المحتويات
 
أولًا: مقدمة

ثانيًا: مخرز حلب في عين العاصفة

ثالثًا: معركة الموصل وتبدّد خرافة الخلافة

رابعًا: مخاطر متوقعة بعد معركة الموصل

خامسًا: معركة الرقة تبدأ بعزلها

سادسًا: خاتمة

 

أولًا: مقدمة

تتصاعد هذه الأيام أصوات الرصاص في ثلاث حواضر مهمة في المنطقة، هي الموصل وحلب والرقة. فأهميتها الجغرافية والتاريخية تستر خلفها صراعًا على النفوذ الإقليمي والدولي أكثر أهمية، وقد تترتب عليه نتائج خطرة، وتفتح أبوابًا لصراعات وحروب مديدة واصطفافات محلية وإقليمية، تحاول اللعب في الجغرافيا السياسية والتوازنات السائدة التي رست عليها المنطقة منذ قرن من الزمن، وإعادة ترتيبها بما يلائم القوى المنتصرة إذا قُيّض لها ذلك.

 

تبدو هزيمة (داعش) في الموصل والرقة، في الحرب التي أعلن عنها التحالف الدولي وحلفاؤه المحليون، مهمة قيد الإنجاز، حتى لو استغرقت زمنًا أطول مما خُطط لها، ورافقها دمار وضحايا أكثر؛ في حين أن الوضع في حلب أكثر تعقيدًا لاندراجه في سياق مختلف، فهو جزء من ثورة شعب، مرتبط عضويًا بالصراع السوري برمّته ومآلاته، ومحكوم ببعده الداخلي الميداني. إلا أن ما يجمع بين هذه المعارك غير الموضعية، ذلك الذي سوف تؤول إليه من صراع من نوع جديد بعد هزيمة العدو المشترك افتراضيًا، وهو (داعش) في الموصل والرقة، وبمعنى ما المعارضة المسلحة في حلب؛ صراع بين أطراف متحالفة في هذه اللحظة، محكومة بحساسيات إقليمية، في مقدّمها تركيا وإيران، ما يجعل مهمة التكهّن في اللوحة التي سترسو عليها الأمور مسألة تتطلب حذرًا وترويًا وانتظارًا لمفاجآت غير متوقعة.

 

ثانيًا: مخرز حلب في عين العاصفة

انتهت (ملحمة حلب الكبرى) التي انطلقت في 28 تشرين أول/ أكتوبر الماضي، أو تمت عملية لجمها روسيًا، بعد أن استطاع النظام استعادة المناطق الاستراتيجية التي سبق وأن خسرها في غرب حلب، كمشروع 1070 شقة وضاحية الأسد ومشروع الـ 3000 شقة، علمًا بأن هذه المعركة كانت المحاولة الثانية لقوات المعارضة لكسر الحصار المفروض على أحياء حلب الشرقية منذ الشهر السادس، دون أن تُحقق هدفها بسبب الكثافة النارية التي توفرها روسيا لقوات النظام وحلفائه. ومما لا شك فيه أن المعارضة تكبدت خسائر كبيرة، لكنها أوجعت قوات النظام والميليشيات الشيعية وجعًا شديدًا.

 

من الواضح أنه وبحكم ميزان القوى القائم على الأرض، وتعقيدات الوضع السياسي الذي يكتنف الصراع في سورية، ستبقى المعارك الدامية في حلب قائمة ومفتوحة، بل وقد تمتدّ إلى إدلب وحمص، وسيبقى القتل والدمار مُرشّحًا للزيادة؛ وكل طرف من الأطراف المتدخلة، ينظر إلى حلب على أنها باتت محكومة بصراع إرادات دولية وإقليمية ومحلية، ستكون نتائجها حاضرة في اللوحة النهائية التي سيرسو عليها الصراع.

