سلسلة دراسة حالة/ تقدير موقف، تصدر عن ورشات عملٍ داخليّة في “مركز حرمون للدراسات المعاصرة”، بإشراف الدكتور حازم نهار، المدير العامّ للمركز.

فريق عمل الورقة:

يوسف فخر الدين

غريب ميرزا

همام الخطيب

 

المحتويات

مقدّمة

أولًا: النظام الأميركيّ

ثانيًا: من المغامرة إلى إعادة التموضع

ثالثًا: ترامب.. صراعات “داخلَين” و”خارج”

رابعًا: موضوعات خطاب ترامب

خامسًا: الاستمراريّة والانقطاع

سادسًا: خاتمة وآفاق

 

001

 

 

مقدّمة

شارك العالمُ الناخبين الأميركيّين في متابعة وتحليل وتوقّع نتائج الانتخابات الأميركيّة، منذ بدأ المرشّحون للرئاسة في الإعلان عن برامجهم الانتخابيّة. وما إن أُعلن عن فوز “دونالد ترامب” ليكون الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة الأميركيّة، حتى ضجّ العالم قاطبة. وهو ما يُظهر المكانة التي تتمتّع بها الدولة التي استقرَّ في أذهان كثيرين أنّها تسير باتّجاه أن تصبح “دولة العالم” بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، وليس هذا فحسب، بل بدؤوا –منذ ذلك الحين- يتعاملون معها في مفاصلَ متعدّدةٍ، منها انتخاباتها، على أنّها كذلك.

نبحث هنا في جانب من علاقة الولايات المتّحدة بالعالم، وما يرتبط بها من موضوعاتٍ داخل الولايات المتّحدة الأميركيّة. ونركّز اهتماماتنا على التغيّرات التي طرأت منذ مغامرة “جورج بوش الابن” حتى وقتنا الحاليّ، والتي تُظهر، عند التدقيق فيها، أنّنا أمام استمراريّةٍ في اعتماد الدفاع عن “المركزيّة الأميركيّة”، ثم نقارنها مع إجابات الرئيس المنتخب “دونالد ترامب”، لنصلَ إلى مقاربة أولية لموضوعات الاستمراريّة والانقطاع في خطابه، ومحاولة استشرافهما في سياسته وأفعاله المقبلة.

 

أولًا: النظام الأميركيّ

لم تكن العقائد، بمعناها الأوروبيّ، شاغلًا مركزيًّا في السياسة الأميركيّة التي لا تُعنى بـ “الحقيقة”، إلّا في سياق ما هو مفيدٌ لها، وهو ما تقرُّه كـ “حقيقة”، وتتّخذه أساسًا تبني عليه علاقاتها وسياساتها، تاركةً العقائد والمطلقات للأديان لتبحث فيها. فالأيديولوجية الأميركيّة صنعها أشخاصٌ يبحثون عن فرصة ثراءٍ تتخلّلها قيم الحرّيّة، والمساواة في فرص المنافسة أمام القانون ولم تكن تلك القيم مقصودةً بذاتها، لكنّها كانت أعمدة بناء نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطيّ، يتخلّى الفردُ فيه عن حماية حقوقه بمسدسه لمصلحة نظامٍ سياسيٍّ، محميٍّ بالقوانين، يضمن له تلك الحقوق.

ومنذ تشكّل الدولة الأميركيّة، أخذت ترعى الفرص، وتدير المفاوضات عليها بين مواطنين أقوياء قادرين على إثارة المشكلات، حيث تعمل جهدها كي لا يكون هناك خاسرٌ مطلق حتى لا يكون هناك انتقامٌ، أو سعيٌ إلى تغيير نتائج المفاوضات بالعنف، من دون أن تصل دائمًا إلى النجاح في مسعاها. ولكنّ هذا المسعى، وحزمة أساليبه، هما ركنان أساسيّان في الأيديولوجية الأميركيّة، فهي تعمل وفقهما داخليًّا وإن خانتهما. وإذ نترك كيف تخونهما لسياقٍ آخر، فإن ما يهمّنا هنا هو التنبيه إلى أنّ مصطلح “داخلها” لا يطلق على كلِّ المقيمين على الأراضي الأميركيّة، بل هو ينطبق فحسب على من تعطيه الدولة امتيازات المواطنة الكاملة؛ حيث إنّ تلك الدولة قتلت ملايين الهنود الحمر، وأبقت السود الأميركيّين طويلًا خارج “الداخل”، محرومين من حقوق المواطنة، وهي تبقي “خارجها” ما يزيد على (11) مليون مهاجرٍ يطالب اليمين المتطرّف بطردهم، بينما بدأت مدينة نيويورك (المعولمة) توفّر بطاقات هويّةٍ شخصيّةٍ لقاطنيها، من دون أن تطلب من المتقدّم أوراق إقامةٍ قانونيّة في البلاد، ما سمح  بحصول المهاجرين غير الشرعيّين عليها بمجرّد إبرازهم أوراقًا ثبوتيّةً صادرةً عن مؤسّسات بلادهم([1]).

إلّا أنّ الولايات المتّحدة ضمّت أغلبيّة سكّانها إلى الدائرة التي أطلقنا عليها اسم “داخلها” بمقدار توسّع “خارجها” الذي هو منطقة نفوذها الاقتصاديّ التي أصبحت، بعد انهيار الاتّحاد السوفياتيّ ومنظومته الاشتراكيّة، عالمنا كاملًا/ كوكبنا كلّه. كما أنّ علاقات الربط بين “خارج” المركز الإمبراطوريّ و”داخله” متعدّدةٌ ومتشابكة، لأنّ هناك تداخلٌ بينهما على مستوى النخب الاقتصاديّة، من ثمّ فإنّ حصول تغيّراتٍ في طرفٍ منهما يؤدّي إلى تغيّرات في الطرف الآخر. هكذا “انقسمت” الولايات المتّحدة بين مستفيدٍ ومتضرّرٍ من اتّساع “الخارج” مع تنامي “العولمة الاقتصاديّة”، وإلى حدٍّ بعيدٍ كان هذا الانقسام موجودًا بين الولايات الساحليّة الأكثر استفادة، والولايات الداخليّة الأكثر تضرّرًا ([2]). وهو ما استفاد منه “ترامب” بشكلٍ مباشر ووظّفه في خطابه: “الظروف في المدن الداخليّة غير مقبولةٍ، لقد أدار الديمقراطيّون المدن الداخليّة لخمسين، أو ستين، أو سبعين سنة أو أكثر (…) وسياستهم فشلت بشكلٍ مزرٍ” (ميتشيغن، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016).

كما أنّه كلّما تطوّرت هذه العمليّة الثنائيّة، برزت مشكلتان أساسيّتان: فعلى مستوى “الداخل” أدّى توسّعه المطّرد إلى تزايد تأثير الآتين من العالم الطرفيّ، وثقافاتهم، وترافق ذلك مع تراجع نفوذ صنّاع النظام البيض وقطاعٍ مؤثّرٍ منهم، بسبب زيادة اعتماد المعامل على البدائل الآليّة، ومن ثمّ تراجعت “فرص العمل”. وأيضًا بسبب ظهور “الشركات العابرة للحدود” التي كان لأميركا منها حصّة الأسد، وهروب “فرص عمل” من “الداخل”، فلأوّل مرّةٍ تهاجر “فرص عمل” إلى خارج الولايات المتّحدة، ومن دون أن تتراجع الهجرة إليها. أمّا المشكلة الثانية فتتجلّى في الخلاف القيميّ بين الولايات المتّحدة وقطاعٍ واسعٍ من سكّان “خارجها”، ومن ثمَّ فرضها قيمها عليهم من دون أن تهبهم امتيازاتها أسوةً بمواطنيها. وفاقم تلك المشكلة زيادة عدد هؤلاء الذين يعيشون “الخارج” الأميركيّ بعضويّةٍ؛ حيث يشعرون بـ”لمس يد” النظام الأميركيّ الذي يعيشون جانبًا منه، من دون أن يعيشوا “حلمه الأميركيّ”؛ أي من دون أن يعيشوا امتيازات “الداخل” التي تتمحور حول “الحقّ في التنافس على الفرص”، والرفاهية، والمشاركة في العمليّة الانتخابيّة التي يتمُّ فيها انتخاب هؤلاء الذين سيديرون هذا الحقّ، من خلال مؤسّسات الدولة الأميركيّة التي تصون حقوقهم وتحميها.

حتى أبعد من هذه الدائرة، وما زلنا في “الخارج الأميركيّ”، يزيد شعور الناس بأثر أميركا في مصيرهم حيث تتّسع “الأمركة” لتصير أكثر فأكثر هي العولمة التي تجتاح حياتهم، من دون أن تتحوّل بعد إلى “دولة العالم”، وممّا يعنيه ذلك أنّهم لم يصبحوا مواطنيها بعد.

 

ثانيًا: من المغامرة إلى إعادة التموضع

كانت مغامرة جورج بوش الابن محاولةً للسيطرة على العالم سياسيًّا بعد سقوط المنظومة الاشتراكيّة؛ أي أن تصبح الولايات المتّحدة الأميركيّة هي صاحبة القرار في كلِّ مكانٍ يعيش الرأسماليّة التي كانت “تتأمرك”. إلّا أنّ التجربة بيّنت أنّ “أمركة” العالم، والإضافات التي تستوعبها “الأمركة” من الأطراف الأخرى في سياق عولمتها، تساعد في فتح آفاقٍ لنشوء مركزٍ تعدّديٍّ (محكمة الجنايات الدوليّة، واتفاقية التجارة العالميّة، وآليّة “مجموعة الدول الـ 20″…)؛ فـ”الداخل الأميركيّ”، الأكثر تعدّديّةً في العالم في إطار دولته، لا تنفع ثقافته لبناء ما يشبه “المركزيّة الشموليّة” في “الخارج”، حتى إن أرادت “الإدارة الأميركيّة” ذلك، لكنّه مطواعٌ لـ”يتعولم” في الوقت الذي يسعى فيه إلى “أمركة” العولمة.

