الكتاب: الخيال السياسي للإسلاميين/ما قبل الدولة وما بعدها

تأليف: د. هبة رؤوف عزت

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر

مكان النشر: بيروت. تاريخ النشر: 2013


 

مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة والمفكرة المصرية “هبة رؤوف عزت”، ولدت هبة رؤوف في القاهرة في عام 1965، حصلت على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة في عام 2007.

 

أسهمت رؤوف في العديد من الأبحاث العلمية والكتب السياسية المتميزة، وكانت الفكرة الأهم التي أستحوذت على اهتمامها، هي “مسألة الدولة” والتجليات المختلفة لها في الفكر الإسلامي والفكر الحداثي الغربي.

 

ويعدّ كتاب “الخيال السياسي للإسلاميين” واحدًا من أهم كتابات المؤلفة في ذلك المضمار، بل من الممكن أن نعدّه واحدًا من أهم كتابات الإسلاميين عمومًا في ما يتعلق بمسألة الدولة.

 

وأصل هذا الكتاب كان عبارة عن بحث للمؤلفة صدر عن “مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية” في القاهرة في عام 2004، ضمن كتاب مجمّع، شارك فيه عدد من المؤلفين بعنوان “إسلاميون وديموقراطيون”.

 

الفكرة المركزية لتلك الدراسة كانت بحث حالة التماهي ما بين “تصور الدولة عند التيار الإسلامي وتصورات الدولة القومية الحديثة”، حيث ترى رؤوف أن هناك تشابهًا كبيرًا ما بين التصورين على الرغم من جميع الشعارات والعناوين التي توحي بالعكس.

قسمت المؤلفة الكتاب إلى تمهيد ومقدمة وأربعة مباحث رئيسة ثم اختتمته بخاتمة أوردت فيها أهم النتائج والأفكار التي تناولتها.

 

في التمهيد، بينت رؤوف أهمية الأفكار والآراء التي يتطرق إليها الكتاب في كونه يشتمل على “تحليل نقدي لأفكار حقبة مهمة سبقت الربيع العربي، تعين على فهم أسباب الارتباك في الإدارة السياسية والعلل الكامنة في بنية الدولة الحديثة التي لم ينتبه إليها القطاع الأوسع من التيار الإسلامي وأنها حصن يمكن الاستيلاء عليه، في حين أن من درس الدولة القومية ونشأتها وعرف خرائطها التاريخية والمنطق الكامن فيها، يعلم أنها ثقب أسود يلتهم الأيديولوجيا والأخلاق لصالح الهيمنة والتحكم ومصالح رأس المال، وأنه كيان قام على العلمانية”.

 

وبعد ذلك تتناول المؤلفة –في اختصار- بعض الملاحظات المهمة في بنية الدولة في الحالة الحداثية الغربية.

فهي ترى أن نموذج الدولة الغربية، قد قام بالأساس على أضلاع مثلث، الضلع الأول وهو القومية، فقد نشأت تلك الدولة مع بزوغ الفكر القومي، والضلع الثاني هو القُطرية، لأنها قد قامت على أساس الترسيمات الجغرافية التي وضعتها كل دولة لنفسها، أما الضلع الثالث فهو الحداثة وذلك لأنها قد اعتمدت على أركان فكر الحداثة الذي “لا يؤمن بالغيب ويعدّ ما وراء الطبيعة خارج إطار العلم وتحت سقف الدولة”.

 

فالدولة الحداثية الغربية هي في حقيقة الأمر هدفًا وغاية في حد ذاتها، وليست مجرد أداة أو وسيلة كما يفترض أن تكون عليه، وقد أدى ذلك إلى نتيجة في غاية الخطورة، وهي أن النموذج الغربي للدولة قد أضحى وثنًا وصنمًا.

 

في المقدمة، تتعرض المؤلفة للخطاب السياسي الإسلامي السائد، فترى أن هناك قصورًا واضحًا في ذلك الخطاب وأن فيه عجزًا ظاهرًا في تحقيق الأهداف والغايات المرجوة منه.