إن تتبّعَ مواقف الدول المنخرطة في الصراع عند هذه العتبة، قد يساعد في تلمّس المآلات، أقله على المدى القصير. فالولايات المتحدة الأميركية، المتحكِّم الرئيس في مجريات الصراع، ما زالت على نهجها في تبديل أولوياته، وحرفِ الأطراف المختلفة باستمرار، والتركيز على محاربة (داعش) وهزيمتها قبل أي أولوية أخرى، وبالتقاطع مع هذا التوجه لا يضيرها أن تضعف الفصائل المسلحة التي تُحارب النظام إلى أكبر قدر ممكن، بل إنها ترى أن ما تمارسه روسيا من عنف بحق الشعب السوري يُسدي قسطًا مما تريده، دون أن تتحمل مسؤوليته، ودون أن يرتب عليها استحقاقات تجاه روسيا اللاهثة وراء مقايضات مع الغرب في أماكن أخرى على حساب الدم السوري. وعلى ما يبدو، سيبقى هذا الموقف الأميركي ساريًا حتى استقرار الإدارة المقبلة، وقد يستمر معها أيضًا.

 

أما روسيا التي انزلقت في الصراع أكثر مما كانت تقتضيه مصالحها، واستنفرت الغرب والرأي العام العالمي لبشاعة الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها طيرانها منذ تدخلها قبل عام ونيّف، دون أن تحقق نتائج استراتيجية تضعها على طاولة التسويات، تبدو هذه الأيام أكثر ارتباكًا وحذرًا، وحجم التحشيد البحري وصل إلى مستوى لا يتطلبه الصراع قبالة السواحل السورية، الأمر الذي يدلّل على حجم المأزق الذي تجد نفسها فيه. فبعد أن أعلن وزير الدفاع الروسي أن “الحلول السياسية في سورية باتت معدومة الجدوى”، وجعل المُتابعين يُقدّرون أنه بعد استكمال الحشود الروسية، فإن روسيا على وشك تحديد ساعة الصفر للسيطرة على حلب، جاء اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري الذي ناقش احتمالات تطور الموقف في سورية، دون أن يتم الإعلان عن قراراته، وهو المجلس الذي تتلازم اجتماعاته عادة مع اتخاذ قرارات مهمة؛ بعد ذلك أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر أن “الهدنة الإنسانية لها إطار زمني محدد، أما نظام وقف القوات الجوية الروسية عملياتها في حلب فما زال مستمرًا”، وأن قرار استئناف تعليق الطلعات الجوية “تمّ اتخاذه بما يتماشى مع موقف الرئيس الروسي”. وفي السياق ذاته كان لافتًا من حيث توقيته تصريح مدير الوكالة الفدرالية الروسية للتعاون التقني (العسكري الكسندر فومين) بأن “التعاون النشط الذي كان سائدًا بين موسكو ودمشق في مجال التزويد بالسلاح لم يعد قائمًا”، وعزا ذلك إلى “الوضع المعقد في سورية في الوقت الراهن”.

 

لا يُعتدّ عادة بتصريحات المسؤولين الروس، كونها غالبًا ما تندرج في إطار الحرب النفسية. لكن المؤكد أن نتائج الانتخابات الأميركية التي صدمت العالم تسمح بالتقدير، بثقة عالية، أن الفعل الروسي الذي يُعبَّرُ عنه في الإعلام والتحليلات السياسية، ويُلحُّ عليه النظام، غير وارد في هذه المرحلة، خشية استفزاز الإدارة المقبلة قبل وضوح تركيبتها وتوجهاتها، ويُعزّز هذا الاستنتاج التناغم المتصاعد في التفاهمات التركية- الروسية تجاه المسألة السورية. فالجيش الحرّ، المدعوم من الجيش التركي، بات على تخوم (الباب)، وفي حال دخولها وطرد (داعش) منها، يُصبح هذا الجيش على تماسّ مع قوات النظام وحلفائه التي تُحاصر حلب الشرقية، وهذا يجري تحت نظر روسيا التي تعمل على تأمين سيطرة النظام على كامل حلب، إن استطاعت ذلك. وإذا ما تصاعد القصف الروسي على حلب، فإلى أي مدى يمكن لتركيا التي طالبت بخروج النصرة منها أن تلتزم الصمت تجاه التصرف الروسي هناك؟

