المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: إرهاصات مفهوم الثقافة السياسية

ثالثًا: مفهوم الثقافة السياسية

رابعًا: وظائف الثقافة السياسة

خامسًا: الثقافة السياسية الروسية

    1- الهوية

    2- دور القوة والتوسع في الثقافة السياسية الروسية

    3- الثقافة السلطوية في الماضي والحاضر

سادسًا: خاتمة

 

 

أولًا: مقدمة

يروي “ثيوسيديس” في وصفه للحرب البيلوبونيزية[1] حدثًا غنيًا في دلالته، فحواه: أن الأثينيين زاروا حكام جزيرة ميللو؛ لكي يقنعوهم بدعمهم في حربهم مع الإسبارطيين، وأخبروهم أنهم سيهاجمونهم إذا لم يدعموهم في هذه الحرب. وقد ساق الأثينيون تبريرًا صريحًا وغريبًا في الوقت عينه لهذه النية:

ليس عداؤكم ما يضرنا، ولكننا إذا أقمنا علاقة ودية معكم، سنكون ضعفاء في نظر رعايانا، أما مهاجمتكم إذا لم تدعمونا فهي دليل على قوتنا.[2]

وإن استدلالنا بهذا الحدث؛ لمتأتية صلته بما نشهده من سلوك القادة الروس المعاصرين الذين يصرون في سلوكهم السياسي، الذي يعتمد القوة أداة أساسية في السياسة، على إعادة توضيع صورة القوة العظمى في عقول وقلوب رعاياهم، بغض النظر عن أي ظلم يمارسونه ضد الآخرين. وهو مكون أساسي من مكونات الثقافة السياسية الروسية، لم يكن ليُعتمد لولا غياب الفردية لصالح الجماعية التي تسم بميسمها تلك الثقافة.

قد نزيل بعض الاستغراب الذي يبلغ حدود الدهشة من السلوك السياسي الروسي إذا فهمنا بعض سمات الثقافة السياسية الروسية، وهي ثقافة لا يمكن أن تصنف إلا في صنف الثقافة البدائية، أو على الأقل، إذا احتج رافضو هذه التصنيفات، ثقافة أمة لا تستطيع الانفكاك من أسر عناصر الهوية الصلبة التي تشكلت عبر القرون، وتأبى أن تعيد تشكيلها بما يتناسب مع معطيات الحداثة.

فالسلوك المشتقّ من معطى جوهري ثابت لا يعبر إلا عن فوات تاريخي، لا يجدي لستره استعراض القوة الفائقة إلا عند من لم يدرك أن الحداثة لا تكتسب بالقوة العسكرية، واستعادة الأمجاد الغابرة بواسطة استخدامها.

 

ثانيًا: إرهاصات مفهوم الثقافة السياسية

انتشر مفهوم الثقافة السياسية في الحقل الأكاديمي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي؛ ويمكن تعليل ظهوره بمحاولة الدول المستقلة حديثًا استيراد مؤسسات ديمقراطية، وهو استيراد لم يكن كافيًا لتجذر الديمقراطية في أرض بدا أنها غير مهيأة؛ وهو ما دفع بعض علماء الاجتماع إلى البحث عن أسباب عدم انسجام المؤسسات الديمقراطية مع واقع هذه المجتمعات عن طريق الحفر في بنية الثقافة السائدة فيها.

ونجد أول ظهور له في أعمال روث بندكت[3] ومارغريت ميد[4]، وقد ركّزت أدبياتهم على التمييز بين الأمم بدالة الثقافات.

وقد خطا “غابرييل أولموند وسدني فيربا[5] في كتابهما “الثقافة المدنية” خطوة أكثر تقدمًا عندما توصلا عبر عقد مقارنة بين خمس دول إلى تصنيفات للثقافة السياسية تفسر نمط النظام السياسي الذي ينتج عن كلّ صنف.

وعلى الرغم من تراجع مفهوم الثقافة السياسية في السبعينيات بعدّه ذا طابع استاتيكي، غير قادر على تفسير علاقات القوة، والتغير الاجتماعي، إلا أنه لا يزال ثمّة من يدافع عن قدرته على التفسير، وهو ما جعل المدافعين عنه يسعون إلى تخفيف الطابع القومي الذي اصطبغ به في بداية ظهوره، والبدء بالبحث عن تصنيفات للثقافة السياسية داخل البلد الواحد.[6]

من جهة أخرى تجد من المدافعين عن قدرته الإجرائية واضعي نظرية “القابلية الاجتماعية للنمو”[7]، والذين يقرّون بضرورة تطويره عبر التأكيد على عدم كفاية متغير الثقافة لتفسير الصراعات بين القوميات، أو ضمنها، وضرورة إدراك تأثره بالبنية القائمة، وتأثيره فيها، وعلى ضرورة إدراك العلاقة الجدلية بين التحيز الثقافي والعلاقات الاجتماعية التي تُنتج نمط حياة معين.

فعن طريق تعزيز مفهوم الثقافة السياسية بربطه بالبنية، من جهة، وبالعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى يمكن جعل المفهوم أكثر قابلية للاستثمار.

 

ثالثًا: مفهوم الثقافة السياسية

لا نود سرد تعريفات لمفهوم الثقافة السياسية؛ لكي نفكك التركيب إلى مكوناته، ثم نعيد لحم جزأيه؛ لأن اعتقادنا أن المفهوم يُقيد بالتعريف الذي يعيق رؤية سيرورته التاريخية، وما طرأ عليه من تحولات، فالمهم بالنسبة إلينا أن ننظر إلى المفهوم آخذين في الحسبان أمرين أساسيين:

الأول: أن ما يكوّن ثقافة أمة من الأمم من لغة، وتقاليد، وعادات، وفنون، وأديان، وغيرها يخفي خلفه افتراضات غير منطوق بها، تمثل العمق لهذه العناصر الطافية على السطح.

الثاني: وهو لازم عن الأول أن لمفهوم الثقافة السياسية – كمتأثر بالثقافة – تجلياتٍ مختلفة تبعًا للمستوى الذي وصلت إليه أمة من الأمم؛ فهو عند الأمم التي لم تبلغ بعد درجة الحداثة: ظاهر لعمق يمثل نسيجًا اجتماعيًا مصنوعًا من تفاعلات معقدة لفاعلين اجتماعيين على مستويات سياسية واقتصادية وثقافية عبر قرون طويلة بين بعضهم، ومع الثقافات الأخرى.[8]

وسبب التعقيد المدرك هنا هو أن لدى هذه المجتمعات مفهومًا للأمة ميتافيزيقيًا عميق الغور، وذا طابع روحي. وهو ما ينطبق على المفهوم في تجسّده لدى الروس.

أما بالنسبة إلى المجتمعات التي بلغت الحداثة، فالثقافة السياسية ليست إلا نتيجة خيارات واعية للدول، وليست حدثًا تاريخيًا مقدّرًا.[9]

والسبب في كون المفهوم هنا أكثر وضوحًا وبساطة؛ هو أن لدى هذه المجتمعات مفهومًا للأمة تكون وفقه ظاهرة ممكنة، وليست ضرورة كونية، والتعامل مع الظاهرة الممكنة يفسح المجال للفاعلين لإعادة تشكيل خصائصها الذاتية والعرضية.

