اسم المقالة الأصلي (بالإنكليزية) The End of Identity Liberalism
الكاتب MARK LILLA مارك ليللا
مكان وتاريخ النشر  نيويورك تايمز The New York Times

18 تشرين الأول/ أكتوبر 2016

رابط المقالة http://www.nytimes.com/2016/11/20/opinion/sunday/the-end-of-identity-liberalism.html
المترجم أحمد عيشة

 

من البديهي أنَّ الولايات المتحدة قد أصبحت بلدًا أكثر تنوعًا، وهو أيضًا شيء جميل أن نشاهده. زوارٌ من دول أخرى، خاصة من تلك التي تواجه مشكلةً في دمج الجماعات والأديان العرقية المختلفة، مستغربين أننا تمكنا من إنجاز تلك المهمة، ليس تمامًا، بالطبع، ولكن بالتأكيد، أفضل من أي دولةٍ أوروبية أو آسيوية اليوم، إنها قصة نجاحٍ غير عادية.

ولكن كيف ينبغي لهذا التنوع أن يُشكّل سياستنا؟ الجواب الليبرالي النموذجي، والحاضر منذ ما يقرب من جيل حتى الآن، هو أننا يجب أن نصبح واعين، و”نحتفل” بخلافاتنا، وهو مبدأٌ رائعٌ من التربية الأخلاقية -ولكنه يشكل كارثةً كأساسٍ للسياسة الديمقراطية في عصرنا الأيديولوجي.

في السنوات الأخيرة، تراجعت الليبرالية الأميركية إلى نوعٍ من الهلع الأخلاقي، بما يخص العنصرية ونوع الجنس والهوية الجنسية، الذي شوه رسالة الليبرالية ومنعها من أن تصبح قوة موحدة قادرة على الحكم.

واحدٌ من الدروس العديدة المستفادة من حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة ونتائجها المثيرة للاشمئزاز، هو أنَّ عصر الهوية الليبرالية لا بدَّ، وأن يكون قد وصل إلى نهايته. كانت هيلاري كلينتون في أفضل حال لها والأكثر صعودًا، عندما تحدثت عن المصالح الأميركية في الشؤون العالمية، وعلاقتهم مع فهمنا للديمقراطية. ولكن عند تصوير الواقع في الوطن، مالت في الحملة الانتخابية لأن تخسر تلك الرؤية الكبيرة، وتنزلِق إلى خطاب التنوع، فنادت الأميركيين بوضوح استنادًا إلى تنوعهم، أي الأميركيين الأفارقة واللاتينيين، والسحاقيات والمتحولين والشاذين جنسياL.G.B.T. والناخبات في كل محطة، كان هذا خطأ استراتيجيًا.

إن كان عليكم أن تذكروا الجماعات في أميركا، فمن المفضل ذكرهم كلهم، وإذا لم تقم بذلك، فأولئك الذين لم يذكروا، سيلاحظون ويشعرون باستبعادهم. وهذا، كما تظهر البيانات، هو بالضبط ما حدث مع الطبقة العاملة البيضاء، وذوي القناعات الدينية القوية، فنحو ثلثي الناخبين البيض تمامًا، ممن هم من دون شهادات جامعية، قد صوتوا لدونالد ترامب، كما فعل أكثر من 80 في المئة من الإنجيليين البيض.

هوية البيئة الأخلاقية الحيوية، بالطبع، لها العديد من الآثار الجيدة، فقد تمَّ إعادة تشكيل العمل الإيجابي وتحسنت حياة الشركات، وقد نقلت منظمة حياة السود (وهي منظمة للناشطين الأميركيين من أصل أفريقي تنادي بوقف الأعمال العنصرية والتمييز ضدهم، م) دعوةً لإيقاظ كلّ أميركي مع ضميره، كما ساعدت مساعي هوليوود لتطبيع المثلية الجنسية في ثقافتنا الشعبية في التطبيع بين الأسر الأميركية وفي الحياة العامة.