 

من جهتها تسعى إيران بجهدها كله، وبحشودها من الميليشيات الطائفية وحرسها الثوري، للسيطرة على حلب، ما يمكِّن النظام من ورقة مهمة ومفصلية على طاولة التسويات. وبالترابط مع معركة الموصل، فإن الهدف الذي تسعى له لتأمين ممرّ بري نحو المتوسط يُصبح أكثر واقعية. لكن دائمًا هناك مسافة قاتلة بين الطموحات والمشاريع وبين الإرادات المناهضة.

 

في ظل ميزان القوى الراهن، وحالة الغموض التي تحيط بالموقف، الغموض الذي يُستثنى منه استماتة النظام وإيران للسيطرة على حلب، تبدو قدرة المعارضة أقلّ من عزمها على كسر الحصار.

 

ثالثًا: معركة الموصل وتبدّد خرافة الخلافة

انطلقت أخيرًا  في الثالث والعشرين من تشرين أول/ أكتوبر الماضي معركة تحرير الموصل من سيطرة (داعش)، بعد سنتين من الحشد والتحضير من جانب قوات التحالف الدولي. فقد حُشِدَ لهذه المعركة أكثر من 60 ألف مقاتل من الجيش العراقي والبشمركة الكردية والحشد الوطني وقوى عشائرية محلية، والحشد الشعبي الشيعي الذي فرض مشاركته على الجميع، وكذلك قوات من الحزب الديمقراطي الكردي التي ترابط قبالة شنكال. وكلها قوى جُهِّزت بأحدث أنواع الأسلحة. ويُدير كل هذا الخليط غير المتجانس، والمتحفّز بعضه للبعض الآخر، آلاف الجنود والخبراء العسكريين من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. كذلك هناك الأتراك في بعشيقة، والإيرانيون في ديالا وصلاح الدين والصقلاوية وغيرها، من خلال عشرات الميليشيات الشيعية العراقية التي تتبعهم، وعلى رأسهم جميعًا قاسم سليماني الذي بات يحظى بمنصب حكومي بصفة مستشار عسكري لرئيس الوزراء العراقي، القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وقد صدرت له الأوامر من طهران بترك سورية والمرابطة في العراق لإدارة قواه في معركة الموصل.

 

جزء كبير من الجهد الذي بذلته الولايات المتحدة، بصفتها قائدة التحالف الدولي لمحاربة داعش، في التحضير لمعركة الموصل، استهلكته في إدارة الخلاف والتباين في أهداف كل طرف من الأطراف المشاركة، وما يريده من معركة الموصل وما بعدها، في محاولة لتركيز الجهد وتحقيق الأهداف المرسومة، وتطويق الصراعات المتوقع نشوبها بين هذه الأطراف بعد انجلاء غبار المعركة وهزيمة (داعش).

 

