المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: الصراع على سورية في قبضة الأميركيين والروس 

ثالثًا: الغرب يتحسّس رأسه

رابعًا: استدعاء الدور الإقليمي

خامسًا: خيارات المجتمع الدوليّ للخروج من حالة العجز

سادسًا: خيارات المعارضة

 


 

أولًا: مقدمة

أسقط الفيتو الروسيّ الخامس مشروع القرار الفرنسيّ لوقف العنف في حلب، في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت في الثامن من الشهر الجاري، لكنه أسقط معه هيبة مجلس الأمن  ودوره في هاوية الفشل المُعلن؛ فقد أوصلت مواقف الدولتين الكبريين، الاتحاد الروسي والولايات المتحدة، تجاه المسألة السورية، وعلى مدار السنوات الست الماضية، المجتمع الدولي إلى حالة العجز التام في سابقة خطِرة لم تعشها المنظمة الدولية منذ نشأتها، وتكمن الخطورة في هذه الحال في الرسائل التي تحملها، وتُنذر بفوضى عالميّة واستخفاف بالقانون الدولي والرأي العام العالمي، وانفلات القوة من الروادع القانونيّة والأخلاقيّة، وترك الدول الضعيفة لمصيرها، ويفتح الباب أمام حروب على النفوذ ستكون مكلفة للجنس البشريّ. فكيف وصلت الأمور إلى هذه الوضعيّة؟ وهل من مخارج أمام المجتمع الدوليّ لتجاوز عجزه؟

 

ثانيًا: الصراع على سورية في قبضة الأميركيين والروس

شكّل التدخل العسكري الروسي في سورية قبل عام ونيف بطلب إيراني-سوري منعطفًا خطِرًا في مسار الثورة السورية، وغيّر إلى حدٍ ملحوظ في معادلات القوة على الأرض لمصلحة النظام وحلفائه، الذين كانوا في حالة تراجع وانهيار مُحقَقين. اعتمد الروس، وما زالوا، في حربهم الهمجيّة على الشعب السوري، سياسة الأرض المحروقة وفقًا لعقيدتهم العسكرية، كما سبق هذا التدخل وتوازى معه عربدة سياسية في مجلس الأمن من خلال استخدامهم المتكرّر لحقّ الفيتو، وأمّنوا للنظام حماية سياسية، وتعطيلًا للملاحقة القانونية الأممية بحقه، الأمر الذي جعله يحظى بحماية لم يحظَ بمثلها نظامٌ آخر في تاريخ الأمم المتحدة إلّا “إسرائيل”.

 

من جانب آخر، فإن الولايات المتحدة الأميركية لم تعترض على التدخل الروسي، وعلى الرغم من تكرارها موقفها الثابت بأنه لا حلّ عسكريًا في سورية، إلا أنه لم يصدر عنها، حتى هذه اللحظة، موقف جدّي واحد يتسنّى معه مراقبة ردة فعل الروس وحلفائهم، حتى يمكن الوقوف على مقاربة حقيقة السياسة الأميركية تجاه المسألة السورية؛ على العكس من ذلك، فإن الإدارة الأميركية تُبدي تراجعًا وغموضًا ورخاوة غير معهودة، الأمر الذي أدخل المتابعين، دولًا وأفرادًا، في متاهة التكهّنات من دون يقين.

 

