”، وعلى قطاع ليس بالقليل تسيطر عليه بيروقراطيّة الدولة القلقة من التغيير، إضافة إلى اعتماده على القوى الاجتماعيّة المحافظة.

وهو وإن أعاد بلا كللٍ الخطاب التقليديّ للممانعة والمقاومة، ونفخ في أوداج القوميّة الإيرانيّة بنسختها الباطنيّة الدينيّة، إلا أنّه يعتمد على التخويف من المتطلّبات الأميركيّة الراهنة والمتوقّعة، كحجةٍ صعبة الدحض يستخدمها خصومهم الإصلاحيّون بدورهم للمطالبة بمكتسباتٍ من الولايات المتّحدة مقابلها.

التيار الثاني يقوده الإصلاحيّون الراغبون في الانفتاح على الغرب، ويمثله حاليًّا الرئيس “روحاني” الذي وصف الاتّفاق بأنّه “خطوةٌ أولى لإزالة الصعوبات في العلاقات الخارجيّة … وفرصةٌ للوصول إلى قمةٍ أعلى من التفاعل البنّاء مع المجتمع الدوليّ”. كما أنّه هاجم المحافظين الذي امتعضوا من هذا الاتّفاق (ومن بينهم خامنئي) و”بعضهم – مشيرًا إلى هؤلاء المحافظين – يعتقد أنّه إمّا علينا أن نصارع العالم أو أن نستسلم للقوى الأخرى. نحن نعتقد أنّ هناك خيارًا ثالثًا هو الحلّ: أن نتعاون مع العالم”([9]).

وعلى الرغم من أنّ الصراع داخل إيران حول الموقف من الغرب كان منذ انتصار الثورة، إلا أنّه يأخذ صيغةً أكثر حيويّةً وحساسيّة في الوقت الحالي لسببين:

الأوّل: أنّ النفوذ الإيرانيّ الخارجيّ مبنيٌّ على – وداعمٌ لـ – نفوذ “الدولة الموازية”، التي هي مؤسّسة الحرس الثوريّ ومؤسّساته الكثيرة والقويّة كما أسلفنا؛ ما يعني أنّ انتكاسات، وتخبّطات، الحرس الثوريّ خارجيًّا، إن لم تكن قاصمةً، تدعّم موقف التيار الإصلاحيّ الذي يقدّم خياراتٍ أخرى للسياسات الخارجيّة منها والداخليّة.

الثاني: أنّ إيران شهدت في عام 2009، خلافاتٍ حادّةً بين أبناء الجيل الأوّل للثورة الإسلاميّة، وهي الخلافات التي ظهرت عندما أطلق الإصلاحيّون “الحركة الخضراء”، مشكّكين في نتائج الانتخابات التي أعادت “أحمدي نجاد” رئيسًا. وفي سياق قمع هذه الحركة سُجن “مير حسين موسوي” رئيس الوزراء الأسبق في عهد رئاسة “خامنئي” (1981–1989)، وأُقيل “رفسنجاني” من رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام، واعتُقلت ابنته، ومُنِعَ من الترشح للرئاسة في عام 2013، من جانب مجلس صيانة الدستور بحجة أنّه غير ملائمٍ عقائديًّا، وهو الرئيس الأسبق الذي تولّى حكم البلاد (1989 – 1997). وكذلك مُنِعَ “خاتمي” من التصريح الإعلاميّ منذ عام 2009. وممّا كشفته هذه الحوادث عمق الانقسام العموديّ، من الجيل المؤسّس وصولًا إلى الطلاب، وهذا ما يعني ديمومتها. وإذا نظرنا إلى الخلافات داخل إيران بعد الاتّفاق النوويّ، نلاحظ-بنوعٍ من الحذر- أنّ هذا الاتفاق الذي جاء نتيجة تكريس الموقف الأميركيّ الإيجابيّ، شكّل عتبةً “شبه” دائمةٍ لخلافٍ مستمرٍّ بين المنتمين ضمنيًّا إلى “الحركة الخضراء” والمحافظين المتشدّدين.

