اسم المقالة الأصلي (بالروسية) Сирийский гамбит Москвы
الكاتب سيرغي مياسيان: دكتور في العلوم السياسية، نائب مدير معهد القفقاز (يريفان/ أرمينيا).
مكان وتاريخ النشر مجلة “روسيا في السياسة العالمية”، وهي مجلة تتناول السياسة العالمية والعلاقات الدولية والدبلوماسية والنزاعات الدولية.

12 كانون الأول/ ديسمبر 2015

رابط المقالة http://ni.globalaffairs.ru/sirijskij-gambit-moskvy
المترجم سمير رمان

 

شرح مفردات:

الجامبيت: تفريعة في لعبة الشطرنج.

تسوغ- تفانغ: حالة عدم الربح وعدم الخسارة في لعبة الشطرنج حيث تتكرر التنقلات نفسها دون أي فائدة. بالنتيجة لا يكون هناك فائز بل تعادل إجباري.

 

 

المحتويات

مقدمة

أوّلًا: السياق الإقليمي والمقدمات السياسية

ثانيًا: الحرب الأهلية في سورية والتحالف الدولي

ثالثًا: خصائص العملية العسكرية الروسية في سورية

رابعًا: النتائج الاولية والآفاق المنظورة

خامسًا: خلاصة


 

مقدمة

أصبحت العملية العسكرية الروسية في سورية حدثًا عالميًا عسكريًّا-سياسيًّا مهمًّا ذا نتائج جدية للغاية على المستويين الإقليمي والدولي. ولتقويم ديناميكية هذه العملية وآفاقها؛ فمن الضروري فهم السياق الإقليمي لـ “جامبيت الوزير” الذي افتتحته موسكو، ومجالاته العسكرية-السياسية الرئيسة.

 

أوّلًا: السياق الإقليمي والمقدمات السياسية

على الأغلب، لعبت الحوادث التي حصلت في ربيع 2015، الدور الرئيس في اتخاذ السلطات الروسية قرار الانخراط العسكري في النزاع السوري، وذلك بعد أن خسر نظام الأسد محافظة إدلب في الشمال السوري إلى جانب غيرها من المواقع، الأمر الذي أدى الى ترنح النظام بشكل جدي. تسببت الإخفاقات العسكرية ليس فحسب في تدهور الروح المعنوية للآلة العسكرية السورية، وفي نشوء تشكيلات موالية عشوائية، بل أدّت أيضًا الى اضطراب في قيادة أجهزة الأمن المتعددة والمتنافسة فيما بينها. كان لسقوط تدمر وتدمير آثارها التاريخية الاستعراضي رمزية لانتصار الإسلاميين على خلفية تدهور الروح المعنوية للجيش السوري وهياكله الأخرى.

 

وفي أيلول/ سبتمبر 2015، برز تساؤل حول تأثر المؤسسة ذاتها. كان على موسكو فعل شيء ما قبل أن ينشئ التحالف الدولي وحلفاؤه الإقليميون -وفي الدرجة الأولى تركيا- منطقة حظر للطيران فوق سورية. وكما توقعوا في موسكو، فإن ظهور منطقة حظر هناك -وإن كانت محدودة- ستؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى منحى لا يمكن التنبؤ بخط سيره كما حدث في ليبيا والعراق.
لعب العامل التركي دورًا مهمًّا في تأزيم الوضع السوري؛ فأنقرة أحد خصوم الأسد العنيدين، وتمثل الحدود التركية السورية طريق الإمداد الرئيسي لقوات المعارضة المعتدلة، ومعبرًا لتهريب النفط عبر الأراضي التركية الذي يشكل مصدرًا مهمًّا لتمويل داعش. وابتداءً من تموز/ يوليو 2015، بدأ الأتراك حملتهم الجوية في سورية تحت شعار محاربة الإرهاب، إلا أن أغلبية ضرباتهم كانت موجهة ضد الفصائل الكردية وليس ضد الإسلاميين.

