اسم المقالة الأصلي (بالروسية)

Россия и Иран: недоверие в прошлом и сотрудничество в настоящем

الكاتب ديمتري ترينين
مكان وتاريخ النشر مركز كارنيغي/ موسكو

8 أيلول/ سبتمبر 2016

رابط المقالة http://carnegie.ru/2016/09/08/ru-pub-64508
المترجم سمير رمان

 

ديميتري فيتاليفيتش ترينين: عالم روسي في العلوم السياسية، حاليًا مدير مركز كارنيغي في موسكو. خريج أكاديمية لينين العسكرية- السياسية (حاليًا الجامعة العسكرية) في موسكو. دكتوراه في العلوم التاريخية لكندا والولايات المتحدة من أكاديمية الاتحاد السوفياتي، عضو معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن، زميل محرر في مجلة «International Politics»، خبير مستشار لدى مدرسة موسكو للدراسات السياسية.


 

 

المحتويات

 

مقدمة

أوّلًا: أسئلة الماضي

ثانيًّا: أهمية إيران في المنطقة

ثالثًا: القضايا الرئيسة في العلاقات الروسية-الإيرانية

رابعًا: المجمع الصناعي الحربي الروسي: أكبر المستفيدين من العلاقات الروسية-الإيرانية

خامسًا: عدم السماح بالحصول على السلاح النووي

سادسًا: التعاون والتنافس في سورية

سابعًا: العلاقات الروسية-الإيرانية في مناطق أخرى

ثامنًا: مبادئ المرونة

الخاتمة

 

 

مقدمة

يمكن أن يغدو التعاون بين روسيا وإيران قابلًا للحياة، وربّما ناجحًا، بغضّ النظر عن انعدام جذور عميقة له، وعلى الرغم من التاريخ المتوتر وعدم الثقة المتبادل بين الطرفين. وحتى إن استخدام روسيا الموقّت في عام 2016، للقاعدة العسكرية الإيرانية في مدينة همدان للقيام بضربات جوية ضد أهداف تقع على اراضي سورية، يرمز إلى أن العلاقات الروسية-الإيرانية قد دخلت، مبدئيًّا، مرحلة جديدة.

أوّلًا: أسئلة الماضي

كانت إيران طوال القرن التاسع عشر، وبعضًا من القرن العشرين، تحت ضغط من الإمبراطورية الروسية، ومن ثم الاتحاد السوفياتي اللذين وضعا إيران تحت الرقابة، وكانا مؤثّرين على السياسة الإيرانية. وأصبح استعادة السيادة من تحت الهيمنة الأميركية والبريطانية ومواجهة الاتحاد السوفياتي الملحد واحدًا من أسباب الثورة الإيرانية عام 1979، والآن تحولت الدولة العظمى الجارة من دولة مزعجة إلى شريك إستراتيجي مرغوب. فللمرة الاولى منذ عام 1979، تسمح إيران لقوات عسكرية أجنبية الانتشار على أراضيها، وتحوّلت روسيا إلى شريك إستراتيجي مرغوب فيه إيرانيًا.

روسيا التي عادت إلى الشرق الأوسط بعد غياب استمر لمدة 25 عامًا، تدرك بشكل كامل أن إيران تحتل موقعًا مهمًّا في المنطقة، وأنها واحدة من الدول المهمة التي تجاورها من الجنوب. موسكو مستعدة للتعاون مع طهران في طيف واسع من المسائل الثنائية والإقليمية والدولية، بما فيها قضايا التجارة، والطاقة والأمن. ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود كثير من الأهداف المشتركة، وعلى الرغم من أن تعاونهما المتبادل يبدو واعدًا، فإن العلاقات بينهما مازالت هشة بعض الشيء، ويتطلب التباين السياسي الكثير من المقاربات الدقيقة. وهذا بالمناسبة ما أظهره استخدام روسيا للقاعدة الجوية الإيرانية؛ فالطلعات من هناك استمرَّت أسبوعًا واحدًا فقط.