ثمة أسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا السياق حول ماهية الموقفين الأميركي والروسي، وتنتظر أجوبة قد لا توفّرها اللحظة الراهنة، ومنها: هل تعدّ الولايات المتحدة أن الوجود الروسي في سورية، وما يخلفه من قتل وتدمير، يخدم الإستراتيجية الأميركية فيها، مادام لا يُرتّب عليها استحقاقات استراتيجية؟ أم أن الأميركيين يستدرجون الروس إلى مستنقع مُنهك، غير عابئين بالكلفة البشرية والسياسية والأخلاقية لموقفهم؟ صحيح أن من أهم الدوافع التي دفعت روسيا إلى التدخلّ العسكريّ، هو البحث عن مقايضة في سورية على فتح الملفات الكثيرة المقلقة لها والعالقة مع الغرب، ولم تحصل عليها بعد، لكن ألا تدرك روسيا خطورة ما أقدمت عليه؟ أم أن المصالح عمياء؟! وهل اختارت روسيا أن تخوض حرب نفوذٍ شرسة مع الغرب في منطقة الشرق الأوسط الحيوية؟ وإذا كان هذا يُداعب مخيّلة القادة الروس، فهل روسيا قادرة على تحمل تبعاتها وتداعياتها؟ كثيرة هي الشكوك التي تحوم حول هذا الاحتمال بغض النظر عن الضجيج الإعلامي والعنجهية اللذين يُبديهما مسؤولوها.

 

في التاسع من أيلول/ سبتمبر الماضي جرى في جنيف التوقيع على اتفاق كيري-لافروف الذي تضمّن وقف الأعمال العدائية في حلب، وإيصال المساعدات الإغاثية الأممية إلى المدنيين المحاصرين هناك، وعديدهم يزيد على ربع مليون نسمة. فشل ذلك الاتفاق ، كما فشل قبله اتفاق الهدنة بين الوزيرين في 22 شباط/ فبراير الماضي، ولم يجد طريقه إلى التطبيق لأن البنتاغون والاستخبارات الأميركيين رفضا التعاون مع الروس لجهة البند الذي نصّ على تشكيل خلية تنفيذية مشتركة، يتم من خلالها تبادل المعلومات الاستخبارية بين الطرفين، وكان الروس يعدّون هذا البند المُحرّض الأساس لهم في ذلك الاتفاق، فصبّوا جام غضبهم على حلب الشرقية، ودمّروا أحياءً بكاملها، وقتلوا  مئات المدنيين بغارات جنونية، واستخدموا أسلحة محرّمة دوليًا ومتطوّرة لا تتطلّبها قدرات الخصم ومستوى الصراع، وكأنهم اتخذوا قرارًا باحتلال حلب بحجّة هزيمة “جبهة النُّصرة”. هذا الهدف إذا استطاعت روسيا وحلفاؤها تحقيقه، فإنه سيعطيها إنجازًا إستراتيجيًا، كما سيقلب المعادلات والتوازنات القائمة في الميدان، الأمر الذي تُريد توظيفه في تمرير رؤيتها للحلّ السياسي الذي جوهره الحفاظ على نظام الأسد، ولن يخفّف من هذا التمادي الروسي تحذير كيري لهم بأن “احتلال حلب لن يُنهي الحرب”.

 

ثالثًا: الغرب يتحسّس رأسه

بدا واضحًا أن حجم ونوعية العنف اللذين تمارسهما روسيا في حلب، واحتمال سقوطها، أرعب الغرب الأوروبي، خاصّة في ظلّ التراخي الأميركي المتعمّد، إذ اكتفت الولايات المتحدة في 13 أيلول/ سبتمبر الماضي بالإعلان عن وقف مباحثاتها مع روسيا حول سورية، كما أُعلن عن طلب أوباما من فريقه للأمن القومي تقديم خيارات يُمكن أن يتصرّف على أساسها؛ وتبيّن لاحقًا أنها مجرّد تبديد للوقت عندما استبعد الخيارات العسكرية على أنواعها وأصرّ على خيارات دبلوماسية سبق أن أعلن عن وقفها.