فهذا الخطاب ما زال يوجه أسئلته واستفساراته الأساسية في اتجاه عقد المقارنات ما بين بعض تجليات الحضارة الغربية ومثيلاتها في الحضارة الإسلامية، فيهتم على سبيل المثال، بطرح المقارنات الجدلية ما بين الديموقراطية والشورى، وشكل وضوابط العمل الحزبي، ومشروعية الانتقال السلمي للسلطة كل ذلك في حين أن الليبرالية نفسها –والتي هي أحد المكونات الرئيسة في الحضارة الغربية موضوع المقارنة- تتطور وتتغير فتتقدم وتتوسع بقوة الآلة العسكرية، عادّة من نفسها فكرة مثالية، كما أنها جعلت من قيمها قيمًا مرجعية نهائية.

 

إذًا؛ فمشكلة الخطاب الإسلامي الرئيسة –بحسب المؤلفة- هي إعادة طرح الأسئلة القديمة والمتكررة وممارسة الجدل حولها، من دون الالتفات إلى المستجدات الفكرية على الساحة.

وتزعم المؤلفة أن الكثير من خطاب الإسلاميين قد أضحى ليبراليًا رأسماليًا في جوهره ومتسربل بالديباجة الدينية.

 

وقبل أن تستعرض المؤلفة الأخطاء التي وقع فيها الخطاب الإسلامي المعاصر، فإنها تحاول التأكيد على الاختلاف البنيوي –والذي يصل إلى حالة التضاد والتنافر- ما بين السياسة في المفهوم الإسلامي والمفهوم الحداثي.

فتبين رؤوف بعض النقاط المتعلقة بجدلية الدين والعلمانية، وذلك بوصف الدين هو الفكرة المرجعية المركزية في الحالة الإسلامية، كما أن العلمانية هي لب وجوهر الفكر الحداثي الغربي.

 

وتحدِّد المؤلفة أوجه التضاد في تلك الجدلية بأربعة نقاط أساسية، وهي:

-أن العلمانية تعني إنكار الوحي وتحكيم العقل المحض، والتخلي عن الحاكمية الإلهية.

-أن العلمانية مرادف لإفقاد الدين قوته واخضاعه للدولة.

-أن العلمانية وفصل الإسلام عن السياسة جدل أنشأه الاستعمار لإضعاف الأمة منذ بداية القرن العشرين، وتصاعد تجدده في العقود الماضية مع نمو حركة الصحوة حتى لا تسترد الأمة شريعتها وتعود إلى الإسلام ريادته، فدولته، فخلافته.

-أن هدف العلمانية تكريس الفردية وغايتها نسبية الأخلاق، وهو ما ينقض القيم الإسلامية ويؤدي إلى هدم العقيدة، وأنها صنو الليبرالية التي يراد لها أن تنتشر في العالم الإسلامي من دون معارضة.

 

بعد ذلك تبدأ المؤلفة في التنظير والتأسيس لعدد من المفاهيم المهمة التي ستعتمد عليها خلال رحلة البحث والمراجعة في الخطاب الإسلامي المعاصر.

فتتطرق المؤلفة إلى مفهومي “الشورى والديموقراطية” وتضرب بهما المثل، لتبيان ما تقصده بأن “المفاهيم أدوات ضرورية لفهم الواقع وتخيله”.

فتقول “إن العلاقة ما بين الشورى والديموقراطية، يتطلب تعيين شكل الديمقراطية التي ستستخدم في عملية المقارنة، وذلك لأن هناك الكثير من الأنساق الديموقراطية التي تختلف بشكل كبير عن بعضها بعضًا”.

 

تكمن أهمية تحديد تلك المفاهيم وتحريرها في كونها منطلقات فكرية أساسية ومركزية للخطاب الإسلامي، ولذلك فإنه من الواجب تعريف تلك المصطلحات والمفاهيم بشكل منهجي محدد قبل المسارعة إلى بناء الأحكام والتصورات المرتبطة بها.

 

فكما تقول رؤوف “إن اللغة والمفاهيم تحتل أهمية بالغة في مجال السياسة”.