وشاهدنا كيف قامت دولٌ أساسيّةٌ في “الداخل العولميّ”، وهو فضاء الفاعلين الرئيسين في العولمة، بمقاومة “مغامرة بوش” التي كانت في نظرهم تصرّفًا منفردًا من الولايات المتّحدة، وبقي التعاون الذي أبداه بعضهم (تحديدًا بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، عندما أعلن “بوش الابن” مبدأ “أنّ الدول التي ليست مع الولايات المتّحدة هي ضدّها”([3])) في إطار “المسايرة”.

وصنعت العولمة أيضًا منافسةً جديدةً تعيش عليها الدول الطرفيّة، تقوم على استقطاب “الشركات العابرة للحدود”، أي فرص العمل للسكّان وفرص الإثراء للحكّام. وهو ما عنى أنّ “الدول” حيّةٌ، ولكنّها لم تبقَ على حالها الذي كانت عليه؛ حيث أصبحت الدول الطرفيّة “مأمركة” بمقدار ما أصبحت الرأسماليّة أميركيّة، وإن بتفاوتٍ متناسبٍ مع الثقافة المحليّة لكلٍّ منها وطبيعة نظامها، وهو ما يتناسب مع “الأمركة” بالتأكيد، ويبرّر قبولها بسهولة في أرجاء العالم.

هكذا خاض مركز الإمبراطوريّة صراعًا مع أطرافها، بوصفها إمبراطوريّة غير مسبوقة على الإطلاق؛ حيث إنّ تلك الأطراف هي دولٌ أصلًا، وأغلبها لم تغزها أميركا عسكريًّا قط، إنّما اجتاحتها بما هو أبعد غورًا؛ حيث غزتهم باقتصادٍ لا مثيل له في التاريخ، وبما ارتبط به من ثقافة، وهو يؤدّي في سياق آلته الجبّارة إلى أن يصبح هناك حاجةٌ لنمطٍ عالميٍّ جديدٍ، يؤسّس مركزًا “فوق قوميٍّ” له، الأمر الذي يتعارض مع سعي يمين المركز الحاليّ (الأميركيّ) إلى تأبيد النمط المسيطر الحاليّ.

وفي العودة إلى التناقض بين الانخراط في الرأسماليّة “المؤمركة”، وبين العيش خارج المشاركة السياسيّة ورعاية “الاستفادة”، ينفع المثال الروسيّ بشكلٍ نموذجيٍّ لتبيان حجم الإرباك، والنتائج السلبيّة، الناتجة عن ضعف تطوّر المنظومة السياسيّة أمام طوفان العولمة. فالدولة الروسيّة اندفعت بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي إلى الدخول في نعيم الرأسماليّة “المؤمركة”، قبل أن تكتشف أنّ هذا النعيم ما هو إلا تفكيكها على أمل إعادة بنائها من جديدٍ على المثال الأميركيّ، من دون وجود أيّ ضماناتٍ بأنّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى تحديث اقتصادٍ، احتاجت ألمانيا الغربيّة إلى دفع ألفي مليار يورو (قرابة البليونين والنصف دولار)، حتى تدمج اقتصادًا شبيهًا به، لكنّه أصغر بكثير (ألمانيا الشرقيّة)، في نطاق اقتصادها. وهذا ما ساهم بشكلٍ كبيرٍ في ارتداد الدولة الروسيّة نحو “جهازها” المحافظ، الذي ركّز على تنظيم السوق الداخليّة (وإن على شكل مافيا، ولكنّها مافيا واحدة بدلًا من فوضى المافيات التي سادت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي) والبحث عن آفاقٍ اقتصاديّةٍ تمنع روسيا من دخول “العالم الثاني” وربّما الثالث. وهو ما عنى أنّ الرأسماليّة كانت مسارًا جديدًا ونوعيًّا طرأ على الدولة الروسيّة التي كانت قد خرجت من الشيوعيّة بشقِّ الأنفس، ولكنّها عادت لتحتويه بـ”جهازها” المحافظ على أمل توفير الحماية والاستفادة من القدرات العسكريّة الهائلة لفتح آفاق فرصٍ جديدة، ولتقوم من خلال ذلك بأدلجة حالة الإحباط الشعبيّ من دخول “العصر الأميركيّ” والحصول على امتيازاته السريعة. وكانت هذه الأيديولوجيا “ممانعةً” للولايات المتّحدة، ومحقّرةً لقيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، مستفيدةً من إرثها الشيوعيّ الغنيّ في هذا الخصوص (وهو ما يثير تساؤلًا حول إن كانت فعلًا قد خرجت من النمط الشيوعيّ التوليتاريّ)، وكلّ هذا كان لمساومة أميركا والصراع معها، ولتكوين الخطاب الشعبيّ الضروريّ للحكم السلطويّ الذي أنتجته روسيا.

لكن قبل كلّ شيءٍ كان هناك عقدة الجهاديّة السنّيّة، وهي الأيديولوجيا المقاتلة التي كان لها دورٌ مهمٌّ في عرقلة المغامرة الأميركيّة في أفغانستان، والعراق. حيث كان هناك شيءٌ فيها لم يفهمه “عقل الإمبراطوريّة”؛ فالجهاديّون هم الوحيدون الذين لا تزال لديهم الرغبة في مواجهة الضغط بـ”الانتحار” ويرفضون المساومة، نتيجة خلاصةٍ “عربيّة”، اعتمدها “العرب” في تشظّيهم “سنّة” و”شيعة” … مفادها: أنّ الولايات المتّحدة تسعى لتدمير عالمهم، مدعمين ما ذهبوا إليه بسلوك أميركا تجاه القضيّة الفلسطينيّة، وتدميرها الدولة العراقيّة (والتخلّي عن الشعب السوريّ لكلّ أصناف القتل والتنكيل خلال السنوات الستِّ). ولقد بقيت هذه العقيدة وحيدةً تواجِه بعماء، بينما كانت باقي الأيديولوجيّات، إمّا تساوم، كحال “ولاية الفقيه” في إيران التي تفاوض مركز الإمبراطوريّة بوصفها دولةً وحاضنةً لـ”الجهاديّة الشيعيّة” التي تتبعها في الوقت نفسه، أو تنكفئ، كحال أيديولوجيّات اليسار غير القادرة على المواجهة.

وفي ردّها على إفشال مساعيها (مغامرة بوش الابن) من قبل دول “محور الممانعة”، عبر سبل، منها تجييش محبطين من “الحلم الأميركيّ”، ومتوتّرين من انكسار العوالم القديمة التي يتخيّلونها مريحةً مثل “رحم الأم”، وتحويلهم إلى “قنابل بشريّة”، تعاملت الولايات المتّحدة في ظلِّ إدارة “باراك أوباما” مثل “العشيقة المغدورة”؛ حيث كانت رغبة الانتقام تتداخل مع الرغبة في منع تدمير المغامرات لوحدانيّة المركز الإمبراطوريّ. فبدا أنّ الجهاديّ مندوبٌ عن العالم القديم؛ فهو يقاتل بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة عمّن تجاوزوه ودخلوا في الأمركة، وما زالوا يسعون لتحسين نسبتهم من خلال الضغط على المركز. وعلى هذا المفصل، بدأت تغزل الأصابع الأميركيّة؛ حيث بدأ العمل على تجفيف منابع الجهاديّة السنّيّة، عبر كسر حالة الانغلاق التي فرضها الاستبداد السياسيّ. وحين هدّد المستبدّون القابضون على مفاتيح الجهاديّة بإطلاقها في بلادهم ثم تصديرها إلى الخارج، تركهم الأميركيون يتورّطون في هذا لينقلب السحر على الساحر وتصبح الجهاديّة مشكلتهم أوّلًا قبل أن تمتدَّ لتصبح مشكلة العالم، طالما أنّ ذلك سيؤدّي إلى الحرب بين “السيّئين”، واكتواء حاضنة الجهاديّة بنار من احتضنتهم. وفي رأينا حصل ذلك من دون تخطيطٍ مسبق، وإن كانت أميركا قد استخدمت منهجيّةً منفتحةً على الاحتمالات تعتبر أنّه يمكن خوض كثيرٍ من الحروب في بلاد الآخرين وبالوكالة، وإدارة الواقع بما يفرزه من مستجدّاتٍ، ومن ثمّ تحصيل أرباحٍ كبيرة. ولهذا الهدف كانت عناصر رؤيتها هي ([4]):

  • أنّ العالم ساحةٌ مفتوحةٌ للولايات المتّحدة، وفي الوقت نفسه يمكن لنتائج الصراعات أن تُضعف الجميع إلّا هي، إن بقيَت على مسافةٍ مضبوطةٍ منها. ومن ثمّ يمكنها أن تؤدّي دور “الحكم” لا “الحاكم”، و”القاضي” لا “الشرطيّ”؛ وهو ما يستلزم التلويح بالقوّة العسكريّة أكثر من استخدامها. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ حين تتعقّد الأمور والأوضاع، سيكون في إمكان الولايات المتّحدة وحدها التقدّم بـ”الحلّ” الذي سيصبح ضرورةً للمتورّطين.
  • إعادة ترتيب موقع الولايات المتّحدة في العالم من خلال ديناميّات المؤسّسة والاقتصاد الأميركيّين، استنادًا إلى السوق أوّلًا لا الجيش. فتتفرّغ أميركا لجني حصاد السوق العالميّة المندفعة إلى حدودٍ غير مسبوقة، بدلًا من حلِّ المشكلات نيابةً عن الحلفاء كما كان سائدًا في عهد بوش الابن. وتقدّر “إدارة أوباما” أنّ السوق العالميّة التي تتّسع باندفاع ستخلق كثيرًا من المشكلات، وأنّه من الجدير بالولايات المتّحدة، طالما هي بعيدةٌ عنها، أن تبقيها كذلك وتراقب -بدلًا من التورّط- كيف ستكون هذه المشكلات عبئًا على غيرها وتضعف تنافسيّتهم معها، وهذا يستلزم:

أ- تكتفي “الإدارة” بالتدخّل، إمّا لوضع حدودٍ للصراعات (ضمن حرصها على إدارتها)، أي إخماد أيّ حريقٍ غير مسيطرٍ عليه، أو حين، وحيث، تجد لها مصلحة واضحة، أو عندما يكون هناك خطرٌ مباشرٌ على مصالحها.