بعد ثلاثة أسابيع على انطلاق معركة الموصل، حققت القوات المتحالفة تقدّمًا مُهمًا في شرقها وجنوبها، كالقيارة ومخمور وحمام العليل ذات المواقع الإستراتيجية، في طريقها نحو الموصل المدينة المترامية الأطراف، ودخلت بعض أحيائها الشرقية التي يقطنها مليون ونصف مليون نسمة تحت حكم (داعش)، حيث ستدور فيها رحى الحرب الصعبة والمُكلفة، كونها الحصن الأهم لتنظيم الدولة الإسلامية. لكن، على الرغم من أنه كان مُرجّحًا أن تُواجَهَ (داعش) في النهاية في واحدة من معركتين كبيرتين وحاسمتين: الموصل أو الرقة، فإنه يبدو، بناءً على ذلك، أن قوات التحالف تركت غرب الموصل مفتوحًا باتجاه سورية، وهذا مفهوم في استراتيجيات إدارة الحروب لفتح المجال أمام العدو كي يهرب. غير أن (الخليفة البغدادي) الذي كان متوقعًا أنه غادر الموصل ومعه قيادات مهمة من داعش باتجاه سورية، فاجأ الجميع بخطاب من داخلها. وفي خطابه هذا، الذي اختزن يأسًا وإحباطًا، ودلّ على أنه و”خلافته”، التي لم تكمل عامها الثالث، يعيشان أيامهما الأخيرة، هاجم دول التحالف جميعها مع تركيا والسعودية، وحتى الفصائل الإسلامية التي تُقاتل في حلب مع (جبهة النُصرة) التي وصفها بأنها “خائنة ومرتدة وتسعى لتمثيل مصالح داعميها من دول الكفر”. ويُدلّل حديث البغدادي أن (داعش) ظاهرة معزولة وعابرة، لا حلفاء ولا أصدقاء لها، ولا حاضنة شعبية معتبرة، وأن وهم (دولة الخلافة) الكابوس الذي تفتقت عنه هذه الظاهرة، قدّم نموذجًا مرفوضًا في عالم الدول وتاريخ العنف عندما استخدم أحدث تقنيات العصر في الإخراج والترويج لصورة المشهد.

 

من ناحية أخرى، فإن تعمّد البغدادي تجنّب مهاجمة إيران أو النظام السوري يطرح تساؤلات كثيرة، فربما يريد من إيران تأمين ملاذ آمن له ولبقايا قيادات (داعش) فيها، بعد أن تنتهي فصول مسرحيته، بما أن لها أفضالًا وخدمات سابقة قدمتها لرفاقه من قادة القاعدة!

 

رابعًا: مخاطر متوقعة بعد معركة الموصل

على أهمية المعركة الدائرة في الموصل، كحلقة مركزية في الحرب الدولية على الإرهاب، والتي تشير معطياتها إلى هزيمة غير بعيدة لـ (داعش)، لكنها ستكون مُكلفة ومليئة بالمفاجآت، فإن خطورة هذه المعركة، بما يمكن أن تفتحه هذه المدينة الاستراتيجية ذات الخليط الإثني والطائفي والقومي المُعقّد من كرد وشبك وسريان وتركمان وعرب سنة وشيعة، تجعل من الصعوبة بمكان المحافظة على جغرافيتها كما كانت قبل (داعش)، بسبب ما يتهدّدها من صراعات بينيّة متشابكة واحتمال كبير لصراع تركي– إيراني. من هنا، فإن تصويت البرلمان العراقي قبل أشهر على قانون يحافظ على وحدة قضاء الموصل الإدارية والجغرافية، لم يأتِ من فراغ، ويعكس توجسًا من مصير غير محمود في ظل بروز مشاريع تقسيمه إلى ثلاثة أو ستة كانتونات.

 

قد تكون أولى الصدامات ما بين البيشمركة والحشد الشيعي الذي فرض نفسه في ميدان المعركة رغمًا عن جميع المعترضين. فقيادة إقليم كردستان تقول إنها اتفقت مع حكومة بغداد حول حقوق الأكراد في كركوك ومناطق أخرى من الموصل، إلا أنها تريد الاحتفاظ بنمرود وبعشيقة قطعًا للطريق على ميليشيات الحشد من الوصول إلى تلّعفر وتطويقها الإقليم من الجنوب، حيث يكتمل لها، في هذه الحالة، تطويق الإقليم من ثلاث جهات. كما يمكن أن يرافقه صراع كردي- كردي بين قيادة السليمانية الموالية لإيران وحكومة بغداد، وبين قيادة أربيل التي تُطالب باستفتاء على استقلال الإقليم عن العراق وتعارضه السليمانية، هذا إذا لم يتدارك أكراد الإقليم تطويق خلافاتهم. وهناك احتمال إضافي لصراع عربي- كردي حول كركوك.

