المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: عدد قياسي

ثالثًا: في البداية مبادرات عربية

رابعًا: التحوّل نحو المبادرات الأممية

خامسًا: قرارات دولية خلّبية

سادسًا: محاولات لطمس مبادرة جنيف

سابعًا: فيينا والجدول الزمني

ثامنًا: فشل شامل

تاسعًا: حلول معقّدة

 


 

أولًا: مقدمة

بعد أشهر قليلة من بدء الثورة السورية، وإصرار النظام السوري على استخدام أعلى درجات العنف والحل الحربي في مواجهة التظاهرات السلمية والاحتجاجات المدنية، ومع ازدياد القلق الإقليمي والدولي على مصير سورية وشعبها الذي كان يُقاوم بالتظاهرات السلمية آلة الحرب التي شغّلها النظام دون رحمة، بدأت بعض الأطراف الأكثر التصاقًا بالقضية السورية تطرح مبادرات سياسية علّها تحل العقدة، وتوقف عنف النظام قبل أن ينتقل إلى حرب تُدمّر سورية وتنتقل إلى جوارها.

 

ثانيًا: عدد قياسي

قارب عدد المبادرات الرئيسة التي هدفت إلى وضع حل للمأساة السورية العشر، وكان هناك ما يعادلها تقريبًا من المبادرات الجزئية المخصصة لحيثية محدّدة أو منطقة سورية محدّدة أو مسألة فردية. وفي العموم، لم تتشابه هذه المبادرات، كما لم تنهج نهجًا تصعيديًا واضحًا ضد النظام وحربه، وكانت مُتقلبة، متشددة أحيانًا، وتميل لمصلحة الشعب والمعارضة تارة، ورخوة متهاونة مع النظام، لا تحقق الحد الأدنى لمطالب السوريين تارة أخرى. لكن العامل المشترك الوحيد بينها يكمن في كونها لم تنجح في التخفيف من حدّة المأساة قيد أنملة.

طُرح عدد قياسي من المبادرات بهدف حل القضية السورية، عربية وإقليمية ودولية وأممية، وهو عدد لم تحظَ به قضية أو حرب خلال القرن الأخير. وتدخلت في رسم هذه المبادرات كيانات عربية ودولية، كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي وغيرها؛ ودول عديدة ضالعة أو مؤثرة في الشأن السوري، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين، فضلًا عن دول عربية وإقليمية كالمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا ومصر وإيران.

هذا الكم، لم يُنتج نوعًا، ولم تستطع جميع هذه القوى والدول والمنظمات أن تُمرّر أيًا من المبادرات سابقة الذكر، وذلك لأسباب عديدة تتعلق بالخلافات بين الدول التي لها علاقة بالقضية السورية، ورغبة عديد منها في استغلال المأساة السورية لتحقيق تطلعاتها، والمساومة على ملفاتها الأخرى، واستغلال هذا الطرف أو ذاك المبادرات كوسيلة للمماطلة وتمضية الوقت وتسويف الحل؛ ذلك لأن هذه المبادرات لا تنسجم مع سياساته أو تطلعاته، ما يدفعه -بالتالي- لتفضيل التعطيل والانتظار، حتى تنضج ظروف أخرى، سياسية، أو عسكرية في الغالب، يمكن في ظلها تمرير ما يُناسبه؛ فضلًا عن تعنّت النظام السوري وتمسّكه بالسلطة، وفتحه الباب واسعًا أمام الدول لتتدخل في الشأن السوري بشكل فاضح، مقابل ضمان استمرار بشار الأسد ونظامه على رأس السلطة.

لذلك، جاءت نصوص جميع المبادرات قاصرة، غير قابلة للتنفيذ، مُفككة تقنيًا وغير مكتملة العناصر إجرائيًا، وحاملة لأسباب فشلها، فضلًا عن كونها صدى للخلافات الإقليمية والدولية، ما جعل منها صورة دقيقة لشكل الصراع السياسي وقت صدورها.

