اسم المقالة الأصلي (بالإنكليزية) Obama’s Foreign Policy: A Hostage to Bipartisan Consensus
الكاتب جيمس كاردن James Carden
مكان وتاريخ النشر The Nation

26 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016

رابط المقالة https://www.thenation.com/article/obamas-foreign-policy-a-hostage-to-bipartisan-consensus/
المترجم  أنس عيسى

 

 

ربّما انتقد “قواعد لعبة واشنطن” لكنّه لم يستطع تجاوز عقيدة واشنطن التدخّليّة.     

 

يبدو جليًّا، بينما نقترب من الأشهر الأخيرة من فترة رئاسة أوباما، أنّ “التغيير” في السياسة الخارجيّة، والذي وعد المرشّح للانتخابات الرئاسيّة أوباما، النّاخبين به لم يتحقّق؛ حيث تُركت جميع تعهداته بإنهاء الحرب في العراق، والسعي نحو عالم خال من السلاح النووي، وتحسين العلاقات مع روسيا، ولعب دور وسيط نزيه بين إسرائيل وفلسطين، وتحسين العلاقات مع العالم العربي من دون تحقيق.  ويعدّ كَون خليفته المحتملة، وزيرة الخارجيّة السابقة هيلاري كلينتون، أكثر يمينيّة من الرئيس في قضايا الأمن القومي، بطريقةٍ ما، نصبًا مهمًّا لبدء مرحلةٍ من الاحتمالات المتباعدة.

 

حتّى تاريخ كتابة هذه السطور، كان قد تمّ نشر 5.000 جندي في العراق ونحو 10.000 في أفغانستان، ويتماشى نشر الجنود ذاك بالتوازي مع التدخّلات المغلوطة والخطِرة في سورية وليبيا، إضافة إلى حرب جويّة ذات نتائج عكسيّة، تمتدّ من المغرب وشبه الجزيرة العربيّة إلى جبال وسهول آسيا الوسطى. قامت إدارة أوباما، وبصورةٍ تدعو إلى القلق، بإضفاء مسحة من القانونيّة على تلك المغامرات العسكريّة، وذلك عن طريق استخلاص المبرّرات لها من “الإذن باستخدام القوّة العسكريّة”، والذي أقرّه الكونغرس بتاريخ 14 أيلول/ سبتمبر 2001، وترتكز تلك التدخلات على 2.1 مليون عسكري سواء في الخدمة الفعلية أم في الاحتياط، من بينهم 200.000 عسكري متمركزين خارج البلاد بتكلفة سنويّة قدرها 600 مليار دولار أميركي، وتشير بعض التقديرات إلى أنّ الجيش الأميركي يقوم، الآن، بعمليّات في أكثر من 160 دولة.

 

وفي هذه الأثناء، وإضافة إلى خوضها لحرب باردة جديدة وأشدّ خطورة مع روسيا، قامت الإدارة –والتي ترى في منطقة بحر الصين الجنوبيّة مصلحة قوميّة جوهريّة- بإطلاق ما يسمّى “محور آسيا” والذي يحوّل سياسة الولايات المتّحدة تجاه الصين من سياسة مبنيّة، بشكل واسع، على مصالح تجاريّة مشتركة، إلى أخرى هدفها احتواء نهوض الصين، لذلك كانت رحلة الرئيس، والتي رافقتها تغطية إعلاميّة كثيفة، إلى جنوب شرقي آسيا مؤشّرًا جيّدًا على نيّة واشنطن إحاطة الصين وعزلها، عن طريق الترويج وجذب الاهتمام إلى دول أخرى كفيتنام.

 

كان من المفترض، على نطاق واسع، أن يقوم أوباما بإصلاح ما خلّفته سنوات بوش وتخليص الجسم السياسي من أوهام السيطرة. لكن عوضًا عن ذلك، وفي نهاية فترتي حكمه، أضحى التقارب بين المحافظين الجدد والمؤمنين بمبادئ الويلسونيّة التدخّليّة في السياسة الخارجيّة، صلبًا وعقائديًّا، لا دليل أشدّ وضوحًا على ذلك من حقيقة تحوّل المحافظين الجدد، والذين كانوا من المحرّضين والمدافعين عن سياسة جورج دبليو بوش الخارجيّة، إلى أشدّ الداعمين المخلصين لهيلاري كلينتون، فقد صرّح كلٌّ من روبرت كاغان، وماكس بوت وإليوت كوهين عن تفضيلهم كلينتون في مواجهة المرشّح الجمهوري دونالد ترامب.