ب- سيكون على الدول الإقليميّة أن تمارس دورها ونفوذها بما يتناسب مع مصلحة الولايات المتّحدة أوّلًا، ومصلحتها ثانيًا. إذ إنّها تقترح الحلول، وتنتقي منها الولايات المتّحدة ما يتوافق مع مصالحها، وإن لم تستطع الدول الإقليميّة اقتراح حلول تلائم التوجّهات الأميركيّة، فستبقى تتطاحن فيما بينها إلى أن تعود إلى بيت الطاعة منهكةً وقد دمّر بعضها بعضًا، وهو ما ليس له حسابٌ وفق العقل الأميركيّ البارد غير المنفعل بالحوادث خارج دائرة مصالحه وأمنه القوميّ.

ج- التحرّك عبر الحلفاء فقط، والتحالف يعني المشاركة الماليّة والمعنويّة والماديّة من جانب هؤلاء الحلفاء، “الراكبون المجانيّون يغضبونني”، بحسب تعبير أوباما.

  • هذه الشراكة مع الحلفاء، سيكون لها أثرٌ إيجابيٌّ على الولايات المتّحدة؛ حيث إنّها ستلجم “الغطرسة الأميركيّة” وتقلّل من الاندفاع الأميركيّ.
  • الواقعيّة التي هي ضدّ “التدخليّة” بمعنى: “هناك أوقاتٌ، نجدُ فيها أنّ كلَّ ما نستطيع فعله هو إلقاء الضوء على شيءٍ فظيعٍ من دون الاعتقاد التلقائيّ بأنّه يمكننا حلّه” بحسب أوباما؛ لكن هذا المعنى يتضمّن أنّ هناك قيمًا أميركيّة سيحافظ عليها الرئيس “قدر الإمكان” وتبعًا للواقع، وبالحدِّ الأدنى من الخسائر في الأرواح. يقول أوباما: “عندما أسمع أشخاصًا يقولون: علينا قبول المسيحيّين فقط، أو عندما أسمع قادةً سياسيّين يقولون: إنّ هناك اختبارًا دينيًّا يجب إجراؤه للهاربين من الحرب، فهذه ليست أميركا”.

 

ثالثًا: ترامب.. صراعات “داخلَين” و”خارج”

دخل الملياردير اليمينيّ المتطرّف “دونالد ترامب” الانتخابات الأميركيّة مستندًا إلى نقد سياسة انكفائيّةٍ اتّبعها الرئيس المنتهية ولايته. وكان استمراره في السباق الانتخابيّ دليلًا على اختيار قطاعٍ من جمهور الناخبين، وبإرادةٍ واعيةٍ، مرشّحًا من هوامش الحياة السياسيّة الأميركيّة، وهي بيئةٌ تحوي ما يدهش من الاتّجاهات والشخصيّات المتطرّفة، حيث كان هناك يكرّر مع أقرانه كلَّ ما ردّده على مسامعنا طوال الوقت، من اتّهاماتٍ للنخبة السياسيّة، والمهاجرين، والصين… من دون اهتمامٍ عامٍّ يذكر. ويؤشّر اختيار هذا الجمهور له على أنّه يشاركه الاعتقاد بأنّ عالم هذه النخبة لم يعد هو عالمه. وهذا الاعتقاد صحيحٌ؛ فالمستفيدون من العولمة في الولايات المتّحدة تأقلموا مع حاجاتها، وقادوا تحوّلاتها، وكلّما كانت تتحوّل العولمة إلى “أمركة”، كانت الأخيرة تتغيّر أيضًا؛ حيث شهدنا عمليّة التأثير المتبادل تجري بشكلٍ جبّار، وفيها كانت الثقافة الأميركيّة الناتجة عن اجتماعٍ هائلٍ لمهاجرين، والليّنة بتطوّرها السابق ضمن عمليّات مساومةٍ مستمرّة، مناسبة جدًّا كآليّةٍ للدمج، بقدر ما هي إطارٌ لتفاعل الناس بغضِّ النظر عن جنسهم ولونهم ودينهم.

إلّا أنّ معضلة هذا “الداخل المعولم”، تكمن في توزّعه على عديدٍ من الدول، بعضها في تنافسٍ، ما يضعف قدرته على التأثير، ويفزعه ممّن يطرحون أنفسهم مدافعين عن الأطر القديمة “الدول”. وهؤلاء قادة أميركا أخرى، محافظة، تنتمي إلى “الداخل الأميركيّ”، وتنحو باتّجاه التشكّل القوميّ، وتتّجه بالاتّجاه المعاكس لـ”الداخل المعولم”، معتمدةً إمّا على المتضرّرين من العولمة اقتصاديًّا، أو على المحافظين الذين تستفزّهم الحرّيّات التي تتزايد في النمط الجديد الذي يرفضونه؛ لأنّهم يعتبرونه “توجّهًا رخوًا” يسمح للآخرين بمنافستهم، واجتذاب رؤوس الأموال، ومنها المصانع، وفرص العمل.

وسريعًا ما تحوّلت الحالة الانفعاليّة التي ظهرت في الأيّام الأولى لفوز “ترامب” إلى فعلٍ سياسيٍّ، لتتضمّن رسائلَ سياسيّةً من كلِّ حدبٍ وصوب. ويمكن ملاحظة التباينات في هذا الازدحام؛ فهناك مستبدّون فرحون بنجاح من سخر من مساعي أميركا لتغييرهم، وأميركيّون يخشون الاستبداد في بلادهم، والتراجع عن حقوقهم، وهناك شعوبٌ تبحث عن تغيير أوضاعها المزرية، إن كان ذلك نتيجة الاستبداد، أو الحروب. ويمكن ملاحظة كيف بدأت دولٌ ومؤسّساتٌ وأحزابٌ، حول العالم، تبحث عن آليّات انتظامها بحيث تتحرّك قيادة/ أو طلائع القطاعات الاجتماعيّة/ الدول التي ستجد نفسها متضرّرةً من سياسة “ترامب”([5]). ومن شواهد البحث عن الانتظام، بدت المؤسّسات الرسميّة الأوروبيّة، عبر الرسائل الإعلاميّة التي أطلقها مسؤولوها، “تفاوض” الرئيس الأميركيّ المنتخب، بينما بدأت التظاهرات في أميركا نفسها.

ومن المساعي التي تفرّعت عن لحظة الصدمة الأولى، عودة الاستقرار إلى عالم التفكير في السياسة وأحوالها، والعودة إلى طرح أسئلةٍ والتفكير بهدوءٍ أكثر في المعطيات، لفهم الأوضاع وتمييز الجديد منها من دون مبالغاتٍ، وفهم مواضع الخطر. ونجد أنّ إعادة فرز الموضوعات التي طرحها “ترامب” ومقارنتها بسياسة “إدارة أوباما”، تسهّل استخراج المشتركات، والاختلافات، وهو ما يفيدنا في التمييز بين ما هو من أصل النظام الأميركيّ، وإن تعدّدت صياغاته، وبين المعارض للنظام الأميركيّ، إن وجد، الذي قد يشكّل خطرًا عليه.

 

رابعًا: موضوعات خطاب ترامب

 

أ- الداخل

1- الأميركيّون من أصولٍ أفريقيّة

أدرج “ترامب” خطابه تجاه الأميركيّين السود من أصولٍ أفريقيّة، ضمن سياق خطابه العامّ، مركّزًا على مصالحهم؛ حيث دخل ترامب من بوّابة الإهمال الذي تعرّضوا له من “المؤسّسات الفاشلة”، حين قال: “كثيرٌ من الأفارقة الأميركيّين قد تُركوا في الخلف”، كما رأى أنّ السياسات السابقة المنفتحة على الهجرة أضرّت بهم: “ليس هناك مجموعةٌ تأذّت اقتصاديًّا جرّاء المهاجرين غير الشرعيّين، أكثر من الأفارقة الأميركيّين منخفضي الدخل”. (ميتشيغين، 31 تشرين أول/ أكتوبر 2016). ومن ثمّ أطلق الوعود بتحسين شروط حياتهم وظروفهم، فـ “إدارة ترامب ستنهض بالطبقة الوسطى للأميركيّين من أصولٍ أفريقيّة، وستدعم عقدًا جديدًا مع أميركا السوداء، يقوم على ثلاثة وعودٍ رئيسة:

1- مجتمعات آمنة.

2- تعليم جيّد.

3- وظائف ذات دخلٍ مرتفع.” (ميتشيغن، 31 تشرين أول/ أكتوبر 2016)

وفي إطار المقاربة ذاتها، فإنّ “ترامب” في الأيام القليلة السابقة للانتخابات، تناول المشكلات التي حدثت بين الشرطة والمواطنين السود، قائلًا: إنّه يتوجّب علينا أن نعمل مع الشرطة لا ضدّها “لحماية حياة الأميركيّين الأفارقة”، (ميتشيغن، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016).

 

2 حمل السلاح أو قانون second amendment

وهو القانون الذي يسمح للأميركيّين بشراء واقتناء الأسلحة، وحاول أوباما تعديله. أمّا “ترامب” فوعد بأنّه سيصون هذا القانون. (شارلوت، 26 تشرين أول/ أكتوبر 2016).

 

3- الهجرة والمهاجرون

كما هو حال اليمين المتطرّف والشعبويّ دائمًا، استخدم “ترامب” قضيّة المهاجرين غير الشرعيّين، رابطًا وجودهم داخل الأراضي الأميركيّة تارةً بالجرائم، وتارةً بالإرهاب “الإسلاميّ المتطرّف”. وهو في خطاباته الأخيرة قبيل الانتخابات، قام بوضع مجموعةٍ من “المحدّدات” أو “الشروط” الضمنيّة التي تخفّف من “الكثافة” العنصريّة التي اتّهم بها في تناوله هذا الملفّ. فنجده مثلًا يستخدم شرط “عدم دعم المجتمعات المحليّة التي يعيش فيها اللاجئون” كتمهيدٍ لطردهم، طبعًا من دون أن يتناول قضيّة المهاجرين من الناحية الإنسانيّة.