 

بعد بدء العملية الروسية مباشرة اتضح أن طموحات وأوهام أنقرة العثمانية الجديدة في الأزمة السورية لا تتناسب البتة مع إمكانياتها، وتبين أنها ستكون عديمة الجدوى. وفي نهاية الأمر اضطرت تركيا إلى تحمل نقل المعدات والأسلحة الروسية من البحر الأسود إلى سورية عبر مضايقها البحرية، التي سبق وقيدتها ببنود معاهدة “مونتريه”، وكذلك اضطرت إلى التخلي عن فكرة إقامة منطقة حظر جوي. وزاد من غضب أنقرة اختراق بعض المقاتلات الروسية الأجواء التركية في أثناء تنفيذها مهمات قتالية في سورية، الأمر الذي عبرت عنه في بداية تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، عندما اخترقت طائرات الهليكوبتر التركية الحدود الأرمنية التي يحميها حرس الحدود الروسي.

 

نظرًا إلى غياب اتفاق بين موسكو وأنقرة قامت موسكو بعقد تحالف عسكري موقّت مع إيران والعراق، حيث أقيم، قبيل بدء العمليات العسكرية الروسية مباشرة، مركز تنسيق رباعي في بغداد لجمع المعلومات الحربية وتحليلها، وحتى التخطيط العملياتي المشترك، كما يبدو للناظر. ونظرًا إلى ارتباط الحكومة المركزية العراقية في واشنطن؛ فقد كان اتفاق المركز بالنسبة إلى موسكو أمرًا جوهريًّا. وشكل قصف روسيا لأهداف في سورية وفي شمال العراق بوساطة الصواريخ المجنّحة “كاليبر” التي أطلقت من بحر قزوين عبر إيران والعراق تأكيدًا رمزيًّا لنيات الأطراف المشاركة في مركز بغداد. لقد كان الحدث بمنزلة استعراض الأهداف المشتركة لتلك البلدان ولروسيا. إضافة إلى ذلك، كان إطلاق تلك الصواريخ بمنزلة التحذير الواضح بعدم السماح بتصعيد أكثر للوضع العسكري-السياسي في المنطقة، بما في ذلك منطقة القفقاز.

 

فُرض على اللاعب المهمّ الثاني من الناحية السياسية والعسكرية، وهو إسرائيل، الاختيار بين السيّئ والأسوأ؛ المحافظة على نظام الأسد المدعوم من إيران وحزب الله، أو انتصار الإسلاميين الراديكاليين.

 

يبدو أن موسكو تمكنت من ضمان وقوف إسرائيل على الحياد. حيث تمّ، في إطار مباحثات بوتين-نتنياهو في موسكو، ومن خلال لقاءات متعددة بين رؤوساء أركان جيوش روسيا وإسرائيل، مناقشة تنسيق النشاط العسكري في سورية. وكان أحد أهم الشروط الإسرائيلية عدم وقوع الأسلحة المتطورة بيد حزب الله الشيعي. وعلى ما يبدو، فإنّ موسكو قد قدّمت الضمانات في هذا الشأن.

 

وعلى الطرف الآخر؛ اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، إضافة إلى الحكومات الملكية في الخليج موقفًا سلبيًّا من أي خطوة تهدف إلى إنقاذ الأسد. ففي حال نجاح العملية الروسية فإن وضع واشنطن في المنطقة سيكون محل شك. وفي واشنطن لا يخفون الأمل في أن “الصبر الإستراتيجي” للولايات المتحدة سيسمح لروسيا بالانزلاق تدريجيًّا في الأزمة السورية مع ارتفاع خسائر موسكو. ولكن الدول العربية الخليجية (كما تركيا) لا تستطيع تجاهل خطوة موسكو على المدى المنظور. وفي إمكانهم رفع مستوى دعمهم للمعارضة السورية، بما في ذلك تزويدها بدفعات مفتوحة من أحدث الأسلحة المتطورة التي يمكنها التأثير على مجرى الحوادث.

ثانيًا: الحرب الأهلية في سورية والتحالف الدولي

تستمر الحرب الأهلية في سورية منذ عدة سنوات. وحتى الآن، كانت نتائجها السياسية والإنسانية كارثية على البلاد وعلى السكان والدولة، فمن النظرة الاولى تبدو الحرب السورية، والحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش، استمرارًا للصراعات التي سبقتها في أفغانستان والعراق وليبيا. إلّا أن فروقًا مختلفة تميز النزاع السوري:

  • هناك مؤشرات قوية على أنها “حرب بالوكالة” كما في النزاعات الإقليمية في أثناء الحرب الباردة، ويمكن مقارنتها مع النزاع الأوكراني، من حيث نطاقها، وعدد المتورطين فيها.
  • كثافة المعدات العسكرية المستخدمة، وكذلك أعداد القوات الحكومية والتشكيلات المعارضة. فقد استخدمت القوات الحكومية والقوى شبه العسكرية المساندة لها آلاف القطع العسكرية، والمدفعية، وعشرات الطائرات والهليكوبتر القتالية. ومن جانبها، فإن المعارضة امتلكت مئات الوحدات القتالية والبيك آبات المسلحة الخفيفة المزودة بالرشاشات الثقيلة ومدافع الهاون، إضافة إلى مضادات الدروع المتطورة. كما ظهرت بعض المدرعات والدبابات وقطع المدفعية التي استولت عليها خلال المعارك بعض فصائل المعارضة وداعش.

 

قبل بداية الحرب الأهلية كان لدى سورية أقوى سلاح دبابات على مستوى الشرق الأوسط والعالم؛ فمن دبابات تي72، كان لديها ما بين 1700 و1800 دبابة، من إجمالي عدد الدبابات الذي يصل إلى نحو 4500 دبابة، يضاف إليها آلاف المدرعات بي- إم- بي، وغيرها من المدرعات الخفيفة. وضمّ سلاح المدفعية آلاف الوحدات من مختلف العيارات. وكان لدى دمشق عدد كبير من الصواريخ التكتيكية والعملياتية السوفياتية والإيرانية والكورية الشمالية المصدر، وكان ينظر إلى القدرات العسكرية السورية على أنها تقريبًا من مستوى دولة إقليمية عظمى.

 

إلّا أن كل ذلك كان في الماضي. فقد فقدت سورية أغلبية المدرعات والمدفعية في المعارك، أو انها أصبحت مهترئة. كما تعرضت وسائل الدفاع الجوي والطيران السورية لخسائر فادحة بسبب سيطرة المعارضة على عديد من القواعد الجوية ووسائل دفاعاتها المضادة للطائرات، إضافة إلى الخسائر بسبب إسقاطها بوسائل بدائية تمتلكها المعارضة وداعش من قبيل الرشاشات الثقيلة. وفي سلاح البدبابات والمدرعات وحدها بلغ الفاقد بين 60 و70 في المئة مما كان قبل الحرب. ولم تكن لدى الحكومة السورية إمكانية لتعويض ما فقدته من المعدات. وحتى ما قبل الحملة الروسية كانت سورية تحصل على الذخيرة والمعدات الخفيفة إضافة إلى بعض المعدات القديمة من مخزون الجيش الروسي. والاستثناء الوحيد هو تزويد روسيا لسورية بصواريخ مضادة للسفن، ومنظومات صواريخ مضادة للطائرات “كاليبر”. ولكن قبل بدء العملية العسكرية الروسية تجدّد توريد المعدات الثقيلة إلى سورية.

تعرض الجيش السوري لخسائر بشرية كبيرة. وبحسب مختلف التقديرات فإن القوات المسلحة السورية تناقصت إلى النصف مقارنة بفترة ما قبل الحرب. ونتيجة لخسارة جزء كبير من الأراضي (حتى أيلول/ سبتمبر 2015، كانت القوات الحكومية والتشكيلات الموالية للنظام تسيطر على 25 في المئة فقط من مساحة البلاد). وتناقصت قاعدة تجنيد البنية البشرية بدرجة كبيرة، وبدرجة كبيرة -أيضًا- ساهمت في هذه الأمور النزعة الطائفية المتزايدة: اشتداد حدة المواجهة بين الأغلبية السنية، والأقلية العلوية. كان النقص العددي في قوات الأسد أكبر الصعوبات التي واحهها النظام، ولم يكن أمامه أي وسيلة لتعويضها إلّا الاستعانة بقوى خارجية (حزب الله اللبناني، الميليشيات الشيعية من العراق، “المتطوعون: من إيران، مقاتلون من فيلق القدس الإيراني، وفصائل شيعية أفغانية وباكستانية مدعومة من جانب إيران).