 

لكنّ ذلك أقلّ مفاجئة مما يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى، ففي نهاية الأمر يُعدّ المحافظون الجدد وأصحاب النظرة الويلسونيّة، كما في الماركسيّة، غائيّين: فالتاريخ، بالنسبة إليهم، له مقاصد ونهايات محدّدة ومعرّفة. كما يعتقد المحافظون الجدد والويلسينيّون (التدخليّون الليبراليّون) أن مسيرة الإنسانيّة في اتّجاه الديمقراطيّة ليست تلوح في الأفق فحسب، إنّما هي قابلة للتحقيق، وفي الإمكان تلخيص عقيدة أميركا في السياسة الخارجيّة بالادّعاء الذي ادّعته مادلين أولبرايت، عندما كانت تشغل منصب وزيرة الخارجيّة خلال حقبة بيل كلينتون الرئاسيّة، بأنّ أميركا هي الأمّة التي لا غنى عنها، لأنّنا نقف شامخين وبشجاعة، ولأنّنا نرى المستقبل البعيد، كما عبّرت سفيرة أوباما في الأمم المتّحدة، سامانتا باور، بصورةٍ جيّدة، عن جزء أساسي من تلك العقيدة عندما كتبت مؤخّرًا: “هذه، وبموضوعيّة، هي المسألة، إنّ مصالحنا القوميّة  تتأثر بازدياد، ليس في ما يحدث بين الدول فحسب، إنّما أيضًا بالكيفيّة التي يتمّ فيها معاملة الناس داخل الدول”.

 

يرتبط تجاهل باور العارض لمبادئ ويستفاليا في عدم التدخل في الشؤون الداخليّة للدول الأخرى، والذي يُعدّ الآن من الضرورات بين التدخليّين من كلا الحزبين، ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بسيطرة عالميّة أميركيّة، والممثّلة في مراجعة إدارة أوباما الرباعيّة (كل أربع سنوات) للدفاع، والصادرة في عام 2010، حيث ورد فيها:

“تبقى الولايات المتّحدة الأمّة الوحيدة التي في استطاعتها التخطيط وتحمّل القيام بعمليّات واسعة النطاق على مسافات ممتدّة. إنّ هذه المرتبة الفريدة تحمّلنا واجب أن نكون حراسًّا ذوي مسؤوليّة للقوّة والتأثير اللذين زودنا التاريخ والإصرار والظروف بهما”.

 

من الواضح أنّ التغيير لم يتحقّق، وعوضًا عن ذلك بقي أوباما عالقًا، بإحكام، في قبضة عقيدة السياسة الخارجيّة، والتي قد رفضها، هو نفسه، والمتمثّلة في قواعد لعبة واشنطن “Washington Playbook”، ويصفها الأكاديمي آندرو باسيفيتش بكونها “العقيدة ذات الطابع الديني التي تنصّ على المحافظة على صدارة أميركا للعالم، وذلك بصرف النظر عن الطريقة التي يتغيّر بها العالم أو عن التكاليف”.

لاحظت صحيفة “واشنطن بوست” في أواخر شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر بأنّه بينما “يعدّ من غير المألوف أن تقوم مؤسسة واشنطن بإطلاق دراسات ضخمة في الأشهر الأخيرة للإدارة”، فإنّ غزارة التوصيات الآتية من المؤسسات البحثيّة والفكريّة في واشنطن كالمركز الأميركي للتقدّم “تعكس إجماعًا بين نخبة السياسة الخارجيّة الأميركيّة”. ولربّما سيكون السؤال الذي سيحيّر المؤرّخين المستقبليّين عندما سيقومون باستعراض سجلّ سنوات أوباما هو التالي: كيف كان في استطاعة رئيس وعد، بكلّ لباقةٍ وفصاحة، أن يجري قطيعةً مع الماضي، وأن يصبح أسيرًا للعقيدة المغلقة والسائدة، والتي تدعو إلى ما يبدو أن يكون، تدخّلات خارجيّة غير منتهية؟

 