ولكن التأكيد على التنوع في مدارسنا وفي الصحافة قد أنتج جيلًا من الليبراليين والتقدميين غير واعٍ بشكل نرجسي للظروف خارج مجموعاتهم الذاتية المحدّدة، وغير مبالٍ بمهمة إخراج الأميركيين إلى كل مناحي الحياة.

في سنٍ مبكرةٍ جدًا، يجري تشجيع أطفالنا على الحديث عن هوياتهم الفردية، حتى قبل أن تُتاح لهم/يتملكوها، وفي الوقت الذي يصلون فيه إلى الكلية، يفترض كثيرون أنَّ خطاب التنوع يستنفد الخطاب السياسي، ويكون مثيرًا للصدمة قليلًا أن نتكلم عن هذه الأسئلة الدائمة مثل الطبقة والحرب والاقتصاد والصالح العام، ويعود هذا في جزءٍ كبير منه إلى أن مناهج التاريخ في المدرسة الثانوية، تبرز بشكل مفارق الهوية السياسية الحاضرة مرةً أخرى تجاه الماضي، وتخلق صورةً مشوهة عن القوى الرئيسية والأفراد الذين شكلوا بلدنا. (إنجازات حركات الدفاع عن حقوق المرأة، على سبيل المثال، كانت حقيقيةً ومهمة، ولكن لا يمكن فهمها إذا كنت لا تفهم أولًا إنجاز الآباء المؤسسين في تأسيس نظام حكمٍ على أساس ضمان الحقوق).

عندما يصل الشباب إلى الجامعة، نشجعهم على الحفاظ على هذا التركيز على أنفسهم من خلال الجماعات الطلابية وأعضاء هيئة التدريس، ومن الإداريين أيضًا الذين مهمتهم الكاملة هي التعامل مع -وزيادة أهمية- “قضايا التنوع.”

بذلت فوكس نيوز، وغيرها من وسائل الإعلام المحافظة، جهدًا كبيرًا من السخرية حول “جنون الحرم الجامعي” الذي يحيط مثل هذه القضايا، وفي أكثر الأحيان، لم تكن محقة في ذلك. وهذا يجد صداه فحسب لدى الديماغوجيين الشعبويين الذين يريدون نزع الشرعية عن التعلم في نظر أولئك الذين لم تطأ أقدامهم أبدًا الحرم الجامعي. كيف يمكن أن تشرح للناخب العادي، الحاجة الأخلاقية الملحة المفترضة إلى إعطاء طلاب الجامعات الحق في اختيار ضمائر الجنس المعينة، ليتم استخدامها عند التعامل معهم/مخاطبتهم؟ كيف لا تضحك مع هؤلاء الناخبين على قصة المخادع في جامعة ميشيغان الذي كتب “صاحب الجلالة”؟( ربما هي إشارة إلى تود ستارنس، السياسي والمعلق التلفزيوني والصحافي المحافظ الذي كتب في موقع فوكس نيوز مقالًا بعنوان: “صاحب الجلالة”: طالب بمفرده يهزم جيشًا من الناشطين المحايدين جنسيًا، في 30 أيلول/ سبتمبر 2016، م.)

هذا الوعي بالحرم الجامعي المتنوع قد تمت تنقيته على مدى السنوات في وسائل الإعلام الليبرالية، ولكن ليس بمهارة، وقد قدَّم العمل الإيجابي للنساء والأقليات في الصحف الأميركية والإذاعات، إنجازًا اجتماعيًا غير عادي -وحتى غيَّر، بكل معنى الكلمة، وجْهَ وسائل الإعلام اليمينية، مثل الصحافيين ميغين كيلي ولورا إنغراهام، الذين اكتسبا شهرة، ولكن يبدو أيضًا، أنَّه شجع الافتراض القائل، خصوصًا بين الصحافيين والمحررين الشباب، أنه يمكنهم ببساطة، عبر التركيز على الهوية، أن ينجزوا أعمالهم.

