المحتويات

الملخّص التنفيذيّ

مقدّمة

القسم الأول: المنظومة الدستورية السورية بين الوضعية والدينية

أولًا: الدين والدساتير السورية

ثانيًا: المواطنة في الدستور السوري

القسم الثاني: المواطنة والدين في التشريعات السورية الداخلية

أولًا: تأثير الدين في التشريعات الداخلية السورية

ثانيًا: تأثير المواطنة في التشريعات الداخلية السورية

خاتمة


 

الملخّص التنفيذيّ

يتطلب إحلال السلام الدائم وإقامة دولة المواطنة في سورية إصلاحًا عميقًا وجذريًا للمنظومة التشريعية في هذا البلد بما يكفل استئصال أوجه التمييز كافة منها. فعلى الرغم من انحسار تطبيق الشريعة الإسلامية خلال القرن الماضي لمصلحة تطبيق تشريعات وضعية، غير أنّنا لا نزال بعيدين كل البعد عن دولة المواطنة القائمة على المساواة بين جميع المواطنين. فقد دأب النظام السوري على إدراج تشريعات مستلهمة من أيديولوجية البعث ومكرسة للاستبداد وللتمييز بين العرب وغير العرب وبين البعثيين وغيرهم. ولم يكن ذلك غير وجه آخر لتشريعات التمييز بين المسلمين وغير المسلمين والمرأة والرجل والتي استمر العمل بها خلال العقود الماضية. وهذا النوع الأخير من التمييز مستقى بشكل أساسي من الشريعة الإسلامية أو تفسيراتها، وهو ما سيدفعنا في هذه الورقة إلى معالجة دور الدين في دساتير وقوانين سورية المختلفة. غير أنّ منظومة سورية التشريعية لا تخلو أيضًا من مبادئ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمواطنة المكرّسة للحقوق والحريات المختلفة كما سيتبين في إطار هذه الدراسة. سنجيب إذًا بشكل أساسي على التساؤل التالي: هل سورية دولة دينية أم علمانية، وما مدى تأثير الدين والقانون الوضعي في تشريعاتها المختلفة؟

 

مقدّمة

إنّ المشهد الدامي الذي تعيشه سورية منذ سنوات عديدة ينذر بتغيرات جوهرية ستطال بنيتها السياسية والاقصادية والاجتماعية والتشريعية والديموغرافية. فلم تبق سورية بمنأى عن الاحتجاجات الشعبية التي أدّت إلى تغيير عديدٍ من الأنظمة السياسية الاستبدادية في المنطقة العربية، غير أنّ تعقيدات الحالة السورية، ولا سيّما التراكمات السياسية والاجتماعية على مدى العقود الماضية من حكم النظام الاستبدادي واستشراسه في الانتهاكات وتأجيج الاحتقان الطائفي قد أدّى إلى صراعات مسلحة تغلب عليها الاقتتالات الطائفية والأثنية وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.

يشهد تاريخ سورية على أنّ الانتفاضات الشعبية والانقلابات السياسية والعسكرية السابقة لم تسفر عن إفراز نظام سياسي واضح المعالم من حيث بنيته التشريعية التي كانت ولا تزال متأرجحة بين الدينية والوضعية. فعلى الرغم من ضعف التأثير الديني في تشريعات سورية، مقارنة بدول عربية أخرى، فإنه لا يمكن إطلاق صفة العلمانية على هذه الدولة. وفي هذا الإطار، ستبحث هذه الدراسة في الواقع التشريعي السوري الحالي ودور الدين فيه، بما في ذلك تحديد العناصر المعززة للإصلاح القانوني وبناء منظومة تشريعية في سورية قادرة على الرقي بمبادئ حقوق الانسان والتمهيد لدولة القانون.

تشكّل المنظومة التشريعية أهم أركان الدولة نظرًا إلى صلتها الوثيقة بنظام الحكم وبأمن المواطنين وحرياتهم واستقرار المجتمعات وتنميتها. ستسلّط هذه الدراسة الضوء على المبادئ والنصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة بالدين وبمبادئ المواطنة. كما سيتم بحث مدى تأثير هذه النصوص على حقوق المواطنين وحرياتهم وشكل الدولة السورية. وستقدّم الدراسة تحليلًا موضوعيًا ونقديًا للواقع التشريعي السوري، في مقارنة مع تشريعات بعض الدول العربية المجاورة. وستأخذ الدراسة في الحسبان واقع التحولات السياسية والاستراتيجية المهمة التي شهدتها وتشهدها سورية، ولا سيّما في ما يخصّ التغييرات الدستورية الأخيرة. وتستهدف الدراسة بشكل أساسي صنّاع القرار ومختلف الجهات والأطراف الفاعلة والمعنية بالوضع السوري، بما يسهم في تقديم رؤية واضحة للواقع التشريعي السوري ومن ثمّ التأثير في صوغ المنظومة التشريعية المأمول العمل عليها في إطار الحلّ السياسي المرتقب لسورية. يُعالج القسم الأول من هذه الدراسة تأثير كل من الدين والقانون الوضعي في المنظومة الدستورية السورية، بينما يركّز القسم الثاني على تأثير كل منهما في التشريعات السورية الداخلية الأخرى.

 

القسم الأول: المنظومة الدستورية السورية بين الوضعية والدينية

لقد ساهمت المنظومة الدستورية السورية في الحدّ من التأثير الديني على الدولة، ولا سيّما من خلال إدراج نصوص دستورية تتبنى المساواة بين المواطنين وتضمن لهم الحريات المختلفة ولا سيّما الدينية. فلا شكّ في أنّ المنظومة الدستورية قد ساهمت في صوغ المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وتحديدًا إدراج مصطلح ̎المواطنين̎ واستئصال التمييز الديني بين المسلم وغير المسلم في قطيعة مع حقب تاريخية لم تعهد الدولة الوطنية. وعلى الرغم من تبني دساتير سورية المختلفة لحقوق أساسية ذات أهمية بالغة لإنشاء الدولة الوطنية، فإنّ التأثير الديني، خاصة الإسلامي، لا يزال مستمرًا كما يتبين من قراءة بعض الفقرات في هذه الدساتير، من ناحية، ومن دور الدين في تشريعات قانونية أخرى، من ناحية ثانية. سنخصِّص الجزء الأول لمعالجة دور الدين في الدساتير السورية المتعاقبة بينما سيركّز الجزء الثاني على تأثير نصوص القانون الوضعي، ولا سيّما منها المكرسة لدولة المواطنة.