“سننهي الهجرة غير الشرعيّة، ونرحّل المهاجرين غير الشرعيّين مرتكبي الجرائم” (لقاء مع قادة الجيش في كاليفورنيا الشماليّة، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

“سيتمّ التخلص من الهجرة غير الشرعيّة، وستنهي إدارة “ترامب” هذا الكابوس من العنف وستحمي حياة الأميركيّين” (كاليفورنيا الشماليّة، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

“إدارة “ترامب” لن تعترف باللاجئين إن لم يقدّموا دعمًا للمجتمعات المحليّة التي يعيشون فيها، وسنوقف تأشيرة الدخول لأيِّ شخصٍ ينتمي إلى الدول المعرّضة للإرهاب، حتى يتمَّ إنجاز تقييمٍ أمنيٍّ كامل (…) وسوف نبني جدارًا عظيمًا (على الحدود)” (مينيسوتا، 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

“سوف نعلّق العمل في برنامج اللاجئين السوريّين، ونبقي الإرهاب الإسلاميّ المتطرّف خارج أراضينا” (لقاء مع قادة الجيش في شمال كاليفورنيا، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

 

4- الاقتصاد

ركّز “ترامب” على الطبقة الوسطى في حملته الانتخابيّة، وكانت جميع الوعود الاقتصاديّة التي أطلقها تصبُّ في صالح هذه الطبقة في النهاية.

ويمكن تقسيم هذه الفئة إلى:

 

4-1: التنمية

“سندعم الأعمال الصغيرة، عن طريق التمويل الصغير…” (ميتشيغن،31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016)

“سندعم الرجال والنساء من الطبقة ضعيفة التمكين” (كارولينا الشماليّة، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

 

4-2: خفض الضرائب

“سوف تخفّض الضرائب على الأعمال الأميركيّة من 35 في المئة إلى 15 في المئة، وسنخفض الضرائب بشكلٍ كبيرٍ جدًّاً على الطبقة الوسطى.”

“سنخفض الضرائب أكبر قدرٍ ممكن عمّا كانت عليه منذ عهد ريغان (…) وسنلغي كلَّ التشريعات غير الضروريّة القاتلة للوظائف” (كارولينا الشماليّة، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

 

4-3: إلغاء “أوباما كير” (قانون الرعاية الصحيّة)

“التغيير يبدأ مباشرةً بإلغاء وإزالة “أوباما كير”، فـ (هذا القانون) سيجعل مواطني “مينيسوتا” يعانون من زيادة 60 في المئة في أقساط التأمين” (مينيسوتا، 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

“سنلغي “أوباما كير”، فقد أدّى إلى مضاعفة وتثليث نسبة تكلفة الضمان في أرجاء البلاد، وهنا في بنسلفانيا سيزداد قسط التأمين إلى أكثر من 60 في المئة نتيجة له (….) يعني “أوباما كير” نوعيّة أقلّ، تكلفة أكثر، فرص أقلّ (…) هيلاري تريد أن تضع مسؤوليّة الرعاية الصحيّة في أميركا على عاتق الحكومة بشكلٍ كاملٍ”. وبديلًا من “أوباما كير”، “سيُعرض الضمان الصحيّ في السوق الحرّة” (كاليفورنيا الشماليّة، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

 

4-4: معالجة أثر اتفاقيّات التجارة الحرّة داخليًّا

يرفض “ترامب” اتفاقيّات التجارة الحرّة، “بلادنا خسرت 70.000 مصنعٍ منذ أن انضمّت الصين إلى منظّمة التجارة العالميّة، وهو ما دعمه بيل كلينتون وهيلاري” (ميتشيغن، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016).

كما أعلن “أنّ إدارته ستعيد التفاوض حول اتفاقيّة التجارة الحرّة لأميركا الشماليّة، وإذا لم نحصل على ما نريد سنلغيها، وسنحصل على اتّفاق أفضل لعاملينا. كما سنلغي الشراكة الاقتصاديّة الإستراتيجيّة عبر المحيط الهادئ TPP، تلك الشراكة القاتلة للأعمال.” (كارولينا الشماليّة، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

يظهر لنا بوضوحٍ كيف أنّ هذه الفئة تقع على الحدّ الفاصل بين “الداخل” و”الخارج”.

 

4-5: تقييد هجرة الشركات خارج أميركا

إذ وعد “ترامب” أنّه سيفرض ضرائب بمقدار 35 في المئة على بضائع الشركات التي تفكّك مصانعها، وتغادر أراضي الولايات المتّحدة، وتعيد تصدير بضائعها إليها من جديد. وذلك للحدِّ من أثر هجرة “فرص العمل” والأعمال من الولايات المتّحدة إلى بلدان تكون فيها العمالة أرخص. (مينيسوتا، 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

 

4-6: الطاقة

وعد “ترامب” في أكثر من موقعٍ، بإطلاق العنان للطاقة الأميركيّة التي تتضمّن، النفط الصخريّ، والغاز الطبيعيّ، والفحم النظيف. وهو ما سيمسّ بشكلٍ مباشرٍ اتفاقيّة المناخ الموقّعة في باريس؛ “خطتنا سوف تنهي تطفّل وكالة حماية البيئة الأميركيّة، ومضاعفة الضرائب على حقول عائلاتكم (…) كما سنوجّه مليارات الدولارات التي كانت تذهب إلى الأمم المتّحدة كمدفوعاتٍ للحدِّ من ظاهرة الاحتباس الحراريّ، إلى الداخل الأميركيّ…” (كارولينا الشماليّة، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

كذلك نرى بوضوحٍ كيف أنّ هذه الفئة تقع على الحدّ الفاصل بين “الداخل” و”الخارج”.

 

5- الجيش

أحد شعارات “ترامب” كانت: “السلام من خلال القوّة”، وهو ما يشير إلى رغبته في زيادة دعم الجيش، متّبعًا سياسة مخالفة لسلفه “أوباما”:

“سوف نعكس التضييق الذي طبّقه أوباما وهيلاري على نفقات الجيش؛ فجيشنا بات صغيرًا بشكلٍ لم يكن عليه منذ الحرب العالميّة الثانيّة، والبحريّة باتت أصغر ممّا كانت عليه إبّان الحرب العالميّة الأولى، والقوّات الجوّيّة باتت أصغر وأقدم ممّا كانت عليه سابقًا. تهدف خطّتي إلى زيادة عدد القوّات الفاعلة في الجيش حتّى يصبح عددها (450.000)، وهو الرقم الذي يقول رئيس الأركان المشتركة إنّه يحتاجه (…) سياستي تقوم على ثلاث كلمات Peace through strength   السلام عبر القوّة”. ويستلزم دعم هذا الجيش كما يرى “ترامب” أن “نأخذ التزامًا من حلفائنا ليدفعوا ثمنًا عادلًا من الأعباء العسكريّة لمشاركتنا معهم (في التحالفات)”. (كاليفورنيا الشماليّة، لقاء مع قادة الجيش، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016).

 

6- المؤسّسات الفاسدة

بنى “ترامب” خطابه بشكلٍ أساسيّ على مهاجمة المؤسّسات الأميركيّة، ورأى أنّ “مؤسّستنا الفاشلة، لم تجلب لنا شيئًا سوى الفقر في الوطن، والكارثة في ما وراء البحار (…) نحن متعبون من السياسة الخارجيّة والاقتصاديّة، التي جعلت هذا البلد ينزف حتى يجفَّ”. (6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016). وانطلق من هذا الفساد، ليخطَّ وعوده وسياساته المرتقبة داخليًّا وخارجيًّا، وليهاجم في أكثر من موقع “الطبقة السياسيّة الفاسدة”، و”السياسيّين الفاسدين” الذين يديرون البلاد لأجل “مصالحهم الشخصيّة”. وهو في هذا السياق يورد التحقيقات التي فتحت بحقّ “هيلاري كلينتون” واستخدامها لبريدها الإلكترونيّ الشخصيّ، ليبرهن على عدم كفاءتها في إدارة أمن البلاد، ولا سيّما أنّها تنتمي إلى هذه الطبقة السياسيّة “الفاسدة” بحسب تعبيره.

 

7- موضوعات أخرى

مثل جعل سياسة التعليم محليّة، بدلًا من وجود أساسٍ مشتركٍ عبر الولايات جميعها، إضافة إلى حماية الحرّيّات الدينيّة.

 

ب- الخارج

1- سورية

قارب “ترامب” الأزمة السوريّة من زاوية القضاء على الإرهاب، وإعادة الاستقرار.

إحدى أولويّات “ترامب” هي القضاء على الإرهاب، الذي يحرص على تسميته بالإرهاب الإسلاميّ المتطرّف، والمتمثّل بداعش في المقام الأوّل: “وجهة نظري أنّكم تقاتلون سورية، وسورية تقاتل داعش، وعليكم أن تتخلّصوا من داعش. وإذا تأمّلنا فيما قاله “نحن ندعم متمرّدين ولا نعرف من هم” في حين “روسيا اليوم تقف بشكلٍ كاملٍ مع سورية”، و”إذا هاجمت أميركا الأسد فإنّنا سننتهي إلى مواجهة روسيا”([6])؛ نجد في كلام “ترامب” أنّ الولايات المتّحدة كانت قد اتّخذت الطرف الخاطئ لتقف معه (أي المعارضة، على فرض أنّها فعلت)، على عكس روسيا التي اتّخذت الخيار الصحيح (أي النظام)، وهذا الاختيار الخاطئ نجم عنه (إضافة إلى الخسارة التي تتمثّل في هيمنة إيران الزائدة) اضطرابٌ في الشرق الأوسط، لذلك يتوجّب –الآن– على الولايات المتّحدة أن تعيد  توجيه بوصلتها: “على الولايات المتّحدة أن تركّز على إنهاء الحرب في سورية، وأن تتجنّب زعزعة مزيدٍ من دول الشرق الأوسط”([7])؛ إذ إنّ الإدارة السابقة تتحمّل مسؤوليّة الاضطراب الذي حمله معه الربيع العربيّ “في ظلِّ إدارة أوباما حدث  تغيّر في النظام في سورية، وتغيّر في نظام مبارك العلمانيّ، ما أدّى إلى زعزعة العالم([8]).