في الوقت الذي أصبح فيه من الصعب، وبشكلٍ متزايد، نكران حقيقة أنّ غزو العراق في عام 2003 كان فشلًا ذريعًا، حاول جورج دبليو بوش تبرير سياسات إدارته عن طريق استخدام اللغة الخاصّة بالويلسونيّين، كمحاولة لجعل تصرفاته سائغةً عند أصحاب الرأي المحترم، حيث كان قد أعلن في خطابه الافتتاحي الثاني: “إن سياسة الولايات المتّحدة تنصّ على البحث عن دعم نمو الحركات الديمقراطيّة والمؤسسات في كلّ بلد وحضارة، وذلك خدمةً لهدفنا الأبعد في إنهاء الاستبداد في العالم”.  قام بوش، بتوظيفه تلك اللغة، بإيضاح طريق التقارب بين أيديولوجيّات المحافظين الجدد والويلسونيّين، ما قاد السياسة الخارجيّة الأميركيّة إلى التجمّد في عقيدةٍ مغلقة، والارتهان لها.

 

تستند تلك العقيدة إلى ما وصفه المؤرّخ ويليام أبلمان ويليامز بـ “مناخ الافتراض”، وتمّ تشكيل ذلك المناخ السائد بوساطة ديناميكيّة “الداخل-الخارج”، والتي تقوم بوساطتها “الرواية” التي تعرف أيّ أزمة ما باستهداف “الداخل” بوساطة موظفي الإدارة والسفراء الحاليّين، ويتم تعزيزها بـ “الخارج” بوساطة مؤسّسات الإعلام، الأمر الذي سيرقى، عند كلّ حالة، إلى عمليّة وضع جدول أعمال استباقي. ففي حالة السياسة المتعلّقة بسورية وليبيا روسيا، قامت ديناميكيّة “الداخل والخارج” بتشكيل قصّة تهدف إلى نزع الشرعيّة عن الأنظمة المعنيّة، وذلك بهدف تجنّب الحاجة إلى إدراك الفروق البسيطة، ومنع ظهور أيّ نتائج أخلاقيّة أو غير مباشرة أو واقعيّة لأيّ قرار مرتبط بسياسة معطاة. لذلك فإنّه من الصعب جدًّا، حتّى بالنسبة إلى رئيس تنفيذي يمتلك مواهب أوباما الواضحة، أن ينطلق من تلك العقيدة، وذلك بسبب الطريقة التي تضيّق بها طيف الخيارات السياسيّة المقبولة.

 

* * *

 

إنّ قرار إدارة أوباما غير المنتج للتدخّل في سورية، ينبع من فهمها للربيع العربي، والمصبوغ بآراء المطّلعين من الإدارة، وبآراء مؤسسة الإعلام، على أنّه سلسلة من الحركات الشعبيّة السلميّة والمناصرة للديمقراطيّة، وقد تمّ الحكم بأحقيّة تلك الحركات في الحصول على دعم الولايات المتّحدة لأنّ، وبحسب النظريّة الديمقراطيّة السلميّة (إحدى الركائز الرئيسيّة لأيديولوجيّات المحافظين الجدد/ الويلسونيّين)، نشر الديمقراطيّة يُصبّ، في الواقع، في خانة المصالح الأميركيّة؛ كما تقول الحجة التي غالبًا ما يتمّ ذكرها: الديمقراطيّات لا تخوض حروبًا ضدّ بعضها.

 

لقد أعطت التظاهرات التي عكّرت صفو سورية، وبكلّ تأكيد، في ربيع عام 2011، الصوت لكثير من فئات الشعب التي كان لها شكاوى مشروعة ضدّ نظام الأسد، ولكن هل كان ذلك يعني بالضرورة أنّ إطاحة حكومة البلد العلمانيّة تخدم المصالح القوميّة للولايات المتّحدة، أو مصالح الأغلبيّة العظمى من السوريّين؟ يبدو أنّه لم يتم طرح ذلك السؤال على الإطلاق، وذلك لأنّ عقيدة السياسة الخارجيّة قد حكمت عليه بالحظر. وتمّ إعداد الرواية السوريّة في وقت مبكّر: بشار الأسد، هو عائق في وجه إحلال الديمقراطيّة وقاتل لشعبه، “يجب أن يرحل”.