في هذا الوقت كانت سياسة أوباما، المتخفّفة من الحضور العسكريّ الواسع على الأرض (ورطة بوش الابن)، تجري تعديلاتٍ في علاقتها بالمنطقة، ومنها علاقتها مع حلفائها الذين عمل بعضهم على إفشال مساعيها في العراق وأفغانستان، وتركها تتخبّط فيهما، بل واستفاد من وضعها آنذاك. وهي، مستفيدة من تطوّراتها النفطيّة الداخليّة، وجدت نفسها قد تحرّرت أكثر من تحمّل مسؤوليّة أمن الشرق الأوسط، فحرصت، في سياق عمليّة إعادة التموضع[10] التي قامت بها، على أن تصبح حكمًا عليه بالعودة عن محاولة “بوش” الابن ليصبح حاكمه. ما سمح لها بترك الفوضى التي أثارتها إيران وحلفاؤها في سورية والعراق، لمواجهة الموجة الديمقراطيّة، ترتد عليهم. بل إنّ الإدارة الأميركيّة، المقتنعة بفشل سياسة الاحتواء المزدوج إيرانيًّا، وفي مواجهة استفادة إيران القصوى من سقوط النظام البعثيّ في العراق، جهدت لتحويل الفوضى المثارة إيرانيًّا إلى “فوضى بنّاءة” لخدمتها.

وعلى إيقاع هذه التغيّرات، وبالقلب منها الاتفاق النوويّ، ظهر بشكلٍ واضحٍ مدى القلق السعوديّ. حتى إنّ التصريحات السعوديّة تضمّنت القول: إنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة قد تخلّت عن الحليف القديم و”الوفي”، كما بيّنت أنّ القلق السعوديّ يتمحور حول “الخشية من تطوير إيران لسلاحٍ نوويٍّ سرًّا”([11]). وبغضِّ النظر عن صحة هذا التبرير، فإنّ المهمّ في ما تعلنه المملكة من مخاوف هو أنّه تعبيرٌ عن تزايد اعتقاد أصحاب القرار فيها بأنّها باتت من غير “غطاءٍ أميركيّ”، أو تكاد تكون كذلك، وأنّها متروكةٌ من جانب الإدارة الأميركيّة ضمن بيئةٍ مهدّدة، أو تكاد تترك. وهو اعتقادٌ يمتلك مبرّراته، ومنها التمدّد الإيرانيّ الواضح في الشرق الأوسط، وتموضع السعودية في موقع الدفاع أمام هذا التمدّد. وهو ما سبقه تراجع سمعة السعودية في الولايات المتّحدة منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، التي نفّذها 19 شخصًا، منهم 15 سعوديًّا. ومنذ ذلك الحين ظهرت مساعٍ في الداخل الأميركيّ لوضع السعودية في موقع المتّهم، وقد توّجت بإعلان قانون “جاستا”([12])، وإعلان أميركا أنّها تُراجع دعمها للتحالف العربيّ الذي تقوده السعودية في اليمن، بدعوى انتهاكاتٍ يرتكبها. ولنا أن نتخيّل صدمة السعوديّين وهم من كانوا ينتظرون، في بداية الأزمة في اليمن، أن تضع الولايات المتّحدة بنفسها حدًّا للحوثيّين وللامتداد الإيرانيّ في هذا البلد.

هكذا وجدت السعودية نفسها في بيئةٍ معقّدةٍ من التحالفات، التي عليها أن تبنيها من دون مساعدة الولايات المتّحدة، والعداوات التي يصعب عليها التعامل معها وحدها. ومن ذلك أنّها واجهت خطرًا يمثّله الإخوان المسلمون في مصر، فدعمت انقلاب السيسي، وحدثت نتيجة هذا خلافاتٌ واسعةٌ مع تركيا وقطر، ثم وجدت نفسها ضعيفةً بعد الاتّفاق النوويّ، مقارنة بإيران التي تزداد قوّةً وانفتاحًا عالميًّا، فاضّطرت إلى التوجّه إلى تركيا لبناء تحالفٍ معها، لكنّها وبعد بداية علاقةٍ قويّةٍ مع تركيا تمثّلت في مناوراتٍ مشتركةٍ، عادت لتتبنّى حالة أقلّ ما يقال عنها إنّها ضبابيّة، فيما يخصّ الانقلاب العسكريّ الفاشل في تركيا في 15 تموز/ يوليو 2016، ثم عادت على يد ولي العهد لتوطّد علاقتها بتركيا من جديد؛ حيث وقّعت شركة أرامكو السعوديّة للنفط 18 عقدًا مع شركات طاقةٍ تركيّة، وتمّ عقد مؤتمرٍ خليجيٍّ -ضمّ الإمارات تركيّ، ليعزّز التعاون بين الطرفين في مواجهة النفوذ الإيرانيّ. في الوقت ذاته، حدث توتّرٌ في العلاقة بين مصر “السيسي” والسعودية، بعد أن وجدت السعودية أنّ مصر لا تقف إلى جانبها في القضايا الإقليميّة التي تهمّها، ولا سيّما في سورية-حيث إنَّ الموقف المصريّ أقرب إلى الموقف الإيرانيّ منه إلى الموقف السعوديّ نوعًا ما- وفي اليمن حيث تتلكأ مصر في تقديم دعمٍ عسكريٍّ جدّيّ للتحالف العربيّ ([13]).