وحين تناول “ترامب” موضوع “الأسد” بشكلٍ مباشر، قال: “أنا لا أحبُّ الأسد مطلقًا، لكنّ الأسد يحارب داعش، وروسيا تحارب داعش، وإيران تحارب داعش”، من دون أن يشير بوضوحٍ إلى التحالف أو عدم التحالف معه؛ فقد ذكر أيضًا أنّ إيران تحارب داعش، وموقفه من إيران واضحٌ، كما سيمرُّ معنا لاحقًا. كما يؤكّد “ترامب” على أنّ من بين أولويّاته عدم التورّط في أيّ نزاعٍ عسكريٍّ جديدٍ في الشرق الأوسط، وأنّ على الدول الإقليميّة والمحليّة العمل على حلّ مشكلاتها بوسائلها الخاصّة.

 

2- إيران

وصف “ترامب” إيران بأنّها أكبر دولة راعية للإرهاب ([9])، ووصف الاتّفاق النوويّ JCPoA بأنّه “أسوأ اتّفاق رأيته على الإطلاق”، وهاجم إدارة أوباما على خياراتها فيما يتعلّق بالاتّفاق النوويّ وطريقة تعاملها مع إيران، “نلنا الإذلال في إيران، بحّارونا أجبروا على الركوع، ودفعنا 1.7 مليار دولار نقدًا كفدية” عدا عمّا حرّر من أموالٍ أخرى في عقب الاتّفاق النوويّ، “كلّها دفعت لتمتلك إيران أسلحةً نوويّة وتهيمن على المنطقة” (ميتشيغن، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016).

ولكن يمكن أن نرى آثار العمليّات التفاوضيّة والمؤسّساتيّة الداخليّة على خطاب “ترامب”؛ إذ انتقل من استخدام كلمة “تمزيق Rip Up” الاتّفاق النوويّ، إلى “إصلاح Fix” هذا الاتّفاق عن طريق إعادة التفاوض ([10]).

 

3- تركيا

جلب “ترامب” نوعًا من الأريحيّة تجاه العلاقة التي ستجمع إدارته مع تركيا، بعد أن عانت تركيا علاقة قلقة وانعدامَ ثقةٍ مع إدارة أوباما، ولا سيّما بعد الانقلاب الفاشل في 15 تموز/ يوليو، ودعم إدارة أوباما للقوّات الكرديّة السوريّة؛ ولعلّ هذه الأريحيّة ظهرت من خلال “إعجاب” الرئيس المنتخب بأردوغان، وإدارته لبلاده خلال أحداث الانقلاب الفاشل، وتأكيده أكثر من مرّةٍ على حيوية تركيا كحليفٍ للولايات المتحدة، ودورها في محاربة داعش؛ إذ “إنّ تركيا تستطيع أن تفعل الكثير ضدّ داعش”. ولعلّ الأهمّ هو ما قاله “ترامب” حين سأله الصحافي الذي قابله عن الحرّيّات المدنيّة والحقوق في تركيا (وهي النقطة التي تُنتقد عليها حكومة العدالة والتنمية من الغرب)، أجاب “أعتقد أنّ بلادنا لديها كثيرٌ من المشكلات، وأعتقد أنّه من الصعب علينا أن نتورّط في بلدانٍ أخرى، في الوقت الذي لا نعلم فيه ماذا نصنع في بلادنا ذاتها، وكيف نمتلك رؤيةً واضحةً عن حالة بلادنا الراهنة”([11]).

لكن في المقابل أبدى “ترامب” إعجابه بالمقاتلين الأكراد في حربهم ضدّ داعش، معلنًا أنّه سيسعى لجمع الأكراد، والحليف التركيّ معًا، وهو ما سيكون “مثاليًّا” بحسب تعبيره.

 

4- روسيا

أعلن “ترامب” مرارًا أنّه سيعمل على إصلاح العلاقات مع موسكو، وتجنّب خلال السنوات الماضية التنديد علنًا بضمِّ موسكو إلى شبه جزيرة القرم، أو تدخّلها في جارتها أوكرانيا، كما أعرب عن شعوره بالراحة فيما لو عادت العلاقات إلى النمط الذي ساد إبّان الحرب الباردة؛ حيث تتقاسم القوّتان العظمتان النفوذ بشكلٍ اتّفاقيٍّ غير رسميّ ([12]). كما أنّه أشار إلى قيام روسيا بمحاربة داعش في سورية، ذاكرًا ذلك بطريقةٍ إيجابيّة، من دون أن يتطرّق مثلًا إلى جرائم الحرب التي باتت تتّهم بها في سورية. ولم يبخل “ترامب” على “بوتين” بالمديح، فوصفه بأنّه: “زعيمٌ قويٌّ”، و”أقوى بكثير من رئيسنا”، و”الرجل الممسك ببلاده بقوّة”. ولكن من الصعب التنبّؤ بردّة فعل “ترامب” تجاه أيّ استفزاز، فعندما سُئل في أيّار/ مايو الماضي عن تحليق مقاتلة “سوخوي” روسيّة فوق سفن أميركيّة في البلطيق، حمّل “أوباما” مسؤوليّة ما حصل، وقال: إنّ على أميركا إسقاط الطائرة إن فشلت الدبلوماسيّة.

 

5- الناتو

في مقابلة مع النيويورك تايمز، قال “ترامب” لمحاوره إنّه لا يريد أن يتخلّى عن حلفاء أميركا “كما يقول بعض الحمقى والكارهين”، وإنّما يريد أن يصل إلى اتّفاقٍ مع الحلفاء كي ينهضوا بتكاليف الشراكة العسكريّة في الناتو “الذي بات هرمًا”، من دون أن تتحمّل الولايات المتّحدة وحدها 70 في المئة من هذه التكاليف، ولا سيّما أنّ هناك دولًا غنيّة. ويؤكّد “ترامب” في حواره على “إمكانيّة الوصول إلى اتّفاق كهذا” في صيغةٍ تفاوضيّةٍ واضحةٍ؛ فإذا لم يتحقّق ذلك “سنقول للدول الغنيّة: حسنًا تهانينا! تستطيعون الدفاع عن أنفسكم”([13]).

إنّ كلام “ترامب” السابق يأتي في سياق شعاره “أميركا أوّلًا”، وهو الشعار الذي أقلق الأوروبيّين، على صعيد التحالف العسكريّ، وعلى صعيد الاتّفاقيّات التجاريّة التي تطمح إلى تحقيقها مع أميركا.

 

6 – الصين:

كان “ترامب” قد هدّد بفرض رسومٍ جمركيّةٍ تصل إلى 45 في المئة على الواردات الصينيّة إلى الولايات المتّحدة ([14])، متوعّدًا إيّاها بأنّه “سيمنع الصين من التلاعب بقيمة عملتها”، وكان قد تعمّد استخدام كلمة “اغتصاب” بحقِّ الولايات المتّحدة، في وصف التصدير الكبير الوارد من الصين إلى الولايات المتّحدة ([15]).

وفي مقابلةٍ قديمةٍ مع السي إن إن، قال: إنّه “علينا أن نسترجع وظائفنا من الصين”، في إشارة إلى الشركات العابرة للحدود، وحين سأله المذيع عن شركاته التي تشتغل في الصين، أجاب: إن الصين تتلاعب بعملتها، حتى أصبح من المستحيل لشركاتنا التنافس معها ([16]).

وتأتي وعود “ترامب” في سياق عدائه للتمدّد الصينيّ المنافس، الذي يشكّل الخطر المركزيّ على النظام الأميركيّ.

 

7 – اليابان

أعلن “ترامب” أنّ على اليابان أن تتحمّل تكاليف أكبر لحماية أمنها القوميّ، وهو ما سيؤثّر سلبًا في اليابان، ولا سيّما أنّ “ترامب” وعد بإلغاء اتّفاقيّة الـ TPP (اتّفاقيّة الشراكة عبر المحيط الهادي)؛ وهي الاتّفاقيّة التي كانت تتوقّع منها اليابان أن تحقّق ارتفاعًا في إجماليّ الإنتاج المحليّ بنسبة 2.7 في المئة في عام 2013([17]).

 

8– أميركا الجنوبيّة

لعلّ أهمَّ ما ورد في وعود “ترامب” تجاه أميركا الجنوبيّة، هو بناء الجدار الحدوديّ الذي سيفصل الولايات المتّحدة عن المكسيك، للحدِّ من الهجرة غير الشرعيّة، ووعده بتعديل اتّفاقيّة التجارة الحرّة الأميركيّة الشماليّة بين أميركا وكندا والمكسيك، وهو ما سيضرُّ بالمكسيك بشكلٍ أساسيّ.

 

9- توجّهات التدخّل الأميركيّ الخارجيّة

أعلن “ترامب” بوضوحٍ أنّ إدارته ستتوقّف عن بناء الديمقراطيّات في الخارج، وعن إسقاط الأنظمة، والتهوّر في التدّخل، وتحديدها في حالاتٍ تستدعيها مصالح الأمن القوميّ فحسب، وأنّ إدارته ستركّز على إبقاء أميركا آمنة، وتدمير داعش، وهزيمة الإرهاب الإسلاميّ المتطرّف. (ميتشيغن، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016). وهذا ما يستلزم –كما نجد في خطاب “ترامب”– التعاون مع حلفاء أميركا العرب والحلفاء الشرق أوسطيّين لمحاربة هذا التنظيم الإرهابيّ، إضافة إلى التعاون العالميّ لوقف شبكة تمويل داعش.

كما قام “ترامب” بإلقاء اللوم على إدارة أوباما بسبب الانسحاب من العراق، باعتبار أنّ هذا الانسحاب سمح بتعزيز قوّة داعش ([18]).