 

تعطي رواية عدم شرعيّة النظام، حالما يتم تثبيتها وإقرارها، السماح بالقيام بكلّ شيء، بصرف النظر عن قانونيّة السياسة المُختارة أو أخلاقيّتها؛ شاهدوا كيف قام مدير وكالة الاستخبارات السابق (سي.آي.إي) ديفيد بيتروس بدعوة واشنطن التحالف مع عناصر القاعدة في سورية، أو كيف موّلت حكومة الولايات المتّحدة حركة نور الدين الزنكي، والتي قامت بقطع رأس طفل ذي 12 عامًا في تمّوز/ يوليو، إضافة إلى عن برنامج التدريب والتسليح، لوكالة الاستخبارات المركزيّة، غير القانوني وغير الفعّال، والذي لم يؤدِّ إلّا إلى إطالة أمد النزاع السوري.

 

تمّ استخدام الديناميكيّة ذاتها خلال الأزمة الليبيّة: حيثُ قام الرئيس بالتصريح مبكّرًا –منقادًا وراء إشاعات دائرةٍ كحقائق في مؤسسة الإعلام بأنّ الديكتاتور الليبي معمّر القذافي كان على وشك ارتكاب مجزرة ضخمةٍ في معقل الثوّار في بنغازي- بأنّ عليه الرحيل. تمّ تعزيز رواية منع المذبحة وشيكة الحدوث بمجموعة من التقارير الأخباريّة التي تقطع الأنفاس ومن مقالات الرأي، مع ذلك تمّ إثبات حقيقة أنّ الأساس الذي استندت عليه الإدارة في تدخّلها كان وهميًّا؛ فلم يكن يوجد عندها، وكما لا يوجد الآن، أيّ دليل يكشف عن نيّة القذّافي ارتكاب مذبحة إبادة جماعيّة في بنغازي، وقد كان ذلك واضحًا في ذلك الوقت، كما أشار آلان كوبرمان، وهو الأكاديمي في جامعة تكساس، في شهر نيسان/ أبريل 2011، قائلًا: “إنّ أفضل دليل على أنّ القذافي لم يخطّط لإجراء عمليّة إبادة جماعيّة في بنغازي، هو عدم ارتكابه لها في المدن الأخرى التي استعاد السيطرة عليها، سواء بشكلٍ جزئي أم كلّي -بما فيها مدن الزاوية ومصراتة وأجدابيا- والتي يفوق تعداد سكّانها مجتمعةً عدد سكّان بنغازي”.

 

ولكن لا مشكلة في ذلك: فحين تمّ إعداد الرواية، أمْلَت العقيدة التدخّل، على الرغم من حقيقة، كما روتها مجلّة The Rolling Stone في عام 2011، محاولة ابن القذّافي (سيف الإسلام) محاولة ترتيب اتّصال مع هيلاري كلينتون، لاعتقاده بقدرته على إقناع الأميركيّين بعدم التدخّل، ولكن عندما أجرى سيف الإسلام بالاتّصال، رفضت كلينتون التحدّث إليه. تدخّل حلف الناتو في آذار/ مارس 2011، وقُتل القذّافي في تشرين الأوّل/ أكتوبر، تاركًا وراءه فراغًا تمّ ملؤه، منذ ذلك الوقت، بحربٍ أهليّة، وبصعود الدولة الإسلاميّة في العراق والشام.

 

أمّا في حالة روسيا، فقد كانت دعوة الإرادة إطاحة فلاديمير بوتين دعوةً مضمرةً عوضًا عن كونها معلنة، فبعد قرار بوتين التقدّم إلى انتخابات آذار/ مارس 2012، أضحى هدف عزل روسيا، مع التركيز على تغيير النظام فيها، سياسة الولايات المتّحدة الافتراضيّة. وفي الواقع، في آذار/ مارس 2011، كتب السياسي الروسي بوريس نيمتسوف أنّ جورج بايدن، نائب الرئيس، قد أخبر تجمّعًا لشخصيّات المعارضة في موسكو بأنّه لو كان بوتين، “لما كان رشّح نفسه ليصبح رئيسًا؛ لأنّ ذلك سيكون سيّئًا للبلاد ولنفسه أيضًا”.

 

وبعد ذلك، تمّ إعداد الرواية: كان من المقرّر معاملة بوتين، العائد لفترة رئاسيّة ثالثة في الكرملين، كعائق تجب إزالته. ولإثبات ذلك؛ فلا يجب على الشخص النظر أبعد من رسالة إلكترونيّة موجّهة من هيلاري كلينتون، والتي كانت حينذاك وزيرة للخارجيّة، إلى مساعد سابق في شباط/ فبراير 2012، بأنّها كانت سعيدة لرؤية المساعد يتوجّه إلى البيت الأبيض “لتخطيط إستراتيجيّتنا وتنفيذها في روسيا ما بعد بوتين”.