أما لدى ما بعد الحداثيين، فإن مفهوم الثقافة السياسية يصبح عصيًا على الضبط، لا يمكن إدراكه بشكل كلي؛ لأن الأمة في نظرهم مجتمعات متخيلة، تحدد ماهيتها تفضيلات الأفراد، وأطر إدراكهم المرجعية. [10]

 

رابعًا: وظائف الثقافة السياسة [11]

  • تقديم مجموعة من القيم والصيغ العقلانية التي تضمن التماسك الداخلي للبنى، والمؤسسات، والمنظمات التي يعمل في إطارها الأفراد.
  • التعبير عن المطالب والمصالح السياسية والاستجابة إليها؛ لما لها من تأثير في حشد وتعبئة القطاعات الاجتماعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجوانب الاجتماعية والحياتية لأفراد المجتمع، والتحول من الجوانب التقليدية، والاستبدال بها جديدة أكثر استجابة لتلك المصالح.
  • التأثير في عمليات نشر الوعي السياسي، وتوسيع المشاركة، وإرساء وجهات نظر جديدة لدى الجمهور، وتعزيز نوعية الحياة السياسية والاقتصادية.
  • توحيد الأطر والمؤسسات المختلفة؛ لكي تواجه التحديات والمستجدات التي تتعرض لها مكوّنات الدولة.

 

خامسًا: الثقافة السياسية الروسية

بدأ صنع الثقافة السياسية الروسية على يد القبائل السلافية القديمة التي استوطنت “كييف” أول بلد سلافي والذي شهد حكم أسرة “ريريكو فيتش”، وهي سلالة من أطول السلالات الحاكمة في التاريخ.

تقوم الثقافة السياسية الروسية على عدة دعامات[12]:

  • الهوية وهي دعامة أساسية لم تتبلور بعدُ على الرغم من محاولات دؤوبة؛ لتثبيت مكوّناتها تثبيتًا نهائيًا على يد القادة المعاصرين.
  • دور القوة والتوسع في الثقافة السياسية الروسية.
  • الثقافة السلطوية في الماضي والحاضر.

ويمكن أن يلزم عن هذه الدعامات سمات أخرى: فالجماعية لازمة عن السلطوية، والشغف بالتوسع لازم عن القوة، والكذب الذي تمارسه الحكومة على شعبها ميكانيزم تتطلبه المسافة بين المستبد ورعاياه.

 

1- الهوية

وجود الهوية كركن من أركان الثقافة السياسية الروسية يجعل الأفعال المستجيبة للتغيرات مشتقّةً من جوهر معطىً. ولأن هذا الجوهر مصطَنع، وليس طبيعيًا، فإنه ليس الدافع الوحيد للسلوك السياسي الروسي؛ فالسلوك محكوم بأحد منطقين[13]:

– منطق النتائج المتوقعة.

– منطق الملاءمة.

أما الأول فإن القرارات تتخذ فيه اعتمادًا على خيارات الفاعلين العقلانية؛ بمعنى أن الفاعل لديه إدراك لقدراته، وهو يوازن بين خيارات عديدة، ويجري حسابًا دقيقًا للكلف والمنافع، وأخيرًا يشرع في تصرف يعتقد أنه يعظّم فيه منافعه.

أما منطق الملاءمة فهو استناد في السلوك إلى معايير أخلاقية، وقواعد ثابتة معينة مستمدة من الهوية، وهو ما يجعل الأسئلة التي يسألها الفاعل لنفسه عندما يكون محكومًا بمنطق الملاءمة هي:

  • من نحن؟ من الآخرون؟
  • هل سينتهك الموقف الذي نزمع اتخاذه المبادئ الأخلاقية التي يستند إليها مجتمعنا؟
  • هل سيؤثر موقفنا في التزاماتنا تجاه شعبنا؟

 

تتبع السياسة الروسية المنطقين: منطق النتائج المتوقعة، ومنطق الملاءمة المستند إلى الهوية. وهذا المنطق الذي يُستند فيه إلى الهوية المعدودة جوهرًا ثابتًا هو الذي يفسر تدخلاتها في مواقف لا يتوقع تدخلها فيها، وانكفاءها حيث يكون تدخلها متوقعًا.

فهي براغماتية إذا لزم الأمر قدرًا من البراغماتية، وهي حريصة على الأصالة المستمدة من الهوية إذا لم تكن البراغماتية ضاغطة.

مفهوم الهوية بالغ الأهمية، ونحن بصدد اكتشاف ديناميات صنع القرار في السياسة الخارجية الروسية، وبشكل عام للهوية السياسية الروسية بعدان: داخلي وخارجي. تنظر إلى الأولى بعدسات محدبة، وإلى الثانية عبر عدسات مقعرة.

فالهوية الداخلية في نظر المؤسسة الرسمية الروسية واسطة العقد التي أخذت أحسن ما في التقاليد الحضارية الشرقية والغربية.[14] والأمة الروسية في نظر المجمع الأرثوذكسي المسيحي أمة تحمل رسالة الخلاص إلى العالم، وتَعدُه بتحقيق السلام، والانسجام، والقضاء على الصراعات.[15]

هذه الرؤية للهوية ترفع الروسيّ إلى المرتبة العليا مقابل أي آخر. فالغربيون من أمريكان وأوروبيين في العدسة المقعرة الروسية أنانيون، وانتهازيون، ومحدودو التفكير بينما الروس غيريون، وروحيون، وجديرون بالثقة.[16]

وهذه التفسيرات الثقافية النفسية تساعد الجماعات كما يقول “مارك روس” على صنع معنى للحياة اليومية، وإضفاء تفسيرات سيكولوجية ذات معنى لعلاقات الجماعة مع الجماعات الأخرى، وبذلك تصبح الجماعة بنكًا للعواطف، ومستودعًا للتراث المشترك الذي يحوي كلّ ما هو إيجابي، ويصبح الآخرون من الذين للجماعة تاريخ سيء معهم حاوين كلّ ما هو سلبي.[17]

 

وهذا الفصل بين الـ “نحن” والـ “هم” يجعل السيادة عنصرًا رئيسًا في العقد الاجتماعي، فالحكام يمكنهم أن يفعلوا ما يشاؤون مع شعوبهم، ويمنعوا أي تدخل خارجي في شؤونهم المحلية.