 

يخشى الأوروبيون من انتصار روسيا في حلب، وبعده في سورية، في ظلّ الغموض الأميركي، يُمكن أن يشجّعها على نقل المواجهة إلى ميدانهم، لذلك استنفروا قواهم الدبلوماسية والإعلامية للجم الاندفاعة الروسية، بدأتها فرنسا بمشروع قرار تقدمت به في 8 تشرين أول/ أكتوبر الجاري إلى مجلس الأمن، يدعو إلى وقف الأعمال القتاليّة في حلب، ومنع تحليق الطيران، وإيصال الإمدادات الإغاثية؛ هذا المشروع أسقطته موسكو باستخدامها الفيتو، وهو الفيتو الخامس الذي تستخدمه لتعطيل العمل الأمميّ تجاه المأساة السورية، كما تقدّمت على عجل، وفي الجلسة ذاتها، بمشروع قرار مُناقض، سقط هو الآخر لأنه لم يحز إلّا أربعة أصوات أحدها صوت روسيا نفسها.

 

صدمة مجلس الأمن التي أحدثها الفيتو الروسي، دفعت الأوروبيين إلى تكثيف ضغطهم الدبلوماسي والسياسي على روسيا من خلال اتهامها بخرق القانون الدولي وارتكابها جرائم ترقى إلى جرائم حرب؛ وقد عقد مجلس العموم البريطاني جلسة دان فيها العدوان الروسي، كما أعلن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، في هذه الجلسة عن أنه “حان الوقت للبحث في خيارات أخرى في سورية ومن ضمنها الخيارات العسكرية”، غير أنه شدّد على “أن أي تحرّك يجب أن يكون من ضمن تحالف مع الولايات المتحدة”، وأنه “ما زال أمامنا الكثير حتى نصل إلى ذلك”.

 

من جهتها، عطّلت فرنسا زيارة الرئيس الروسي إلى باريس التي كانت مقررة في التاسع عشر من الشهر الجاري، عندما اشترط الرئيس الفرنسي أن يقتصر اللقاء على مناقشة الوضع في سورية، ما دفع بوتين إلى إلغائها، كذلك أعلن وزير الخارجية الفرنسية أن فرنسا ستواصل الضغط على روسيا.

كبريات الصحف الأوروبية، ووسائل إعلامية كثيرة، انخرطت هي الأخرى في حملة إعلامية واسعة، تفضح الممارسات الروسية في سورية، وتضع صور الأطفال المنتشلين من تحت الركام في صدر صفحاتها الأولى.

 

هذا الضغط السياسي والإعلامي الذي لجأ إليه الأوروبيون، وأوقع روسيا في حالة عزلة دبلوماسية، يعرفون جيدًا أنه غير كافٍ لردع روسيا ودفعها إلى التراجع، فهل أراد الأوروبيون من سلوكهم هذا الطريق حقن الرأي العام الأوروبي بجرعات عداء لروسيا وخطرها؟ أم أنه محاولة لتعبئة الفراغ الذي أحدثته سياسة الإدارة الأميركية، وحالة العطالة التي تمر بها بسبب الانتخابات؟

 

إن متابعة ردّة الفعل، والاستنفار الروسي المضاد، توحي بأن الغرب يهدف إلى الاثنين معًا؛ لجم الاندفاع الروسي أو التخفيف منه، وتهيئة الرأي العام الغربي لحالة مواجهة ما مع روسيا لا بدّ مقبلة، ولا شك في أنهم يفضلون أن تكون في منطقتنا إذا لم يكن بدٌّ منها.

في مقابلة له مع وكالة “ريا نوفوستي” الروسية، حذّر الرئيس السوفياتي السابق، ميخائيل غورباتشوف، من أن العالم “يُشارف بشكل خطِر على منطقة الخطر”.

 