ومن الممكن أن نتأكد من عمق نظر رؤوف في تلك النقطة تحديدًا، إذا ما التفتنا إلى أن كثيرًا من المجادلات والمناقشات المطروحة على الساحة الفكرية في المجتمعات الإسلامية، تقوم على بعض التصورات الخاطئة أو المبتسرة لبعض المفاهيم الطارئة.

 

فعلى سبيل المثال، نستطيع أن نلمس تفاوتًا كبيرًا في ما يتعلق بتقبل التيارات الإسلامية لمصطلح الديموقراطية، فهناك من تلك التيارات من يؤكد تشابه الديموقراطية –بل وتطابقها- مع مفهوم الشورى الإسلامي، وهناك تيارات أخرى ترفض تلك الحالة من التماهي والتقارب، وترى أن الديموقراطية اختراعًا غربيًا يختلف كل الاختلاف عن الشورى الإسلامية التي ورد ذكرها في مصادر الإسلام الرئيسة (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة).

 

ما تحاول رؤوف أن تشير إليه هنا، هو ضرورة البحث في بنية المصطلح وظروف نشأته وطريقة تطوره وما يلحق به من آليات وتطبيقات ونتائج، وذلك قبل المسارعة إلى الاحتكام إليه أو التماس السبل للدفاع عنه وعقد المقاربات بينه وبين المفاهيم الإسلامية الأصيلة.

 

تعبر المؤلفة عن ذلك الاتجاه التنظيري فيما يخص ضبط المفاهيم السائدة بقولها “إن المفاهيم السياسية لا يمكن ضبطها، وإن طبيعتها المثيرة للجدل والخلاف ترجع إلى عوامل عديدة أبرزها: أنها تعكس إنجازات تاريخية وتتضمن قيمًا ومُثُلًا: مثل الأمة -الشريعة أو الدولة -المواطنة، وأنها بالغة التركيب في بنيانها، وأن هذا البنيان يمكن إعادة ترتيبه بأشكال مختلفة ومن هنا الخلاف والتعددية في التعريفات والاستخدام”.

 

وتستخدم المؤلفة المنهج التفسيري في تحليلها للمفاهيم المتداولة في الخطاب الإسلامي، حيث ترى أن ذلك المنهج بكل ما يحمله من ثراء فكري من جهة، ورؤية ذات أفق متسع من جهة أخرى، يسمح بالخروج بأفضل نتيجة لفهم المفهوم ووضعه في الإطار الصحيح، كما أن ذلك المنهج يفيد في ما هو أكثر من رصد التطور التاريخي الخطي الأحادي (unilinear)، لأنه يساعد أيضًا في فهم تطور المنظومة والأفكار المرتبطة بها كلّها، ويعمل على البحث والتنقيب في السيناريوهات الكثيرة التي لم تتحقق فعليًا، والتي تطلق عليها رؤوف اسم “الخيال السياسي”.

ولعل ذلك يقودنا إلى ذكر السبب الذي حدا بالمؤلفة لاستخدام مصطلح الخيال السياسي لوسم كتابها وعنونته.

 

الخيال .. العقل .. الفكر

تؤكد المؤلفة أنها قد قصدت استعمال كلمة “الخيال” وليس “العقل” أو “الفكر”، وهي تفسر ذلك بأن استخدام مصطلح العقل يدل على حدوث دراسة في سياق تاريخي كما أنه يتم التعامل معه في الحقول التراثية التاريخية، وذلك مثلما فعل المفكر الكبير “محمد عابد الجابري” في كتابه الشهير “العقل الأخلاقي العربي”.

 

أما مصطلح “الفكر” فلا يمكن استخدامه بدلًا من الخيال؛ لأن الفكر معنى واسع “يضم أصواتًا هامشية وأطيافًا أيديولوجية” في حين أن المؤلفة قد أرادت أن تتعرض لخطاب الحالة الإسلامية، وأن تركز على من يوصفون بالإسلاميين تحديدًا.

 


 

كيف يتحول مفهوم ما إلى أسطورة؟

بعد أن بينت المؤلفة منهجها في تحليل المفاهيم، تقوم بإيضاح الكيفية التي تتحول بها تلك المفاهيم إلى تصورات ذهنية عظيمة الشأن والخطر في الفكر الجمعي لجماعة ما.