 

  • حقبة الاتحاد السوفياتي

يدخل في تشكيل الهوية الداخلية حقبة الاتحاد السوفياتي الذي شعر الروس فيه أنهم رعايا دولة عظمى يحظَون بالتبجيل من أربع عشرة قومية سوفياتية.[18] وقد استعادت القيادة الروسية الحالية كثيرًا من رموز الحقبة السوفياتية التي كان أكثرها إيحاء هو إعادة تمثال دزيرجنسكي[19] (مؤسس لجنة الطوارئ) الذي شيد عام 1958 واسقطته القوى الديمقراطية عام 1991. [20]

 

  • الكنيسة الأرثوذكسية

المكون الثاني الذي يدخل في بنية الهوية الروسية الداخلية هو الكنيسة الأرثوذكسية التي شهدت انتعاشًا أعقب القمع الذي تعرض له رجالاتها على يد النظام الشيوعي؛ فقد عادت إلى سابق عهدها في التغلغل في حياة الناس العاديين، في طقوسهم الدينية، وفي حفلات زفافهم، وفي قداساتهم، ومعمودياتهم.[21]

والعلاقة بين الدولة والكنيسة علاقة تصبو إلى إحياء روسيا العظمى؛ فالقادة السياسيون الحاليون يستثمرون الكنيسة لتوحيد الجماهير حول السلطة[22] ولم يقتصر الأمر على هذا الاستثمار؛ من أجل الحشد، وإنما أصبح الدين محورًا للهوية الوطنية الروسية، فقد عُرّف الروسي في إعلان الكنيسة الأرثوذكسية 2014 بأنه:

“الذي لا يملك تفضيلات عرقية أخرى، يتحدث ويفكر بالروسية، يعترف بالمسيحية الأرثوذكسية كأساس للثقافة الروحية، ولديه تضامن واعٍ مع مصير الشعب الروسي.”[23]

وقد استجابت الكنيسة الأرثوذكسية للدور المعطى لها من قبل الساسة، فقدمت دعمها في مناسبات عديدة ومهمة للنهج السياسي المتبع داخليًا وخارجيًا. وكان أبرز دعم قدمته لقرارات القيادة هو دعم التدخل العسكري في سورية، الذي عدّته الكنيسة حربًا مقدسة.[24]

 

  • عبادة الشخصية

من ضمن مكونات الهوية الروسية الداخلية “عبادة الشخصية” التي تعد الستالينية أبرز تجسيداتها. فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة شعبية متزايدة لستالين؛ ففي عام 2006 أظهرت بيانات أن أكثر من ربع البالغين الروس يقولون إنهم يصوتون لستالين لو كان حيًا، ورشح نفسه للرئاسة.[25]

الحقبة السوفياتية كلها، وليس عهد ستالين لوحده، صارت مهوى أفئدة الروس، والماضي الذي يتوقون إلى جعله مستقبلًا.[26]

إن هذه الهوية مصنوعة باستخدام منهج الاختيار الانتقائي وفقًا للأهواء والانتماءات، وهو منهج يفضي إلى إسدال ستار كثيف بين الـ “نحن” والـ “ـهم”؛ لأنه يعرّف الذات بدلالة وجود جوهري ثابت موجود في لحظة من لحظات التاريخ، ويجعل رائز الأصالة هو مدى تطابقها مع هذا الجوهر.

وهو ما يفسر إلى حد كبير عدم الاكتراث بمن يوضعون حسب مقياس الأصالة هذا في درجة منحطّة؛ فهم أقل قيمة إنسانية من الروسيّ الذي يسري في كيانه جوهر روحي لا تغيّر صفاءه تقلبات الدهر.

 

2- دور القوة والتوسع في الثقافة السياسية الروسية

تمثل القوة الفائقة عنصرًا أساسيًا من عناصر الثقافة السياسية الروسية، وهي لذلك متغير مركزي في السياسة الخارجية الروسية، ويرتبط بهذه القوة لازم عنها يجسدها هو التوسع؛ فهو أساسي من أجل الهيمنة التي تمثل الغاية من القوة.

“توجد في قلب الشعب الروسي دمامل قوية عاطفة جامحة للغزو، وهي من العواطف التي تكبر في عقل المظلومين فحسب، وتتغذى على المأساة الوطنية. هذه الأمة المفترسة بطبيعتها الجشعة مع كل الحرمان الذي عاشته تطلق حلمها بالنفوذ على الأمم الأخرى”.[27]

ولم يبدأ السلوك التوسعي في وقت قريب، وإنما بدأ منذ زمن طويل يُؤرخ له بعهد القيصر “ايفان الثالث”[28] الذي يعد جامعًا للأراضي الروسية. وازدادت في عهده مساحة الدولة من 400 ألف كيلومتر مربع إلى ما يزيد عن مليوني كيلومتر مربع. فقد ضم إمارة يارو سلافل، وإمارة روستوف، وأراضي نوفغورود واعترفت إمارة تفير بحكمه بعد حصار طويل وأراض أخرى شاسعة.[29]

وقد تابع “إيفان الرابع”[30] سياساته التوسعية فضم في أقل من ثلاثين عامًا أراضي قازان وسيبيريا وغيرها.[31]

وبعد إطاحة الاضطرابات بمكتسبات التوسع المذكور عاد التوسع على يد بطرس الأعظم[32] بعد سبعين عامًا. وقد مُنح بطرس لقب امبراطور، وبذلك أصبحت البلاد إمبراطورية مع ما يستلزمه ذلك من حاجة إلى توسيع الهيمنة عبر اقتحام الساحتين الإقليمية والدولية، وهو ما يتطلب بدوره موانئ للتجارة، فما كان من بطرس إلا أن وضع نصب عينيه موانئ البحر الأسود، وبحر قزوين، وبحر البلطيق، وهو ما عبر عنه جوردون سميث بالقوة الدافعة الرئيسة للتوسع: “عبر سنوات، كانت موانئ المياه الدافئة القوة الدافعة الأكبر، في التوسع الإقليمي الروسي والسوفياتي في البلقان والشرق الأقصى”.[33]

وقد انتهج الاتحاد السوفياتي نهج القوة نفسه، ولم يقتصر فيه على التوسع وإنما استخدمها؛ لمنع أي انحراف أيديولوجي قد يعتري قلب حليف من حلفائه. فتدخل في هنغاريا عام 1956، وتدخل في بولونيا؛ لمنع حدوث تغييرات في المكتب السياسي تنذر بانفصال بولندا عن الكتلة السوفياتية. وفي تشيكوسلوفاكيا؛ لإبقائها ضمن دائرة النفوذ السوفياتي، هذا فضلًا عن التدخلات في أنغولا وأفغانستان.

وهو النهج الذي تتبعه روسيا القرن الحادي والعشرين، فقد تدخلت روسيا في جورجيا التي تفاقم الوضع فيها إلى جانب حكومتي ابخازيا واوستيا الجنوبية، ففصلتهما عن جورجيا، واعترفت باستقلالهما كدول ذات سيادة.

والحالة الأخرى القريبة لاستخدام القوة هي ضم شبه جزيرة القرم، الذي لم يلتفت فيه بوتين إلى كل النداءات ولم يرعوِ عن فعله، والعالم يستنكر، ويهدد، ويفرض العقوبات؛ لأنه يعتقد أن مهمته هي إحياء صورة روسيا العظمى لدى مواطنيه.

اضطلع بوتين بمهمة بناء روسيا العظمى، وأصبح مسؤولًا عن قدر المواطنين الروس كما كان أسلافه القياصرة.

وواجهت بوتين مهمة خلق هوية روسية جديدة على أنقاض الاتحاد السوفياتي، وتجنب الخطأ المتأصل الذي قاد إلى انهياره، وهو غياب القومية، وشرع منذ صعوده إلى السلطة في بناء سلطة عمودية في الداخل وتوضيع روسيا كقوة عظمى دوليًا.