 

أولًا: الدين والدساتير السورية

حازت مسألة تأثير الدين في صوغ الدساتير السورية المتعاقبة على اهتمام جميع الأطراف السياسية الفاعلة. إذ يعدّ الدين أساسيًا في تكوين هوية الدولة السورية ونظام الحكم فيها، فضلًا عن تأثيره على حقوق وحريات شرائح المجتمع المختلفة. وبشكل عام يبرز الجدل أثناء صوغ الدساتير السورية والعربية بين تيارين، يشدّ أحدهما باتجاه تعزيز قيم الدولة المدنية القائمة على الفصل بين الدين والسياسة، بينما يسعى التيار الثاني إلى تعزيز دور الدين وتأثيره في الدساتير. وإثر الاستقلال عن العثمانيين وإعلان أول دولة سورية مستقلة ترأسها فيصل بن الحسين بين 1918 و1920، جاء في أول دستور يعود إلى حكومة “المملكة السورية العربية”[1]، أنّ هذه الأخيرة “حكومة ملكية مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام” وأضافت المادة السادسة من هذا الدستور أنّه “على الملك حين جلوسه أن يقسم أمام المؤتمر باحترام الشرائع الإلهية وبالأمانة للأمة وبمراعاة القانون الأساسي”. ومن ثمّ يمكن القول إنّ الملك لم يكن في تصميم هذا الدستور رئيسًا دينيًا للمسلمين دون غيرهم[2]، كما لم يتم اعتبار الإسلام دينًا للمملكة. ثمّ صدر الدستور السوري لعام 1928، وذلك في ظلّ الانتداب الفرنسيّ الذي دام بين عامي 1920 و1946، وتبعته مجموعة من الدساتير التي رافقت الانقلابات العسكرية المتكرّرة، والتي لم يتم فيها استبعاد تأثير الدين بشكل كامل. وشهدت صوغ دستور عام 1950 جدلًا واسعًا بخصوص هوية الدولة السورية ودور الإسلام فيها[3]. ويُذكر رفض عديدٍ من التيارات السياسية، ولا سيّما القومية منها، لاعتبار الإسلام دينًا للدولة. وقد تزعّم هذه التيارات كل من ميشيل عفلق وفارس الخوري، كما تزامن ذلك مع عقد مؤتمر لجميع الطوائف المسيحية في دمشق يوم 20 تموز/ يوليو، قدّموا على إثره مذكرة إلى الحكومة مطالبين إياها بعدم تضمين الدستور لدين خاص بالدولة[4]. وقد حُسم الجدل بالتنصيص الدستوري على أنّ دين رئيس الجمهورية الإسلام وعدّ الفقه الإسلامي مصدرًا رئيسيًا للتشريع.

 

أُجريَت تغييرات دستورية عديدة استمرت حتى وصول حافظ الأسد إلى السُّلطة في العام 1970 عبر انقلاب عسكري. وفي الرابع عشر من آذار/ مارس 1973 اعتمد نظام الأسد دستورًا جديدًا مُسيّسًا إلى حدّ بعيد استمر العمل به إلى حين اعتماد دستور عام 2012 إثر الانتفاضة الشعبية ضدّ نظام الأسد. صحيح أنّ الدستور الجديد الذي اعتمده نظام الأسد سنة 2012 لا ينصّ على أنّ الاسلام دين الدولة، إلا أنّه يحتوي على بعض النصوص ذات المرجعية الدينية. فالدستور الجديد، مثل سابقه لعام 1973، ينصّ في مادته الثالثة على أنّ دين رئيس الدولة هو الإسلام. وكلا الدستورين يشيران أيضًا في هذه المادة نفسها على أنّ “الفقه الإسلامي هو أحد المصادر الرئيسية للتشريع”. ينصّ الدستور الجديد في مادته الثالثة على أنّ “الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”، وذلك بخلاف دستور عام 1973 الذي خلا من نصٍّ كهذا. وجاء هذا النصّ الجديد ليعزز ما هو معمول به في سورية من ناحية التعددية الدينية والتشريعية في مجال الأحوال الشخصية، وليعطّل من إمكانية علمنة تشريعات الأحوال الشخصية أو اعتماد قانون للزواج المدني موازٍ للتشريعات الدينية.

وبهذا يزيد تأثير الدين في الدستور السوري عمّا هو عليه الحال في الدستور اللبناني الذي يخلو من أي هيمنة للدين الإسلامي، ولكن في المقابل عدم التنصيص على أنّ “الإسلام دين الدولة” وعلى أنّ الشريعة المصدر الرئيسي أو “أحد المصادر الرئيسية للتشريع” يجعله أقلّ تدينًا من عديد الدساتير العربية الأخرى. فتنصّ المادة الثانية من الدستور الأردني على أنّ “الإسلام دين الدولة”، ويعتبر الميثاق الوطني لعام 1990 أنّ القانون الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، وتشترط الفقرة الخامسة من المادة 28 من الدستور “فيمن يتولى المُلك أن يكون مسلمًا عاقلًا مولودًا من زوجة شرعية ومن أبوين مسلمين”. وافتتح الدستور المصري لعام 2014 بـ “البسملة الإسلامية” وجاء في مقدمته أنّ “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، وهو ما تعيد إدراجه المادة الثانية من هذا الدستور مع إضافة أنّ الإسلام دين الدولة، كما هي حال الدساتير المصرية الثلاثة السابقة. وأخيرًا، وعلى غرار أغلب الدساتير العربية، توجد في الدستور السوري نصوص أخرى مستقاة بشكل غير مباشر من الدين كالفقرة الأولى من المادة 20 التي تقول إن “الأسرة هي نواة المجتمع ويحافظ القانون على كيانها ويقوي أواصرها”.