فهي ترى أن المفهوم يتطور حتى يصل إلى أن يصبح أسطورة، والأسطورة التي تقصدها رؤوف هنا، ليست تلك الخرافات والمبالغات الميثولوجية المذكورة في القصص والحكايات الشعبية، بل إنها تقصد بها “تلك المفاهيم الموروثة من دون مراجعة من تاريخ اجتماعي ما يقف بين الثقافة ومصادرها الأصيلة”.

 

وتوضح كيف يتحول المفهوم إلى أسطورة بقولها “فالأساطير الحاكمة هي التصورات السائدة عن المفاهيم والمستقرة لفترة طويلة وليست المفاهيم ذاتها”.إذًا؛ فطول الفترة والترسخ داخل الذهن والعقلية الجمعية للجماعة هما السببان اللذان يصنعان الأسطورة الاجتماعية.

وتضرب رؤوف مثالًا على ذلك، بمفهوم “الشريعة” في الخطاب الإسلامي المعاصر، فقد تحول تصور الإسلاميين لذلك المفهوم إلى أسطورة، ويظهر ذلك بوضوح في مساحاته الدلالية في الخيال السياسي الذي قصره على القانون مثلًا من دون الأخلاق والقيم، وبذلك تم تشويه المفهوم الأصلي لحساب التصور المعيب له.

 

ونتيجة ذلك أن المحاولات والدعوات التجديدية القائمة والتي تستند إلى حاكمية الشريعة مثلًا، قد أضحت في أمس الحاجة إلى مراجعة جديدة وفعالة، ليس في نطاق نقد المفهوم وتعديله كما هو شائع، بل إن مناط التجديد الحقيقي يتمثل في “تصحيح التصور الأسطوري للمفهوم”.

 

والحقيقة أن المؤلفة لا ترى أن تحويل المفاهيم إلى أساطير هو أمر مقتصر على الخطاب الإسلامي فحسب، بل إنها ترى أن تلك العملية التحويلية تحدث في جميع الخطابات المعاصرة، ومثال على ذلك “الخطاب الليبرالي” الذي أضحت بعض المفاهيم المؤسسة له مثل “فكرة العقد الاجتماعي -تشبيه الدولة بجسد وحش خرافي كما فعل توماس هوبز في كتابه الليفاثان -النزعة الفردية التحررية” أساطير أخرى تحتاج إلى التجديد وإعادة التأطير والتصحيح.

 

المنار الجديد

وبعد أن تحدد المؤلفة المنهجية المستخدمة لنقد الخطاب الإسلامي المعاصر، فإنها تعين المصادر التي ستستقي منها نماذج هذا الخطاب وأهم أشكاله وكتاباته وأدبياته المهمة، وقد اختارت المؤلفة مجلة “المنار الجديد” لتكون هذا المصدر.

 

بدأ إصدار مجلة المنار الجديد في شتاء عام 1998، وقد اقتبست اسمها من (مجلة المنار) التي أسسها رشيد رضا، وهذا يدل على توجهاتها الإسلامية الخالصة.

وتعدّ المنار الجديد منبرًا من أهم المنابر الإسلامية الموجودة على الساحة، ويظهر ذلك في أسماء كتابها ومستشاريها، حيث نجد أسماء لعدد من كبار القامات الفكرية الإسلامية مثل عبد الوهاب المسيري -يوسف القرضاوي -محمد عمارة.

 

وقد حاولت المؤلفة أن تستعرض مجالات اهتمام المجلة، فقسمتها إلى ثلاثة محاور رئيسة، وهي:

المحور الأول: هموم الحركة الإسلامية والنقد الذاتي، حيث ترى المؤلفة أن من أهم المؤلفين الذين كتبوا في ذلك المجال على صفحات المجلة “كمال حبيب” الذي استعرض تطور الحركة الإسلامية، ودعا إلى نبذ العنف والسعي إلى العمل السياسي من خلال العمل الحزبي.

 

وترى المؤلفة أن كتابات حبيب –على أهميتها- قد غاب عنها “فقه الدولة” بشكل كامل، وأن حبيب لم يشر على الإطلاق إلى أن هناك مشكلة تصور الدولة لدى الحركات الإسلامية، بل كانت المشكلة الرئيسية في كتاباته تتمثل في “تطوير فقه تعامل سياسي مع الأنظمة”.