وهو يستلهم عظمة الاتحاد السوفياتي الذي يأسف على تفككه الذي يعدّه وصمة عار شخصية، ويتهم الولايات المتحدة بأنها المسؤولة عن ذلك، وهو عازم على الانتقام منها عن طريق استعادة الأراضي السوفياتية.

وحروبه الأخيرة تبين أنه ماض في طريق استرداد الأراضي التي يعدها روسية؛ من أجل إحياء المجد الروسي.

يؤطر رؤية بوتين إعجاب بالقياصرة الروس؛ فهو مصمم على أن بلده لن يظهر ضعيفًا مرة أخرى، ولن يتوسل الغرب. والجغرافيا السياسية بالنسبة إليه لعبة ذات مجموع صفري إذا ربح فيها طرف خسر الآخر.

والعودة إلى المستقبل بالنسبة إليه تكون بالاعتماد على التقاليد التاريخية، وانتهاج الطريق الذي يعيد الأمجاد بغض النظر عن ماهية هذا الطريق.[34]

وقد عبر صحفي روسي تعبيرًا بليغًا عن شهوة التوسع الروسية:

“لم تكن روسيا يومًا من الأيام أمًا لعرق واحد أو قومية واحدة، ولم تكن يومًا ذات إقليم محدد المعالم بشكل نهائي، وهذا حال الامبراطوريات دائمًا، لقد نمت روسيا عن طريق الإلحاق للأرض فحسب، لذلك فإن روسيا لا تعترف بأي حدود جغرافية، أخلاقية، سياسية، أو قانونية، لقد اعتادت أن تكون بلا حدود”[35].

هي الصورة المكبرة للذات التي يتحتم بناؤها باستخدام القوة، ولا يجدي مع هذا العزم على بنائها خطاب ينطلق من أرضية حقوق السيادة، وغيرها من الحقوق، لأن التمحور حول الذات يصمّ أذني من يتمحور حولها.

 

3- الثقافة السلطوية في الماضي والحاضر

أول استجابة لإنشاء سلطة تضبط الفوضى التي كانت سائدة بين القبائل السلافية هو اختيار هذه القبائل أميرًا يحكمها وفق قانون، فاختارت ثلاثة إخوة اسكندنافيين هم: ريوريك، وسينيوس، وتروفور، وبعد وفاة أخويه وحّد ريوريك مناطق الشمال والشمال الغربي التي تقيم فيها القبائل السلافية الشرقية القديمة، وكانت عاصمته نوفغورود وظلت سلالته حاكمة إلى القرن السادس عشر مع آخر قيصر منها، وهو القيصر المكروه فاسيلي شويسكي.[36]

منذ عصر الروريك كان الشكل المعروف للحكومة المركزية في روسيا هو الشكل الأوتوقراطي؛ فالسلطة المطلقة أسست على يد أمير موسكو الكبير فاسيلي الثالث[37]، وتبلورت على يد ايفان الرابع ابنه الذي توّج نفسه قيصرًا عام 1547 من أجل جعل لقبه مكافئًا لألقاب ملوك أوروبا.

عام 1613 تنادى نبلاء، ورجال دين، وممثلو مقاطعات لانتخاب ميخائيل رومانوف حاكمًا جديدًا، ومعه بدأ حكم عائلة رومانوف التي أنجبت خمسة قياصرة حكموا حتى 1917 عندما أطاحت ثورة البرجوازية بآخرهم نيكولاس الثاني[38] قبل أن تجتثّ ثورة أكتوبر البلشفية هذا التاريخ، وتبدأ عصرًا جديدًا.

وعلى الرغم من أن النظام الملكي قد أطيح به عام 1917 على يد البلاشفة مع خلع القيصر الأخير نيكولاي الثاني، فقد ظل الحكم الاستبدادي ثابتًا لا يقبل العكس في الثقافة السياسية الروسية.

فقد اتخذت معظم القرارات الحيوية من التدخل في هنغاريا، إلى نشر الصواريخ في كوبا، إلى التدخل في تشيكوسلوفاكيا 1968، والتدخل في أفغانستان بعيدًا عن الشعب. وكان أي انحراف عن الخط العام للحزب يعدّ جريمة، فقد سحقت الدبابات السوفياتية مظاهرات مواطنين جورجيين طالبوا بالاستقلال عن الاتحاد السوفياتي.[39]

العقد الاجتماعي الذي يجب أن يكون مصدر السلطة كان له شكل ومضمون مختلفان في روسيا فقد أُسس على الخوف المتبادل بين السلطة الاستبدادية التي تخشى أي انتفاضة شعبية، والشعب الذي يزدوج لديه الخوف: خوف من ضياع الحياة والممتلكات إذا طالب بحقوقه وتمرد؛ فهو يمتلك ذاكرة مليئة بممارسات النظام الوحشية مع من تجرأ من المواطنين على ذلك. وخوف من ضياع سبب الخوف.

فعندما قرر إيفان الرهيب أن يتنازل عن السلطات، ويعود إلى منزله الريفي عام 1565 توسل إليه الروس أن يعود، وأعطوه تفويضًا مطلقًا للحكم.[40]

في التاريخ الحديث شهدت روسيا النهج الشمولي لـ “لينين” الذي عزز الطبيعة الشمولية للحكم من خلال قمع رهيب تقوده الدولة[41]. وتابع ستالين مسيرة القمع، فغيّب في الغولاغ[42] ملايين المثقفين، والفنانين، والعسكريين، والعمال، والفلاحين الذين اشتبه في ولائهم للنظام[43].

لا يمكن القول إن عهد بوتين يمكن مقارنته بعهود الاستبداد الرهيب السابقة؛ فقد دخل بوتين المشهد السياسي عام 1999، وكان الروس يتوقون إلى قائد قوي، لا يقبل الانحناء للضغوط، شبيه بما يسمى في الأدبيات الإسلامية “المستبد العادل”.[44]

وقد صرح بوتين في بداية حقبته الثالثة أن “الأمة تحتاج إلى عقود من الاستقرار والتنمية الهادئة من دون أن يتخللها حركات حادة، أو تجارب غير مدروسة”.[45]

كان هذا التصريح في حملته الانتخابية يستبطن نية إحكام القبضة المركزية، وهو جاء لاحقًا لإرهاصات القمع التي مارسها قبل ذلك؛ فالقمع الذي مارسه بوتين؛ لأجل جمع خيوط السلطة في يديه كان واضحًا منذ البداية، فقد اعتقل رئيس أكبر شركة لاستغلال الطاقة في البلاد “خودوكوروسكي” عام 2003؛ لأنه اعتقد أن الرأسماليين الأوليغارشيين هؤلاء معارضون محتملون لحكمه، وأن السيطرة على موارد النفط والغاز وسيلة لا بد منها لتدعيم سلطته.[46]

ولم ينجُ الباحثون والأكاديميون من سياسة القمع؛ إذ قضت محكمة موسكو بالسجن 15 عامًا على الباحث الموسكوفي “ايغور سوتياجين”؛ لاتهامه بالخيانة العظمى على خلفية مشاركته في بحث ترعاه كندا حول العلاقات بين المدنيين والعسكريين في 12 دولة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وقد أدين ظلمًا بتهمة تزويد المخابرات الأمريكية والبريطانية بمعلومات سرية للدولة الروسية؛ والحكم ظالم؛ لأن الباحث لم يكن قادرًا على الوصول إلى معلومات سرية؛ فقد كان يجري مقابلات علنية، ويستخدم تقويمًا معياريًا.[47]

من ضمن عناصر الثقافة السياسية الروسية توجيه الخوف إلى الخارج فإذا كان الحكام الروس يرهبون شعبهم فماذا يمكن أن يفعلوا مع بقية العالم.