مؤخرًا، قمتُ بتجربة بسيطة خلال التفرغ في فرنسا: لمدة عامٍ كامل، كنت أقرأ مطبوعاتٍ أوروبية فحسب، ولم أقرأ أي مطبوعاتٍ أميركية. كان تفكيري منصبًا على محاولة رؤية العالم كما يراه القراء الأوروبيون. لكن العودة إلى الوطن، ومعرفة كيف حوّلت عدسات الهوية التقارير الأميركية في السنوات الأخيرة، كان أكثر فائدة. على سبيل المثال، كيف تُحكى وتُروى، في كثير من الأحيان، القصة الأشد تبلدًا في الصحافة الأميركية. لقد أثرَّ السحر مع دراما الهوية حتى في التقارير الأجنبية، والتي هي على المدى القصير مخيبة للآمال؛ ومع ذلك، قد تكون قراءتها مثيرة للاهتمام؛ مثلًا، القراءة عن مصير الأشخاص المتحولين جنسيًا في مصر، فإنها لا تساهم بشيءٍ في تعليم الأميركيين عن التيارات السياسية والدينية القوية التي ستحدِّد مستقبل مصر، وبشكلٍ غير مباشر، مستقبلنا. لا وسيلة أخبارٍ رئيسة في أوروبا ستفكر في تبني مثل هذا الاتجاه.

ولكنها على مستوى السياسة الانتخابية، فشلت الهوية الليبرالية بشكلٍ مذهل، كما رأينا للتو. فالسياسة الوطنية في الفترات السليمة ليست حول “الاختلاف”، بل حول القواسم المشتركة. وسيتم الهيمنة عليها من جانب من يلتقط أفضل التصورات للأميركيين حول مصيرنا المشترك. فعل رونالد ريغان ذلك بمهارةٍ شديدة، أيًا كان ما يتصوره المرء عن رؤيته، وكذلك فعل بيل كلينتون، الذي أخذ القليل من قواعد ريغان، فاستولى على الحزب الديمقراطي بعيدًا عن جناحه المدرك لهويته، وركّز طاقاته على البرامج المحلية التي من شأنها أن تفيد الجميع (مثل التأمين الصحي الوطني)، وحدد دور أميركا في عالم ما بعد عام 1989؛ فكان في ذلك الحين، خلال فترتي حكمه، قادرًا على تقديم الكثير لمختلف الفئات في التحالف الديمقراطي. سياسة الهوية، على النقيض من ذلك، هي معبرةٌ إلى حد كبير، لكنها ليست مقنعة، وهذا هو السبب في أنها لن تفوز في الانتخابات – لكن يمكن أن تخسرها.

إن الاهتمام المكتشف حديثًا في وسائل الإعلام، أنثروبولوجيًا على وجه العموم، بالذكور البيض الغاضبين، يكشف الكثير عن الدولة الليبرالية لدينا، كما هو الحال عن هذه الشخصية المفترى عليها كثيرًا، والمجهولة سابقًا. هناك تفسيرٌ ليبرالي مريح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو أنَّ السيد ترامب فاز في جزءٍ كبيرٍ منها، لأنه نجح في تحويل الحرمان الاقتصادي إلى غضب عنصري- أطروحة/مقولة “ردة فعل البيض”. هذا أمر ملائم لأنه يعاقب قناعة التفوق الأخلاقي، ويسمح للليبراليين بأن يتجاهلوا ما قاله هؤلاء الناخبون حول مخاوفهم التي تم تجاوزها، كما يشجع الخيال بأن اليمين الجمهوري محكومٌ بخطر الانقراض السكاني على المدى الطويل -وهو ما يعني أن على الليبراليين أن ينتظروا البلاد حتى تعود لهم. إنَّ النسبة العالية المستغربة من أصوات اللاتينيين التي ذهبت إلى السيد ترامب، تذكرنا بأن المجموعات العرقية الموجودة هنا في هذا البلد من زمنٍ، قد أصبحت أكثر تنوعًا بشكل سياسي.