 

موّن جانبٌ آخر، لعبة وحشية القرون الوسطى التي أبداها تنظيم داعش والتنظيمات الإسلامية في تحويل فصائل صغيرة من الأقليات العرقية إلى حلفاء للنظام. وعلى هذا النحو تكوّنت فصائل أرمنية في حلب وفي كسب في الغرب السوري، أو من الدروز في جنوب سورية قرب الحدود مع إسرائيل ولبنان، والتي حاولت حتى الآونة الأخيرة أن تلتزم الحياد في الصراع الدائر بين القوى العلوية-البعثية من جهة، والجهاديين-السلفيين من جهة ثانية، والمجموعات الإسلامية المعتدلة من جهةٍ أخرى. وهذه التشكيلات لا تلعب دورًا كبيرًا في ميزان القوى السوري، ولكنها تساهم في حل بعض المسائل الحربية في مناطق وجودها.

 

لا يقتصر النزاع في سورية على المواجهة العسكرية بين الموالين للأسد وداعش والنصرة والمجموعات الإسلامية الأخرى. أحد المشاهد الدراماتيكية والدموية كانت حوادث مدينة كوباني (عين العرب) التي تقطنها أغلبية كردية، وتقع على الحدود بين سورية وتركيا. اندلعت المعارك فيها من أيلول/ سبتمبر 2014، إلى شباط/ فيراير 2015، بين القوات الكردية مدعومة بطائرات التحالف الدولي، وتنظيم داعش الذي تمكّن من الاستيلاء على قسم واسع من المدينة. وفي الحصيلة انسحب داعش بعد تلقيه خسائر كبيرة. في منتصف تشرين الأوّل/ أكتوبر 2015، ظهرت معلومات عن تحالف ممكن بين فصائل الحماية الذاتية والمعارضة الموالية للغرب للهجوم على الرقة عاصمة الدولة الإسلامية بدعم من الطائرات الأميركية وحلفائها. هذا الحدث أكد اتساع حرب الوكالة في سورية.

 

تطورت قدرات المعارضة والإسلاميين مع الوقت في صور متنوعة، فكانت -أحيانًا- فصائل صغيرة يعدّ أفرادها بالمئات أو حتى بالعشرات، مزوّدين في الأغلب بأسلحة خفيفة ورشاشات، وأحيانًا بمدافع الهاون الخفيفة، والرشاشات والمدافع المنقولة على السيارات المتنقلة، تسيطر على قرية أو مدينة صغيرة، أو حتى بضعة أحياء من مدينة حلب. وتكوّنت المجموعات بالاندماج في وحدات وتشكيلات أكبر، أحيانًا بـتأثير من داعميهم في الخارج أو بسبب تغير الوضع الميداني-السياسي. ولكنها كانت أيضًا تتفكك بسرعة من جديد إلى فصائل صغيرة.

 

على سبيل المثال؛ إذا كان قد تشكل في عام 2011- 2012، عديد الفصائل الإسلامية تحت علم الجيش السوري الحر اللامركزي، فإنها -مع تزايد حدة النزاع ومع ظهور قوى معارضة جديدة- تشرذمت أكثر فأكثر؛ تشكلت ونشطت المجموعات السنية المتشددة والمجموعات الجهادية (قبل الحرب الأهلية لم يكن لها تمثيل في سورية، وكانت محظورة وتعمل سرًّا)، الرامية، ليس إلى إسقاط نظام الأسد فحسب، بل إلى إقامة نظام إسلامي. على سبيل المثال: جبهة النصرة، أحرار الشام، لواء التوحيد، صقور الشام. إضافة الى ذلك، فقد تزايدت مع الوقت أعداد المقاتلين الأجانب.

 

إذا كانت المجموعة تتمتع بدعم لاعبين خارجيين (الولايات المتحدة، تركيا، الأردن، دول الخليج) فإن سلاحها لم يكن نتيجة الغنائم التي حصلت عليها من جيش النظام، بل كانت تتلقى أنواعًا من الأسلحة الأميركية والصينية التي كانت تسلمها الدول العربية لتركيا التي -في دورها- تمرّرها إلى الداخل السوري. على سبيل المثال، كانت التنظيمات الأوفر حظًّا تمتلك عربات الـ بي. تي. إر وصواريخ “تاو” الأميركية، أو معدّات صينيّة مشابهة، إضافة إلى وسائل الاتصالات المتطورة.