في أيلول/ سبتمبر عام 2014، 84 في المئة من المستجوبين في استطلاع رأي أجراه مركز ليفادا يعتقدون أن روسيا محاطة بالأعداء، وهي النسبة نفسها التي تدعم سياسة بوتين الخارجية، ونسبة كبيرة منهم اعتقدوا أن الغرب هو مصدر التهديد.[48]

ويستخدم لإسقاط الخوف خطاب عدائي في الساحة الدولية، وهو مستمر منذ حقبة الاتحاد السوفياتي ففي عام 1960 قرع خروتشوف بحذائه في الجمعية العامة للأمم المتحدة وذلك بعد سجال مع الكتلة الغربية بزعامة الأمم المتحدة حول الصين الشعبية والفلبين.[49]

بعد عقود، هدّد السياسي الروسي جيرينوفسكي بتدمير بولندا، ودول البلطيق إذا نشرت قواعد الناتو.[50] كما دعا إلى إبادة ألمانيا وفرنسا.[51]

وقد أصبح الخوف الخارجي مرئيًا أكثر بعد تدخل روسيا في أوكرانيا وسورية.

ويمكن عدّ النمط الجماعي في الثقافة السياسية الروسية علة ومعلولًا لهذه السلطوية؛ فالجماعية التي تذيب الفرد في أتونها، وتحيله إلى مجرد أداة؛ لتحقيق مصالح الجماعة نمط تفكير وسلوك لدى الشعب الروسي. فقد وصف “دوستويفسكي” الشعب الروسي في مذكراته بأنه شعب مستعد للتضحية بكل ما يملك من أجل العيش في بلد أكثر قوة وتهديدًا.[52]

 

ثمة عاملان يدخلان في التفكير الجمعي للثقافة السياسية الروسية:

 

البيئة والقيم المسيحية الارثوذكسية

“عبر تاريخها كانت روسيا بلدًا فقيرًا جدًا يعاني شعبها من أجل البقاء على قيد الحياة، وتحسين طريقتهم في الحياة بموارد محدودة”.[53] وعبر مؤرخ روسي آخر عن المعنى نفسه تقريبًا: “روسيا العظمى بغاباتها ومستنقعاتها وسبخاتها قدمت للمواطنين صعوبات غير متوقعة وأشياء غير سارة كان لا بد من مواجهتها والصراع معها”.[54]

والعامل الآخر في تكريس هذا الأسلوب هو التقاليد المسيحية للنظام الأرثوذكسي الذي ساهم أيضًا في الانعزال عن تقاليد الغرب المسيحية الأخرى. وكانت طقوس الكنيسة الجماعية سائدة في المجتمع الروسي في العصور الوسطى. وقد تضافرت هيمنة الكنيسة مع هيمنة الحكومة العلمانية في التحكم بحياة المواطنين.

في حقبة الاتحاد السوفياتي تكرس الفكر والسلوك الجمعيان بحكم ماهية النظام الشمولي ذي الاقتصاد المركزي والإدارة الزراعية الجماعية (الكولخوز)، والمركزية السياسية، وصناع قرار سياسي نصّبوا أنفسهم حراسًا على مصالح الأمة التي لا يعرفها غيرهم.

أُنهك الفرد، وذاب في الجماعة التي كان الساسة يمنّونها بوعود منافع جماعية ستصل إلى ذروتها المتمثلة في المساواة التامة، والعظمة النووية.

وقد أخذ إلغاء الفردية شكله الأبرز في عهد ستالين الذي اخترع مصطلح “أعداء الشعب” الذي يوصم به كل من يعارض سياسات الحزب الحاكم.[55] وهو ما أعيد إحياؤه في خطاب بوتين عام 2014 الذي استخدم تعبير “خونة الأمة” في خطابه بمناسبة ضم القرم. بوتين لم يرق بعد إلى مستوى إرهاب الدولة السوفياتية، ولكن أوجه المشابهة كبيرة في الخطاب السياسي، وفي السلوك مع المستبدين السابقين مع فرق وحيد، غير الاختلاف الكمي، هو أن بوتين – إذا صح التعبير – ستاليني أرثوذكسي.[56]

يقال إن أوليغاركيًا روسيًا نصح يلتسين بترشيح بوتين، البطرسبورغي الشاب، وعضو الحزب الشيوعي، والضابط السابق في الـ “كي جي بي” خليفة له؛ لأنه يمكن التحكم به بسهولة، وهو أمر لم يكن منفصلًا عن سمعته السيئة في مبيعات النفط عبر البحار.[57]

وحدث هذا وتولى بوتين السلطة، وبدأ التناوب بينه وبين خليفة معد سلفًا هو صديقه “ميدفيديف”، فعندما شارفت ولاية بوتين الثانية على الانتهاء صعد ميدفيديف الذي عين بوتين رئيسًا للوزراء، ودفأ مقعد الرئاسة لبوتين أربع سنوات، ثم أعاده إليه عام 2012.

كل هذا كان يجري في غيبة كاملة للمشاركة الشعبية.

استفرد بوتين على هذا الأساس بالقرارات في القضايا الداخلية والخارجية، فاتخذ قراراته من دون إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين.

كان “أندريه امالريك” قد كتب كتابًا تنبؤيًا عام 1969 تنبأ فيه بانهيار الاتحاد السوفياتي ما بعد عام 1984 مستخدما متغيرًا أساسيًا في تنبئه هذا هو إقصاء المواطنين عن العملية السياسية الذي – لا بدّ – سيقود في النهاية إلى انهيار العملاق السوفياتي.

“الشعب الروسي بفضل تقاليده التاريخية غير قادر على فهم فكرة الحكم الذاتي، مساواة القانون والحرية الشخصية، والمسؤولية الناتجة عنها، يفهم معظم الروس كلمة الحرية كمرادف للفوضى”. [58]

فهذا الإقصاء الطويل للمواطنين خلق حالة لا مبالاة فريدة من نوعها في العقلية الروسية تجاه ما يجري من حوادث سياسية في البلاد.

عندما لا يعدّ الناس أنفسهم مستهدفين بالمنافع التي يحصل عليها عدد محدود من الأفراد يكون لديهم حس محدود بالمسؤولية عما يجري من حوادث تخصهم. وهم يفضلون وجود سلطات تصنع القرارات عنهم مع علمهم أن هذه السلطات غير معصومة من الخطأ.