وفي مواجهة التحرك الأوروبي، يعجّ الإعلام الروسي، هو الآخر، بحالة ضجيجٍ وحشدٍ للرأي العام الروسي، ويُكثر المسؤولون العسكريون والسياسيون الروس من التهديدات المبطّنة للغرب، ومن الحديث عن الجهوزيّة، والاستعداد الروسي للمواجهة. فالناطق باسم الجيش الروسي، الجنرال إيغور كونشنيكوف، يُحذّر البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية الأميركية “من مغبة التصرف العسكري في سورية”، وعلى شبكة روسيا 1 الرسمية يقول المقدم ديمتري كيسيليف، وهو في الوقت ذاته مدير وكالة ريا نوفوستي، إننا “سنُسقط الطائرات الأميركية” ويتابع أن الأميركيين “يريدون استخدام القوة ضد قوات الرئيس السوري وضد الطائرات الروسية ويجب ألّا نخشى الاستفزازات الأميركية”، ويُحذّر من أن الصواريخ المنصوبة في “كالينغراد” القريبة من بولندا “يمكن أن تجهز برؤوس نووية”، كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تعزيز وجودها البحري في شرق المتوسط بإرسالها حاملة الطائرات “كوزنتوف”، ترافقها خيرة السفن والطرادات الحربية في سلاح البحرية الروسي، وصادق مجلس الدوما الروسيّ على وجود دائم للقوات الروسية في قاعدة حميميم الجويّة.

 

في المقابل، تواجه النظام الروسي حالة تململ داخلية مُرشّحة للاتساع، بحكم التوتر والضائقة الاقتصادية التي تخلّفها سياسة حافّة الهاوية التي يُمارسها الرئيس الروسيّ في مواجهته مع الغرب، وأحد ساحاتها سورية؛ وليس من شك في أن سياسة بوتين هذه، تُعبّر عن حالة ضيق وقلق من الخطر الإستراتيجي الذي يمثله تمدّد الأطلسي نحو فضائه الجيوسياسي، ومن العقوبات وغيرها من الملفات، وكلّها تكثّف خللًا غير مرضيّ عنه في علاقة روسيا مع الغرب، كما تتجلى حالة التململ الداخلي في كونها انعكاسًا للمأزق الذي تغوص فيه روسيا في سورية وفي أوكرانيا، لكن تمظهر هذه الحالة ما زال ذا طابع نخبوي، يأخذ شكل آراء وتحليلات وعرائض تحذيريّة، وآخرها عريضة تبناها مئات المثقفين الروس، تدعو بوتين إلى إعادة النظر في الموقف من سورية والانسحاب منها.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل روسيا مستعدّة للمواجهة وراغبة فيها؟ أم أنها ستميل بحذرٍ نحو التهدئة والتبريد؟ وهل تخشى روسيا من أن تتوجّه أميركا نحو عمل عسكري؟

عندما يصرح الرئيس الروسيّ عشيّة مؤتمر لوزان بـ “أنه يصعب التحاور مع الإدارة الأميركية الحالية”، فهذا يعني أنه فات الأوان ليُقدّم تنازلات لإدارة راحلة وعليه انتظار الإدارة المقبلة التي لا يعرف توجّهاتها، لكنه يريد الحوار معها.

 

من الطبيعي أن تخشى روسيا إقدام الولايات المتحدة على عمل عسكريّ ما في سورية، لأنه سيحرجها أو سيدفع بها إلى مزلقة المواجهة التي لا يريدها الطرفان؛ فروسيا حريصة، على الرغم من أن الوقائع الميدانية تميل لمصلحتها، على استمرار علاقتها بأميركا، لأنها تستمدّ شرعية وجودها في سورية من هذه العلاقة تحت غطاء تمسّكها بالحلّ السياسي، وليس من طلب استقدامها من النظام أو إيران، وربّما من المفيد أن نستذكر الموقف الروسي، عندما هدّد أوباما بعمل عسكري بعد استخدام الكيماوي، حين سارعت روسيا إلى التأكيد بأنها ليست في وارد الدخول في مواجهة عسكرية، وتفتقت عن اتفاق نزع ترسانة النظام الكيماوية.

 

رابعًا: استدعاء الدور الإقليمي

في ذروة الحملة الأوروبية على روسيا، كان لافتًا دعوة موسكو من طرف واحد إلى عقد مؤتمر في لوزان في الخامس عشر من الشهر الجاري، قبيل يوم واحد من موعد مؤتمر لندن للنواة الصلبة من أصدقاء الشعب السوري، ولم تدعُ إليه الدول الأوروبية، فماذا أرادت موسكو في لوزان؟ هل هو مسعى روسي لكسر حالة العزلة التي وقعت بها؟ أم هي رسالة تبريد وتخفيض لحالة التوتر؟

 

دُعيت إلى لوزان كلٌ من الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وإيران التي تلكّأت في الموافقة على الحضور حتى تمت الموافقة على شرطها بدعوة العراق، ثم دعيت كل من الأردن ومصر وقطر والمبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي مستورا.

