اسم المقالة الأصلي (بالانكليزية) Five Myths about Puritans
الكاتب  لوري ستوكس Lori Stocks
مكان وتاريخ النشر  واشنطن بوست The Washington Post

18 تشرين الأول/ أكتوبر 2016

رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/five-myths-about-puritans/2016/11/18/aa0ccd46-aae3-11e6-8b45-f8e493f06fcd_story.html
المترجم أحمد عيشة

 

 

المحتويات

الأسطورة الأولى: أسسَّ المتشددون دولةً دينية

الأسطورة الثانية: يكنّ المتشدّدون كراهية خاصة للهنود الحمر

الأسطورة الثالثة: يكره المتشدِّدون الجنس

الأسطورة الرابعة: جاء المتشددون إلى أميركا لتأسيس حرية التدين

الأسطورة الخامسة: كان المتشدِّدون صيادين سحرة قساة

 

 

مع اقتراب عيد الشكر[1] ينظر الأميركيون إلى الوراء، إلى أول المستوطنين الإنكليز في ما يسمّى الآن نيو إنغلاند. وبما أن هؤلاء المتشددين شغلوا الفصول المبكرة من التاريخ الأميركي، وخلقوا كذلك كثيرًا من المظاهر في مخيلتنا الجمعية، ولكن الجدل حول من هم المتشددون، وعمّا دافعوا، وكيف ساهموا في خلق إحساسنا بالهوية الوطنية، هو ما يكتنفه سوء الفهم. وهنا القليل من ذلك.

 

الأسطورة الأولى: أسسَّ المتشددون دولةً دينية

كما تقول الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية، “مع هجرة البروتستانتي المتشدد إلى نيو إنغلاند خلال الثلاثينيات من القرن السابع عشر (سنوات 1630)، تم تأسيس حكوماتٍ دينية”، وتُردّد الموسوعة البريطانية الادّعاء، مبيّنة أن “المتشددين أسسوا حكومةً دينية”.

هذا ليس صحيحًا، الثيوقراطية هي الحكومة التي تديرها السلطات الدينية مدعيةً الموافقة الإلهية على قيادتها السياسية. في 1631، وسّع حاكم مستعمرة خليج ماساتشوستس، جون وينثروب، حق الانتخاب ليشمل جميع الذكور الأحرار البالغين في المستعمرة، حيث صوَّت هؤلاء الرجال لممثليهم في المحكمة العامة (هيئتهم التشريعية)، والتي صوّتت بعدها لصالح الحاكم ومجلس مساعديه.

لم يكن أيٌّ من هؤلاء المسؤولين المنتخبين رجل دين، لأنه لم يسمح لأي قسٍ بروتستانتي أن يتقلد منصبًا سياسيًّا. بالقدر نفسه من الأهمية، فإن أيَّ امرئٍ يمسكُ موقعًا سياسيًّا، وكان موضع لومٍ، أو أنّه مطرودٌ من كنيستِه، لا يُمكن أن يفقدَ منصبه بسبب مشاكله الدينية. ولئن كان صحيحًا أنّ الجيل الأول من الرجال كان مطلوبًا منه أن يكون من أعضاء الكنيسة تمامًا حتى يصوَّت، أو يشغل منصبًا سياسيًّا، فقد تم تعديل هذا الشرط في 1658 وتم توقيف العمل به نهائيًّا في 1664. سعت الحكومة البروتستانتية في ماساتشوستس في كثيرٍ من الأحيان في طلب نصيحة وزرائها، ولكنها لم تكن أبدًا ملزمة بالأخذ بهذه النصيحة، وفي كثيرٍ من الأحيان لم تأخذ بها.

 

الأسطورة الثانية: يكنّ المتشدّدون كراهية خاصة للهنود الحمر

غالبا ما تُستدعى كراهية البيض المتشددين القوية المفترضة تجاه الهنود في أيام عيد الشكر، بينما يتأمّل الأميركيون في تاريخ تأسيس أمتنا. ويشير عديد المقالات إلى ذبح رجال بيكوت[2]  والنساء والأطفال في قرية القبيلة، بالقرب من ميستيك (قرية في كونيتيكت)، في عام 1637، خلال حرب البيكوت[3] ، كدليل على العدوانية الخاصة بين المتشددين والهنود. وصف الكابتن جون أندرهيل (1572 -1672)، وهو زعيم ميليشيا، المذبحة في تلك المعركة: “سقط الرجال والنساء والأطفال، ألم يكن لدى المسيحيين كثير من الرحمة والشفقة؟ في بعض الأحيان، يقول الكتاب المقدس أنّه يجب على النساء والأطفال أن يهلكوا مع والديهم. كان لدينا ما يكفي من النور من كلمة الله لتنير طريقنا.” صحيح أن المتشددين لا يثقون في الهنود، ولكنهم استنكروا دياناتهم بعدّها متوحشة وتعبد الشيطان، حاربوهم، واستعبدوهم.