وختامًا يمكن القول إنّ النصوص الدستورية ذات المرجعية الإسلامية لها أكبر الأثر في تكريس انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية، فهي تؤثر سلبًا على احترام الحق في الحرّيّة الدينية ومبدأ المساواة بين المُسلمين وغير المُسلمين وكذلك بين المرأة والرجل. هذا ومن شأن اعتماد الإسلام دينًا للدولة الانتقاص من مدنية الدولة وحياديتها تجاه جميع الأديان والعقائد، فضلًا عن الخلط بين الدين والدولة، الأمر الذي قد يسيء لكليهما[5]. ولا تتوافق الفقرات المُتعلّقة بالفقه أو بالشريعة الإسلامية كمصدرٍ للتشريع مع أحكامٍ دستورية أخرى، مثل المساواة بين المواطنين، ما يخلق وضعًا مُعقّدًا يؤثّر في الاستقرار القضائيّ والقانوني في البلاد.[6] أمّا في ما يخصّ النصوص الدستورية المكرّسة لتعددية الأحوال الشخصية، فهي بدورها سببّت ولا تزال عديدًا من الانتهاكات الحقوقية ومن تقويض لدولة القانون كما سنبين أدناه. وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أنه يؤخذ على الدساتير السورية الأخيرة تكريسها لهيمنة أيديولوجية الحزب الحاكم والديكتاتورية وإدراجها عديد من الفقرات المعطّلة للحياة السياسية والمدنية ولإرساء دعائم الدولة الديمقراطية والحكم الرشيد[7].  

 

ثانيًا: المواطنة في الدستور السوري

تُشكّل كل من المساواة والحرية الدينية ركيزتين أساسيتين لمبدأ المواطنة ومن ثمّ للدولة المدنية. وبهذين المبدأين، يتكرس التأثير الحقيقي للتشريعات الوضعية ولا سيما المساواة بين المرأة والرجل وبين المسلم وغير المسلم، ما يمهد للحدّ من الصبغة الدينية ومن ثمّ التأسيس لدولة المواطنة. فتعدّ الحرية الدينية من أهم مبادئ المواطنة ويشمل تأثيرها عديدًا من شرائح المجتمع السوري، ولا سيّما مكوناته الدينية المتنوعة وحتى العلمانيين واللا دينيين وذوي التفسيرات الإسلامية الداعية للفصل بين الدين والدولة. فمثل بقية دول المشرق العربي التي تنصّ دساتيرها على ضمانات للتمتع بالحريات بما فيها الدينية، ينصّ الدستور السوري الحالي، بنصّ شبه مماثل لدستور عام 1973، وهو أن ″تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرّيّة القيام بجميع شعائرها على ألاّ يخل ذلك بالنظام العام”[8]. وتضيف الفقرة الأولى من المادّة 42 من الدستور الحاليّ أنّ حرّيّة الاعتقاد مصونة وفقًا للقانون. ويبدو هذا النصّ ضعيفًا مقارنة مع ما ورد عن الحرية الدينية في دساتير دول عربية أخرى مثل الدستور اللبناني والدستور المصري لعام 2014 اللذين ينصّان على أنّ “حرية الاعتقاد مطلقة”[9]. كما لا يُفهم من هذا النصّ قصد المشرع السوري من ناحية توسيع الحرية الدينية بما يشمل حقوق غير المنتمين إلى ″الأديان السماوية″. وبخلاف دساتير مصر الأخيرة التي تعدّ التربية الدينية مادة أساسية في المنهاج التعليمي[10]، لا يتضمن دستورا سورية الأخيران نصًّا كهذا، وهذا ما قد يفسّر عدم تأثير مادة الديانة في فحص الشهادة الثانوية العامة وإسقاطها من المجموع العام النهائي[11].

ويكرّس مبدأ المساواة لبناء الدولة الوطنية، وهو ذو أهمية بالغة ليس فقط لأتباع الأقليات الدينية والمذاهب غير السنية، إنما أيضًا للنساء. فتعاني هذه الشرائح من التمييز في كثيرٍ من مناحي الحياة ولا سيّما في الحقوق والواجبات وأمام القانون والقضاء، خاصة بسبب تأثير التشريعات الدينية. وتبرز أهمية التنصيص الدستوري على مبدأ المساواة في ظلّ انتشار التمييز في التشريعات السورية بين مختلف شرائح وفئات المجتمع، خاصة المسلم وغير المسلم، المرأة والرجل[12]، العربي وغير العربي[13]. قد تظهر بعض أنواع التمييز بشكل غير مقنن في التشريعات، وأبرز مثال عليه التمييز ضد غير المنتمين إلى الطائفة العلوية، خاصة من أتباع الطائفة السنية وذلك في منح التعليم العالي إلى الخارج وفي سلك الجيش ودوائر المخابرات[14]. كما أنّ إدراج مبدأ المساواة كحقٍ دستوريٍّ ذو أهمية بالغة لغير المسلمين، ولا سيّما في ظل التنصيص الدستوري على أنّ دين الدولة هو الإسلام أو اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا أو أحد مصادر التشريعات. فقد تشتمل الشريعة، أو بعض التفسيرات الدينية لها، على انتهاك لمبدأ المساواة بين المُسلمين وغيرهم، وبين الرجال والنساء[15].

يضمن الدستور السوري الحالي، كحال الدستور السابق الذي صدر عام 1973، مبدأ المساواة في ديباجته وأيضًا في المواد 18 و19 و26 و33. وتؤكّد الديباجة على حماية الوحدة الوطنيّة والتنوّع الثقافيّ والحرّيّات العامّة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والمُواطنة وسيادة القانون. وبموجب الفقرة الثانية من المادّة 26 فإنّ المواطنين متساوون في تولّي الوظائف العامّة. وتدعو المادة 33 في الفقرة الثالثة إلى المساواة بين المواطنين كافة من حيث الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. وتنصّ الفقرة الرابعة من المادّة نفسها على أن تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين. ومن ثمّ يجب حظر التمييز بين المواطنين استنادًا إلى هذه النصوص الدستورية بما يشمل استئصاله أيضًا من القوانين كافة.