 

أعلن لافروف، قبل اللقاء أن روسيا لن تطرح مبادرات جديدة، وأن اللقاء يهدف بصيغته المصغّرة إلى “إجراء محادثات عمل، وليس نقاشات كتلك التي تجري في جمعية عامة”، وأمل في أن يساعد هذا اللقاء “في إطلاق حوار على أساس المبادئ المنصوص عنها في الاتفاق الروسي-الأميركي الذي حظي بترحيب واسع، ولكن لم يتم تنفيذه”، ويتناغم مع هذا تصريح المتحدث باسم البيت الأبيض “أن واشنطن لا تزال ملتزمة بالانخراط العميق متعدد الأطراف لخفض العنف في سورية والذي يشمل بالضرورة موسكو أيضًا”.

 

جرى لقاء لوزان، وفي اليوم التالي لقاء لندن، من دون أن يصدر عن أيّ منهما بيان! حتى التصريحات لم تقل شيئًا، وما لم يعبّر عنه لقاء لوزان حول تفاهمات غير معلنة، تقوله التطورات اللاحقة، ومنها الموقف التركي المفاجئ عندما يطلب وزير خارجيتها بشكل حازم من جبهة “فتح الشام” الخروج من حلب، الأمر الذي أعاد طرح السؤال حول حجم الاستدارة التركية وما نتج عنها من تفاهمات، وكيف ستنعكس على الثورة السورية، في حلب على وجه الخصوص؟ هذا فضلًا عن الصمت السعودي.

 

يأتي الإعلان الروسي عن هدنة في حلب لمدة ثماني ساعات، وبعده بساعات، يُعلن وزير الخارجية الروسية عن هدنة مفتوحة، ووقف القصف بدءًا من 18 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، لإتاحة المجال أمام تطبيق خطة دي مستورا الذي اقترح فيها إخراج “جبهة النصرة” من حلب كمقدمة للفصل بين “الأطراف المعتدلة” و”الإرهابية” في المعارضة المسلحة السورية. ثم يأتي اجتماع قمة ألمانية- روسية- فرنسية في برلين، لبحث الوضع في سورية بشكل أساسي، كجهدٍ إضافيّ يصبّ في الاتجاه ذاته، وكذلك الدعوة إلى اجتماع مسؤولين عسكريين وأمنيين في جنيف من الدول الإقليمية التي حضرت لوزان إضافة إلى الروس والأميركيين وفرنسا وبريطانيا، لبحث الوضع الميداني في حلب وإعداد قوائم فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفة، والمقصود هنا في الدرجة الأولى “جبهة النصرة”.

 

حراكٌ دبلوماسيٌّ محمومٌ يعكس توجهًا لترتيبات غير معروفة بعد، توقف القصف الروسي على حلب؛ وإن كان من المبكر استنتاج مآلات هذا الحراك، إلا أنه من الواضح أنه تم استدعاء دور للدول الإقليميّة المعنيّة في الصراع ليتكامل مع الجهد الأوروبي في هذا الخصوص، ويحظى بقبول روسي، بقصد تجميد الصراع أو تبريده في هذه الفترة التي تمرّ بها الإدارة الأميركية، خاصة إذا أخذنا في الحسبان انطلاق معركة الموصل التي سوف يستفزّ الإدارة الأميركية التشويش عليها بإشعال جبهات أخرى.