 

صراع محتمل آخر بين أبناء الموصل العرب، بين الحشد العشائري الذي يتموّل ويتسلّح من الحشد الشيعي، والحشد الوطني الذي يقوده أثيل النجيفي محافظ الموصل السابق، والمدعوم من تركيا.

 

يُصرّ الحشد الشيعي على الوصول إلى تلّعفر الاستراتيجية بغية ملاحقة (داعش) داخل الأراضي السورية على ما يدّعي، وتلّعفر يسكنها تركمان شيعة موالون لطهران وتركمان سنة موالون لتركيا. وقد كانت تركيا التي لها نحو ألفين من الجنود في معسكر بعشيقة، هدّدت بدخول الأراضي العراقية إذا تقدمت الميليشيات إلى تلّعفر، وأنها لن تسمح بالتهجير أو بتغيير ديموغرافي في المنطقة، علمًا بأن الموقف التركي أثار حكومة بغداد التي عدّت القوات التركية قوة احتلال ينبغي أن تنسحب، واشتكت إلى الأمم المتحدة دون جدوى. وتشارك تركيا أيضًا في معركة الموصل بطيرانها من خلال التحالف من ضمن الترتيبات التي أنجزتها الولايات المتحدة. فهل ستقع الحرب من بوابة تلّعفر؟ وكيف سيكون الموقف الإيراني عندها؟ والترتيبات الأميركية أيضّا؟ أسئلة تتوقف أجوبتها على تطورات الأحداث وتصرُّف الحشد وموجباته، لأن تركيا ترى أن قضية تلّعفر قضية أمن قومي، وسيطرة الحشد عليها تصبّ في مصلحة النفوذ الإيراني المتطلع إلى الوصول إلى البحر المتوسط، كما أنه يدفع نحو نضوج حلم الحزام الكردي على حدودها الجنوبية، الأمر الذي لا تريد حتى تصوّره. كما يصعب تصور انخراط إيران في مواجهة مباشرة مع تركيا في حال تدخّلها، لكنها يمكن أن تخوض معها حربًا بالوكالة اعتمادًا على الجيش العراقي والحشد الشعبي الشيعي.

 

خامسًا: معركة الرقة تبدأ بعزلها

فاجأ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الجميع بإعلانه عن بدء حملته العسكرية من أجل عزل الرقة، بالتنسيق مع التحالف الدولي. ورد ذلك في بيان صدر في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر    الجاري عن القيادة العامة لـ (قوات سورية الديمقراطية- غرفة عمليات غضب الفرات). مبعث المفاجأة ليس في الرمزية العدائية لتسمية المعركة بـ “غضب الفرات” في التقابل مع معركة الجيش الحر المدعومة تركيًا بـ “درع الفرات” لتحرير ريف حلب الشمالي الشرقي من (داعش) المستمرة والتي انطلقت في 24 آب/ أغسطس الماضي، بل أيضًا في غياب التحالف الدولي الذي باشر حرب (داعش) في الموصل عن هذا الإعلان. فما هي الرسائل التي أرادت الإدارة الأميركية إيصالها، ولمن، من خلال السماح للطرف الكردي بالتفرد بهذا الإعلان؟

 

هل هو استبعاد للجيش الحر من دخول الرقة بعد تحريرها من (داعش)؟ أم إرضاء لحلفائهم الأكراد إذا ما قصروا دورهم على عزل الرقة، وامتنعوا من دخولها والمشاركة في ترتيبات إدارتها اللاحقة؟ هل هو تحجيم لدور تركيا في معركة الرقة وتحديده بالسيطرة على مدينة الباب؟ أم هو رسالة تطمين للنظام وحلفائه الروس بأن إبعادهم عن معركة الرقة يقابله إبعاد الأتراك وتقريب لحليفهم المراوغ حزب الإتحاد الديمقراطي؟ ربما أراد الأميركيون جميع هذه الأمور مجتمعة.