يُعدّ التزام المعايير الدولية لحقوق الإنسان ذا أثرٍ كبيرٍ على وضعية المنظومة التشريعية وتقليص تأثير الدين فيها. فتكرّس الاتفاقيات الدولية في عديدٍ من نصوصها لدولة القانون، ولا سيّما المساواة بين المواطنين وحرية المعتقد. مع ذلك، لا يعترف الدستور السوري الجديد، كحال السابق، بسموّ المواثيق الدولية المُصادَق عليها على القوانين الداخلية[16]. فيكتفي الدستور السوري الحالي بالتطرق في مواده إلى صلاحية مختلف الأجهزة الحكومية في المصادقة وإقرار المعاهدات. إضافة إلى عدم الوضوح في مبدأ سمو القانون الدولي على الداخلي، تخلو النصوص الدستورية من كثيرٍ من الحقوق والحريات المنصوص عنها في الاتفاقيات الدولية. فنذكر على سبيل المثال بعض الفقرات الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كحماية المنتمين إلى أقليات (المادة 27)، وحرّيّة الشخص في أن يدين بدين أو معتقد ما أو اعتناقه دون قيود (المادّة 18)، حقّ المساواة أمام القضاء (المادة 14)، إضافة إلى المساواة بين الزوجين من حيث الحقوق والمسؤوليات في الاقتران وخلال الزواج وعند الطلاق (المادة 23). والأمر كذلك في ما يتعلق بحماية الأطفال دون تمييز (المادة 24 من هذا العهد والمادة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل).

 

القسم الثاني: المواطنة والدين في التشريعات السورية الداخلية

لقد تبين أعلاه أنّ النصوص الدستورية قد تأثّرت بكلٍ من الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية المتضمنة على مبادئ المواطنة. تبدو أيضًا ازدواجية التأثير هذه من خلال تدقيق واقع التشريعات الداخلية السورية كما سنبين في هذا القسم.

 

أولًا: تأثير الدين في التشريعات الداخلية السورية

تُعدّ الأحوال الشخصية، التي تشمل جميع القضايا المتعلقة بالعائلة بما فيها الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والميراث، من أبرز المجالات تأثرًا بالدين، خاصة الإسلامي، في سورية. فتتعدد تشريعات الأحوال الشخصية الدينية تبعًا للانتماء الديني للمواطنين، حيث يُطبّق على المسيحيين واليهود شرائعهم الدينية الخاصة بهم في مجال الأحوال الشخصية، بينما يحتكم المسلمون للتشريعات المستقاة من الشريعة الإسلامية. وتعود استقلالية الطوائف الدينية في مجال الأحوال الشخصية إلى فترات طويلة، ولا سيّما في ظلّ حكم الإمبراطورية العثمانية. ويُنظر عادة إلى قانون العائلة في المجتمعات العربية على أنه الفرع الأكثر استقلالية في القانون، وهو فرع يتّسم بالتمرد على أي تدخل خارجي أو محاولة للعلمنة نظرًا إلى صلته الوثيقة بهوية الأشخاص وحياتهم الخاصة. ومع ذلك بدأت المحاولات الهادفة إلى توحيد قوانين الأسرة في العام 1917، حيث تبنّت الإمبراطورية العثمانية قانونًا خاصًا بالأحوال الشخصية (قانون حقوق العائلة) في 25 تشرين/ الأول أكتوبر من هذا العام، ألغت مادته 156 اختصاص المحاكم الخاصة بغير المسلمين.[17]

كما شهدت فترة الانتداب الفرنسي على سورية محاولات علمنة وإصلاح تشريعات الأحوال الشخصية، فقد قام المفوض السامي الفرنسي في سورية، داميان دي مارتل، بالتوقيع على عديدٍ من القرارات بهذا الشأن، بما في ذلك القرار الصادر في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1938 الذي يحمل الرقم 146. وقد جرى دعم الجهود الرامية إلى تحديث القوانين من خلال تبني القرار 60 ل.ر.، الصادر في 13 آذار/ مارس عام 1936 والهادف إلى علمنة تشريعات الأحوال الشخصية والذي لا يزال معمولًا ببعض أحكامه حتى يومنا هذا. فالمادة 11 من هذا القرار تسهّل الإجراءات المتعلقة بتغيير الدين،[18] وتقضي المادة 14 منه بإنشاء طوائف مدنية وعلمانية تُدعى طوائف الحق العام، وهذه الطوائف “تنظم وتدير شؤونها بحرية ضمن حدود التشريعات المدنية”، وتتعلق المادة 25 بالزيجات المعقودة في الخارج بين السوريين واللبنانيين والأجانب.[19] كان الغرض الأساسي من هذا القرار وضع قانون مدني للعائلة، بالتوازي مع القوانين الدينية، لأن سنّ تشريع كهذا من شأنه أن يسمح بعدم الانتماء إلى طائفة ما، ومن ثمّ تستطيع الفئات غير المسلمة أن تتجنب التمييز الذي تتعرض له نتيجة للأفضلية الممنوحة للمنتمين للدين الإسلامي. ما لبثت الاحتجاجات الشعبية، خاصة في الأوساط الإسلامية في سورية ولبنان (سنية وشيعية ودرزية)، المناهضة للتحديث ولتوحيد قوانين الأحوال الشخصية ولعلمنتها إلى أن أفضت إلى التضييق على تشريعات العلمنة هذه. وهذا ما أسفر عن تبني كثيرٍ من التشريعات القانونية من أجل الحدّ من الإصلاحات التي أجرتها سلطة الانتداب الفرنسي. فقد اعتُمدت المُذكرة الصادرة في 16 آذار/ مارس من العام 1929 والقرار رقم 53 ل.ر. الصادر في 30 آذار/ مارس من العام 1939[20] والذي ينصّ على أنّ القرار 60 ل.ر. لا يطبّق على المسلمين.[21]

وقد أعقبت فترة الاستقلال في سورية توجهات حكومية تؤيد تعددية الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة. وهكذا جاء المرسوم رقم 133 تاريخ 8 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1953، الخاص بالتنظيم الجديد للسلطة القضائية، ليؤكد في المادة 31 منه على أن “تبقى المحاكم الروحية للطوائف غير الإسلامية واختصاصاتها خاضعة للأحكام النافذة.” وفي العام نفسه صدر قانون الأحوال الشخصية السوري الحالي[22] والذي أتاح في مادته 308 للطوائف المسيحية واليهودية بتطبيق ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية، ولكن في مجالات محددة. فقانون الأحوال الشخصية هذا المستقى من المذهب الحنفي عام الاختصاص ويطبّق على عموم السوريين. كما يشتمل القانون المدني السوري[23] على بعض المواد ذات الصبغة الإسلامية التي تطبّق في الغالب على جميع السوريين، كالمادة 836 التي تنصّ في فقرتها الأولى إلى أنّ “تعيين الورثة، وتحديد أنصبائهم في الإرث، وانتقال أموال التركة إليهم، تسري في شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأن الإرث والانتقال”. وتُضيف المادة 876: “تسري على الوصية أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها”. وتجدر الإشارة إلى أنّ تشريعات الأحوال الشخصية تتضمن عديدًا من أوجه التمييز ضدّ غير المسلم والمرأة، ولا سيّما ظلّ القضايا المشتركة، أي بين شخصين ينتمي أحدهما إلى الديانة الإسلامية.[24]