هذه الحال تجد جذورها في نظام القنانة الروسي الذي استمر قرابة أربعة قرون قبل إلغائها على يد المصلح الروسي القيصر ألكسندر الثاني.[59]

في أيلول/ سبتمبر 2014 قال “فاليري زوركن” رئيس المحكمة العليا وأحد موظفي الخدمة المدنية الأكثر أهمية في روسيا في مقال له عن إصلاحات ألكسندر الثاني: “مع كل سلبيات القنانة فقد كانت الأداة التي تحكم الوحدة الداخلية للأمة”.[60]

ويبدو أن حكم بوتين لا يختلف كثيرًا في جوهره عن هذا الوضع؛ فبوتين حاكم له الكلمة الأخيرة في كل القضايا. فهو القيصر الذي يحوم فوق جماعات متنافسة، وضعيفة، ومفككة لا قبل لها بتحدي حكمه.[61] وهو يصوغ العقد الاجتماعي بحسب ما يراه هو مصلحة العموم؛ ولهذا قدم نظام بوتين لمواطنيه أنواعًا مختلفة من العقد الاجتماعي، ففي بداية التسعينيات كان العقد ذا طرفين: نظام مقابل الضرائب؛ ولتحقيق النظام يجب إنهاء الحرب في الشيشان والفوضى في روسيا.

بين الـ 2000 والـ 2008 أصبح العقد بطرفين جديدين: الاستقرار مقابل الولاء. وقد انتهى العقد مع أزمة مالية، وحرب مع جورجيا.

أما الحرب في أوكرانيا، وضم القرم فقد صاغت عقدًا جديدًا أصبح فيه المواطن راغبًا في التضحية من أجل مشاعر التفوق الأخلاقي على الآخرين.[62]

ووفقًا لاستطلاع لمركز ليفادا في آب/ أغسطس 2014 فان 84 في المئة من المواطنين الروس يؤيدون بوتين.[63]

 

مفهوم المسافة الاجتماعية بين الحاكم وشعبه أساسيّ في النظام الاستبدادي؛ فالأوتوقراطي النموذجي هو الفرد الأكثر قوة الذي يسعى إلى إبقاء، أو زيادة المسافة بينه وبين من هو أقل قوة منه.[64] ويؤدي الرعايا دورًا في زيادة المسافة؛ فهم برضاهم عن بعد الحاكم يزيدون هذه المسافة.

في التقليد البيروقراطي الروسي للقرن الثامن عشر الذي أسسه بطرس الأول كان ثمة نظام طبقات مؤسس على تمحور حول من هم “مثلنا” مقابل من هم “غيرنا”.[65]

في هذا النظام يصبح المواطنون مصنفين في طبقات: موالية، متأرجحة، معادية.[66]

وهو شبيه بنظام الطائفة في المجتمعات التي تعتمده مع فرق واحد هو غياب المكانة الموروثة في الاتحاد السوفياتي والقدرة؛ نتيجة لذلك على التنقل عبر الطبقات.

كان أعضاء مجلس السوفيات الأعلى للحزب الشيوعي منفصلين عن واقع الناس، وكانوا أشبه بالفراعنة في مصر القديمة فلم يكن يعرف الكثير عن شؤونهم الخاصة.

“لا يوجد مفهوم العائلة الأولى في الاتحاد السوفياتي، والحيوات الخاصة للنخبة محجوبة بحرص عن عامة الناس…. لا توجد حملة انتخابية لمنصب في الاتحاد السوفياتي، ولا تقف الزوجات إلى جانب أزواجهن في المناسبات الاحتفالية، وتكاد السير الذاتية الرسمية تخلو من تفاصيل شخصية.[67]

بُعد العائلة عن الأضواء كان أداة أخرى مساهمة في الصعود الاجتماعي للحكام المستبدين في الاتحاد السوفياتي.

من ضمن ميكانيزمات السلطة الاستبدادية في روسيا الأكاذيب الممارسة على الشعب، فحوادث حياة بوتين مثلًا لا تعرف تفاصيلها، وعندما يجري الإفصاح عنها يكون الكذب واضحًا.

فعندما سئل سكرتير الرئاسة عن شائعة زواج بوتين قال: “إنه قراره الشخصي وهو ليس ملزمًا بالحديث عن حياته الخاصة…. إنه يعمل كثيرًا لا أعرف أين يجد الوقت لهذا”.[68]

توجد علاقة بين كذب الدولة على شعبها، واقتناع الشعب بهذه الأكاذيب عن وعي، فحواها: أن السماح للأكاذيب بالتغلغل إلى قلب المجتمع يعني تجاهلًا للمصالح الفردية لصالح النفع العام سريع الزوال، وهو جوهر الثقافة الجماعية في الثقافة السياسية الروسية؛ فالحكام يعرفون مصلحة العموم، وما يحتاجونه أكثر منهم، ولذلك يتمتعون بفسحة من المناورة غير القابلة للجدال فيما يخص أفعالهم.

بقبول الناس أكاذيب الحكام يحيلون خطورة الواقع إلى حكامهم، ويعهدون إليهم بالمسؤولية عن حيواتهم الفردية. فالواقع أسهل للتعاطي معه بوجود تنين قابع بعيدًا يحمل عنهم عبء صنع القرار اليومي.

يفسر أحدهم هذه السهولة في السماح للأكاذيب بالحدوث بالخوف من عواقب سلبية يمكن أن تنبثق من تشكيك بشرعية الحجج والحقائق الصادرة عن الحكومة.

إن ترك الحكومة تكذب يبعد عن المواطنين المسؤولية الشخصية ويسمح لهم بالكذب على حكومتهم، ويصبح الكذب نتيجة لذلك عادة مقبولة في العلاقة مع الدولة.[69]

ليس الكذب عادة وجدت مع بوتين، ففي الاتحاد السوفياتي أجبر الناس على قبول تفويض المسؤولية عن حيواتهم لمجموعة صغيرة من أعضاء الحزب الشيوعي السوفياتي الذين لم يكونوا يظهرون إلا مرتين في السنة في الكرملين لكي يرحبوا بقطعان الشعب السوفياتي من برج عاجي.

استخدمت البروباغندا السوفياتية هذا الأسلوب وصبت أطنانًا من الأكاذيب على المواطنين حول الحال المتعفنة للاقتصاد الغربي والمجتمع والسياسات والثقافة.[70]

في الحرب في أوكرانيا عام 2014 أنكر بوتين بصورة قاطعة وجود أي قوات في شبه جزيرة القرم وقال: إن الموجودين قوات غير نظامية ذهب أفرادها إلى سوبر ماركت قريب، واشتروا منه أزياء رسمية.[71]

الخطورة في هذه المسألة أن المواطنين منسجمون مع هذا الأسلوب، ولا يهتز دعمهم للقيادة مهما بلغت فظاعة الأكاذيب.

 

سادسًا: خاتمة

لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الثقافة السياسية الروسية التي عرضنا – باختصار- بعض سماتها، ثقافة أمسّ رحمًا بالماضي منها بالحاضر والمستقبل، وإن المرء لتأخذه الدهشة من قدرة ماضي هذه الأمة على جذبها إليه بقوة لا قبل لحاضر العالم بكل ما يكتنزه من قوة بمواجهتها.