 

حصد الدفع، بواسطة أصوات داخليّة وخارجيّة، في اتجاه وسم روسيا-بوتين بدولة خارجة عن القانون، أغلى ثماره في شتاء عام 2013-2014، مع بدء ثورة الميدان في أوكرانيا، لنتذكّر بأنّ السبب الأساس في التصدّع بين المتظاهرين والحكومة الأوكرانيّة كان فشل الأخيرة في توقيع اتّفاق شراكة مع الاتّحاد الأوروبّي، وفي الوقت الذي لم تكن فيه المصالح القوميّة للولايات المتّحدة مهدّدة حتى ولو عن بُعد، كان ذلك خارجًا عن الموضوع؛ حيثُ تضمّنت تلك الاتّفاقيّة بنودًا تجاريّة وأمنيّة كانت كفيلة بجرّ أوكرانيا، فعليًّا، خارج إطار النفوذ الروسيّ التقليديّ، وتمّ إكمالُها بغضّ النظر عن النتائج: إطاحة الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا، وحرب أهليّة قتلت ما يقارب الـ 10.000 شخص. بحلول نهاية عام 2015، كانت الولايات المتّحدة قد زوّدت أوكرانيا بمبلغ 2 مليار دولار أميركيّ كقروضٍ مضمونة، ومبلغ 760 مليون دولار كمساعدات أمنيّة، شكّل جميع ذلك جزءًا من حرب باردة جديدة، عالية التكلفة وغير ضروريّة، مع روسيا، والتي قد يُنظر إليها، يومًا ما، كالإرث الأساس الذي خلّفته سياسة أوباما الخارجيّة وراؤها.

 

* * *

 

إضافة إلى ديناميكيّة “الداخل والخارج” بين الإدارة ومؤسسة الإعلام، قامت المراكز البحثّية والفكريّة في واشنطن، إضافةً إلى المنظمات غير الحكوميّة بلعب دور داعم لعقيدة السياسة الخارجيّة المذكورة أعلاه، والتي أصبحت مسموعةً، بازدياد، على طول امتداد إدارة أوباما. فبينما تدّعي الحياديّة، تقوم تشكيلات كمركز الأمن الأميركي الجديد CNAS، ومؤسسة بروكينغز، في الحقيقة، بتبييض مقترحات سياسة المحافظين الجدد بإلباسها ثوب لغة الويلسونيّين الناعم والمستساغ؛ فخلال السنوات القليلة الماضية فقط، لعبت المؤسسات الفكريّة والبحثيّة دور الحاضن والبطل في سياسات كتسليح أوكرانيا وإطاحة الحكومة في سورية. غالبًا ما تتأثّر تلك المنظّمات بشدّة بمموّليها، فعلى سبيل المثال، بعد أن قبلت مؤسسة بروكينغز مبلغ 14.8 مليون دولار أميركي من حكومة قطر –والتي كانت قد موّلت جماعات سلفيّة إرهابيّة كجبهة النصرة في سورية (فتح الشام- حاليًّا) – قامت تلك المؤسسة الفكريّة بنشر مقال رأي يدافع عن الجماعة السنيّة السوريّة المتطرّفة “أحرار الشام”، مقدّمة حججًا ضدّ “وسمها بالمنظّمة الإرهابيّة”. وكما قام المحللون المرتبطون ببروكينغز وبمركزها في قطر –والذي يترأسه تشاركيًّا الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء السابق وعضو العائلة الحاكمة القطريّة- بتكرار شكواهم من عدم قيام إدارة أوباما بما هو كاف لدعم المعارضة المعتدلة في سورية. ولكنّ غيرد مولر، وزير التنمية الدوليّة الألماني، كان قد أخبر صحيفة “التليغراف” في عام 2014: “عليكم أن تسألوا من يسلّح ومن يموّل الفرق العسكريّة (للدولة الإسلاميّة في العراق والشام)، الكلمة المفتاحيّة هنا هي قطر”. في الواقع، بدا واضحًا أخيرًا، أنّ هيلاري كلينتون تشارك مولر مخاوفه، فقد قالت في رسالة بريد إلكتروني، تعود إلى آب/ أغسطس 2014، أُرسلت إلى جون بوديستا أنّ حكومات السعوديّة وقطر “تقدّم دعمًا ماليًّا ولوجستيًّا خفيًّا للدولة الإسلاميّة في العراق والمشرق، وللجماعات السنيّة المتطرّفة الأخرى في المنطقة”.