 

خامسًا: الاستمراريّة والانقطاع

عرفت الإمبراطوريّة الأميركيّة كثيرًا من الطبائع المشتركة مع نظيراتها القديمة التي أفَلَ نَجمها، وأبرزها الاستعداد لقتل قادتها إذا ما وصلوا إلى حدٍّ يعاكسون فيه الخيارات الإستراتيجيّة لمؤسّساتها أو بعضها. صحيح أنّ واحدًا فقط من الرؤساء الأميركيين من قُتل، إلّا أنّه الوحيد أيضًا الذي وصل إلى هذا الموضع. وأيضًا من المواصفات المشتركة تداخل المصالح المتعدّدة للخارج، والمتناقضة، مع المصالح المتعدّدة للداخل، والمتناقضة أيضًا. إلّا أنّ الدولة التي كانت تمتلكها الإمبراطوريّات السابقة يمكن وصفها بالأوّليّة على كبرها، قياسًا بزمنها، إذا ما قورنت بأجهزة الدولة الأميركيّة وتعقيدها، وما تتّصف به من قدرةٍ على العمل لما يتمُّ الإجماع عليه أنّه مصلحةٌ عليا للأمّة، وفي الوقت نفسه الذي تستطيع فيه القطاعات المتضرّرة الضغط على الدولة لمراعاة مصالحها. وكلّ ذلك كان نتيجة حيويّة في التفكير السياسيّ، وفي القوانين التي وضعها “الآباء المؤسّسون” للدولة الأميركيّة الذين كانوا مشغولين في ألّا تتجبّر أيٌّ من مؤسساتها، لضمان بقاء القدرة على التنافس. كما أنّ “المؤسّسات الموازية”، إن كانت مراكز أبحاثٍ تحوي خبراءَ رسميّين سابقين في كلّ المجالات، أو مجموعات ضغط (وبينهما تداخل) … الخ، تشكّل بيئات تفكيرٍ وتفاعلٍ مع صنّاع القرار لترشيد قراراتهم.

ويجدر عند التعامل مع “ترامب”، أو أيِّ رئيسٍ أميركيّ آخر، حتى لو كان من طرفٍ ناءٍ في النظام السياسيّ، رؤية شبكة العلاقات التي تعود لتُنسج حوله، معيدةً صوغ مشروعه على شكل رؤيةٍ قابلةٍ للتفاعل مع عقل المؤسّسات الذي يحوي تاريخ المصالح والعلاقات كمقدّماتٍ ضروريّةٍ لاتّخاذ القرار. عندها نتمكّن من رؤية الجسم المؤسّساتي، وتمييز حدود قدرته على أن ينظم المصالح التي تمّ التعبير عنها، في سياق السجال الانتخابيّ، بانفعالاتٍ كلاميّة. وهو ما نراه عادةً على شكل سلوكيّاتٍ سياسيّة، تدلُّ على تطوّر المفاوضات بين السياسيّين، وبين المؤسّسات. ومن ذلك ما رأيناه من تخلّي قيادة الحزب الجمهوريّ عن “المرشّح الجمهوريّ” عند نهاية المرحلة الأولى من الانتخابات، وعودة كثيرٍ منهم لتأييده وجمع أصوات الناخبين له في الربع الأخير، ومن البداهة القول إنّ ذلك لم يحصل لولا أنّهم اطمأنّوا إلى أنّ سبب تخلّيهم عنه قد تمّ تجاوزه ولو بنسبٍ مقبولةٍ من جهتهم، أي إنّه قدّم وعودًا واضحة بالتزامه بالمؤسّسة الجمهوريّة في حكمه.

وعندما تظهر هذه البنية المؤسّساتيّة ، وتبدأ في العمل، نستطيع أن نتأكّد بشكلٍ أكثر وضوحًا من خطوط الاستمراريّة في السياستين الخارجيّة والداخليّة، وأماكن الانقطاع. ولكن الأهمّ أن نفهم أن لعبة الاستمراريّة والانقطاع هي بحدِّ ذاتها عمليّة تفاوضٍ وإعادة تفاوضٍ، وهذا ما نجده في حديث “أوباما” عن قبض أجرة حماية المملكة العربيّة السعوديّة مثلًا. ومثل ذلك ما يتعلّق بالصراع السوريّ؛ فالمكاسب التي حصّلها النظام الأميركيّ كثيرة، وهو حين يتحجّج باختيار مسارٍ مع “ترامب” سيدرُّ عليه مزيدًا من الأرباح، بعد أن تنتهي مفاوضاته مع الأطراف، فإنّه يفعل ما فعله منذ البداية حينما غذّى استمرار الصراع العسكريّ، متحجّجًا بأنّ روسيا من تفعل عبر الفيتو أو في الميدان.

وتبقى احتمالات مسارات “ترامب”، باستمراريّتها وانقطاعاتها، رهن التفاعل بين الأطراف، وتحديدًا في نطاق الداخلين (الأميركيّ، والعولميّ) في بيئةٍ عالية التعقيد.

ففي زيارته الأخيرة إلى ألمانيا، أعرب أوباما عن أمله في أن يكون لدى خلفه “الإرادة لمواجهة روسيا عندما تنحرف عن قيمنا والقواعد الدوليّة”، و”أنا لا أتوقّع أن يتّبع الرئيس المنتخب مسارنا الحاليّ نفسه، ولكن أملي ألّا يعقد صفقاتٍ مع روسيا، إذا كانت ستؤذي الناس، أو تنتهك القواعد الدوليّة أو تترك الدول الصغيرة معرّضةً للهجوم”، ولم ينسَ أن يذكر أنّ لديه “تفاؤلًا حذرًا” في أن يغيّر “ترامب” خطابه ليصبح قائدًا جدّيًّا ([19]). جاءت كلمة أوباما لتحمل معها رسالتين؛ الأولى تحاول طمأنة أوروبا، وإن بدت يائسة، والثانية موجّهة إلى روسيا بوصفها الخطر الذي يهدّد الدول الضعيفة، والتي تهدّد “قيمنا” و”القواعد الدوليّة”. بينما يركّز “ترامب” في خطابه على العداء مع الصين، التي تسرق الشركات، والوظائف، وتشكّل تهديدًا إستراتيجيًّا لأميركا. ويمكن فهم مغازلته لروسيا، إضافة إلى المشترك الأيديولوجيّ مع قيصر روسيا الحاليّ، على أنّها محاولةٌ لجذب الروس بعيدًا من الصين.

ويمكن فهم الخطر الذي تمثّله الصين، إن علمنا أنّ حجم التبادل التجاريّ بينها وأفريقية قد صار 200 مليار دولار، وهو الأعلى أفريقيًّا. وهي التي تهدّد بأن تصبح الاقتصاد الأكبر عالميًّا عام 2025، بنظامٍ سياسيٍّ يكاد يكون “عبوديًّا”. ونلاحظ هذا بوضوحٍ عند الاطّلاع على خطّةٍ واحدةٍ فقط من خططها؛ فـ “في بداية عهده، طرح الرئيس، شي جين بينغ، في أيلول/ سبتمبر 2013، مبادرة “الحزام الاقتصاديّ لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحريّ للقرن الـ 21″، بوصفهما أهمَّ خططه لعلاقة الصين بالعالم، ودور الصين في عالم المستقبل. حيث تشمل مبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة، كما اصطلح على تسميتها، حزامًا أرضيًّا يمتدُّ من الصين مرورًا بآسيا الوسطى وروسيا وصولًا إلى أوروبا، وطريقًا بحريًّا يمرُّ عبر مضيق “ملقا” في جنوب شرقي آسيا إلى الهند والشرق الأوسط وشرق أفريقية.”([20]).

وهو ما يزيد من مخاوف أوروبا أيضًا، التي زادت مخاوفها، بعد فوز “ترامب”، من انتصار اليمين المتطرّف فيها. بينما سارع الأخير للاحتفال بفوز “القوميّ المتطرّف” على الطرف الآخر من المحيط. “اليوم الولايات المتحدة وغدًا فرنسا” كما غرّد مؤسّس حزب الجبهة الوطنيّ الفرنسيّ، ووالد الزعيمة الحاليّة للحزب “ماري لوبان”([21])، على سبيل المثال لا الحصر. ولعلّ الفترة المقبلة ستكشف لنا مزيدًا من الطموحات التي يصبو إليها اليمين المتطرّف والحركة القوميّة في أوروبا.

الأمر الآخر الذي يقلق أوروبا، هو تصريحات “ترامب” عن الأعباء التي على الحلفاء في الناتو “الهرم” أن ينهضوا بها، وهو ما استجاب له الأمين العامّ لحلف الناتو سريعًا حين قال: إنّ على الأعضاء أن يزيدوا من مساهماتهم الماليّة، ولا يتركوا 70 في المئة منها على عاتق الولايات المتّحدة فحسب ([22]). لكن من خلال مراجعةٍ سريعةٍ لتاريخ أوباما، نرى أنّه قد حذّر من أنّ بريطانيا لن تستطيع ادّعاء وجود علاقةٍ خاصّة مع الولايات المتّحدة، ما لم تلتزم بدفع 2 في المئة من دخلها القوميّ على الأقلّ على الدفاع، وهو ما حصل لاحقًا ([23]).

أمّا فيما يخصُّ روسيا، فجاءت رسالة تهنئة بوتين لترامب، مدركةً ومذكّرةً بالعوائق التي تقف في وجه تحسّنٍ فعليٍّ في العلاقات الثنائيّة بين الدولتين: “نحن ندرك ونفهم أنّه لن يكون طريقًا سهلًا (تحسين العلاقات) مع هذا المستوى الذي وصلت إليه علاقاتنا من التدهور”. فهناك عقوباتٌ مفروضةٌ على الروس بسبب تدخّلها في أوكرانيا منذ عام 2014، وهناك قوّات الناتو المنتشرة على الحدود الروسيّة شرقي أوروبا، وهناك الدرع الصاروخيّ الذي تسعى أميركا لإكمال نشره حول أوروبا ([24])، وكلّ هذا يشكّل “محدّداتٍ” موضوعيّةً لن يكون من البساطة القفز فوقها بالنسبة إلى “ترامب”، ولا سيّما إذا ما أخذنا في الحسبان دائمًا أنّ شعاره “أميركا أوّلًا”، في حين أنّ المصالح الروسيّة ستتعارض، أو ستكون على حساب، “أميركا أوّلًا”([25]). ومن المعروف للمتابعين أنّ أوباما ظلّ يفاوض الروس في القضيّة السوريّة حتى شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، ولم يتّخذ فعلًا جادًّا ضدَّ تدخّلهم في الأراضي السوريّة. وفي مراحلَ معيّنةٍ من العلاقة الثنائيّة، جرى الحديث عن تعاونٍ استخباراتيٍّ لمكافحة الإرهاب، وهو ما اعترضت عليه وزارة الدفاع (البنتاغون). وسياسة أوباما هذه، المتمثّلة بتعامله مع روسيا في البقعة السوريّة الساخنة، هي جزءٌ من مقاربته الإستراتيجيّة العامّة التي أراد تكريسها: أميركا حكم لا حاكم، قاضٍ لا شرطيّ، دعهم يتورّطون إذًا، وأنت راقب وتدخّل بحدودٍ مدروسةٍ لخدمة هذه الإستراتيجيّة. وهذا ما أزعج الأوروبيّين في كثيرٍ من المفاصل، ولا سيّما أنّ فرنسا –ولاحقًا بعد تردّد ألمانيا-  أبدت حماسها لإقامة منطقةٍ عازلةٍ، ولإنهاء الصراع، كونهما الأكثر اكتواءً بنار المهاجرين؛ النار التي كانت أحد أسباب “البريكست” البريطانيّ، وإحدى دعائم خطاب “ترامب”، واليمين الأوروبيّ المتطرّف. (يمكن أن نستحضر الحماس الفرنسيّ لضرب الأسد في 30 آب/ أغسطس 2013، والتراجع الأميركيّ).