وأخيرًا، فإنَّ أطروحة ردّة فعل البيض مريحةٌ، لأنها تعفي الليبراليين من عدم الاعتراف كيف أن هاجسهم الخاص حول التنوع، قد شجَّع الأميركيين البيض الريفيين المتدينين، على التفكير في أنفسهم كمجموعةٍ محرومة، هويتها مهددة بالانقراض أو التجاهل. مثل هؤلاء الناس لا يردّون فعلًا ضد واقع بلدنا: أميركا المتنوعة (يميلون، بعد كل شيء، للعيش في مناطق متجانسة من البلاد). لكنهم يردون على الخطاب المنتشر في كل مكانٍ عن الهوية، وهو ما يعنونه بـ “الاستقامة السياسية”.

يجب على الليبراليين أن يأخذوا في الحسبان أن حركة الهوية الأولى في السياسة الأميركية كانت حركة كو كلوكس كلان (منظمات أميركية عنصرية، تؤمن بتفوق البيض، وتعادي الكاثوليك والملونين، وهي ضد المثلية، ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر، م.)، التي لا تزال موجودةً. أولئك الذين يلعبون لعبة الهوية يجب أن يكونوا على استعدادٍ لأن يخسروها.

نحن في حاجةٍ إلى ليبرالية ما بعد الهوية، تلك التي يجب أن تستفيد من النجاحات الماضية لليبرالية ما قبل الهوية؛ حيث سيكون لمثل هذه الليبرالية أن تركّز على توسيع قاعدتها بمناشدة الأميركيين كـ أميركيين، والتأكيد على القضايا التي تؤثر في أغلبيتهم العظمى، وأن تتحدث إلى الأمة كأمة من المواطنين المنخرطين فيها ويجب أن يساعدوا بعضهم بعضًا، أما بالنسبة إلى القضايا الأضيق والمشحونة كثيرًا بشكلٍ رمزي، ويمكن لها أن تنفر الحلفاء المحتملين، خصوصًا تلك التي تمسّ الحياة الجنسية والدين، فإنه ينبغي لمثل هذه الليبرالية أن تعمل بهدوء، وبحسّ ملائم وموزون. (على حد تعبير بيرني ساندرز، أميركا مريضة وتعبة من جلسة استماع حول حمامات لعنة الليبراليين).

المعلمون الملتزمون بمثل هذه الليبرالية سيعيدون تركيز الاهتمام على مسؤوليتهم السياسية الرئيسية في الديمقراطية: تشكيل مواطنين ملتزمين واعين بنظام حكومتهم وبالقوى والأحداث الكبرى في تاريخنا. ومن شأن ليبرالية ما بعد الهوية أن تؤكد أيضًا على أن الديمقراطية لا تدور حول الحقوق فحسب؛ بل تضع واجبات على مواطنيها أيضًا، مثل واجبات أن يبقوا على علمٍ، ويصوتوا. ومن شأن صحافةٍ ليبرالية ما بعد الهوية أن تبدأ بتثقيف نفسها عن أجزاء من البلاد تم تجاهلها، وحول المهم فيها، خاصة الدين، وسيستغرق الأمر على محمل الجد مسؤوليتها في تثقيف الأميركيين حول القوى الكبرى التي تشكل السياسة العالمية، خاصةً بعدهم التاريخي.

قبل بضع سنواتٍ كنت مدعوًا إلى اتفاقية الاتحاد في ولاية فلوريدا، للتحدث في حلقةٍ نقاشية حول خطاب الحريات الأربع الشهير للرئيس فرانكلين روزفلت في عام 1941؛ كانت القاعة مملوءةً بالكامل من ممثلي الفروع المحلية -الرجال والنساء، السود والبيض واللاتينيين، بدأنا بترديد النشيد الوطني، ثم جلسنا للاستماع إلى تسجيل خطاب روزفلت، وبينما كنت أجول النظر إلى الحشد، رأيت مجموعةً من وجوه مختلفةٍ، أدهشني كيف كانوا مركزين على ما كانوا يتشاركون، ويستمعون إلى صوت روزفلت الهادر، وهو يذكر بـ: حرية التعبير وحرية العبادة والتحرر من العوز والتحرر من الخوف -الحريات التي طالب بها روزفلت لـ “كل شخص في العالم”- تذكرت ما هي الأسس الحقيقية لليبرالية الأميركية الحديثة.