لكن هذا لم يكن يختلف كثيرًا عن المقاربة التي اتخذوها مع مجموعاتٍ مختلفة -عندما عادوا إلى أوروبا، حيث قاتل بعضُهم، مثل أندرهيل، في حرب الثلاثين عامًا[4] بين عامي 1618 و1648- وكثير من ضغوط الملك جيمس الأول لإرسال قوات إنجليزية لمساعدة القوات البروتستانتية في القارة. كانت المجزرة في قرية ميستيك مماثلة تمامًا لعشرات من البلدات المحترقة في أوروبا خلال حرب الثلاثين عامًا؛ فقد قتل عشرون ألفًا في تدمير ماغبورغ في ألمانيا عام 1631، على سبيل المثال. في تشرين الثاني/ نوفمبر 1631، قال أحد زوار القرى المدمرة في ألمانيا “ذهلت عند رؤية كروم العنب والحقول حمراء من الدم، ومن الجثث المتناثرة في وضعياتٍ غريبة على دائرة نصف قطرها ثلاثة أميالٍ”.

إذا كان عليك أن تختار جماعة كان البروتستانت المتشددون يكنّون لها كراهيةً خاصة، فستكون هي الكاثوليك. (بعد ذلك جاء جماعات منشقة مثل الكويكرز والقائلون بتجديد العماد، وبعد ذلك أي شخص آخر لم يكن بروتستانتيًّا) ومن جانب واحد، أعطى المتشددون الهنودَ المزيد من الفرص، أكثر مما قدموه إلى الكاثوليك، لأنهم يفضلون أن يحاولوا في تحويل الهنود أولًا، معتقدين أنه، على خلاف الكاثوليك -الذين كانوا قد أقسموا يمين الولاء للبابا، واختاروا أن يقاوموا البروتستانتية- الهنود لا يمكن توجيه اللوم لهم على وثنيتهم.

في أجزاء من نيو إنغلاند، عاش المتشددون والهنود في بلدات متجاورة، وكانوا يتعاملون معًا، ويتعبّدون أحيانًا معًا، وكانت عندهم الولاءات المعقدة. كان هذا واضحًا خلال حرب الملك فيليب في 1676-1677، عندما رفض بعض المستوطنين أن يقاتلوا جيرانهم الهنود.

 

الأسطورة الثالثة: يكره المتشدِّدون الجنس

في هافينغتون بوست، وصف كاتب العلوم دان أجين المتشددين “قمع المتشددين الديكتاتوري للحياة اليومية، وأكثرها السلوك الجنسي” وأضافت أنيا تايلور جوي، نجمة السينما للعام 2015، في فيلم “الساحرة”، حيث قالت، تعلمت من سيناريو الفيلم أنه “أن تكون بروتستانتيًّا […] يعني أنك تسير عكس ما يعنيه أن تكون إنسانًا”، وعادةً ما تؤخذ حتى كلمة “المتشدد/التطهري” لتعني باردًا جنسيًّا ونكدًا، كما هو الحال في مقال نشرته نيويورك تايمز يعود بحشمة الأميركي إلى جذورٍ بروتستانتية.

إذًا، ما الذي علينا أن نستنتجه من هذه الرسالة من وينثروب، الحاكم لمرات عدة لمستعمرة خليج ماساتشوستس، إلى خطيبته، مارغريت تايندال؟ “مغمور بفرح محبتك، والرغبة الغائبة بتواصل أكثر معك، التي يتمنّاها قلبي بشدة، أنا مضطر لتخفيف العبء عن ذهني بهذه المساعدة الفقيرة من خربشة قلمي [….] الحب كان بيت ولائمهم، كان الحب نبيذهم، كان الحب حامل رايتهم؛ كان الحب دعواته، وكان الحب تلاشيها. كان الحب نور عينيه، وكان الحب وسيلة راحته، وكان الحب متنفسها”.

يؤمن المتشدّدون أنَّ الحبَّ بين المتزوجين هو الحميمية البشرية التي يمكن الحصول عليها على الأرض، ويختبرون الفرح من كونهم متّحدين مع المسيح في السماء. ولا يملك الحب في الزواج تعبيرًا أسمى من الجنس. كثيرًا ما وصف القس البروتستانتي/التطهري في كامبريدج، ماساشوستس، توماس شيبرد، العاطفة التي يشعر بها الشعب في الزواج في عظةٍ له: “في كل روابط الزواج هناك خيارٌ فيها، وإذا كان الحب كبيرًا، فهناك مكانةٌ صغيرة بشروط؛ دعني أناله على الرغم من أني أعتذر منه”.