 

يُحاول المسؤولون الأميركيون تهدئة الغضب التركي. ففي اليوم الثاني لإعلان بدء معركة عزل الرقة، حطّ رئيس هيئة الأركان الأميركية، جوزيف دانفورد، في أنقره واجتمع مع نظيره التركي، وصرّح بعد اللقاء بأن التحالف الدولي ضدّ (داعش) “سيعمل مع تركيا على خطة بعيدة المدى من أجل تحرير الرقة والمحافظة عليها”، وحول (قوات سورية الديمقراطية) قال: إن دورها “سيقتصر على عزل الرقة”، وتابع ” لطالما علمنا أن (قوات سورية الديمقراطية) ليست الحل للسيطرة على الرقة وحكمها، ما نعمل عليه هو ايجاد المزيج المناسب والصحيح من القوات لهذه العملية”. أما وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر فقد صرح بقوله إننا “نعمل بشكل كبير مع الجيش التركي في سورية، وبدون حل مشكلة الباب، لا يمكن البدء بمعركة الرقة، وترتيب القوى المشاركة وأدوارها، فهناك خشية من ارتداد تنظيم الدولة نحو حلب وتعقيد المشهد”.

 

لا تبدو معركة عزل الرقة في هذا الطور خارج إمكانات (قوات سورية الديمقراطية) التي تتوافر على دعم جوي كثيف من طائرات التحالف الدولي، مهما كانت مشاركة قوات عربية ضمنها محدودة أو معدومة حتى الآن، فهي موجودة في ريف الرقة الشمالي منذ الشهر السادس عام 2015، كما أن شرق الرقة وحتى عمق الحسكة، ليس فيه وجود لقوات داعش، في حين أن الجيش الحرّ يتقدم نحو مدينة الباب الاستراتيجية دون أن تحاول القوات الكردية الاصطدام معه.

 

تحاول الولايات المتحدة إشراك قوى عربية في معركة الرقة مثل (الجيش الثوري في الرقة) وعشائر عربية؛ لكن ما أُعلن عن إشراكه حتى الآن لن يغير من التوازنات، ولا من حقيقة أن الطرف الكردي هو المهيمن، وبإرادة أميركية. وكان ذا دلالة البيان الذي أصدرته ست فعاليات مدنية في مدينة أورفا التركية، أهمها مجلس محافظة الرقة ونقابة معلمي الرقة، تعلن فيه رفضها الإعلان عن بدء معركة عزل الرقة وتحريرها لأن ذلك “سيؤدي إلى نزاع قومي بين العرب والأكراد لعشرات السنين”.

 

يبقى التساؤل حول الموقف التركي، وما هي التطمينات التي حصلت عليها تركيا من الولايات المتحدة، في الوقت الذي يصرح فيه أردوغان بـ “أن الولايات المتحدة لم تجب على أسئلتنا بعد”؟ أم أن الدور التركي مؤجل ومرتبط بتطورات الميدان التي ستتحدَّد بمدى مقاومة داعش وقرارها في المواجهة في الرقة من عدمه، ذلك أن معركة الرقة محكومة ببعد سياسي يقع خارجها تحدِّده مواقف الولايات المتحدة وتركيا والأكراد، فلا يمكن استبعاد الدور التركي كليًا، نظرًا إلى التوجس التركي العميق من توجهات الطرف الكردي الذي يسعى لانتزاع كيان مستقل على حدودها الجنوبية، فقد رفضت أنقرة عرضًا من (قوات سورية الديمقراطية) بتأمين ممرّ للجيش التركي إلى الرقة من تل أبيض التي تسيطر عليها، وهي لا تبعد عن مدينة الرقة سوى مئة كيلو متر، وجوهر الرفض التركي سياسي، فلا تريد أنقره الاعتراف بدور لهذا الطرف الكردي أو القبول بالتعاون معه، الأمر الذي يُمكن أن يفتح بابًا للتعاطي السياسي. إلى هذا، فمن المتوقع أن يكون لتركيا والفصائل المدعومة منها الدور الأكبر على الأرض لاحقًا، نظرًا إلى الإنجازات التي حققتها على الأرض، ويأتي في هذا السياق تصريح مسؤول تركي بأن تركيا تنوي توسيع المنطقة الآمنة التي كانت قررتها في معركة (درع الفرات) كي تشمل الرقة.