 

أيًا تكن التوافقات الدوليّة والإقليميّة التي حصلت هذه الأيام، فالمؤكد، إلى حدّ بعيد، أنها تأتي على حساب الثورة السورية، الأمر الذي سوف يرتّب على المعارضة السوريّة، السياسيّة منها أو العسكريّة، استحقاقات لا تُحسد عليها.

 

خامسًا: خيارات المجتمع الدوليّ للخروج من حالة العجز

إن البحث في الخيارات المُتاحة أمام المجتمع الدولي، بعد الفشل والعطالة اللذين يعاني منهما مجلس الأمن المُناط به حفظ السلم والأمن الدوليّين، يقودنا بداهة إلى الإقرار بأن خيارات هذا المجتمع تحكمها إرادات الدول الكبرى صاحبة الفيتو وصاحبة القدرة على الفعل والتصرف، والمعنيّ هنا الولايات المتحدة الأميركية التي سمح تراخيها بالتمادي الروسيّ في تكرار استخدام هذا الحق بشكل غير مسؤول، وبصورة مسيئة لهيبة النظام الدولي القائم، الأمر الذي ستكون له آثار كارثيّة على المجتمع الدوليّ ذاته وعلى مستقبل العلاقات الدوليّة.

 

عندما تلتقي إرادة الفاعلين الدوليّين، وفي المقدمة منهم الولايات المتحدة، على تفعيل مجلس الأمن ودوره، فإن المجلس سوف يستعيد قدرته على العمل وإجبار الخارجين على إرادته على تنفيذ قراراته.

 

من طبيعة العلاقات الدولية وضروراتها، أن يتواصل الحراك الدبلوماسيّ مع استخدام وسائل أخرى من الضغط، حتى لو لم تكن ملزمة أو سريعة النتائج؛ فهذا النوع من الحراك الذي يعتمد على التراكم، يجعل تقدّم نيوزيلندة بمشروع قرارٍ جديدٍ يدعو إلى وقف العنف في حلب مع تسهيل وصول قوافل الإغاثة الأممية، وبعد أسبوعين من آخر فيتو روسي، أمرًا طبيعيًا ومفهومًا.

 

خيار آخر يتيحه نظام الأمم المتحدة عندما يتعطّل مجلس الأمن عن القيام بدوره كما هو حاصل الآن، وهو اللجوء إلى الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، ودعوتها إلى عقد جلسة تحت مُسمّى “متحدون من أجل السلام”، حيث يكون لقرارها صفة الإلزام، كقرارات مجلس الأمن، في حال حاز موافقة ثلثي الدول الأعضاء. هذه الحالة جرت مرّة واحدة في تاريخ الأمم المتحدة إبّان الأزمة الكوريّة عندما استخدم الاتحاد السوفياتي آنذاك حق النقض، وعطّل مجلس الأمن، فتمّ اللجوء إلى الجمعية العامة، وتشكّل تحالف خاض الحرب الكوريّة إلى جانب الجنوبيّين في مواجهة غزو الشمال؛ وعندها واجه الاتحاد السوفياتي القوات الأمميّة بجيوش الصين الشعبيّة التي لم تكن حينها عضوًا في الأمم المتحدة.

نعم هذا مُتاح، وقد يحصل نظرًا إلى حجم الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الروس، لكن تبرز هنا مشكلة من نوع من هي الدول القادرة والمتحمّسة لتنفيذ مثل هذا القرار، ومن ثمّ، لتتقدّم قوّاتها وتدخل في مواجهة مع الروس وحلفائهم، الاحتمال المُرجّح أن مثل هذا التوجه إذا لم تقده الولايات المتحدة، فإنه لا حظوظ له بالتنفيذ، وسوف يُضاف إلى جانب قرارات مجلس الأمن التي لم تُنفّذ، وبالتالي، سوف يزيد في الإقلال من هيبة المنظّمة الدوليةّ وإضعاف الثقة بها.