ثالثًا: في البداية مبادرات عربية

في وقت مُبكّر، وتحديدًا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، أي بعد نحو ثمانية أشهر من انطلاق الثورة السورية، وتجاوز عدد من قتلهم النظام العشرة آلاف، تقدمت جامعة الدول العربية بخطة لوقف العنف والقتل، تكوّنت من 13 بندًا، كانت أشبه بنداء للإصلاح؛ ودعت إلى التفاوض السلمي بين النظام والمعارضة لوقف سفك الدم، وطالبت النظام بسحب عسكره من المدن، وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الانتفاضة، والبدء بإصلاح سياسي واسع وملموس، يبدأ بفصل الجيش عن الحياة السياسية والمدنية، والتفاوض بإشراف الجامعة العربية للتحول إلى نظام حكم ديمقراطي تعددي، يتمثل بحكومة وحدة وطنية ائتلافية تُمهّد لانتخابات نيابية شفافة، وصولًا إلى إجراء انتخابات رئاسية تعددية مفتوحة، يُشارك فيها الجميع بمن فيهم الأسد.

 

استبق العربُ التدخلَّ الدولي، وحاولوا طرح خطة لوقف الحرب، لكن النظام تعامل معها باستهتار وعدائية، وخرّب المساعي العربية كلها، وقيّد حركة مراقبي الجامعة، وراقبهم ومنعهم من لقاء الناشطين، واستهدفهم بالقصف؛ وكان السوريون على يقين بأن نظامهم لن يقبل بها، لأنهم خبروه طوال خمسة عقود، وعرفوا مدى تمسّكه بالسلطة، ومدى إحكامه السيطرة على الدولة بكل مقدراتها خدمة لبقائه.

 

على الرغم من عدوانية النظام تجاه المبادرة العربية، لم يسيطر اليأس على العرب، خاصة بعض الدول الخليجية التي باتت ترى تحالف النظام السوري وإيران تهديدًا لها، فقرروا أن يتابعوا مسعاهم، معتقدين أنهم إما أن ينجحوا هم، أو يعملوا، في حال الفشل، على نقل المسألة برمّتها إلى المجتمع الدولي الذي يمكن أن يفرض حلًا لها.

 

في كانون الثاني/ يناير 2012، طُرحت مبادرة عربية أخرى، أقوى قليلًا، لأنها طالبت النظام بإجراء حوار سياسي مع المعارضة خلال أسبوعين، بهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال شهرين، ثمَّ إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مُبكرة، ورفعت السقف وطالبت رأس النظام السوري بتفويض نائبه فاروق الشرع للتفاوض مع المعارضة؛ وهنا رفع النظام سقفه أيضًا، مُستندًا إلى قوة إيران التي بدأت ترسل له عسكريين وأمنيين خبراء في قمع الانتفاضات والثورات، فقرّر الرفض التامّ، واعتبر أن العرب يتدخلون في شؤون سورية الداخلية وينتهكون سيادتها، وأخفى الشرع من المشهد السياسي.


 

رابعًا: التحوّل نحو المبادرات الأممية

مع إغلاق النظام الباب نهائيًا في وجه المبادرات العربية، وانحياز طهران بشكل فجّ وعلني إلى جانب النظام، وخلوّ الساحة من قوى إقليمية قادرة على التأثير فيه ووقف عنفه، ومنع انتقاله إلى مستوى أعلى من الحل الحربي، واستخدام سلاح الطيران ضد المدنيين، كان لا بدّ من تدخّل المجتمع الدولي ليُدلي بدلوه، عبر الأمم المتحدة في بداية الأمر.

 

خلال تولّيه منصبه كمبعوث للأمم المتحدة والجامعة العربية، وضع كوفي عنان خطّة لإنهاء الحرب في سورية، وفي آذار/ مارس 2012 وافق مجلس الأمن على الخطة، ودعا السلطات السورية إلى “التطبيق الكامل والفوري” لها، ولم تكن في ذلك الوقت تشتمل تنحي الأسد.