تؤثر الشريعة الإسلامية أيضًا في مجالات أخرى، فيطبّق حظر الانتماء “للأديان غير السماوية”، حيث تُمنع أي احتفالات بالمناسبات الدينية أو القيام بالشعائر لشهود يهوه والبهائيين، بل ويتم إلحاقهم بديانة لا يؤمنون بها وما يتبع ذلك من فرض أحوال شخصية وتعليم ديني مغاير لمعتقداتهم الدينية. وفي المجال التعليمي، يرتبط النظام التربوي بشكل وثيق بالدين الإسلامي. ومع أنّ مادة التربية الدينية الإلزامية تختلف بحسب دين الطفل في سورية في مراحل الدراسة ما قبل الجامعية، غير أنّ الميول الإسلامية تبدو من خلال مواد دراسية أخرى كمادة اللغة العربية. فتُشير هذه الأخيرة باستمرار إلى التعاليم الإسلامية، وتتضمن آيات قرآنية يجري تدريسها وتحفيظها للطلاب بصرف النظر عن دينهم. كما تُبرز كتب التاريخ الفتوحات الإسلامية بصورة إيجابية، وفي المقابل تظهر سلبية الحروب الصليبية ونكبتها على الأمة الإسلامية، فضلًا عن استخدام مصطلحات مكرّسة للطائفية.[25]

كما تؤدي الشريعة دورًا أساسيًا في قضية الردة عن الإسلام والتي غالبًا ما يتبعها انتهاكات حقوقية مختلفة تتمثل خاصة بتجريد المرتد من الحقوق السياسية والمدنية. فتقضي غالبًا المحاكم بتفريق المرتد عن شريكه في الزواج وتُسقط عنه حضانة الأطفال ويتم الحجر على أملاكه ويفقد شخصيته القانونية التي تمنحه القدرة على إبرام العقود المختلفة.[26] وفي المقابل، نرى أنّ اعتناق الاسلام يجري من دون إشكالات قانونية، وهو ما ينتهك مبدأ المساواة أمام القانون. وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أن هيمنة الشريعة الإسلامية قد تكون ذات طابع سلبي، وما نقصده هو عدم القيام بتشريع قوانين تتعارض بشكلٍ واضحٍ مع مبادئ هذه الشريعة. وفي الإطار نفسه كان للشريعة دورٌ مهمٌ في جميع جوانب الحياة تقريبًا، خاصة في تحديد ما هو حلال أو حرام في المجتمع كتقييد حرية التعبير عندما تتعلق بنقد الأديان وتحريم الربا والخمور في بعض الأماكن، إلخ. وتشكّل الشريعة الإسلامية أيضًا عقبة أساسية في عدم انفتاح سورية على الشرعة الدولية لحقوق الانسان وهو ما يتبين من مواقفها وتحفظاتها المختلفة في هذا المجال.[27]

 

ثانيًا: تأثير المواطنة في التشريعات الداخلية السورية

باستثناء بعض تشريعات الأحوال الشخصية وما يتبعها من نصوص متعلقة بالردّة عن الإسلام وأيضًا حرمان غير المسلم من الترشح لرئاسة الجمهورية، تنصّ أغلبية القوانين السورية من حيث المبدأ على المساواة أو عدم التمييز على أساس الدين. وقد ساهم تدريجيًا غياب النصوص التشريعية الدينية الضرورية لمواكبة التطور الحاصل في المجتمع بإدخال تشريعات وضعية مستوحاة بشكل أساسي من القوانين الغربية. وتعود المراحل الأولى لتأثير القانون الوضعي في التشريعات العربية إلى فترة نهاية الإمبراطورية العثمانية والتي بدأت إبانها إصلاحات واسعة أُطلق عليها اسم “التنظيمات”. هذه الأخيرة شكّلت بداية الحدّ من التأثير الديني في الدولة. فقد تضمّن مرسوم الإصلاح الأول، الخط الشريف (كلخانة) لعام 1839، مبدأ المساواة بين رعايا الإمبراطورية كافةً بصرف النظر عن انتمائهم الديني، وأيضًا وعدًا بإلغاء دفع الجزية الإسلامية المفروضة على غير المسلمين. هذا الوعد ما لبث أن أبصر النور في شهر شباط/ فبراير من العام 1856، وذلك من خلال تبني مرسوم الخط الهمايوني الذي ألغى الجزية (المادة 19)، وحظرَ أي تمييز أو تسمية من شأنها أن تجعل فئة ما [….] أقل شأنًا من غيرها بسبب الدين أو اللغة […] (المادة 8). أمّا الثورة العلمانية الحقيقية، فقد ظهرت في عهد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسِّس جمهورية تركيا الحديثة. ومع ذلك لم تشمل العصرنة القانونية لأتاتورك منطقة المشرق العربي التي انحسر فيها نفوذ الأتراك بسبب تفكك الإمبراطورية العثمانية وبدء مرحلة الانتدابات الغربية.

ترافقت فترة الانتداب الفرنسي على سورية بما يمكن أن نطلق عليه ثورة التحديث القانوني الذي تمثّل أبرز وجوهه باعتماد قوانين غربية وضعية في شتى المجالات، بما فيها التجارية والمدنية والجنائية. ويقول السنهوري في هذا الإطار إنّ المنظومة القانونية لدول المشرق العربي شديدة التأثر ببعض التشريعات الأنجلو- سكسونية والسويسرية والفرنسية والألمانية.[28] فلا تلعب الشريعة في بعض المجالات إلا دورًا ثانويًا، حيث يقتصر إعمالها على حالات غياب النصّ القانوني الواجب التطبيق. فتنصّ المادة الأولى من القانون المدني السوري على أنْ: “1: تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. 2ـ فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد، فبمقتضى العرف، وإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة”. وتضيف المادة 34 من هذا القانون أنه: “يسري في شأن المفقود والغائب الأحكام المقررة في قوانين خاصة. فإن لم توجد فأحكام الشريعة الإسلامية”. وهذا القانون المدني بمجمله وضعي وغير متأثر إلى حدّ كبير بالشريعة الإسلامية، وإن كان فيه بعض الأحكام المستلهمة منها كبطلان “كل اتفاق خاص بمقامرة أو رهان” (المادة 705)، ونظرية التعسف في استعمال الحق (المادة 6) والتي يمكن أن تستنبط من الآية 199 من سورة الأعراف.[29] بل وتخالف بعض بنود القانون المدني السوري صراحة مبادئ الشريعة كما في إجازتها للفوائد في العقود التجارية (أنظر المادة 234).