 

في حزيران/ يونيو، وبينما كان، تولسي غابارد، ممثّل الحزب الديمقراطي و “المحارب القديم”، يطرح مشروع قانون لوقف تمويل برنامج وكالة الاستخبارات المركزيّة للتدريب والتسليح في سورية، قام شادي حميد، الزميل الفخري في بروكينغز، بالذكر في موقع تويتر بأنّ “تولسي غابارد قد يكون واحدًا من أسوأ وأقلّ المفكّرين معرفة بأمور السياسة الخارجيّة في الحزب الديمقراطي، فهو لا يمتلك أفكار سيّئة فحسب، بل خطِرةً أيضًا”. ثمّ تابع حميد بعدها قائلًا: “لدى الانعزاليّين اليساريّين الجدد (غابارد) واليمين المتطرّف (ترامب) الآراء نفسها تفريبًا عن أنّ بوتين، في الحقيقة، ليس سيّئًا جدًّا؛ فهو يستطيع المساعدة ضدّ الدولة الإسلاميّة في العراق والشام!” كان حميد، بتشويهه سمعة غابارد، يردد صدى مشاعر زميله في قطر، تشارلز ليستر، والذي كان مسبقًا قد اتّهم غابارد بكونه “كبير مدافعي الحزب الديمقراطي عن بشار الأسد”. إنّ الزميلين في بروكينغز، حميد وليستر، يقوما بدورهما كمدافعين عن عقيدة السياسة الخارجيّة بشكل جدّي، ولكن من الممكن لهما، إن نجح غابارد بتمرير قانونه، أن يعانيا من انتكاسة جدّية لأهدافهما.

 

إضافة إلى الترويج والدعوة لتدخّل أكبر في سورية، حاول حميد تبييض صفحة تدخّل الإدارة الكارثي في ليبيا، وذلك على الرغم من قيام الرئيس أوباما بالاعتراف بأنّه كان “أسوأ أخطائه” ولكنّ حميد يدّعي أنّه كان تدخّلًا “ناجحًا،” معلّلًا ذلك بقوله: “إنّ حال البلد اليوم هي أفضل ممّا كان ممكنًا أن تكون عليه لو سمح المجتمع الدولي للديكتاتور معمّر القذّافي أنّ يتابع سلوكه العنيف عبر البلاد”. وكأنّ الحرب الأهليّة التي تدمّر البلاد منذ خمس سنوات لا تُعدّ ذات أهميّة.

 

إضافة إلى إنتاجها مقالات رأي ذات قيمة مشكوك فيها، تقوم المؤسسات البحثيّة والفكريّة بالتأثير في “مناخ الافتراض” عن طريق نشرها تقارير خاصّة من المُفترض أن تساعد كأدوات توجيهيّة لصانعي السياسة. في الحقيقة، يٌعدّ التشابه الحاصل، في بعض الأوقات، بين المذكّرات الحكوميّة وأدبيّات مراكز الأبحاث خارقًا لقوانين الطبيعة، وتلك كانت الحالة في حزيران/ يونيو الماضي، عندما شعر مدير مركز CNAS للشرق الأوسط “إيلان غولدنبرغ” بالسعادة للإشارة إلى “نقاط التشابه” العديدة بين ما ذكرته قناة صقور وزارة الخارجيّة المتشدّدة عن سورية، وتقرير أعدّه مركز “CNAS” بعنوان: “هزيمة الدولة الإسلاميّة: من القاع إلى القمّة”، حيث دعا كلاهما، من دون الحاجة لذكر ذلك، إلى انغماس أكبر للولايات المتّحدة في الحرب الأهليّة السوريّة. كما قام مركز CNAS، وعلى امتداد العام الماضي، بنشر عدّة تقارير مهمّة تؤيّد، فيما تؤيّده، إلى استعمال الطيران الحربي من دون طيّار بشكلٍ أوسع (الوعد بأنظمة غير مزوّدة بالعنصر البشري في منطقة آسيا والمحيط الهادي)، وإلى زيادة الإنفاق العسكري والالتزامات في البلدان الأجنبيّة (توسيع القوّة الأميركيّة: إستراتيجيّات لنشر تدخّلات الولايات المتّحدة في ظلّ النظام العالمي الجديد والتنافسي)،  وإلى التسليح المباشر للمعارضة السوريّة (من القاع إلى القمّة: إستراتيجيّة للدعم العسكري الأميركي للمعارضة السوريّة المسلّحة)، وأيضًا زيادة الإنفاق العسكريّ بشكل أكبر (في الوقت الذي نستطيع: إيقاف تأكّل قوّة أميركا العسكريّة). وحتّى إنّ المركز ذا الاتّجاه وسط-اليسار الواضح، “مركز التقدّم الأميركي”، قد كشف أخيرًا عن تقرير يدفع بقوّة باتّجاه فرض منطقة حظر طيران فوق سورية، الخطوة التي اعترفت هيلاري كلينتون، ولو كان وراء الأبواب الموصدة، أنّها تحمل خطر إمكانيّة قيام حرب أوسع وأنّها قد تؤدّي إلى “قتل كثير من السوريّين”.