 

تضمنت الخطة ست نقاط، أهمّها بدء عملية سياسية شاملة يقودها السوريون، ووقف جميع أعمال العنف المسلح، وتطبيق هدنة يومية للسماح بإدخال المساعدات، والإفراج عن المعتقلين على خلفية نشاطات سياسية سلمية، وضمان حرية الصحافة، وحرية تكوين المؤسسات، والحق في التظاهر السلمي.

 

في هذه المرحلة، بدأ الروس وضع ثقلهم للتأثير في الملف السوري، ولكسب موقع استثنائي قابض فيه، فلم يعد الدعم الروسي للنظام سياسيًا فقط، بل صار عسكريًا، عبر تزويده بالسلاح والخبراء، وفي مرحلة أخرى اقتصاديًا، إذ وجد سيّد الكرملين أن الحرب السورية هي فرصته الذهبية ليتحكم في الشرق الأوسط، من جهة، وليرد على تهميشه من الولايات المتحدة وأوروبا، في الملف الليبي على وجه الخصوص، من جهة ثانية؛ والأهم من هذا وذاك، ليسترجع دور روسيا كقطبٍ موازٍ للولايات المتحدة على مستوى العالم.

 

هذا الانفتاح الروسي على نظام الأسد، جعل الأخير أكثر اطمئنانًا وإصرارًا على إفشال أي مبادرة سياسية، اعتقادًا منه بأن فشل المبادرات سيتيح له الفرصة لاستعادة السيطرة على سورية التي بدأ يفقد أجزاءً مهمة منها لمصلحة المعارضة المسلحة، فأفشل مهمة مراقبي الأمم المتحدة، وأغرقهم بالتفاصيل- كما كان قد هدد وزير خارجيته في وقت مُبكّر-؛ ولأن المبادرة صدرت بصيغة تسمح بإدارة الصراع لا بإنهائه، واعتمدت على طوعية وأخلاق النظام السوري وحسن نيّته، قرر عنان تقديم استقالته.

 

تحت الضغوط، وبدء فقدان النظام السيطرة على الأرض السورية، وخسارته لنحو ثلث أراضي البلاد، ومنافسة الإيرانيين الروسَ على القرار السياسي والعسكري للنظام، وضعت مجموعة العمل الدولية التي ضمّت الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ودولًا عربية وإقليمية، في حزيران/ يونيو 2012، خلال مؤتمر عُقد في جنيف، مبادئ مرحلة انتقالية، وصدر (بيان جنيف1) الذي تضمن عدة نقاط أهمها: إقامة هيئة حكم انتقالية كاملة السلطات التنفيذية، من الحكومة والمعارضة، ومن مجموعات أخرى، مع المحافظة على المؤسسات الحكومية بما فيها الجيش والأمن وإخضاعهما لهيئة الحكم الانتقالية، التي تعيد أيضًا النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وتُجري انتخابات حرة ونزيهة وتعددية.

 

المشكلة التي واجهت (بيان جنيف1) هي الصيغة المبهمة، الضبابية والعامة والقابلة للتفسير والتأويل، التي لم تُحدد مصير وموقع الأسد، ولم تضع برنامجًا زمنيًا، ولم تفرض بنودًا إلزامية. ويبدو أن هذه الضبابية وقابلية التفسير المفتوح، كانا أمرًا مَرْضيًّا عنه من الولايات المتحدة وروسيا على وجه الخصوص، بل ربما رغبا فيه أيضًا؛ ذلك أنه حدد الإطار العام الذي يريدانه، وترك الباقي للظرف والزمن. وسرعان ما استغل النظام وروسيا الثغرات في هذا البيان ليعبثا به، فأفشلاه، وأفشلا جولتين لاحقتين من المفاوضات، ما دفع المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي للتنحّي عن منصبه أيضًا.