فعلى الرغم من هيمنة التوق إلى الديمقراطية عند جلّ مفتقديها في العالم المعاصر، تجد النخبة الروسية تضرب صفحًا عنها، وتعدّ محاولات استيرادها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سلوكًا خاضعًا، وغير وطني؛ لأنه تقليد للغرب، يؤذي إحساس الأمة المبالغ فيه بمعاني الشرف والكبرياء[72].

ويخطئ من يظن أن تدخلها في سورية مثلًا محكوم بمنطق براغماتي فحسب، ولكنه موجه بتشبث بهوية لا يفرض عليها الواقع قدرًا من السيولة حتى تعود إلى حالها الصلبة.

فقد جرى انتقال من الإقطاعية إلى الاشتراكية، وظُنّ أن الأخيرة قد سرقت المشهد، واستقرت، ثم ما لبثت بعد عقود أن أطيح بها؛ لأسباب عديدة، ليس آخرها، رفض الفاعلين الاجتماعيين للتغيير، ثم جرت محاولة لمحاكاة الأنموذج الغربي، وما لبثت المحاولة أن أجهضت سريعًا؛ لأسباب يقع في مقدمتها هذا الرفض.

لا نستطيع الجزم بمآلات دولة محكومة بثقافة ماضوية كهذه، ولكننا نستطيع أن نؤكد أنها خطر كبير على العالم، وأن القيادة السياسية لهذه الدولة بثقافة منحرفة كالتي ذكرنا بعض خصائصها، بما تمتلكه من قوة فائقة هي أكثر خطرًا على مستقبل الإنسانية من أي خطر آخر.

[1]الحرب التي دارت رحاها بين الأثينيين وحلفائهم والإسبارطيين وحلفائهم بين عامي 431 و403 ق.م والتي انتهت بانتصار الإسبارطيين، والتي سجل حوادثها المؤرخ الإغريقي ثيوسيديس.

[2] Thucydides, History of the Peloponnesian War, trans.rex warner) new york: penguin books, 1972(, 402.

[3] باحثة وعالمة أميركية، انصرفت من الفلسفة إلى الأنثروبولوجيا عبر الاهتمام بالثقافة والشخصية، وهي تعد من ضمن التيار الثقافوي الذي ظهر في ثلاثينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية.

[4] عالمة انثروبولوجيا أميركية من أشهر علماء الأنثروبولوجيا في ستينيات القرن العشرين.

[5] عالما سياسة أميركيان، اشتهرا بكتابهما المشترك: الثقافة المدنية الذي ضم دراسة ميدانية شملت خمسة آلاف شخص في خمس دول، كانت غايته البحث عن الثقافة السياسية الأنسب للنظام السياسي الديمقراطي.

[6]دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص. 175

[7] نظرية تقوم على العلاقة الارتباطية بين قابلية نمط الحياة للنمو وبين التوافق والانسجام بين العلاقات الاجتماعية والتحيزات الثقافية.

[8] Renan, “What Is a Nation?” 42–55.

[9] Gellner, Nations and Nationalism, 6.

[10] Anderson, Imagined Communities.

[11] وسام محمد جميل صقر، الثقافة السياسية وانعكاسها على مفهوم المواطنة لدى الشباب الجامعي في قطاع غزة، بحث ماجستير مقدم إلى كلية العلوم الإدارية، جامعة الأزهر، غزة، 2010، ص. 41.

[12] Robert Nalbandov, Not by Bread Alone: Russian Foreign Policy under Putin, Potomac Books, Lincoln, NE, 2016, p. 24.

[13] Ibid, p.25-26.

[14] Hahn, “Continuity and Change in Russian Political Culture”; GiBSon, “Becoming Tolerant? Short-Term Changes in Russian Political Culture”; Kuchins and Zevelev, Russian Foreign Policy: Continuity in Change.

[15] Yin, Case Study Research: Design and Methods.

[16] Robert Nalbandov, p.265.

[17] Ross, “Psychocultural Interpretations and Dramas: Identity Dynamics in Ethnic Conflict,” 159.

[18] Vujacic, “Stalinism and Russian Nationalism: A Reconceptualization,” 51.

[19] ثوري ورجل دولة سوفياتي وعضو بارز في الحركات الثورية الروسية والبولندية، كان من المتعصبين للقضية شأنه في ذلك شأن كثيرٍ من الشيوعيين المتياسرين، كما كان مؤمناً بقضية الثورة لحد العبادة، ومستعداً لتحقيق أهدافها مهما كان الثمن. كما كان عضواً في عدة لجان ثورية وشغل الكثير من المناصب في الدولة السوفياتية لعل أهمها هو منصب رئيس لجنة الطوارئ – التشيكا – وقد تولى رئاستها منذ أول يوم تأسيسها حتى عام 1922 كما أنه لعب دورًا مهمًا في الثورة البلشفية.

[20] Robert Nalbandov, p.33

[21] Ibid, p.35.

[22] Speech of Minister of Foreign Affairs of Russia S. V. Lavrov on the Jubilee International Conference, “Russia in the World of Force of the XXI Century,” dedicated to the twentieth anniversary of the Council on Foreign and Defense Policy and the tenth anniversary of the journal Russia in Global Affairs, Moscow, December 1, 2012.

www.mid.ru/bdomp/brp_4.nsf/e78a48070f128a7b43256999005bcbb3/1eeac193a9c09f3d44 257ad1003777.

[23] Deklaraciya Russkoi Identichnosti” [Declaration of Russian Identity], Russian Orthodox Church, November 12, 2014, http://www.patriarchia.ru/db/text/508347.html.

[24] http://www.aljazeera.net/news/international/2015/10/1/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A8%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D8%A9

[25] Mendelson and Gerber, “Failing the Stalin Test,” 2.

[26] Dmitry Rogozin, Twitter entry, June 11, 2014, https://twitter.com/Rogozin/status /476962746777751552.

[27] Astolphe-Louis-Léonor, marquis de Custine, La Rusiie en 1839, 341.

[28] قيصر روسيا الذي يطلق عليه اسم ايفان الكبير، من إنجازاته المهمة توسيع حدود الدولة وتجديد الكرملين.

[29] The full account of the “gathering” is given in Ruslan G. Skrynnikov, Ivan III.

[30] ا لمعروف باسم إيفان الرهيب، أمير موسكو العظيم وقيصر عموم روسيا الأول [4]، توج أميراً لموسكو عام 1533 (في سن الثلاث سنوات) وتوج كأول قياصرة روسيا في العام 1547 وهو في السادسة عشرة من عمره، مما يجعله حاكمًا من عام 1533 وحتى وفاته.

أعلن إيفان الرابع نفسه قيصراً لأول مرة في تاريخ روسيا واتبع سياسته المتمثلة في مركزية السلطة. شهد عهده السيطرة على تاتارستان وسيبيريا، وتحول روسيا إلى مجتمع متعدد الأعراق. بين عامي 1530-1584 خاض القيصر إيفان الرابع حروبًا وسٌع على إثرها أراضي روسيا وجعل منها إمبراطورية مترامية الأطراف

[31] Perrier and Pavlov, Ivan the Terrible.