 

تغيرت أساليب المعارضين وداعش مع تطور النزاع؛ ففي المرحلة الأولى كان للجهاديين وللمقاتلين الأجانب من العراق تأثيرٌ على السوريين الذين تعلّموا استخدام الانتحاريين-الإرهابيين، وتفجير المباني والسيارات، وتصنيع المتفجرات يدويًّا. وبحسب جبهة النصرة فإن العراقيين أنفسهم هم من نقل منذ العام 2012، خبرات استخدام المتفجرات والانتحاريين. وانتقلت بالتدريج من تنفيذ أعمال إرهابية، إلى حرب العصابات، ثمّ إلى حرب شبه نظامية. بدأ المقاتلون العمل وفق خطة موحدة، مستخدمين أسلوبًا مزدوجًا من استخدام التكشكيلات المتنقلة بوساطة عربات مصفحة خفيفة، مزودة برشاشات متوسطة ومدافع صغيرة، إلى جانب استخدام الآليات المجنزرة والمدفعية الصاروخية. وتطورت التشكيلات من فصائل تعدادها بالعشرات تكونت على أساس عائلي-عشائري ومناطقي إلى تشكيلات تضم آلاف المقاتلين ذات تشكيل مختلط، بما في ذلك المتطوعين من دول إسلامية متعددة. وكان لهذه التشكيلات نظام ارتباط، وإدارة، وإمداد، وأسلوب تطويع المقاتلين الجدد.

 

في خريف عام 2015، تمكنت الدولة الإسلامية من تشكيل بنية متشعبة تضم، بحسب تقديرات متعددة عشرات الآلاف من المقاتلين المزوّدين بأسلحة نارية والهاون وقاذفات القنابل. وبعد سقوط الموصل المباغت وحدها، استولت داعش على 2300 آلية مدرعة، إضافة إلى كمية كبيرة من الذخائر والأسلحة النارية. كما تمكنت من الاستيلاء على عربات مصفحة ودبابات “أبرامز” (على الرغم من عدم توافر معلومات موثوقة عن استخدامها في المعارك حتى الآن: على الأرجح تم تدميرها من جانب طيران التحالف مباشرة بعد وقوعها في يد داعش)، كما استولى التنظيم الإرهابي على عشرات الدبّابات الروسية الصنع من طراز تي- 54، وتي- 55. ويجب ألّا ننسى صواريخ “كاتيوشا” والمدافع والرشاشات الثقيلة التي كانت ضمن الغنائم. واستخدم التنظيم في معاركه مدافع عيار 155 مم الأميركية عند حصار أربيل عام 2014. إلّا أن هذه المدافع أصبحت الهدف الأول لقوات التحالف، وتم تدميرها في عملية “الإرادة الصلبة”.

 

لعبت البنية المركزية الشبكية للمجموعات الجهادية كداعش وجبهة النصرة، وكذلك نظام القيادة اللامركزي دورًا في جعل الصراع صعبًا، وأطال أمد أي نوع من المواجهة العسكرية معها. على سبيل المثال، لا تؤثر الخسائر التي تصيب إحدى مجموعات داعش في قدرة الإسلاميين على مواصلة العمليات العسكرية النشطة والناجحة.

 

أمّا حول العملية التي يقوم بها التحالف الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة؛ فتفيد التقارير أن طائراته نفذت أكثر من 60 ألف طلعة بين آب/ أغسطس 2014 وتشرين الأوّل/ أكتوبر 2015، تمثلت في 7323 عملية ضربة جوية كان نصيب الأراضي السورية منها 2622 ضربة. وفي النتيجة تمكنت القوات العراقية الحكومية وقوات البيشمركة الكردية من إضعاف الاندفاعة الهجومية لداعش في العراق. ولكن الضربات الجوية للتحالف لم تتمكن من كسر حدة ضغط مقاتلي الدولة الإسلامية التي تمكّنت في أيار/ مايو 2015 من السيطرة على معظم محافظة الأنبار ومركزها مدينة الرمادي. وأدارت القوات الحكومية، مدعومة بالقوات الكردية وميليشيات شيعية، معركة استعادة المدينة، كما حدث في غيرها من المدن والمناطق المأهولة في شمالي العراق. وبعد بدء العملية الروسية في سورية، انضمّت كتائب من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب القوات العراقية.