 

خامسًا: قرارات دولية خلّبية

كان الوقت يمر من دون نتائج، وكانت الأطراف الدولية مرتاحة لتمرير الوقت، فمصالحها في استمرار الصراع أكبر كثيرًا من إنهائه، خاصة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وروسيا اللتين لا تريان أي مشكلة في تحوّل سورية إلى مستنقع أو رمال متحركة. لكن لحفظ ماء الوجه، كان لا بدّ، بين الحين والآخر، من بعض القرارات للإيحاء للعالم وللسوريين بأن ملفّهم لم يُجمّد، فصدر القرار الأممي 2042 في نيسان/ أبريل 2014 الذي نصّ على إرسال بعثة مراقبين عسكريين غير مسلحين إلى سورية لمراقبة وقف إطلاق نار مطلوب، لم يُنفّذ طبعًا، لأن هدفه الأساس كان كسب الوقت لا البدء بأولى خطوات الحل. ولم يمض أسبوع، حتى صدر قرار أممي آخر برقم 2043، استكمالًا للأول، طالب الأطراف المعنية بحماية بعثة المراقبين، وتقديم تقرير كل خمسة عشر يومًا، لكن حتى هذا القرار التكميلي لم يؤثر في الواقع العملي شيئًا.

 

في هذه المرحلة، كان الإيرانيون هم المسيطرون على القرار العسكري للنظام السوري، بينما كان الروس مسيطرين على قراره السياسي؛ وبدأت طلائع التنظيمات الإرهابية الدولية تتوافد إلى سورية، خاصة (تنظيم الدولة الإسلامية) و(جبهة النصرة)، وقويت شكيمتهما؛ وجاء هذا التغلغل ككنز بالنسبة إلى النظام وروسيا، لأنه بات حجّة قوية لتغيير أساسيات بيان جنيف1 الذي أقلق النظام إلى أبعد حد.

 

في شباط/ فبراير 2014، وبعد تدهور الوضع الإنساني، وما رافقه من قتل وتشريد ونزوح، أصدر مجلس الأمن القرار 2139 عشيّة الذكرى الثالثة لانطلاقة الثورة، لكنّه كان قرارًا ذا صبغة إغاثية بحت لم يتضمن أي بنود سياسية، وصدر تلبية لنداءات إنسانية، ولم يكن له أي تأثير على الأرض، ولم يتم تطبيقه وتنفيذه في الواقع العملي.

سادسًا: محاولات لطمس مبادرة جنيف

أخذ النظام وحلفاؤه، الروس وغيرهم، يتذرعون بأن الأوضاع الحالية في سورية اختلفت عما كانت عليه عندما صدر بيان (جنيف1)، حيث لم تكن التنظيمات الجهادية العالمية قد دخلت سورية؛ وبات مطلبُ النظام وروسيا إلغاءَ هذا البيان، أو على الأقل تفسيره بما يقتضيه الأمر الواقع، أي تقديم مكافحة الإرهاب على أي بند سياسي أو أمني آخر، وشدّدا على ضرورة إرغام المعارضة على التعاون مع النظام من أجل القضاء على هذه التنظيمات الإرهابية قبل أي حل سياسي.

 

في كانون الثاني/ يناير 2015، بدأت موسكو خطوات إضافية لتشتيت الانتباه عن (بيان جنيف1) الذي وافقت عليه المعارضة السورية، وحظي بإجماع دولي؛ وواصلت أيضًا مساعيها لتشتيت المعارضة ودمجها بكيانات لا تمتّ إلى المعارضة بصلة، بغية تفكيكها وإضعافها؛ فدعت إلى عقد مؤتمر (أو منتدى) في موسكو. لكن جميع قوى المعارضة الرئيسة قررت مقاطعته، احتجاجًا على النيات الروسية من جهة، وضعف ثقتها بروسيا من جهة ثانية، خاصة أنها باتت في نظرهم طرفًا في الحرب ضدهم ولا يمكن أن تكون وسيطًا. ولم تستطع موسكو جمع سوى بعض المعارضين السوريين غير المؤثرين، وبعض من يدّعون أنهم معارضون، إضافة إلى وفد يمثّل النظام. وصدر عن هذا اللقاء ما سُمّي بـ “مبادئ موسكو” التي تضمّنت عشر نقاط، جميعها تتوافق مع طروحات النظام وروسيا، وليس فيها أي وعد بإصلاح أو تغيير سياسي أو مشاركة للمعارضة، وكان واضحًا أن المطلوب هو تهميش بيان جنيف1، ولذلك رفضت كل قوى المعارضة، السياسية والعسكرية، نتائجه، فيما وافق عليها النظام لأنها تدعم ما يريد.