[32] قيصر روسيا الخامس الذي حول القيصرية إلى امبراطورية، حكم روسيا من العام 1682 الى العام 1725، بنى مدينة بطرسبورغ، وأدخل تأثيرات إيجابية كبيرة إلى روسيا.

[33] Smith, Soviet Politics, 2.

[34]  Robert Nalbandov, p.97.

[35] Semen Novoprudsky, “Rossia Vmesto Novorossii” [Russia instead of Novorossiya], GazetaRU, June 27, 2014, http://www.gazeta.ru/comments/column/novoprudsky/608 7957.shtml.

[36] تربع على العرش الروسي يوم 11 حزيران/ يونيو بمساعدة أعوانه من نخبة النبلاء والكنيسة الأرثوذكسية الروسية بشرط أن يوافق على فرض قيود على حكمه القيصري.

في عام 1610 قام فريق من نبلاء العاصمة والأقاليم الروسية (حكومة النبلاء السبعة) بإطاحته وإحالته إلى دير، حيث أدرج قسرا في سلك الرهبان. ثم تم تسليمه إلى السلطة البولندية

توفي فاسيلي شويسكي عام 1612 في المهجر البولوني.

[37] الأمير المعظم لموسكو وقيصر عموم روسيا حكم من 6 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1505 إلى وفاته خلفاً لوالده إيفان الثالث.

[38] نقولا الثاني (1868-1918). آخر قياصرة روسيا، حكم من عام 1894 حتى عام 1917.

[39] Robert Nalbandov, p. 62.

[40] Robert Nalbandov, p.62-63.

[41] ريتشارد أبجينانزي وأوسكار زاريت، ترجمة محي الدين مزيد، تقديم إمام عبد الفتاح إمام، لينين والثورة الروسية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، ص. 169.

[42] الاسم الذي يطلق على معسكرات الاعتقال السوفياتية، والتي يقدر ضحاياها بالملايين.

[43] ألكسندر سولجينتسين، ترجمة نجم سلمان الحجار، أرخبيل غولاك، دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الثانية، ص. 34.

[44] Robert Nalbandov, p.65.

[45] Lynn Berry, “Putin’s Promises Sound Like a 2012 Campaign Spiel,” Associated Press, Moscow World, April 21, 2011.

[46]  تشارلز تللي، الديمقراطية، ترجمة محمد فاضل طباخ، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2010، ص. 231.

[47] تشارلز تللي، 232.

[48] Vneshnepoliticheskie Vragi I Partneri Rossii” [Foreign policy enemies and partners of Russia], Levada Center, October 21, 2014, http://www.levada.ru/21–10–2014/vneshne politicheskie-vragi-i-partnery-rossii.

[49] http://24.ae/article/37700/%D9%82%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D8%B0%D8%A7%D8%A1-%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%AA%D8%B4%D9%88%D9%81-%D9%84%D9%80%D8%A8%D9%8A%D9%86%D8%BA-%D8%A8%D9%88%D9%86%D8%BA-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%8B-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B0%D8%A7%D9%81%D9%8A.aspx

[50] Vladimir Zhirinovsky, speech at the State Duma meeting, 2015, https://www.youtube .com/watch? v=bxM9Zx9ZOOg.

[51] Zhirinovsky’s Threats Angered Poland and Latvia,” bbc Russian Service, August 13, 2014.

[52]. Dostoyevsky, A Writer’s Diary. Volume 1: 1873–1876, 161–62.

[53] Thompson, Russia and the Soviet Union, 6

[54] Vasilii Kluchevsky, quoted in Lawrence and Vlachoutsicos, Behind the Factory Walls, 16.

[55] Article 131, para. 2 of the Constitution of the Union of the Soviet Socialist Republics, adopted by the VIII Extraordinary Congress of the Soviets of the USSR on December 5, 1936.

[56] Svetlana Alexievich, “Those Who Are Not Happy Are Public Enemies,”

http:// www.faz.net/aktuell/feuilleton/debatten/svetlana-alexijewitsch-ueber-putins-russland -12895308.html#.

[57] Yuri Tsiganov, “Farewell to Oligarchs?” 82; Kotz and Weir, Russia’s Path fr om Gorbachev to Putin, 268–69.

[58] Andrei A. Amal’rik, “Prosushestvuet li Sovetskii Soyuz Do 1984 goda?” [Will the Soviet Union last beyond 1984?], Alexander Herzen Foundation, 1969.

http://royallib.ru /book/amalrik_andrey/prosushchestvuet_li_sovetskiy_soyuz_do_1984_goda.html.

[59] إمبراطور روسيا السادس، أهم إنجازاته هو تحرير العبيد، ولذلك يطلق عليه لقب القيصر المحرر.

[60] Valery Zor’kin, “Sud Skoriy, Praviy I Ravniy Dlya Vsex: Sudebnaya Reforma Alexandra II: Uroki Dlya Pravovogo Razvitiya Rossii” [Swift, fair, and equal court: Court reform of Alexander II: Lessons for the legal development of Russia], Rossiiskaya Gazeta, September 26, 2014, http://www.rg.ru/2014/09/26/zorkin.html.

[61] Robert Nalbandov, p.88.

[62] Self-Austerity in Exchange for Superpower Status,” interview with Alexander Auzan, dean of the Department of Economics, Moscow State University, October 29, 2014, http://www.gazeta.ru/comments/2014/10/29_a_6281141.shtml.

[63] Opros: Peiting Putina Dostig Pika V Avguste I poshel Vniz” [Poll: Putin’s rating reached its peak in August and then went down], bbc Russian Service, August 27, 2014, http://www.bbc.co.uk/russian/russia/2014/08/140827_levada_center_survey_putin.

[64] Robert Nalbandov

[65] Barth, Ethnic Groups and Boundaries, 27.

[66] Robert Collins, “Marked for Life: Songbun. North Korea’s Social Classification System,” Committee for Human Rights in Korea, 2012, 1.

[67] Lives of Soviet Leaders Are Very Private Indeed,” Hour, February 16, 1984, 22.

[68] Roland Oliphant, “‘Putin and Kabayeva Are Crowned’: Guard’s Remark Suggests Russian President Has Married His Mistress,” Telegraph, September 26, 2013, http://news. nationalpost.com/2013/09/26/putin-and-kabayeva-are-crowned-guards-remark-suggests -russian-president-has-married-his-mistress/? __federated=1.

[69] Robert Nalbandov, p.92-93.

[70] Robert Nalbandov, p.93.

[71] Putin: Rossiya Ne Vvodila Voiska v Krim: Oni Tam Uje Bili” [Putin: Russia did not bring its troops into Crimea: They were there already], Vedomosti, March 18, 2014, http://www.vedomosti.ru/politics/news/24117601/putin-rossiya-ne-vvodila -vojska-v-krym-oni-tam-uzhe-byli.

[72] Vitalii Tret’yakov, “Pravitel’stvo Kholopov” [Government of kholops], Novaya Gazeta, December 19, 1997.