 

الأسطورة الرابعة: جاء المتشددون إلى أميركا لتأسيس حرية التدين

من الصعب أن تقمع إحباط المتشددين البروتستانت عندما يقرأ المرء أنهم “سحبوا سلّم السفينة خلفهم” حالما وصلوا إلى أميركا، كما قال أحد الكتاب إنهم، لم يسمحوا للكويكرز وغيرهم بحرية العبادة، ولا سيما عند عرض كثير من الأعمال في تاريخ الولايات المتحدة، بما في ذلك البرنامج التلفزيوني الوثائقي “الحرية أولًا، “الذي يموضع أصل وجهات النظر الأميركية حول حرية الدين مع مؤسسينا البروتستانت الأوائل”.

ولكن المتشددين لم يغادروا إنكلترا لتأسيس مجتمعٍ يسمح بجميع الأديان، فبعد كل شيء، تم منحهم لقبًا تحقيريًّا “البروتستانتي” في إنكلترا، بسبب مساعيهم لتطهير الآثار الكاثوليكية من الكنيسة الأنغليكانية، بحثوا عن الحرية الدينية لأنفسهم فحسب.

في أوروبا القرن السابع عشر، كان لكلِّ مملكةٍ ديانة رسمية، وكان الملك هو رئيس الكنيسة، وكانت هناك بعض الاستثناءات القليلة، ولكن بالتأكيد كان هذا هو الحال في إنكلترا، حيث الملك تشارلز الأول قاد الكنيسة الأنغليكانية عندما غادر المتشددون إلى أميركا، ولأن المتشددين يريدون تغيير العبادة الأنغليكانية، من بين أمور أخرى، بتخليص الكهنة من الجلباب باهظ الثمن، ووضع حدٍ للركوع وقت المناولة والتخلّص من كتاب الصلاة المشتركة، فقد كانوا مضطهدين بتهمة الخيانة لتحدي سلطة الملك في إملاء أشكال العبادة، لذلك ذهبوا إلى أميركا لخلق كيانٍ سياسي حيث كانت ميزتهم أنّ “الأنغليكانية” التي تم إصلاحها هي الدين الوحيد.

 

الأسطورة الخامسة: كان المتشدِّدون صيادين سحرة قساة

بسبب محاكمات السحر في سالم[5] سيئة السمعة[6] والتي أعدم فيها عشرون شخصًا متهمين بممارسة السحر، متشددو نيو إنغلاند، غالبا ما كانوا مؤطرين كشعبٍ بعنف الخرافة والاضطهاد، وبهستيريا خاصة لاستنشاق السحر. “كان السحر نذيرًا”، كتبت ستاسي تشيف في كتابها الأخير حول محاكمات سالم “محبب لدى البروتستانتي”.

صحيحٌ أن المتشددين يؤمنون بالسحر، كما آمنَ أيّ مجتمعٍ في أوروبا في ذلك الوقت، لكنّهم لم يكونوا متوترين حول هذا الموضوع، وعددًا من حالات السحر التي وصلت الى المحكمة صغيرة لدرجة الإهمال، ومن المحاكمة الأولى للسّحر في نيو إنغلاند في 1638، إلى الأخيرة عام 1697، باستثناء سالم، حوكم 65 شخصا، من أصل عشرات الآلاف من السكان. وتمّت تبرئة أكثر من النصف، وأُعدم 16 فقط.

وكانت حقبة سالم هي المرة الوحيدة في تاريخ نيو إنغلاند البروتستانتي حيث أن الذعر الفعلي أصاب السحر. وهذا ما يجعل محاكمة مدينة سالم لا تُنسى؛ فقد كانت حالة شاذة

[1] يوم لتقديم الشكر على نعمة الحصاد، يصادف الخميس الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر في الولايات المتحدة

[2]  قبيلة من الهنود الحمر سكنت كونتيكنت في القرن السابع عشر.

[3]  حرب بين قبيلة بيكوت وتحالف من المستعمرين الإنكليز بين عام 1634 وعام 1638، حيث قتل فيه نحو 700 من رجال القبيلة وخسروا الحرب.

[4] أعنف حرب دينية أوروبية بين البروتستانت والكاثوليك، قُتل فيها نحو 8 ملايين.

[5] بلدة ساحلية، على شواطئ ماساشوتس.

[6] سلسلة من جلسات الاستماع والمحاكمات لأشخاص المتهمين بالسحر في ولاية ماساشوستس الاستعمارية بين شباط/ فبراير 1692 وأيار/مايو 1693، وأسفرت عن إعدام عشرين شخصًا، أربعة عشر منهم من النساء، وواحدًا شنقا، وتوفي خمسة آخرون، من بينهم طفلان رضيعان في السجن.