 

وفي مسار تهميش (جنيف1) نفسه، قدّم المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، في آب/ أغسطس 2015، خطة سلام جديدة تعتمد على إنشاء أربع مجموعات عمل تتمحور حول الأمن والحماية ومحاربة الإرهاب والمسائل السياسية والدستورية وكذلك إعادة الإعمار، و”إطلاق عملية سياسية تقودها سورية”، وهو التعبير الذي يردِّده النظام دائمًا. وكان واضحًا أن الروس متحمسون لتمرير هذه الخطة التي تتناقض تمامًا مع بيان جيف الذي يدعو إلى تشكيل هيئة واحدة، غير أن الولايات المتحدة أدخلت تعديلات عليها تضمنت تشكيل هيئة قيادية انتقالية ذات سلطات تنفيذية كاملة، أي أضافت جوهر بيان جنيف1، فدعمها مجلس الأمن الدولي بصيغتها النهائية. لكن حماسة روسيا تراجعت، فأفشلت الخطة ولم يتم تنفيذ أي بند منها.

 


 

سابعًا: فيينا والجدول الزمني

من جديد، اجتمعت الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والسعودية وقطر ومصر وإيران والأردن والإمارات، في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، أي بعد نحو شهرين على صدور خطة الأمم المتحدة، وانتهى الاجتماع إلى تفاهم جديد ركّز على وحدة سورية وطابعها العلماني، وحماية مؤسسات الدولة، ومحاربة الإرهاب، ثم دعا إلى مواصلة المفاوضات بين النظام والمعارضة، وفقًا لما نصّ عليه بيان جنيف1 لعام 2012، لإقامة “هيئة حكم ذات مصداقية وشاملة للجميع وغير طائفية”. وتم هذا الاجتماع بجهد أوربي وأميركي وخليجي.

 

بعد مرور شهر على لقاء فيينا1، اجتمع ممثلو 20 حكومة ومنظمة في فيينا أيضًا، واتفقوا على بدء العملية السياسية بشأن سورية؛ وكان أهم ما في هذا الاجتماع أنه وضع جدولًا زمنيًا للتغيير السياسي في سورية (تشكيل حكومة انتقالية خلال ستة أشهر، وإجراء انتخابات خلال ثمانية عشر شهرًا).

 

ولتثبيت هذا الجدول الزمني، سارعت المجموعة إلى عقد اجتماع في مجلس الأمن بعد فيينا2 بشهرين، حيث وافق المجلس بالإجماع على قرار يدعم خارطة طريق تم التفاوض عليها في فيينا. وقالت الولايات المتحدة إن القرار هو رسالة لكل الأطراف المعنية بأنه حان الوقت لإيقاف القتل في سورية. لكن، أيضًا، شيئًا من هذا لم يحدث، فلا العنف والقتل توقف، ولا الحكومة الانتقالية تشكلت بعد ستة أشهر، وليس هناك أي احتمال أو أمل بإجراء انتخابات خلال ثمانية عشر شهرًا.

 

ثامنًا: فشل شامل

لم تتوصل أي من تلك المبادرات، وغيرها من المبادرات الفرعية، إلى أي نتيجة تُذكر، بل على العكس، زادت من حدة الخلافات المحلية والإقليمية والدولية، ومن ضخامة المأساة، كما زادت من شدّة الحرب والعنف، وكان كل ذلك نتيجة تضارب مصالح الدول ذات التأثير في الوضع السوري، وإصرار روسيا وإيران على دعم النظام بدون حدود، سياسيًا وعسكريًا، وإصرار روسيا والولايات المتحدة على إضاعة الوقت والمماطلة، واعتبار كل طرف أن الساحة السورية هي معركته التي يمكن من خلالها حل مشكلاته العالقة مع الدول الأخرى، ما أدى إلى إنتاج مبادرات عرجاء، غير جدّية ولا مكتملة العناصر.