 

وفقًا لمعلومات القيادة المركزية لجيش الولايات المتحدة، حتى تشرين أول/ أكتوبر 2015، تمكنت الطائرات متعددة الجنسية من تدمير 126 دبابة و354 مدرعة و561 معسكرًا، بإجماليّ مبانٍ تقارب نحو 4 آلاف مبنى و232 منشأة نفطية، حيث كان إجماليّ الأهداف 13781 هدفًا. وعلى الرغم من كثافة القصف إلا أنه لم يخفّض نشاط الإسلاميين وحركتهم، على الرغم من تمكن القوات العراقية والكردية حتى صيف 2015، من تثبيت خطوط الجبهات. كانت الهجمات الجوية الأميركية بالغة الأهمية لدعم عمليات المقاتلين الأكراد ضد داعش في العراق وسورية، في مناطق أربيل، كركوك، وكوباني خاصة. وأظهرت عملية “الإرادة الصلبة” التفوق التقني الكبير (مقارنة بالعملية الروسية التي تلت في سورية)، ونفذت أغلبية الطلعات الجوية باستخدام الأسلحة الموجهة والبالغة الدقة، وكذلك أحدث وسائل الاتصال والتوجيه والاستطلاع، إلى جانب إدخال صواريخ “توماهوك”، وبقية الترسانة الحربية.

 

ووفقًا للقيادة المركزية الوسطى للجيش الأميركي، فإن القوات الجويّة العراقية قد تمكنت من زيادة فعاليتها بعد تزويد روسيا العراق بطائرات اعتاد عليها الطيارون العراقيّون من طراز ميغ 25 (15 طائرة) و12 من طائرات الهليكوبتر مي 35 إم، و40 هليكوبتر من طراز مي 28 إن إيه. وفي إطار اتفاقات توريد الأسلحة إلى العراق بقيمة 4.2 مليار دولار، تقوم روسيا بتقديم مقاتلات سوخوي 30، قواعد صواريخ “بانتير” و”إيغلا” وغيرها. هذه العمليات، إضافة إلى الدعم التقني، مكّنت القوات العراقية والكردية من تثبيت خطوط الجبهات، ما ساهم في إعداد الأرضية الملائمة للعلاقات الروسية-العراقية العسكرية والسياسية.

 

ثالثًا: خصائص العملية العسكرية الروسية في سورية

العملية العسكرية الروسية في سورية عملية غير مسبوقة من حيث سعتها، وكذلك من ناحية تطبيق التقنيات الحربية. ولهذا، تظهر شكوك حول إمكانية نجاح الأهداف المعلنة أو المتوقّعة؛ فمن المتعارف عليه أن هذه هي العملية العسكرية الأولى خارج أراضي ما بعد الاتحاد السوفياتي بعد انهياره، إذا لم نضع في الحسبان النزاعات التي وقعت في أراضي الاتحاد السابق، ما يعني أن النشاط العسكري الروسي خارج أراضي روسيا كان، طوال الـ 25 سنة الماضية، محدودًا جدًّا وذا طابع خاص-كالتّصدي للقرصنة البحرية مثلًا. تقتصر العملية السورية حتى الآن على استخدام الطائرات الحربية والهيلوكوبترات. وكانت المرة الأخيرة التي شارك فيها الطيارون الروس في الشرق الأوسط في السبعينيات من القرن الماضي خلال حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل في منطقة قناة السويس.

 

مشاركة الخبراء الروس إلى جانب سورية عام 1982، في العمليات الحربية في وادي البقاع اللبناني كان لها طابعٌ محليّ، وكانت مشاركة السوفيات في الأغلب في سلاح مضادات الطيران؛ حيث أرسل إلى سورية لواء صواريخ مضادة للطائرات إس 200 في عامي 1983 و1984، ليقوما بتأمين الدفاع الجوي لسورية، بعد تدمير سلاح الطيران السوري عام 1982، من جانب إسرائيل.
إذًا، فالعملية الروسية الحالية هي الأولى منذ 40 عامًا، التي تجري على بعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي الروسية. ولكنّها عملية جوية-بحرية في آن واحد. في المرحلة الأولى، تمت عمليات نقل التقنيات العسكرية، الذخائر، الوقود، وكذلك العناصر من موانئ البحر الأسود إلى سورية. واستخدمت فيها سفن أسطول البحر الأسود (بما فيها سفن الإنزال وناقلات بحرية وكذلك سفن الإسناد)، إلى جانب سفن أسطول بحر الشمال والبلطيق. ولكن بعد أسبوعين على بدء العمليات منتصف أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، مع تزايد كميات إمداد المجوعة القتالية الروسية في سورية وتزايد إمدادات الأسلحة والذخائر لسورية، بدأت السفن التجارية أيضًا بالانضمام إلى سفن النقل الحربية. حتى إنّه تم استئجار سفن نقل تجارية تركية خاصة لهذا الغرض.