 

في هذه الأثناء، قام المجلس الأطلسي، والمموّل جزئيًّا من حكومة الولايات المتّحدة، ومن حلف الناتو بإطلاق عدد من المقالات والتقارير التي تحثّ على فعل أكبر في أوكرانيا، ففي شباط/ فبراير عام 2015، وبالشراكة مع بروكينغز ومجلس شيكاغو للشؤون الدوليّة، قام المجلس الأطلسي بإطلاق دراسة: “المحافظة على استقلال أوكرانيا، ومقاومة الاعتداء الروسي: ما الذي يجب على الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي أن يفعلاه؟”، ما دفع الإدارة إلى تسليح كييف.

 

وكما انتقل المجلس الأطلسي، خلال السنوات القليلة الماضية، من تبنّي سياسة عابرة للأطلسي معقولة ورزينة إلى إنتاج أكثر عيّنات بروباغندا الحرب الباردة الجديدة عنفًا، وتحتوي تقارير -كـ “انتهاكات حقوق الإنسان في جزيرة القرم المحتلّة روسيًّا” المنشور في شهر آب/ أغسطس 2015، وكـ “الاختبار على مرأى من الجميع: حرب بوتين في أوكرانيا” المنشور في شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر 2015 و”التسليح بهدف الردع” المنشور في شهر تموز/ يوليو 2016-  أمثلة عن منتجاته المذهلة والمتعلّقة بالأزمة بين روسيا وأوكرانيا. وعلى نحوٍ غير مفاجئ، وإضافة إلى حلف الناتو وحكومة الولايات المتّحدة، قام مجلس الأطلسي بإدراج المؤتمر الأوكراني العالمي، والأوكراني الأقلّوي فيكتور بينشوك، والحكومة الليتوانيّة والسفارة اللاتفيّة إلى قائمة مموّليه الكثر.

 

هنالك أيضًا تواطؤ بين المنظّمات الخاصّة غير الحكوميّة وتلك الوكالات التابعة لحكومة الولايات المتّحدة، والتي تنشد –وأحيانًا، كما في حالة أوكرانيا، تنجح في هندسة- الحركات الهادفة لتغيير الأنظمة. ويعدّ الأب المُؤسّس لما يمكن أن ندعوها بـ “الأيديولوجيا الإنسانيّة” هو، بكلّ تأكيد، المموّل ومن يدّعي كونه فيلسوفًا سياسيًّا جورج سوروس، والذي يحاول، عن طريق شبكة “منظمة المجتمع المفتوح”، أن يؤثّر ويدعم جماعات المعارضة من المجتمع المدني في بلدان أوروبّا الشرقيّة.

 

قام سوروس بإنتاج عدد من المشابهين له، ولعلّ أكثر الغازين الجدد رمزيّة هو مُوجد موقع EBAY بيير أوميديار، والذي أدّى تدخّله في الانتفاضة الأوكرانيّة إلى إكمال جهد واشنطن، فوفقًا للصحفي مارك إيمس: “قامت الحكومة الأميركيّة –ممثّلةً بالوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة (USAID)- بلعب دورٍ مهمّ في تمويل جماعات المعارضة قبل الثورة”. وكما قال إيمس إنّ نسبةً كبيرةً من تمويل تلك الجماعات أتى من أوميديار.