تجاهلت الدول صاحبة المبادرات، أو المشرفة عليها والراعية لها، القضايا الأساسية، عن عمد في الغالب، وعن جهل في أحيان أخرى قليلة. فكل الدول التي شاركت في وضع هذه المبادرات أو سهّلت صدورها إلى العلن، تعرف سلفًا أنه لن يُكتب لها النجاح. وكانت روسيا والولايات المتحدة بشكل رئيسي تسعيان لكسب الوقت. وكل طرف يعتقد أنه في الوقت الإضافي سيقدر على تحقيق المزيد من المكاسب، وسيتمكن من الضغط على الطرف/ الأطراف الأخرى في أرض الميدان أو في مساومات لا علاقة لسورية بها.

مستوى التعقيد الذي وصلت إليه الحالة السورية استثنائي، إذ تحولت سورية إلى مسرح لتصفية حسابات الجميع مع الجميع؛ والحال هنا أن النظام مستعد لتدمير سورية وقتل وتشريد نصف شعبها (هذا ما جرى حتى الآن) من أجل أن يستمر في حكمه الشمولي والفاسد، وهو مستعد لبيع قراره السياسي وسيادته لإيران أو روسيا أو إسرائيل إن مكّنته من ذلك؛ بينما روسيا في أتم الاستعداد لحرق سورية كلها مقابل عودة نفوذها كقطب دولي أساسي مقابل الولايات المتحدة، وهي تُقايض دمار سورية بملفات أخرى في أوروبا وجوارها؛ أما إيران، فتسعى، بغطاء طائفي وإثني، لفرض حلم قومي فارسي يسترجع امبراطورية بائدة، وهي تستخدم جميع التنظيمات الطائفية المتطرفة التي ترعاها في حرب لا أخلاقية لتحقيق ذلك؛ كما أن لتركيا أهدافًا أساسية في عودة قوتها الإقليمية وحماية حدودها ودفن الحلم الكردي فيها وحولها؛ أما إسرائيل فهي الرابح الأكبر من وراء حرب النظام التي قضت على سورية كدولة مواجهة، بل وقضت على احتمال عودتها مرة ثانية، في المدى المنظور، لتستعيد دورها. ويتوافق هذا كله مع تطلّع أميركي لتحقيق كل استراتيجيات البيت الأبيض دون أن تُسال قطرة دم أميركية واحدة؛ فيما تسعى دول عربية خليجية لكبح التمدد الإيراني الأخطبوطي، وتجد أن الساحة السورية هي أخطر ساحة تستخدمها إيران كمرتكز لهذا التمدد، عدا عن تداخل مصالح وأهداف اقتصادية متعددة الجوانب لكل الأطراف سابقة الذكر، تسعى إلى تحقيقها عبر هذه الحرب.

 

إذن، هي جملة متداخلة ومتشابكة من المصالح والأهداف والاستراتيجيات، الإقليمية والدولية، أدّت إلى تعقيد الوضع السوري، وأدّت تاليًا إلى تخريب المبادرات كلها، وتعطيلها، وتأجيل الحل، أملًا من كل طرف أن يُحقق ميدانيًا، بالقوة والسلاح، هذه الأهداف أو أكبر جزء منها على الأقل.

