المثقف في المنطقة العربية:

الدور والوظيفة في عالم اليوم

الورقة الخلفية لموضوع الجائزة:

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبروز ظاهرة العولمة، ظهر في الساحة السياسية والثقافية، في المنطقة العربية، سؤال صارخ حول دور المثقف في الواقع والتاريخ، ومدى تأثير فكره وأنماط عمله في حركة الواقع والبشر؛ وهو، في الحقيقة، سؤال قديم جديد له علاقة بالكشف عن دور الفرد عمومًا في حياة الجماعات، وفي التغيير؛ لكن هذا السؤال ازداد إلحاحًا بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، خصوصًا بعد التباين الواضح في مواقف عديد من المثقفين إزاء الثورات والسلطات، وبعد أن أصبح المثقفون معروفين جيدًا لدى الرأي العام العربي، وتحسب عليهم أنفاسهم وكلماتهم، بحكم حسساسية اللحظة السياسية من جهة، وسهولة انتشار المواقف والأخبار في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي من جهة ثانية.

 

يمكن القول إن العلاقة بين المثقف والسلطة الحاكمة كانت واحدة من المعايير التي لجأ إليها الناس  في تقييم دور المثقف وفكره وسلوكه وأخلاقياته. على العموم، تباينت مواقف المثقفين بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، فبعضهم ظهر مندرجًا أصلًا في سياسات السلطة منذ زمن بعيد، أو من صناعتها، وبعضهم كان واضحًا في معارضته السلطة، ومنهم من اتخذ موقفًا مناصرًا، علنًا أو ضمنًا، للسلطات القائمة، بعد سنوات طويلة من معارضته لها، فيما بعضهم الآخر تراجع خطوة أو خطوات إلى الوراء، أو وقف على الحياد منتظرًا ما ستؤول إليه الأمور، تبعًا لرؤى أو تحليلات خاصة، قد تكون مصيبة أو خاطئة، صادقة أو كاذبة، أو وفقًا لمصالح ذاتية ظهرت إلى العلن بعد أن كانت مخفية.

 

هل هناك شيء اسمه “مثقف حاف”؟ مثقف من دون اهتمام بالحدث السياسي أو تدخّلٍ في الشأن العام؟ أم أن المثقف هو، بالتعريف، ذلك المتعلم الذي يحمل الهم العام ولا يكتفي بممارسة تخصّصه المعرفي؟ ألا تفترض المعرفة مسؤوليةً على من يحملها؟ هل يستطيع المثقف أن يكون على الحياد، أم أن التكافؤ بين الكلمات والفعل إحدى الصفات الرئيسة لاستحقاق صفة “المثقف”؟ وهل ما زالت مصطلحات مثل: “المثقف الثوري”، “المثقف العضوي” مطروحة وتعبِّر عن فئة معينة من المثقفين، تتميز عن غيرها بتبنيها قضايا الشعب أو الطبقة أو… إلخ؟

 

كيف يجب أن تكون ردّة فعل المثقف على الظلم؟ هل يجب أن يرفضه ويقاومه أم عليه أن يحسب نتائج رفضه ومقاومته، عليه شخصيًا أو على عموم البشر، ويحدِّد موقفه في ضوئها؟ ألا تشكل الاستجابة غير المدروسة ضد الظلم شكلًا من أشكال الانتحار الشخصي أو الجماعي؟. من جانب آخر، هل هناك جدوى لاحتجاج المثقف، أو قول “الحقيقة” في مواجهة نظام متسلط أو مجتمع متأخر، وهل يستطيع المثقفون أن يصنعوا فرقًا؟ هل ما زالت مصطلحات مثل “النخبة” صالحة في عالم اليوم؟ وهل لها من دور حقًا في عالم اليوم المتخم بالتكنولوجيا والاختراعات العلمية التي غزت جميع مناحي الحياة؟ أو في ظل التحولات المتسارعة في القيم والأخلاقيات في عالم اليوم؟

 

للمثقف دورٌ في كشف المشكلات المجتمعية وقراءة الواقع ومعرفة مسار التاريخ، لكن هل ما زال له دورٌ في تغيير المجتمع والواقع والتاريخ؟ أم أن المشكلة كلها تتعلق في موت أدوار وولادة أدوار جديدة للمثقف، أي في البحث عن أدوار متوافقة مع عالم اليوم؟ وما العقبات والصعوبات التي تقف في وجه هذه الأدوار الجديدة؟. في ظل اللحظة الراهنة، نحن في حاجة شديدة إلى معرفة حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه المثقف في سياق تشخيص المشكلات الواقعية، وإبداع الحلول الملائمة، ولا شك في أن هذا يتطلب في البداية استكشافًا للمفاهيم وتمييزًا بينها: المثقف، الأديب، الخبير، الباحث، المثقف الشبكي… إلخ، كما يتطلب الكشف عن مستويات علاقة المثقف بالسياسة، والتقاطع والافتراق بينهما، وفي الوقت ذاته كشف التقاطعات والافتراقات والتمايزات بين الفرد/المثقف والفرد الأيديولوجي، أو -بشكل عام- بين الثقافة والأيديولوجية، وما يجره ذلك من إعادة الربط بين المثقف والفكر النقدي.

 

كثيرًا ما جرى الحديث عن أمراض المثقفين وعيوبهم؛ إلى أي مدى يُعد هذا الحديث صحيحًا، وهل هي أمراض تصيب المثقفين كافة أم تقتصر على بعضهم؟ وما تأثير هذه الأمراض -إن وجدت- على رؤيتهم للواقع ومواقفهم من حوادثه المختلفة؟ وهل تُصاب رؤاهم بأذى من حيث موضوعيتها بحكم تلك الأمراض، أم أن الموضوعية ذاتها بعيدة المنال أصلًا، وأن التزامها المسبق لا يعني أكثر من فرض قيد على ذات المثقف وحريته؟

 

هذه بعض الأسئلة المتداولة في الساحة الثقافية السياسية في المنطقة العربية، والتي تبرز في معرض الحديث عن المثقف في المنطقة العربية؛ ويمكن للباحث أو المثقف أن يتناول واحدًا منها أو بعضها، أو ربما يطرح على نفسه أسئلة جديدة لم تأتِ الورقة على ذكرها، آملين أن تكون النتاجات المقدمة أصيلة، وتخدم عملية إعادة تعريف المثقف، والكشف عن أدواره ووظائفه في هذه اللحظة الصعبة من تاريخ المنطقة العربية.