قبل ذلك كان أوباما قد طمأن القادة الخليجيّين في قمته معهم في أيار/مايو 2015، أنّه سيحمي الخليج ولن يتخلّى عنهم، لكنّ هذه الطمأنة لم تعد ذات معنىً بالنسبة إلى السعوديّين الذين لا يخشون تهديدًا إيرانيًّا “تقليديًّا” ومباشرًا، بل يخشون من أن يُتركوا ضمن بيئة الشرق الأوسط المعقّدة والمضطربة في حالة صراعٍ نديٍّ مع إيران، وأن تنقل أميركا مركز ثقل تحالفها من السعودية، إلى نقطة توازن ترقب التغيّرات الجارية في الشرق الأوسط، والتغيّرات الجارية في الداخل الإيرانيّ.

 

خاتمة

على طول العلاقة الحيويّة بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والولايات المتّحدة، كان الطرفان حريصين على ألّا يقعا في هاوية الحرب المباشرة بينهما، والاكتفاء بخوض الصراعات على مشارفها، وبعضها كان عبر الحرب بالوكالة.

وقد جرت تغيّراتٌ على صيغة هذه العلاقة، وهو ما نتج عن تغيير الإدارة الأميركيّة إستراتيجيتها التي تطال إيران، نتيجة تغيّر الظروف الدوليّة والإقليميّة، ومراعاة للتغيّرات الداخليّة في إيران.  والحال، وحتى لحظتنا، تعاملَ القابضون على النظام الإيرانيّ بليونةٍ، وسعوا لتحويل كلّ تهديدٍ إلى فرصة، مستفيدين في كثير من الأحيان من حاجات الولايات المتّحدة، ومعتمدين في جميع الأحوال على استغلالهم أزمات محيطهم، غير مهتمين -عكس ادّعائهم- بحياة هؤلاء الذين يستخدمونهم.

ويظهر من المعطيات المتوافرة، ومنها البيانات التي ذكرناها، أنّ أيّ تفاهمٍ إيرانيٍّ مع أميركا يستلزم/يولِّد تغيّرًا كبيرًا في الداخل الإيرانيّ، وإن كنّا لا نستطيع الجزم بشكله في المستقبل: إن كان عنيفًا أم سلسًا. كما يظهر أنّ أيّ تفاهمٍ من هذا القبيل، يُنتج/يستلزم تغيّرًا في موازين القوى في الشرق الأوسط، وخريطة التحالفات فيه، بحكم الموقع الإستراتيجيّ لإيران، وحجمها الجغرافيّ والسكانيّ، وحجم مواردها القائم والممكن، وقوّة نظامها وجيشها، ومدى نفوذها الإقليميّ. وهو ما نرى نتائجه حروبًا في المنطقة، خصوصًا مع استقواء القابضين على الحكم في إيران بالتحالف مع الصين وروسيا الطامحتين إلى كسر أحاديّة القطب عالميًّا.

وفي هذا السياق، يظهر أنّ جانبًا من الاتفاق النوويّ، الذي جرى في وقتٍ شجعت فيه الولايات المتّحدة الدول المتضرّرة من النفوذ الإيرانيّ على خوض الحرب مع وكلاء إيران، هو مسعى أميركيّ للتأثير في الداخل الإيرانيّ، يتوخى فتح آفاقٍ جديدةٍ للقدرة على التأثير. وهو ما نقيس نجاحه بوسائل منها: مدى الخلاف الداخليّ الإيرانيّ، وموضوعاته، ومجرياته، ومدى المكتسبات أو الأضرار اللاحقة بإيران في مناطق نفوذها.