 

ثم تتعرض المؤلفة لكتابات “صلاح هاشم” على صفحات المجلة، فترى أنها قد تمحورت حول “ضرورة استعادة المضمون الإسلامي لمناهج التعليم” وترى المؤلفة أن كتابات هاشم لم تتناول أي مراجعة لمفهوم السلطة عند الإسلاميين.

 

ثم تتعرض لمقالات “أبو العلا ماضي” التي دعا فيها لضرورة نبذ العنف ودعم استقلال الأزهر وتطويره وعودة الأوقاف كيانًا مستقلًّا، وترى رؤوف أنه لم يذكر أي حل أو رؤية لكيفية إدارة الأزهر عقب استقلاله عن الدولة، وأنه قد حصر المشكلة كلها في البعد السياسي فحسب.

ثم تناقش المؤلفة مقالات “عصام العريان”، التي تركزت على الدعوة للعودة (إلى القواعد التربوية والدعوية) للحركة الإسلامية، من دون أن يتطرق إلى مفهوم الدولة.

 

المحور الثاني: رؤية المشروع، تتعرض المؤلفة لرؤية الدكتور محمد عمارة التي تعتقد بأن هناك تلازمًا ما بين العمل السياسي والعمل الديني حيث أنه “من مقومات الإصلاح الديني الإصلاح السياسي المدني”.

 

وتتساءل المؤلفة عن حدود الاشتراك والتداخل والفصل ما بين النطاقين، إذ إن الرؤية التي يقدمها محمد عمارة، لا تقدم إجابات عن تلك الأسئلة، بل وتتجاوزها لتستمر في نسق الخطاب الإسلامي التقليدي السائد.

 

ثم تتناول رؤية “وحيد عبد المجيد” في ضرورة اجتماع الإسلاميين والليبراليين في كيان واحد، وهو ما يخالفه فيه “طارق البشري” الذي يعتقد بإمكانية التنسيق بين التيارين كحد أقصى للعمل السياسي المشترك، من دون أن يكون هناك فرصة لحدوث حالة تماهٍ حقيقية بينهما.

 

ثم تتعرض رؤوف لأنواع مختلفة من الجدل، تلك التي وجدت لها ساحة مهيّأة للظهور على صفحات المجلة، فتتناول “المسألة القبطية” ورأي “أبو العلا ماضي” في عدم وجود مشكلة للأقباط في مصر وأنهم يتمتعون بحريتهم الكاملة فيها، وردّ الباحث القبطي “سامح فوزي” الذي يؤكد وجود مشكلة عميقة.

 

المحور الثالث: رؤية العالم والعولمة، تلاحظ المؤلفة أن هناك عددًا من المقالات والمراجعات التي عرضت لبعض الكتب الغربية التي تنتقد العولمة، مثل كتابي “تغريب العالم لسيرج لاتوش” و”أميركا في قبضة رجال بيض أغبياء لمايكل مور”، ولكن رغم ذلك فإن تلك المراجعات لا تهتم بالأسس الماركسية التي انبنت عليها تلك الكتب.أي أن الخطاب الإسلامي قد تناول بحفاوة الانتقادات الغربية للعولمة، ولكن ذلك الخطاب لم يحفل على الإطلاق بالمرجعية التي تأسست عليها تلك الانتقادات.

وترى المؤلفة أن هناك قطيعة إسلامية مع الماركسية، وأن ذلك “حرم الفكر الإسلامي من مصدر غني لنقد الرأسمالية لعقود طويلة”.

 

وتشير المؤلفة إلى أن عدد المجلة لشتاء 2002، قد قدم أكثر من مقالة تعكس رؤى العالم على الرغم من أنه لم يجمعها ملف واحد، وهو ما تراه رؤوف بفعل تأثيرات أحداث سبتمبر 2001 في الخطاب الإسلامي.