وفي ما يتعلّق بالإرهاب (داعش)، اختار أوباما أن يشكّل حلفًا دوليًّا، ولا يبدو أنّ “ترامب” سيبتعد كثيرًا عن ذلك؛ بما يعنيه من الحرص على عدم زجِّ الولايات المتّحدة وحيدةً في مغامراتٍ عسكريّة. لكنّ أوباما اختار العمل مع أتباع إيران في العراق لمحاربة داعش، ضمن سياسته الإيرانيّة، وبموازاة إعادة ضبط علاقته مع حلفاء الولايات المتّحدة التقليديّين في المنطقة. وهو ما خالفه “ترامب” بخطابه المتشدّد تجاه إيران، والرافض للاتّفاق النوويّ. ويمكن فهم قوّة موقف “ترامب” تجاه إيران، من اشتراك الأغلبيّة البرلمانيّة معه فيه، وهذا ما ظهر عند اعتراض نائبٍ واحدٍ فقط في الكونغرس على تمديد العقوبات بحقّ إيران لعشر سنواتٍ إضافيّة، وموافقة البقيّة.

ومن خلال هذا، يبدو أنّ سياسة “ترامب” الشرق أوسطيّة، هي محاولةٌ لأدلجة مساعي النظام الأميركيّ لتأبيد سيطرته على العالم، وردّات فعل المتضرّرين في “الداخل الأميركيّ” من العولمة، وطرح العودة إلى حدود الولايات المتّحدة، وتعظيم استفادة الولايات المتّحدة من العالم مع منع العالم من الاستفادة منها، وابتزاز العالم… إلخ، ومن هذا الموقع “التلفيقيّ القوميّ” دافع “ترامب” عن الرئيس التركيّ “أردوغان”، وتجنّب نقده والتنافر معه على خلاف ما فعل أوباما. دون أن ننسى أنّ “ترامب” عبّر عن أنّه من المثاليّ جمع الأتراك والأكراد في المعركة ضدَّ داعش، وهو ما لم يتخلَّ عنه أوباما، كما ظهر في زيارة الرئيس المشترك للأركان الأميركيّ إلى أنقرة لبحث معركة الرقة، التي بدأها الأكراد فعليًّا.

ونلحظ في هذا المسار عدائيّة “ترامب” في رفضه لاتّفاقيّات التجارة الحرّة، وإلحاحه على تعديلها وإعادة التفاوض حولها، وهو ما يعني وضع “الداخل الأميركيّ” في مواجهة “الداخل المعولم”، وابتزاز الأخير. كما يعني أيضًا المبالغة في السير في الطريق الذي وضّحنا كيف خطّه “أوباما” باتّجاه “الداخل الأميركيّ”، عبر تقليص فوائد “الداخل المعولم” من العولمة.  وفي السياق نفسه، وإن كان هذا بعدميّةٍ أكثر، تحدّث “ترامب” عن إلغاء اتّفاقيّة المناخ، التي تحمّس لها أوباما كثيرًا، وأشار إلى أنّ التغيّر المناخيّ تهديدٌ وجوديٌّ للعالم برمّته، مقارنة بداعش التي قال: إنّها ليست تهديدًا وجوديًّا للشرق الأوسط ([26]).

ويمكننا أن نرى بوضوحٍ أنّ الوعود “الداخليّة” ومخاوف “الداخل الأميركيّ” التي داعبها “ترامب” استطاعت هزيمة “كلينتون” الديمقراطيّة، على الرغم من أنّ حجم التمويل لحملة كلينتون بلغ ثلاثة أضعاف حملة “ترامب”([27])، وعلى الرغم من الماكينة الإعلاميّة الهائلة التي وقفت وراءها، والانشقاقات الأوّليّة في صفوف الجمهوريّين. كما أنّ هذه الوعود والمخاوف القابعة تحتها، هزمت كتلة نجاحات وإخفاقات أوباما الديمقراطيّ داخليًّا. فالضمان الصحيّ المعروف بـ”أوباما كير” خفض عدد من لا يملكون الضمان الصحيّ من 46.3 مليون عام 2008 إلى 29 مليون عام 2016، واستطاع أوباما أن يخفض نسبة البطالة من 10 في المئة عام 2008 إلى 5 في المئة عام 2016، وأن يرفع معدّل النموِّ السنويّ من – 2.8 في المئة عام 2008 إلى + 2.9 في المئة عام 2016، إلّا أنّه أخفق في تقليص مشكلة الفقر، حيث ازداد عدد الفقراء من 12 في المئة عام 2008 إلى 13.5 في المئة عام 2016، كما ارتفع إجماليّ الدين المحليّ ([28]). وعلى الرغم من أنّ التوقّعات كانت ترجّح أنّ تكون هذه الإنجازات الاقتصاديّة في مصلحة هيلاري كلينتون، إلّا أنّ مخاوف الطبقة البيضاء الوسطى التي خاطبها “ترامب” تغلّبت على جميع إنجازات “أوباما” الداخليّة. ففي هذا الخطاب هناك وعودٌ بتخفيض الضرائب، وزيادة في التنافس الليبراليّ في ساحة الطبقة الوسطى وأعمالها، ومنع هجرة الوظائف والمصانع، وذلك ضمن سياقٍ اجتماعيٍّ – اقتصاديٍّ يحمي “الداخل الأميركيّ”، كما يحمي “الأميركيّين البيض” من أن يتحوّلوا يومًا ما (بعد 30 عامًا) إلى “جماعة أقليّة”.

 

سادسًا: خاتمة وآفاق

عملت الإدارات الأميركيّة المتعاقبة منذ سقوط الاتّحاد السوفياتي على رعاية العولمة، و”أمركتها”، والحفاظ على أحاديّةٍ قطبيّةٍ للمركز الأميركيّ. في الواقع كانت العولمة، مستفيدةً من حيويّة الثقافة البراغماتيّة الأميركيّة، تكسر الحواجز، وتصنع عالمًا جديدًا صار –بتزايدٍ- يخلق ملامحَ نمطٍ جديدٍ، ومركزًا جديدًا “ما فوق قوميٍّ”.

إلّا أنّ إدارة الرئيس “باراك أوباما”، وردًّا على فشل “مغامرة بوش الابن” في فرض قالبٍ تكون فيه الولايات المتّحدة الدولة التعدّديّة داخليًّا أشبه بـ”الدولة الشموليّة” خارجيًّا، مع ما جرّه هذا الفشل من خسائرَ اقتصاديّةٍ (وبشريّة في حروب أفغانستان والعراق) –عمدت إلى إعادة تموضعٍ سياسيٍّ/ عسكريٍّ بناءً على تحديد أولويّاتٍ مختلفةٍ عمّا سبقها في عهد “بوش” وبغية ترشيد استخدام قوّة الولايات المتّحدة. إلّا أنّ الذي لم يتغيّر نوعيًّا هو استمرار معارضة “الداخل المعولم” ومعارضة طموحه في التحوّل إلى مركزٍ جديدٍ لعالمٍ جديدٍ.

إلّا أنّ للوقائع مساراتها التي تحفرها رغمًا عن الإرادة الواعية للدول. فالاقتصاد الأميركيّ كان يزداد تشابكًا مع الاقتصاد العالميّ الذي يقوده، وهو ما عنى أنّ الاقتصاد الأميركيّ يتّجه بعيدًا عمّا يريده السياسيّون الأميركيّون، ويساهم في تشكيل العالم الجديد، ونموّ “الداخل المعولم”، حيث توجد شركاتٌ عالميّةٌ من كلِّ أرجاء الأرض تتشارك المصالح وتتبادل المنافع وتدفع الدول لصناعة قوانين ترعى مصالحها، أي تحديث القوانين وعولمتها، وهو المسار الذي يصنع مؤسّسات “النظام العالميّ الجديد” الـ “ما فوق قوميّة”. وإذ يختار السياسيّون الأميركيّون -بدلًا من هذا المسار- فرض تأبيد المركزيّة الأميركيّة، فإنّهم يجهّزون بذلك الأرضيّة لليمين المتطرّف الداعي إلى العودة إلى حدود الدول النهّابة التي لا تشارك العالم بفوائد الرأسماليّة.

وهكذا، حين تتلاقى مساعي “النظام الأميركيّ” لمنع انتقال مركز العولمة إلى “الداخل المعولم”، مع تضرّر قطاعاتٍ اجتماعيّةٍ “بيضاء” في الولايات المتّحدة من العولمة (نتيجة تراجع فرص العمل بسبب هجرة الشركات وزيادة أتمتتها، ومنافسة البضاعة الأجنبيّة المنتجات المحليّة، والفزع من زيادة تأثير “الملوّنين”…) يبرز ملياردير متطرّفٌ من هوامش النظام الأميركيّ، ويُنتخب رئيسًا للولايات المتّحدة. وفي سياق هذه الرحلة تظهر محاولاتٌ شعبويّة لأدلجة ردّات الفعل المتناثرة في المجتمعات الأميركيّة على العولمة وتضمينها رغبة النظام الأميركيّ في تأبيد مركزيّته عالميًّا، فتتطرّف بطرح العودة إلى الأطر الدولتيّة/ القوميّة، والكفِّ عن مشاركة الآخرين في المنافع. الأمر الذي يعني أنّ النظام الأميركيّ يواجه تمرّدًا من هوامشه (وهو ما ستظهر مع الوقت حدوده) على عمليّة إدارة التناقضات التي كثيرًا ما برع فيها، وهو يتعرّض لضغط المسارات المتعدّدة عليه ليختار أحدها، فإمّا الانكفاء إلى “الدولة القوميّة”، أو السير إلى الأمام للإسهام في تثبيت نمط العالم الجديد الـ “ما فوق قوميّ”.