 

كانت عمليات نقل العتاد الحربي عبر المضائق البحرية التركية التي تخضع للرقابة المستمرة والدقيقة من جانب الجانب التركي، تتمّ بحماية السفن القتالية الروسيّة في البحر المتوسط. ومع احتدام العمليات القتالية الجوية وأعمال تأمين منطقة اللاذقية بريًّا اقتربت القوة الرئيسة للسفن الروسية إلى المنطقة، وعلى رأسها المدمرة حاملة الصواريخ “موسكوفا” من أسطول البحر الأسود والتي تحمل نسخة صواريخ إس 300 ف البحرية. وهذه السفينة قادرة على تأمين الدفاع الجوي لمطار “حميميم” في منطقة اللاذقية، حيث تتم عمليات تمركز القوة الروسية الجوية ونقل المعدات، ولإظهار النيات، أجرت السفن الحربية الروسية، بعد بدء العملية مباشرة، مناورات إطلاق صواريخ من ضمنها عمليات متزامنة من البر والبحر قبالة الشواطئ السورية. وبهذا تكون روسيا عمليًّا قد أنشأت منطقة حظر طيران خاصة بها، تمنع تحليق طيران أي طرف ثالث.

 

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل دخلت الصواريخ المجنّحة3М14 كاليبر “التي أطلقتها سفن بحر قزوين على الخط، ما شكل نقطة فارقة في العملية الروسية. وفي مرحلة ما قد يتم إطلاق الصواريخ من السفن العائمة، ومن الغوّاصات ذات الوقود العادي أو العاملة بمحركات نووية. ودور مشاة البحرية في العملية السورية ليس بقليل الشأن أيضًا. وفي الوقت الراهن تتكون قوة مشاة البحرية من كتيبة تكتيكية واحدة معززة بعناصر من الفرقة 108 من أسطول البحر الأسود، والتي شاركت في عملية القرم قبل عام من العملية السورية.

 

بالنسبة إلى المكون الجويّ من العملية الروسية في سورية؛ فإنه يتضمن عاملين متداخلين: طائرات النقل العسكرية والطائرات القتالية. قامت طائرات النقل إليوشن 76 وآن 124 بنقل العناصر والمعدات المختلفة. ونقلت طائرات الهليوكبتر الهجمومية Ми-24П المتعددة الأغراض Ми-17 и Ми-8, ЗРПК إلى مطار حميميم، وإلى قاعدة طرطوس البحرية. إضافة إلى طائرات من دون طيّار التي تستخدم لأغراض الاستطلاع. وركزت مواقع مدفعية لحماية مراكز الانتشار الروسي كمرحلة أولية. وعبرت طائرات الشحن الأجواء الايرانية والعراقية على ارتفاعات عالية تجنبًا للمضادات الأرضية المحتملة، ووصلت سورية (مطار حميميم) عبر إيران والعراق طائرات إليوشن 22 المكلفة بالاستطلاع الإلكتروني إلى جانب الطائرات المقاتلة. وبلغت القوة الجوية الروسية التي تم تشكيلها قبل بدء العملية قرابة 12 قاذفة سوخوي 24 إم، و12 طائرة قتالية سوخوي 25 سي إم، 6 قاذفات سوخوي 34، 4 قاذفات ثقيلة سوخوي 30 إس إم. عدا ذلك، ضمت الوحدة نحو 15 هيليوكبتر هجومية Ми-24П ومتعددة المهام Ми-17 и Ми-8 والمخصصة للنقل وللبحث عن الطيارين المفقودين. بداية، اقتصر تعداد الأفراد على العدد اللازم من مشاة البحرية لحماية الطائرات الحربية والتموين، إضافة إلى عناصر منظومات الدفاع الجوي. إلى جانب مشاة البحرية تكفلت وحدات أخرى من الفرقة المظلية الجبلية السابعة، والقوات الخاصة، ووحدات القوات الصاروخية، والدفاع الجوي. ومع تطور العملية تزايد تعداد القوات البريّة الروسية على الرغم من تصريح بوتين بأن القوات البرية لن تشارك في الأعمال القتالية.