وبعد عرضها لأهم محاور الخطاب الإسلامي، تعمل المؤلفة على تحليل هذا الخطاب، فتصل من خلال ذلك إلى عدد من الملاحظات الأولية المهمة، ومنها:

 

مركزية أسطورة الدولة الإسلامية

حيث ترى المؤلفة أن أسطورة الدولة العلمانية في تصورها الإسلامي هي أخطر ما يواجه الخيال السياسي الإسلامي، وذلك لأنه مما يحجّم من أفق الإسلاميين “أن سعيهم لإعادة ايجاد رابطة سياسية إسلامية يقوم في أساسه على قاعدة الدولة الحديثة”.

وهي تفسر ذلك بـ “وطأة النموذج الغربي الحديث على الواقع”، أي أن الأمر الواقع قد تسلل ليأخذ لنفسه مكانًا مهمًا، ليس في واقع الإسلاميين فحسب، بل في مخيلتهم الجمعية ونظرتهم إلى المستقبل كذلك.

 


 

غلبة الخطاب السياسي التشاوري

حاول الخطاب الإسلامي أن يثبت احترام الإسلام لحقوق الإنسان، من دون تأصيل لتلك الحقوق وحدودها إسلاميًا، وقد نتج عن ذلك “خطابٌ يقدم خليطًا من الاقتباس الفقهي ممزوجًا بالقياس القانوني على المبادئ الدستورية الغربية، من دون أن يغوص في تشكيلاتها البنيوية وعلاقتها بفكرة الجماعة كفكرة مركزية تختلف كلية في موقعها من النسق المفاهيمي الأصولي –قرآنًا وسنةً- عن مركزية الدولة في المفهوم الهوبزي”.

 

كلية النظر إلى الآخر-الغرب وتعميمها، وغياب النظر إلى الآخر-الجنوب والشرق

“الآخر هو الاستعماري أو الصليبي، هو الغربي في الأساس، وليس داخل هذه النظرة تنويعات إلا نادرًا”.

 

ويلحق بتلك النقطة نقطة مقابلة، وهي غلبة المركزية العربية وغياب المتابعة للحركات أو المجتمعات أو الأفكار الإسلامية غير العربية.

تلاحظ المؤلفة، أن الخطاب الإسلامي لا يلتفت إلى مشكلات المسلمين في أفريقيا، ولا إلى تجربتهم المميزة في إندونسيا وماليزيا، وهو الأمر الذي تصفه بأن الخطاب الإسلامي “مسجون داخل مركزية العروبة”.

 

إذًا؛ هناك مركزيتان مسيطرتان على الخطاب الإسلامي المعاصر، مركزية الآخر الأوروبي الغربي ومركزية الأنا العربي الإسلامي، وربما تصلح تلك المقاربة للإجابة عن أحد الأسئلة المهمة التي طرحها المستشرق الإنكليزي الأصل الأميركي الجنسية “برنارد لويس” في عدد من كتبه وأبحاثه، والذي مضمونه لماذا يكره المسلمون الغرب وأميركا أكثر من سواهم من أعدائهم؟وهو السؤال الذي يمكن الإجابة عليه اعتمادًا على هذا الطرح، بكون الغرب هو مركز ومحور الاهتمام الإسلامي، ولذلك فمن الطبيعي أن تستحوذ أميركا –بصفتها القوة الغربية العظمى- على النصيب الأكبر من السخط والكره من جانب العالم الإسلامي.

 

ثم تقدم المؤلفة عددًا من الأفكار التي تهدف إلى بناء المخيلة الجمعية للخطاب الإسلامي السياسي.

أولى تلك الأفكار هي إعادة بناء مفهوم الأمة؛ ذلك أن التنازع ما بين الإسلاميين والقوميين والليبراليين واليساريين نحو مفهوم الأمة لا يزال قائمًا، بل إن هناك خلافًا إسلاميًا-إسلاميًا حول أولوية الفعل السياسي أو الفعل الدعوي، فهناك من عدّ أن بناء الأمة الإسلامية مقدمة لاستعادة الدولة، بينما ذهبت بعض التيارات الراديكالية إلى أن الوصول إلى الحكم هو سبيل بناء الأمة، وتقترح المؤلفة أن يتم إعادة التأسيس لمفهوم الأمة بشكل يسمح بالتعددية، ليكون مفهومًا عالميًا بحق.