وسيكون من المهمّ تتبّع ردّ النظام السياسيّ الأميركيّ على هذا التحدّي لتوقّع المسارات السياسيّة للدولة الأعظم في التاريخ. فالنظام الأميركي ما زال يُظهر أنّه يرفض التراجع عن التوافق النسبي مع العولمة حتى وهو يسعى لضبطها؛ كما بدأت تظهر الدلائل على مساعيه للجم الرئيس المنتخب قبل أن يستلم صلاحيّاته، ومنها: أنّ الكونغرس وافق بأغلبيّةٍ ساحقةٍ على تمديد العقوبات على إيران لعشر سنوات، ثم جدّد حظر بيع الطائرات المدنيّة لإيران من شركتي “بوينغ” و”إيرباص”، في حين كانت الصفقة في طريقها إلى التوقيع. كما وافق الكونغرس على قانون “قيصر” لمعاقبة كلِّ من يدعم النظام السوريّ، وهو القانون الذي ضغط “أوباما” كثيرًا لإلغائه في السابق. وعلى “ترامب” اليوم أن يتعامل معه، ومع تداعياته التي ستمسّ روسيا مباشرةً؛ ما يعني أنّها لن تكون “الصديقة في سورية” كما عَدَّها “ترامب”. وهذه الخطوات تُعدُّ تقييدًا من الكونغرس لسياسات الرئيس المنتخب قبل أن يستلم مهماته. كما تشير تقارير إلى أنّ الولايات المتّحدة، في تغيّرٍ مفاجئ، قد زوّدت مقاتلي “PYD” الأكراد في سورية بصواريخ مضادّة للطيران ومضادّات للدروع ([29]). ثم جاء إعلان “جون دوريان” المتحدّث العسكريّ باسم التحالف الدوليّ ضدّ داعش، أنّ التحالف لا يدعم عمليّة “درع الفرات” في معركة الباب، وأنّ تركيا هي من قرّرت هذه العمليّة، وأنّ التحالف سحب مستشاريه الذين كانوا يساهمون في عملية درع الفرات ([30]). إنّ هذه التصريحات والقرارات جميعها قد تكون جاءت في هذا الوقت لتكريس وقائع يصبح من الصعب التراجع عنها، ما يقيّد قدرة “ترامب” على إحداث تغييرٍ راديكاليّ في سياسة الولايات المتّحدة فجأة؛ كأن يغازل الأتراك ويوقف دعم الـ “PYD” فجأة على سبيل المثال، وربّما هذه هي أحد أسباب استعجال معركة الرقة ضدّ “داعش”.

وفي مواجهة “ترامب” سيظهر مدى نضج “الداخل المعولم” وقدرته على المبادرة بعد أن تعرّض لضغط “أوباما” خلال الثماني سنواتٍ الماضية. وهذا يعني تفاعلًا بين ضفّتي المحيط الهادي للحدِّ من قدرة “ترامب” على إحداث تغييرٍ مفاجئٍ وصادمٍ في السياسة الخارجيّة، عبر دعم مجموعةٍ من الوقائع التي يمكن أن تصبح “محدّدات – ترامب الخارجيّة”، أي القيود التي تكبّله. وعلى الرغم من أنّ شهرًا واحدًا تقريبًا يفصلنا عن استلام ترامب لمهماته رسميًّا، إلّا أنّ هذا الشهر سيكون خصبًا بتعزيز، وتشكيل، وإعادة تشكيل هذه المحدّدات.

وعلى الرغم من أنّه من المبكّر وضع سيناريوهات لمسارات الحوادث، فالرئيس المنتخب لم يستلم مهماته بعد، إلّا أنّ المعطيات وما بني عليها من تحليلٍ، تتيح رسم خطوطٍ أوّليّةٍ عامّةٍ لاحتمالاتٍ ثلاثة:

1- انتصار خطّ التصادم

يستطيع “ترامب” الجمع بين اليمين المتطرّف وأقصى اليمين الجمهوريّ، ما يجبر الحزب الجمهوريّ على الرضوخ بسبب خوف زعاماته من خسارتهم جمهورهم. وهو ما يؤدّي إلى تحويل خطاب “ترامب” إلى أفعالٍ تستفزّ المتضرّرين منها، وتضعف إمكانيّة التفاوض وعقد التسويات، ما يؤدّي إلى موجات احتجاجٍ.

2- شبكة الحماية تبطل السحر والساحر

يستطيع الجمهوريّون المعتدلون تشكيل شبكة حمايةٍ بالتحالف مع الديمقراطيّين، وتأييد القوى الغربيّة الديمقراطيّة، تقوم بإشغال “ترامب” عبر المؤسّسات، واستنزاف الوقت، مع مساعٍ منها لاستثماره كرئيسٍ يمينيّ معطّلٍ للابتزاز الخارجيّ.

3- النظام الأميركيّ يحتوي الساحر، ويبتزّ العالم

يستسلم “ترامب” للجهاز الجمهوريّ، ما يتيح للأخير ابتزاز الداخلين والخارج، وهو ما سيسمح للولايات المتّحدة السير في خطط مواجهاتها، وتحديدًا مع الصين، بهدوءٍ، في الوقت الذي ترسّخ فيه الخطّ الصاعد لاقتصادها.

 

[1]– ابتسام عازم، مهاجرون غير شرعيّين في الولايات المتحدة، العربي الجديد، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، https://goo.gl/kPoqSz

[2]– بخصوص الانقسام بين الولايات يمكن مراجعة “دونالد ترامب رئيسًا: محاولة في تفسير الخلفية”ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت الزيارة آخر مرة في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر2016) http://cutt.us/0OrGG

[3] – بوش: من ليس معنا ضدنا، بي بي سي أونلاين، (آخر زيارة للموقع 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_1642000/1642259.stm

[4]– فخر الدين، يوسف، سوريا وإيران في ظروف إعادة التموضع الأمريكي، مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، 2013 (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/ppmSo

جولدبيرج، جيفري، عقيدة أوباما، ترجمة السوري الجديد، 2016. (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/F7ria

[5]– بدأت فعلًا قطاعات تتظاهر لمجرد فوز “دونالد ترامب”، الجزيرة نت، 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. (تمت الزيارة آخر مرة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016) http://cutt.us/FKxB

[6] – مكرينان، بيتان، دونالد ترامب يشير إلى أنه سيلغي الدعم الأميركي للمتمردين السوريين على الرغم من التماسهم الدعم منه.. الإندبندنت البريطانية، 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/GrcHJ

[7] – ماذا سيفعل ترامب في سوريا، الجزيرة الإنجليزية، 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/DvOxc

[8] – موقع ترامب على الإنترنت، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، https://www.donaldjtrump.com/

[9] – موقع ترامب على الإنترنت، مرجع سابق

[10] – الرئيس ترامب والصفقة النووية الإيرانية، معهد CATO، 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/0IV9k

[11] – مقابلة مع النيويورك تايمز، 21 تموز/ يوليو 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/kyGN

[12] – ماذا سيفعل ترامب في سوريا، مرجع سابق.

[13] – مقابلة مع النيويورك تايمز، مرجع سابق.

[14] – الصحافة الصينية تخطب ودّ ترامب، الجزيرة نت، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)  http://cutt.us/XmfP

[15] – ترامب: لا نستطيع السماح باستمرار اغتصاب الصين لبلدنا، سي إن إن، 2 أيار/ مايو 2016 (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/dodgg

[16] – مقابلة مع السي إن إن، 30 حزيران/ يونيو 2015. (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://arabic.cnn.com/world/2015/06/30/donald-trump-cnn-interview

[17] – ما الذي تعنيه رئاسة ترامب لمستقبل العالم، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ترجمة مروان زكريا، 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://cutt.us/HXosB

[18] – موقع ترامب، مرجع سابق.

[19] – سي إن إن العربية، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، http://arabic.cnn.com/world/2016/11/17/obama-issues-warning-trump-russia

[20]– يمكن الاطلاع على المزيد حول الخطة في التقرير الصحفي المنحاز للصين في العربي الجديد بعنوان “الصين تطوِّر إستراتيجيتها، سامر خير أحمد، https://goo.gl/kMJnGI (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)

[21] – لمزيد من الاطلاع على أثر فوز ترامب على اليمين المتطرف في أوروبا راجع: “فوز ترامب بوصفه امتدادًا للبريكست: أوروبا تدق ناقوس الخطر”، التميمي، نواف، العربي الجديد، (13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، ((تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016) http://cutt.us/R4zXB

[22] – أوباما والناتو يحذران ترامب من تبني سياسة العزلة، العربي الجديد، 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)  http://cutt.us/u8qHW

[23] – عقيدة أوباما، مقابلة أوباما مع “أطلنطك”، ترجمة إدراك للدراسات والاستشارات، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)  http://idraksy.net/the-obama-doctrine/

[24] – ماذا يتوقع فلاديمير بوتين من دونالد ترامب؟، التايم، 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)  http://cutt.us/hxU0K

[25] – إستراتيجية ترامب في سوريا ستكون كارثية، فورين بوليسي، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016) http://cutt.us/pgo5Q

[26] – عقيدة أوباما، مرجع سابق.

[27] – شلهوب، فكتور، انقلاب في أمريكا، العربي الجديد، 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016) http://cutt.us/4QLCa

[28] – سياسة أوباما الاقتصادية تدعم هيلاري في انتخابات الرئاسة، العربي الجديد، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)  http://cutt.us/G3beo

[29] – أوباما يضرب علاقات ترامب ببوتين وأردوغان في سوريا، DEBKA file 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016). http://cutt.us/0okT2

[30] – روزنا إف إم، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، (تمت زيارة الموقع آخر مرة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، https://goo.gl/qbGcsZ