 

وكانت الصفة الأبرز للعملية الروسية في سورية هي المفاجأة الإستراتيجية، والمحافظة على المبادرة الدبلوماسية الروسية عمومًا؛ فقد تمكن الكرملين للمرة الثانية من مفاجأة خصومه في الولايات المتحدة الأميركية موقِعًا الإرباك في صفوفهم. وتحققت المفاجأة على المستوى التقني، وعلى مستوى الثقافة الإستراتيجية، خاصة على مستوى اتخاذ القرار.

وعلى الرغم من أن هذه الظروف، أمنت شروطًا ملائمة لانطلاق العملية، فإن بعض الأصوات تقول إنّ هذه المفاجأة الإستراتيجية ليست إلّا مغامرة مجنونة على حافة الهاوية. وفي المناسبة هل تتحول مغامرة “الجامبيت السوري” بالنسبة إلى موسكو إلى “أفغانستان ثانية”؟ أم أنها ستكون انتصارًا يجعل ممكنًا الخروج من الأزمة الأوكرانية وتشكيل علاقات جديدة مع الغرب؟ وبالتأكيد، فإن العملية الجوية الروسية إلى جانب قوات الأسد وحلفائه على الأرض ستكون مترافقة مع عمليات سياسية موازية، تتأثر بالعملية العسكرية وبالعكس.

 

رابعًا: النتائج الاولية والآفاق المنظورة

للمرة الأولى تستخدم المقاتلات الثقيلة Су-30СМ وقاذفات Су-34 باستخدام قنابل موجهة КАБ-500 من خلال الأقمار الصناعية، إلى جانب الصواريخ الموجهة Х-25 и Х-29. وبعد مرور أسبوعين تبين أن القوات الجوية الروسية تعاني مشكلاتٍ في السلاح الموجه والدقيق، حيث تكرر ظهور تقارير مرئية تبين غارات قامت بها الطائرات الروسية الأحدث بضربات على أهداف باستخدام قنابل حرة السقوط أنتجت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

 

 خامسًا: خلاصة

  • إذا تمكنت القوات السورية بدعم من الحملة العسكرية الروسية من إعادة السيطرة على طريق دمشق-حلب وإغلاق الحدود التركية-السورية؛ فإن روسيا تكون قد استعرضت قدرتها على التخطيط للعمل خارج أراضي ما بعد الاتحاد السوفياتي. وستقوم بعدها بإقامة قواعد برية وبحرية وجوية في سورية، ما يعزّز الوجود الروسيّ في المنطقة وسيجعل من روسيا لاعبًا لا يمكن القيام بأي حلول في سورية والعراق، من دون أخذ مصالحه في الحسبان.
  • أما إذا استخدمت روسيا “الجامبيت السوري” لغرض تشتيت الانتباه عن أوكرانيا، أو إجبار الغرب على الموافقة على علاقات من نوع جديد مع روسيا؛ فإنه ليس من المستبعد أن يؤدي الأمر إلى نتائج عكسية، لأن نجاح روسيا في حملتها على سورية سيولد في الغرب عدم الارتياح تجاه الأعمال الروسية، وبصورة خاصة تجاه تصرفات بوتين، ما سيلعب دورًا كبيرًا في تدهور آخر للعلاقات الروسية مع الغرب.
  • إذا امتدت الحملة العسكرية على سورية فترة طويلة، أو إذا أخفقت؛ فإن تفاقم الأمور بين الغرب وروسيا سيكون حتميًّا، ولكن لأسباب مختلفة. وكما يخشى كثير من المتابعين في روسيا من أن الغرب في هذه الحالة سيحاول الحفاظ على المبادرة الإستراتيجية، وسيستمر في الضغط على المجال ما بعد السوفياتي لروسيا، وعلى الساحة الروسية الداخلية.

 

ولهذا، فإن “الجامبيت السوري” الذي أقدمت روسيا على خوضه، يمكن أن يتحول الى “تسوغ تسفانغ” من المراوحة العسكرية-السياسية. ويحول من دون الوصول إلى هذه الحالة فحسب، إذا ما توصلت واشنطن وموسكو مع حلفائهما في المنطقة إلى حل وسط في التسوية السياسية، بما في ذلك الإبقاء على بشار الأسد في السلطة لفترة انتقالية، يتبعها تشكيل سلطة ائتلافية جديدة.

ولكن هل هذا ممكن؟ هذا ما ستظهره تطورات العمليات في النزاع السوري وما حوله.