وبالنسبة إلى دور التشريعات الدولية وسموها على القوانين الداخلية، فقد جعل المرسوم التشريعي رقم 3، الذي انضمت بموجبه سورية إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 21 نيسان/ أبريل 1969، هذا العهد بمنزلة التشريع الداخلي. وهو أمر غير كافٍ حيث تسمو الاتفاقية في هذه الحالة فقط على القوانين السابقة لإقرارها أمّا القوانين اللاحقة فتلغي بنودها عند التعارض بينهما. فتُعدُّ القوانين الصادرة بعد تاريخ إقرار المعاهدات والمتعارضة معها مبررًا لاستبعادها بمقتضى المبدأ القانوني القائل إنّ أحكام القوانين اللاحقة تلغي القوانين السابقة في حال التعارض بينهما.[30] هذا وقد أقرّت الغرفة المدنية في محكمة النقض في أحد قراراتها أنّ “المحاكم الوطنية لا تطبق المعاهدات تأسيسًا على أن الدولة قد التزمت دوليًا بتطبيقها، وإنما باعتبارها أصبحت جزءًا من قوانين الدولة الداخلية. وإذا وجد تعارض بين أحكام المعاهدة وأحكام قانون داخلي، فإن على المحكمة الوطنية أن تطبق أحكام المعاهدة الدولية مرجحة حكمها على القانون الداخلي”.[31] كما توجد بعض القوانين التي يُشار فيها صراحة إلى مسألة العلاقة مع الاتفاقيات الدولية كما هو حال القانون المدني السوري الذي تنصّ مادته 25 على عدم سريان أحكام المواد السابقة أو المخالفة لمعاهدة دولية نافذة في سورية، إضافة إلى أن قانون أصول المحاكمات في سورية قد نصّ في المادة 311 منه على أن: “العمل في القواعد المتقدمة لا يخلّ بأحكام المعاهدات المعقودة والتي تعقد بين سورية وغيرها من الدول في هذا الشأن.”

على الرغم من تأثير القانون الوضعي في التشريعات السورية، يُلاحظ في لبنان انخفاض أكبر لمستوى هيمنة التشريعات الإسلامية والتي وإن طبّقت تقتصر على المسلمين من اللبنانيين. فمثلًا يطبّق هذا البلد “قانون الموجبات والعقود” الذي يحكم موضوع المعاملات المدنية والذي كان قد اعتُمد بدلًا من مجلة الأحكام العدلية.[32] هذه الأخيرة مستقاة من الفقه الحنفي، كانت مطبّقة حتى عام 1949 في سورية (تاريخ اعتماد القانون المدني السوري)، بينما “قانون الموجبات والعقود” ذو مرجعية أوروبية تمّ استصداره في 9 آذار/ مارس عام 1932 خلال فترة الانتداب الفرنسي. في المقابل، يُلاحظ في سورية انخفاض تأثير التشريعات الدينية مقارنة بأغلب الدول العربية كالأردن ومصر ودول الخليج العربي.[33]

 

خاتمة

لقد سلّطنا الضوء في هذا البحث على دور الدين ومبادئ المواطنة في منظومة سورية الدستورية والقانونية، وآثار كل منهما على إقامة الدولة المدنية الكفيلة وحدها بضمان احترام كرامة وحقوق السوريين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية. فتشتمل التشريعات السورية على مجموعة من النصوص الدستورية والقانونية ذات المرجعية الدينية والتي تتسبّب أحيانًا في انتهاك حقوق المواطنين، خاصة الحرية الدينية وحرية التعبير والمساواة أمام القانون والقضاء وفي الحقوق والواجبات. وفي هذا الإطار فإنه من الضروري الاستعاضة عن مفهوم “الأمة” الحاضر بقوة في سورية وغيرها من بلدان العالم العربي بمصطلح “الوطن” الذي يكرّس مبدأ المواطنة القائم على المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة بما فيها الدينية. يقتضي إعمال مبدأ المواطنة استبدال الأحكام التشريعية والدينية التعسفية كافةً بأحكام تتوافق مع شرعة حقوق الإنسان.

إنّ مبدأ المواطنة موجود في التشريعات السورية، لكنّه يتعرض للانتهاك كلما تمّ التمييز بين المواطنين أو الدعوة إلى ذلك. فيعدّ التحول من الدولة ذات التأثير الديني إلى دولة المواطنة عاملًا مهمًا على صعيد تعزيز التعايش والبناء الديمقراطي لسورية المستقبل. مع ذلك يمكن القول إنّ المعركة في المشرق العربي مستمرة بين تيارين رئيسين: يهدف الأول إلى إلغاء كل قانون وضعي لمصلحة تطبيق الشريعة الإسلامية بصرامة، في حين لا يكف التيار الثاني، على الرغم من ضغط الإسلاميين، عن النضال من أجل إرساء دولة المواطنة التي يتمتع فيها جميع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس. تبدو انعكاسات ذلك على الواقع التشريعي الذي يشهد بدوره صراعًا بين التشريع الوضعي والتشريع الديني، فلم يتمكن أي من التيارين المذكورين من بلوغ أهدافه حتى اليوم. فلم تعرف سورية حتى اليوم لا دولة المواطنة الديمقراطية ولا دولة إسلامية بحت. وقد سخّر النظام الاستبدادي السوري هذا الوضع لمدة عقود لتحقيق استمراريته، إذ شجّع الصراع بين التيارين آنفي الذكر على مبدأ ̎فرق تسد̎.