 

معركة الرقة قد تكون بعيدة نسبيًا، نظرًا إلى كونها محكومة بانتهاء معركة الموصل وهزيمة (داعش) هناك؛ كما أنها مرتبطة باندحارها من ريف حلب الشرقي المتوقع بعد سقوط مدينة الباب، وبمآل الحرب التي يُحشد لها في حلب. وإلى أن تبدأ معركة الرقة، تكون مياه كثيرة قد جرت، واصطفافات ومعطيات جديدة غير متوقعة يمكن أن تبرز؛ فماذا لو قررت (داعش)، على سبيل المثال، تسهيل وصول قوات النظام إلى الرقة؟ وهو الذي كانت له محاولة مكلفة من هذا النوع في العام 2015؛ ومن اللافت إعلان النظام من دمشق عن تشكيل (درع الجزيرة والفرات) في هذا الوقت لمقارعة (داعش)، وهذه القوة، غير المعروف عديدها وتسليحها، تشكلت على عجل من أبناء دير الزور المقيمين في دمشق الذين سبق لهم أن قاتلوا مع النظام ضد قوات المعارضة.

 

سادسًا: خاتمة

دخلت الحرب على الإرهاب، في سورية والعراق، مرحلة حاسمة بعد انطلاق معركة الموصل، وسوف تطوي راية وعنوانًا لهذا الإرهاب. لقد تعمدت السياسات الدولية، من خلال تركيزها على (داعش) وخطره، حرف الأنظار عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت وما زالت تُرتكب بحق أهالي المنطقة؛ وجرى تدمير حواضر عامرة تمريرًا لمشاريع توسعية أو تصفية لحسابات أو بحثًا عن توازنات جديدة في الإقليم أو على المسرح الدولي، أتاحها فراغ القوة وانفلاتها في الإقليم.

 

وإذا كانت (داعش) ربطت مصيري الموصل والرقة من جوانب عديدة، فإن حلب ترتبط بمجرياتهما من زوايا أخرى. فغياب (داعش) عن المشهد أو تشتت قواها، سيُغيّر في المجرى العام للصراع، وسوف يتكشف اليوم التالي لـ (داعش) عن صراعات بينيّة وإقليمية كانت تعتمل تحت السطح، ولن يكون من السهل تطويقها أو التحكم بمساراتها.

 

الموصل وحلب تقعان على واحد من ممرّيّ وصول المشروع التوسعي الإيراني إلى سواحل المتوسط، وإيران تركّز جهدها لتأمين هذا الممرّ، بأن يكون محميًا من قوى تتبعها أو تتحالف معها في سورية والعراق؛ وهما، في الوقت ذاته، مهمتان للأمن القومي التركي لكونهما معبرين لاقتصادها إلى المنطقة العربية والخليج، ما يجعل الصدام بين تركيا وإيران مرجحًا، مباشرًا كان أو وكالةً؛ وهو أمر ستكون له تداعياته الخطرة على المنطقة وفرص استقرارها. وسيبقى لشعوب المنطقة واصطفافاتها، وعملها على حلّ تناقضاتها، الدور المهم في مواجهة هذه المخاطر.