 

وترى رؤوف أن هناك أربع مفاهيم إسلامية من الممكن استخدامها في سبيل ذلك، وهي مفاهيم (الفطرة –العالمين -المجتمع المدني العالمي -المجال العام)، وتستند المؤلفة في طرحها إلى مستند ووثيقة تاريخية، وهي “وثيقة المدينة” التي أسست لـكيان تعاقدي مشكّل من كيانات عضوية وعقائدية مختلفة.

 

ومن الأفكار المهمة التي تطرحها المؤلفة في ذلك السياق، التغير الذي طال الذات الفاعلة في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة، حيث تلاحظ المؤلفة صعود ثلاثة امتدادات للمجال العام؛ الفضاء الإعلامي -الفضاء الإلكتروني -تحول المساحة المكانية في العالم العربي مع اتساع المدن ونموها.

 

وهو الأمر الذي أدى إلى استحداث روابط اجتماعية بعيدًا عن المركزية الأيديولوجية والتنظيمية، وهو ما ظهر بشكل واضح في الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي.

وتشير رؤوف إلى أن المخيلة السياسية المشوّهة للحركات الإسلامية في دول الربيع العربي، كانت سببًا في ظهور عدد من السلبيات في أثناء حكمهم بعض الدول، من تلك السلبيات: فقر الرؤية -غلبة البراغماتية -الانشغال بالسياسة على حساب الدعوة.

 

وفي خاتمة الكتاب، تُعيد المؤلفة التذكير باستحالة التوفيق ما بين نموذجي الدولة (الإسلامي والغربي)، وتؤكد “أن استعادة قيمة التفكير هي الفريضة التي غابت في ظل إعلاء منطق التنظيمات والاستسلام لظن أن ما نقف عليه وأمامه وتحته يحتاج فقط إلى أسلمة فحسب”.

وتختتم حديثها بالإشارة إلى أن الاكتفاء بالدعوة والتربية لجيل قرآني لن يعيد بناء الأمة، بل إنه يلزم فهم المرتكزات الحداثية التي غرسها الاستعمار في تربة الدول العربية قبل استقلالها، وذلك حين أعاد تشكيل كثير من التصورات المركزية وربطها بالتيار العام للتدين بالدولة وسقفها.

 

هل تكفي مجلة المنار؟

في الختام، يجب أن نلفت النظر إلى سؤال مهم، وهو هل يمكن أن نعتبر من جريدة المنار الجديد نموذجًا كافيًا وافيًا للتعرف إلى معظم التوجهات السائدة في الخطاب الإسلامي المعاصر؟

 

الحقيقة، أن المؤلفة قد اختارت المنار الجديد، لتنوع الاتجاهات الفكرية التي تتخذ منها منبرًا لنشر أفكارها وعرضها، وهو سبب منطقي، ولكن ما فات المؤلفة أن هناك كثيرًا من الاتجاهات الفكرية الإسلامية الأخرى التي لا تكتب في تلك المجلة التي هي على تنوّع كتابها وتباين أفكارها، مرهونة بقيود سياسية محددة وسقف معين من الحرية لا سبيل إلى تخطيه وتجاوزه.

 

فالتيارات السلفية الجهادية والسلفية الجامية –مع قوتها وحجم تأثيرها على الصعيدين الفكري والمجتمعي- لم تتح لها الفرصة لعرض أفكارها على صفحات المجلة، إذ كانت تلك التيارات في ذلك الوقت تحت حصار القبضة الأمنية السلطوية للدول العربية، وكانت لها منابر فكرية أخرى.

وبما أن المؤلفة قد صرحت في عنوان كتابها أنها تعالج الخيال السياسي عند الإسلاميين عمومًا وليس عند تيارات فكرية محددة منهم، فقد كان من المفترض على المؤلفة أن ترجع إلى تلك المنابر، وأن تتناول بعض موادها بالدراسة والتحليل والنقد، وذلك حتى تستطيع في النهاية أن تخرج بآراء تعميمية تعبر عن مجموع الخطاب الإسلامي المعاصر وليس عن جزءٍ منه فحسب.