 

في الواقع، لم يثن أحد على عمل أوميديار أكثر من سامانتا باور، والتي أشارت، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، إلى كونه وريثًا لسوروس، وذلك في خطاب إشادة بـ “محبّي فعل الخير الجدد” والذين يعملون بغية نشر الرؤية التي “قام جورج سوروس بالترويج لها ومدّها بالموارد، وهي: الاقتصاد المفتوح، الحكومات المفتوحة والمجنمعات المفتوحة”. ومن المؤكّد حقيقة قيام منظمة المجتمع المفتوح بأعمال قيّمة في مجالات الصحّة العامّة، وإصلاح المجرمين في ظلّ العدالة، وبشكل خاصّ هنا في داخل الولايات المتّحدة، إلّا أنّ نشاط سوروس في الخارج يُعدّ ذا خصال أقلّ حمادة، حيث تظهر عيّنة مسرّبة من الرسائل الالكترونيّة الخاصّة بـ “المجتمع المفتوح” قيام سوروس المحاولة، وبشكلٍ نشطٍ، تصميم السياسات ما بعد ثورة الميدان في أوكرانيا؛ فخلال اجتماعٍ مع السفير الأميركيّ “جيفري بيات” في آذار/ مارس 2014، حثّ سوروس واشنطن على تزويد “مساعدات احترافيّة في مجال العلاقات العامّة للحكومة الأوكرانية” كما ذكر أيضًا رأيه بأنّ جماعة الفاشيّين الجدد “Right Sector” كانت أكثر بقليل من “خدمة أمن فيديرالي” مموّلة من روسيا بهدف الإخلال باستقرار أوكرانيا.

 

* * *

 

لقد ارتكبت حكومة الولايات المتّحدة، بتنصيبها لنفسها حكمًا عالميًّا للشرعيّة، كثيرًا من السوابق الخطِرة. واليوم، تحتفظ الولايات المتّحدة بحقّ التدخّل في أيّ مكان من العالم، بصرف النظر عن نتائج أو أخلاقيّة أو تكاليف تدخّلاتها، على صعيد الأرواح أو الثروات. ففي الشرق الأوسط، خلقت تدخّلات الولايات المتّحدة الفضاء للدولة الإسلاميّة على أرض العراق، وسورية وليبيا، في الوقت الذي كان فيه حلفاؤنا المزعومين، كالمملكة العربيّة السعوديّة وتركيا وقطر، من بين أشدّ المتبرّعين للدولة الإسلاميّة (داعش)، والجماعات المتطرّفة الدينيّة التي تحمل العقليّة نفسها.

 

وإضافة إلى ما أصبح، بسرعةٍ، هوسًا غريبًا بالرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، أدارت مؤسسة الوزارة الخارجيّة عينها عن الدمار الذي تسبّبت فيه الحرب الأهليّة الأوكرانيّة، وكذلك الأمر عن حقيقة كون العائق الأساس، والذي لربّما لا يٌقهر، لتنفيذ اتّفاق مينسك لوقف إطلاق النار والذي تمّ التوصّل إليه في عام 2014، هو حكومة كييف المدعومة والمموّلة أميركيًّا، والتي تفتخر بكونها من النازيّين الجدد، تمامًا كما فعل المتحدّث باسم برلمانها.

 

في الوقت الذي نقترب فيه من تاريخ الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر، من الواضح أنّ الإدارة تنظر إلى السياسة الخارجيّة كعقيدةٍ إيمانيّة، ولكن لا ينبغي للسياسة الخارجيّة أن تكون شأنًا إيمانيًّا. على الأشخاص التقدميّين، وذوي العقليّات المشابهة لهم من المحافظين المعارضين للتدخّل والتحرريّين أن ينبّهوا الشعب الأميركي إلى خطر وضع كهذا، وعليهم أن يطرحوا بديلًا متماسكًا، وسليمًا وشعبيًّا لتلك العقيدة التي تأسر السياسة الخارجيّة للولايات المتّحدة. قد يتطلّبهم الأمر أن يشكّلوا حركة سلام للقرن الواحد والعشرين، مع حلفاء لهم من داخل جناح السلام في الحزب الديمقراطي. تزيد احتماليّة تولّي عائلة كلينتون مرّة ثانية مهمّات الإدارة، وإن حدث ذلك، فعلى اليسار المسؤول أن يدقّق ويتفحّص دوافعها التدخّليّة، لن يكون فعل ذلك بالأمر السهل، وليس علينا أن نخدع أنفسنا في البحث عن احتماليّة نجاحه.

لكن يجب، لمصلحتنا جميعًا، أن نحاول.