وتجدر الإشارة إلى أنه ليست الدولة الدينية فحسب مسؤولة عن التمييز ضد فئة من مواطنيها، إنما نجد ذلك أيضًا في إطار دول قائمة على أيديولوجيات أخرى، كحال النظام السوري الذي جَعَل العروبة أساسًا أيديولوجيًا لحكمه، ما سبّب التمييز بين العرب وغيرهم. كذلك الأمر بالنسبة إلى الكرد، فمن غير الممكن تأييد قيام دولة كردية، على أساس عرقي، على الرغم من أننا نؤيد إعطاء الكرد حقوقهم المشروعة، لأنّ هذه الدولة ستؤدي حتمًا إلى التمييز ضد غير الكرد ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. من هنا لا بدّ من استبعاد الأيديولوجيات المختلفة من إسلاموية وقومجية عن هوية الدولة السورية. فركيزة هذه الأخيرة يجب أن تكون قائمة على مبدأ المواطنة بما يضمن التعددية الدينية والعرقية واستئصال أنواع التمييز كافةً وحتى تجريمه بقوانين واضحة.

ويبقى أخيرًا التساؤل في إطار الإصلاحات الدستورية والتشريعية المقبلة عن التوازنات بين مفاهيم حقوق الإنسان الحديثة من ناحية، ودور الدين والشريعة الإسلامية من ناحية ثانية. وتجدر الإشارة إلى التجربة الدستورية الفريدة في تونس التي اتفق فيها الأطراف على اعتبار الإسلام كدين للدولة في مقابل انحسار دور الشريعة الإسلامية وتعزيز التزام المعايير الدولية لحقوق الإنسان بما في ذلك المساواة بين الرجل والمرأة وحرية المعتقد. بينما لا تبدو الدساتير المصرية الأخيرة المعتمدة في إطار الحراك الشعبي خلال السنوات الأخيرة ممهدة لمرحلة جديدة من الاستقرار وبناء دعائم دولة المواطنة، خاصة في ظل عدم التوافق السياسي والرضا الشعبي الكافي والتأثير الديني الواضح فيها. بالتأكيد ستكون المرحلة القادمة مفصلية في ظلّ الوضع السياسي والأمني السوري الراهن، ولا سيّما ترنّح نظام الأسد وإمكانية زواله. فمواطنو سورية هم حاليًا أمام مرحلة انتقال سياسي عميق، فهل ستنتصر المواطنة في معركتها ضد الطموح الإسلامي الراديكالي والأيديولوجي الذي يهدف إلى تطبيق كامل وصارم للشريعة الإسلامية؟

 

[1] الصادر في 31 تموز/ يوليو لعام 1920.

[2] انظر محمد جمال باروت، المؤتمر السوري العام (1919-1920): الدستور السوري الأول، في: الدستور في الفكر العربي الحديث: تواريخ وقضايا، جريدة تبين، العدد 3، المجلد الأول، شتاء 2013، ص 46.

[3] يعدّ دستور العام 1950 من أهمَّ الصكوك الدستورية السورية، نظرًا إلى تبنّيه قانونيًّا من قبل الجمعية التأسيسية في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1949، وبسبب تركيز أحكامه على حقوق المواطنين وسُلطة الشعب وبتقليص واضح لصلاحيات رئيس الجمهورية.

[4] بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سوريا، دار الجابية، لندن، الطبعة الأولى، ص 223.

[5] وعن الآثار السلبية الأخرى لوجود النص الديني في الدستور، انظر نادر جبلي، إشكالية الدين في الدستور السوري المقبل، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، وحدة المقاربات القانونية، 24 آب/ أغسطس 2016، ص 8 وما بعدها.

[6] ينبغي من أجل الحدّ من تأثير النصوص الدينية على الدساتير أن تترافق عبارة “الدور الديني للشريعة” في الدساتير بنصوص متعلقة بحقوق الانسان، كأن يُنصّ على أنّ “تُشكّل المبادئ المُشتركة بين الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان مصدرًا للتشريع”، وفي هذه الحالة يتمّ إعمال فقط هذه المبادئ مع حذف ما هو متعارض وحقوق الانسان.

[7] كما هي حال هيمنة أيديولوجية العروبة على الدساتير السورية المتعاقبة. انظر نائل جرجس، قضايا جدلية في الدستور السوري (2) نحو دستور لجميع السوريين: العروبة والمنظومة الدستورية في سوريا، المفكرة القانونية، بيروت، 24 أيلول/ سبتمبر 2014، متوفر على الرابط:

http://www.legal-agenda.com/article.php?id=863&folder=articles&lang=ar

[8]  انظر الفقرة الثالثة من المادة الثالثة لدستور عام 2012. وتنصّ المادة 35 من دستور العام 1973 على الآتي: 1. حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الاديان 2. تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على ألاّ يخل ذلك بالنظام العام.

[9] انظر المادة 46 من الدستور المصري والمادة 9 من الدستور اللبناني.

[10] تنصّ المادة 19 من دستور مصر لعام 1971 أنّ “التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام”. كما عَدَّت المادة 24 من الدستور المصري لعام 2014 أنّ التربية الدينية مادةً أساسيةً في التعليم ما قبل الجامعي ولكنها أشارت أيضًا إلى أنّ “حقوق الإنسان والقيم، والأخلاق المهنية للتخصصات العلمية المختلفة” التي يجب أن تعمل الجامعات على تدريسها، من دون أن يكون لها دورٌ في مرحلة التعليم الأساسية بحسب هذه المادة.

[11] غير أن الطالب يعدّ راسبًا في ما إذا كانت علامته صفرًا في مادة الديانة، وذلك في امتحانات الشهادة الاعدادية والشهادة الثانوية.

[12]  تبدو أبرز أوجه التمييز بين المرأة والرجل والمسلمين وغيرهم في مجال الأحوال الشخصية. انظر نائل جرجس، إدارة التنوع في مجال الأحوال الشخصية في دول المشرق العربي، مبادرة الإصلاح العربي، باريس، حزيران/ يونيو 2013، 8 ص

[13] إنّ سياسة التعريب التي انتهجها النظام السوري قد أثّرت سلبًا على حقوق غير العرب، خاصة الأكراد. انظر على سبيل المثال المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962 والذي تمّ بموجبه تجريد آلاف الأكراد من الجنسية السورية. كما أنّه لم يتم احترام الحقوق الثقافية للكورد، خاصة إمكانية تدريس اللغة الكردية في مدارس الدولة الرسمية.

[14] انظر معن طلّاع، الأجهزة الأمنية السورية وضرورات التغيير البنيوي والوظيفي، عمران للدراسات الاستراتيجية، تركيا، 14 تموز/ يوليو 2014، ص 10 وما بعدها.