ومن أهداف التأثير الأميركيّ القريبة تدعيم الإصلاحيّين، وترك المتشدّدين من غير “العدوّ الأميركيّ” (وليس من غير “عدوٍّ”، فهناك العدو “السُنّيّ” الممثّل بالمملكة السعوديّة في الدرجة الأولى). ومن الوسائل في هذا الخصوص تغيير الولايات المتّحدة الأميركيّة نمط دعمها لليبراليّين معارضين في الداخل الإيرانيّ من دعمٍ وتمويلٍ يستهدف أنشطةً سياسيّةً مباشرة، إلى دعمٍ وتمويلٍ يقوده هؤلاء الليبراليّون، لكن في مجالاتٍ تنمويّةٍ كالصحة والتعليم ([14]).

ولكلّ ما سبق، وطالما أنّ السياسة الأميركيّة اتّجاه إيران لم تصل إلى غايتها، ولم تصل أيضًا إلى حربٍ مباشرة، فإنّ المنطقة تعيش مرحلةً انتقاليّةً طويلة، تتشكّل وتتغيّر باستمرارٍ، بمقدار –وبتفاعل مع- ما تتشكّل وتتغيّر الإستراتيجيّة الأميركيّة حيالها. ولذلك فإنّ جميع الحوادث التي ستجري في سورية والعراق واليمن ولبنان سيكون لها حصّتها في تشكيل المرحلة المقبلة.

ومع اتّساع نطاق الحروب، يظهر جليًّا أنّ هذه المرحلة الانتقاليّة تزداد اضطرابًا مهدّدة بإطاحة الكثير ممّا نعرف من هويّاتٍ عامّة، وأشكال دولٍ في الشرق الأوسط. آخذين في الحسبان: القوى الكرديّة المتنافرة والتي تنقسم عميقًا على ثلاث قوميّات، وتتصارع بينيًّا وتخوض حروبًا بالوكالة عن قوًى إقليميّةٍ ودوليّةٍ متصارعة في مسعاها لتحويل أحلامها إلى حقائق، والانقسام الحادّ الشيعيّ السنّيّ، والتفتّت الاجتماعيّ حيث تمرّ آلة الحرب، والتغيير الديموغرافيّ الجاري في مناطق سوريّة. إضافة إلى معركة الموصل ضدّ “داعش” التي شهدت “معارك” قبل المعركة حول من سيشارك فيها، والتوتّر الروسيّ الغربيّ على خلفيّة معركة حلب.

 

[1]http://web.mit.edu/mitir/2009/online/us-iran-2.pdf

 

[2]– ألقى “مارتن إنديك” الناطق باسم إدارة “بيل كلينتون” خطابًا في تجمّع نظمته إحدى الجماعات الموالية لإسرائيل في واشنطن في عام (1993)، لخص فيه سياسة “كلينتون” تجاه كلّ من العراق وإيران بسياسة “الاحتواء المزدوج”. ليعلن بذلك أن أميركا لن تلعب لعبة “توازن القوى” بين إيران والعراق بعد اليوم. وتعني سياسة الاحتواء المزدوج أن إدارة بيل كلينتون تعتقد أن نظام صدام حسين نظام لا سبيل إلى إصلاحه، ومع هذا تنتظر شيئًا ما ليحدث تغييرًا فيه، ويتضمن ذلك زيادة دعمها لحركات معارضة لحكم البعث. أما إيرانيًّا فشرح “إنديك” أن سياسة كلينتون ستكون أكثر صرامة نحو إيران، ولا سيّما نحو ما يقلق أميركا من محاولة إيران تطوير أسلحة هجومية، ونووية، ودعمها للإرهابhttp://cutt.us/xBoma  .

[3]– http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2016/2/1/إيران-غيت-المصالح-فوق-المبادئ

[4]http://file.setav.org/Files/Pdf/20140806171416_08_analysis_ayegin.pdf

[5]http://www.usip.org/publications/2015/04/03/qa-nuclear-deal-will-boost-president-rouhani

[6]http://cutt.us/VXM3m

[7]http://cutt.us/rYNoi

[8]http://cutt.us/xPm0l

[9]http://www.usip.org/publications/2015/04/03/qa-nuclear-deal-will-boost-president-rouhani

[10]– سورية وإيران في ظروف إعادة التموضع الأميركي، يوسف فخر الدين، مركز دراسات الجمهورية، https://goo.gl/8TeRIx

[11]— مثلاُ راجع https://www.alarabiya.net/servlet/aa/pdf/c0a2d075-0d24-4ddc-be8f-50f813bb7f7b

[12]– للاطلاع على استعراض لبنود قانون ” جاستا “، سكاي نيوز، https://goo.gl/YJOW5B

[13]http://cutt.us/zrKGy

 [14]-  https://www.fas.org/sgp/crs/mideast/RL32048.pdf