 

مع هذا، واستنادًا إلى هذا المخرج، قامت المملكة العربيّة السعوديّة ودولة قطر بإعداد مشروع من هذا النوع لتنفيذ قراري مجلس الأمن ذوي الرقمين 2164/ 2015 و2254/ 2016 لجهة البنود الخاصّة بفكّ الحصار عن المدن، وإيصال الإمدادات الإغاثيّة، ووقف استهداف المدنيّين؛ وقد حاز المشروع موافقة مئة دولة حتى الآن. كما تقدّمت كلٌّ من كندا ودوقية ليخشتاين بطلب إلى رئيس الجمعيّة العامّة لعقد اجتماع للجمعيّة لمناقشة الوضع السوريّ، وفي السّياق ذاته وجّهت هيئة المفاوضات رسالة إلى رئيس الجمعيّة العامّة، للدعوة إلى عقد اجتماع للجمعيّة تحت هذا العنوان.

 

خيارٌ أخر، لكنه قد يصطدم بممانعة القوى المهيمنة على المنظّمة، وهو ما هدّد به وزير الخارجيّة الفرنسيّ بعد الفيتو الروسيّ، بإعادة النظر في حق الفيتو، وتقييد استخدامه عبر آليّات وحالات محدّدة تمنع تعطيل مجلس الأمن، وتأتي أهميّة هذا الطرح كونه يصدر لأول مرة عن دولة دائمة العضويّة وتملك حقّ النقض.

 

ثمّة خيارٌ أخر يُمكن اللجوء إليه إذا توافرت له الإرادة اللازمة، وسبق أن مورس في غزو العراق عام 2003، وهو أن تتصرف دولة دائمة العضويّة، أو أكثر، من خارج مجلس الأمن، لتجاوز حالة التعطيل الروسيّة تحت عنوان إعادة الاعتبار إلى القانون الدولي الذي تخترقه روسيا، على الرغم من ادّعائها الدائم بالحفاظ عليه، أو الحفاظ على الأمن والسلم الدوليّين اللذين تهدّدهما، أو تطبيق القانون الدوليّ الإنسانيّ وحماية المدنيّين الذين يقتلهم الطيران الروسي؛ والمشكلة هنا أن مثل هذا الخيار لا تستطيع القيام به إلّا الولايات المتحدة وحليفتيها بريطانيا وفرنسا، وهذه الدول، وعلى وجه الخصوص الولايات المتّحدة، ليس  لديها نيّة الحرب في سورية حتى الآن.

 

سادسًا: خيارات المعارضة

عند الحديث عن الخيارات، فإنّه لا بدّ من التطرّق إلى خيارات المعارضة السوريّة، السياسيّة والعسكريّة، وهي ولا شك تمرّ في أصعب مرحلة واجهتها منذ انطلاقة ثورة الحرية والكرامة؛ ذلك أنه من المرجّح أن الدول الإقليمية الداعمة لها قد دخلت، أو أرغمت على الدخول، في تسويات ليس من الضرورة أن تخدم الثورة السورية، ومن دون أن تأخذ رأي هذه المعارضة، ما سيزيد في خذلانها والتضييق عليها.

 

لكن بالنسبة إلى المعارضة السياسيّة تحديدًا، ومن حيث المبدأ، قد لا يكون مفيدًا التسرّع بردّات أفعال غير محسوبة أو انفعاليّة، من الطبيعيّ أن تولّدها حالة المرارة القائمة. والأكثر فائدة متابعة دورها في شرح قضيّتها أمام المجتمع الدوليّ والرأي العام العالميّ، وتدعيم صمود الشعب السوري في الداخل، واستنفار السوريّين في الخارج، فلربّما تكون هذه التوافقات الدوليّة والإقليميّة موقّتة، أو قد تنسفها تناقضات المصالح المتضاربة، في حين أن المرحلة تقتضي، أكثر من أيّ وقت مضى، اندماج جميع “الفصائل” تحت برنامج وطنيّ عموميّ لتفويت الفرصة على الروس في تمرير مطالبتهم الدائمة بفرزهم إلى متطرفين ومعتدلين تمهيدًا لتصفيتهم جميعًا على مراحل.