[15] يُجمع كثيرٌ من المفكرين الإسلاميين والكتّاب على أنّ الشريعة الإسلامية تضمن حق المساواة ونبذ التمييز على أساس اللون أو اللغة أو الأصل الإثني، بينما تبقى قضية عدم التمييز على أساس الدين والجنس مثار جدل ويسير الاتجاه الغالب على ترسيخ هذا النوع من التمييز بمقتضى الشريعة.

[16] انظر المواد 71 و104 من دستور عام 1973 والمواد 75 و107 من الدستور الحالي لعام 2012.

[17]  للمزيد انظر عمر سليمان الأشقر، ﺍلوﺍضح في شرح الأحوال الشخصية، دار النفائس، عمان، الطبعة الثالثة، 2006، ص 18- 19.

[18] بشير البيلاني، قوانين حول الأحوال الشخصية في لبنان، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص 18

[19] عن مضمون هذا القرار، انظر طلال الحسيني، الزواج المدني: الحق والعقد على الأراضي اللبنانية، الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، ص 42 وما بعدها.

[20] وديع رحال، القواعد العامة للأحوال الشخصية، معايير الزواج المدني والديني، الجزء الثاني، منشورات الحلبي الحقوقية، 1997، ص 61.

[21] بشير البيلاني، مرجع سابق، ص 18. وطلال الحسيني، مرجع سابق، ص 63-64.

[22] صادر بموجب المرسوم التشريعي رقم 59 في 7 أيلول/ سبتمبر1953. وقد جرى وضع هذا القانون اعتمادًا على المذهب الحنفي. كما تؤكّد المادة 305 من هذا القانون بلزوم عودة الجهاز القضائي إلى هذا المذهب، أي إلى كتاب قدري باشا، في حال غياب النصّ القانوني.

[23] صادر بالمرسوم التشريعي رقم 84، في 18 أيار/ مايو 1949. وقد تمّ نقل أغلبه عن القانون المدني المصري وبعض أحكامه عن قانون الموجبات اللبناني.

[24] فغالبًا ما تحكم المحاكم الشرعية في سورية لمصلحة الطرف المسلم في القضية، ويحق للرجل المسلم تعدد الزوجات ويرث ضعف ما ترثه المرأة. للمزيد انظر نائل جرجس، إدارة التنوع في مجال الأحوال الشخصية في دول المشرق العربي، مرجع سابق.

[25] انتقدت لجنة حقوق الطفل الحكومة السورية لعدم توافق نظامها التعليمي مع أحكام المادة 29 من اتفاقية حقوق الطفل. فتلاحظ اللجنة المذكورة أنّ المناهج تفتقد إلى الثقافة واحترام حقوق الإنسان وكذلك إلى مفاهيم التسامح والمساواة بين الجنسين ومع الأقليات الدينية والعرقية. انظر لجنة حقوق الطفل، الملاحظات الختامية، الجمهورية العربية السورية، CRC/C/15/Add.212، تاريخ 10 تموز/ يوليو 2003، الفقرة 46، ب.

[26] انظر قرار المحكمة الشرعية الثالثة في دمشق، دعوى حسبة، أساس 6782، قرار 652، في 28 حزيران/ يونيو2012، قرار غير منشور.

[27] من أجل الاطلاع على تحفظات الدول المختلفة، بما فيها سورية، انظر الموقع الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة: http://www.ohchr.org

[28] انظر عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1981، ص 50 وما بعد.

[29] تنصّ هذه الآية على الآتي: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.

[30] تنصّ على سبيل المثال المادة الثانية من القانون المدني السوري على أنّه: “لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحةً على هذا الإلغاء، أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك التشريع”.

[31] قرار رقم 366/1905، تاريخ 21 كانون الأول/ ديسمبر 1980 منشور في مجلة “المحامون” ص 305 لعام 1981. انظر التقرير الدوري الثالث، الجمهورية العربية السورية، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، CCPR/C/SYR/2004/3، 5 تموز/ يوليو 2004، الفقرة 39. كما تؤكّد الحكومة السورية، كغيرها من الحكومات العربية، باستمرار على مبدأ سمو القانون الدولي على القانون الداخلي أمام لجان الأمم المتحدة، كما أقرّه صراحة وزير العدل السوري، في الرابع من أيار/ مايو 2010، أثناء الجلسة 44 للجنة مناهضة التعذيب. ومع ذلك ينبغي التشكيك بالمصداقية وبعنصر حسن نية في التطبيق على المستوى المحلي، ولا سيّما في ظلّ الانتهاكات واسعة النطاق التي يرتكبها النظام الاستبدادي السوري.

[32] تجدر الإشارة إلى أنّه لا تزال بعض أحكام هذه المجلة معمول بها في لبنان ولكن في مجالات ضيقة للغاية كأحكام مرض الموت والحجر على السفهاء والصغار والمعتوهين والمجانين. انظر صبحي المحمصاني، الأوضاع التشريعية في الدول العربية، ماضيها وحاضرها، دار العلم للملاين، بيروت، 1981، ص 260 وما بعدها.

[33] فعلى سبيل المثال، تستمر مصر بالتمييز بين المواطنين في ما يخصّ بناء دور العبادة وترميمها، ولا سيّما في ظلّ استمرار تطبيق مرسوم الخط الهمايوني العثماني على المسيحيين.

 

 

سيرة الكاتب

الدكتور نائل جرجس هو أكاديمي سوري الأصل/من أبناء بلدة مرمريتا، أكمل دراسته في كلية الحقوق/جامعة دمشق قبل أن يلتحق بجامعة غرنوبل الثانية/فرنسا لإتمام دراساته العليا، حيث حصل منها على شهادة ماجستير في القانون الدولي والأوروبي وشهادة الدكتوراه في حقوق الانسان بدرجة مشرف جدًا مع تهنئة من أعضاء لجنة المناقشة كافة. شارك في عديدٍ من المؤتمرات العلمية ونُشرت له مقالات علمية عدّة في مجلات عربية وأجنبية. حرّر تقارير واستشارات قانونية لعديدٍ من المنظمات غير الحكومية العاملة على منطقة المشرق العربي، كما عمل مدرسًا جامعيًا في كلية الحقوق/جامعة باريس الجنوبية وكذلك كباحثٍ في مجال حقوق الإنسان وحوار الأديان في جامعة جنيف.