 

ومن الناحية التقنية فيما يخص المبادرات، يمكن الإشارة إلى أنها جميعها، حذّرت من الأثر السلبي للإرهاب والفكر المتطرف، وزعزعة استقرار المنطقة ومحيطها، وانجرار الإرهابيين إلى القتال في سورية، والدمار المادي للبلد، والطائفية المتزايدة، وخطورة غياب الحل السياسي؛ وأكدت ضرورة حماية المدنيين، وأبناء الأقليات القومية والدينية والمذهبية، وأهمية عملية سياسية شاملة بقيادة سورية ضمن هدف التطبيق الكامل لبيان جنيف1، والمشاركة النسائية، والالتزام بوحدة سورية واستقلالها ووحدتها الترابية، وطابعها غير الطائفي، وضمان استمرار عمل المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق السوريين، بغض النظر عن العرق أو الانتماء الديني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية على امتداد البلاد؛ لكنّها، في المقابل، لم تتضمن أي آلية واضحة ومُلزمة وزمنية دقيقة للتنفيذ، كما وضعت الجميع في سلّة واحدة، الجاني والضحية، ولم تتضمن فرض عقوبات على من يُعطل تنفيذها أو يُعرقل مسارها، وبقيت أغلبية بنودها قابلة للتأويل، بحيث تحمل المعنى ونقيضه، وتركت باب الاجتهاد والتفسير مفتوحًا، بحيث يستطيع كل طرف تأويله وفقًا لمصلحته وأهدافه ونياته.

 

تاسعًا: حلول معقّدة

كانت نتائج المبادرات صفرية. ووصفها كثير من السوريين بالعبثية، لعدم جدّيتها، وتجاهلها قضايا أساسية لا يمكن لمبادرة النجاح دونها، وانتقدوها بشدّة، وانتقدوا واضعيها؛ ولعل من أبرز الانتقادات تلك التي أشارت إلى أنها تعاملت مع النظام بحسن نية، وافترضت وجود احتمال لالتزامه وعوده، وهمشت قوى المعارضة السورية المسلّحة، وافتقدت آليات تنفيذية واضحة وصريحة وجدولًا زمنيًا تفصيليًا، وإلى كونها أبقت بنودها غامضة تخضع للتفسير والتأويل والاجتهاد، وإلى افتقادها قوة الإلزام، وعدم لحظها أي عقوبة على من لا يُنفّذها، وعدم لجوئها إلى  الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وغضّها الطرف عن العدالة الانتقالية، وتعمّدها عدم الإشارة إلى القتلة، وأحيانًا مساواة الضحية بالجلاد.

 

من الواضح أنه ما من إرادة دولية موحدة لحل المأساة السورية، وأن الانقسام بين جميع الأطراف المحلية والعربية والإقليمية والدولية، المعنية بالملف السوري، كبير وواضح، ويزداد كبرًا وعمقًا؛ فضلًا عن عدم اكتراث أميركي، وضعف عربي استثنائي، وعجز إقليمي ودولي؛ إضافة إلى ضعف تعاني منه المعارضة السورية، وعدم خبرة، وارتباك وانقسام، وغياب في الرؤية السياسية، يمنعها من التأثير في الحوادث والقرارات الدولية والمبادرات؛ وكذلك عنف وقمع لا مثيل لهما للنظام السوري، وتعنّت وفساد واضمحلال للحسّ الوطني، وتحوّله إلى آلة قتل، مع إصراره على الحل الحربي بصورة تمنعه من التفكير بجدّية بإنجاح مبادرات الحل إنقاذًا لسورية ولشعبها.

 

ضمن المواقف الحالية المرئية، لروسيا وإيران والولايات المتحدة، من الصعب توقّع صدور مبادرات قابلة للتنفيذ، وقادرة على إنهاء الحرب والمأساة السورية. ويبدو أنه، وقبل التطلع إلى أي مبادرة جديدة، لا بدّ من العمل على وضع حدّ للإرهاب العالمي العابر للحدود، واستعادة مفاتيح القرار السوري، السياسي والعسكري، من إيران وروسيا، والابتعاد بسورية عن كونها موضوعًا لتصفية حسابات الجميع على أرضها. كل هذا بات المدخل للحل. ولا شك أنه أمر معقدٌ وصعبٌ جدًّا إذا لم تُمارس ضغوط فاعلة، أوروبية وإقليمية وعربية ومحلية، تساعد في إحداث فارق نوعي في الموقف الأميركي بشكل أساسي.