تتطابق الأهداف السياسية الخارجية الروسية والإيرانية في بعض الأمور، وتتباعد في أمور أخرى بحسب قضايا بعينها، وبحسب الأوضاع؛ ففي المباحثات حول البرنامج النووي الإيراني، الذي تم التوصل إلى اتفاق بشأنه عام 2015، وعلى الرغم من المواجهة الناشبة مع الولايات المتحدة، فإن موسكو وقفت في جبهة واحدة مع بقية العواصم. وفي سورية تتصرف روسيا وإيران وكأنهما حليفان عسكريان مقرّبان، ولكن هذا لا يعني أنّ لديهما إستراتيجية سياسية واحدة في هذا البلد. روسيا وإيران تهدفان إلى تحقيق أهداف مختلفة للغاية في منطقة الشرق الأوسط. ولكن على النطاق الأوسع وفي السياق الأورو-آسيوي تريد موسكو أن ترى إيران عضوًا في منظمة شنغهاي للتعاون (منظمة سياسية للدول خارج النطاق الغربي) والتي أسّستها روسيا والصين.

ماذا يقف خلف سياسة موسكو مع إيران؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من فهم الأهداف البعيدة والمهام القريبة التي وضعتها موسكو لنفسها، ولابد من فهم ارتباطها بعلاقاتها مع الدول الاخرى ليس في المنطقة فحسب، بل على المستوى العالمي بشكل عام.

ثانيًّا: أهمية إيران في المنطقة

حتى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، بقيت روسيا وإيران جارتَين عبر بحر قزوين؛ فعلى الجانب الجنوبي من روسيا، حيث تغيّرت الحدود مرات عديدة، وابتلعت دولٌ دولًا أخرى، بقيت إيران كتلة دائمة؛ فتقاليد الدولة فيها تعود الى أكثر من 2500 عام، ولم تتوقف هذه الدولة عن الوجود طوال الفترة كلها. وبغضّ النظر عن السلطة في طهران، كانت روسيا تحتفظ بعلاقات معها.

وإيران اليوم لا تدخل في منطقة النفوذ الروسي ولا البريطاني، كما كان الوضع في القرن التاسع عشر، كما أنّها لم تعد حليفًا صغيرًا للولايات المتحدة الأميركية، مثلما كانت في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. إيران اليوم دولة إقليمية مستقلة، يمتدّ نفوذها من البحر المتوسط غربًا إلى أفغانستان شرقًا، ومن القفقاز شمالًا إلى عدن غربًا. وأظهرت إيران، طوال مواجهتها الولايات المتحدة على مدى عدة عقود، صلابتها تجاه المؤثرات الخارجية. وعلى الرغم من أن أغلبية عربية سنية تسكن الشرق الاوسط، فإن إيران الشيعية تمثل حالة خاصة. والأمر الذي تفهمه موسكو جيدًا، هو أنه من دون موافقة إيران أو من دون مشاركتها؛ فإن الحصول على نتائج مهمة في الشرق الأوسط ليس بالأمر السهل، كما أن التوصّل إلى حلول لكثير من القضايا، سيكون أمرًا غير ممكن.

ثالثًا: القضايا الرئيسة في العلاقات الروسية-الإيرانية

  • عمومًا، تودّ روسيا أن تكون إيران جارًا صديقًا، ومتوقع الأفعال بالنسبة إلى موسكو. وربما كان الكرملين يفضل أن يكون على رأس السلطة في طهران قادة أكثر براغماتية، لكنه من حيث المبدأ مستعدّ للتعاون مع أيّ قيادة إيرانية ما دامت لا تضرّ المصالح الروسيّة.
  • أيديولوجيًّا؛ لدى قادة روسيا وإيران كثير من الرؤى المشتركة؛ فروسيا دولة علمانيّة شمولية، تلعب فيها الكنيسة الأرثوذكسية دور الأخ الأصغر التقليدي للكرملين. أمّا إيران؛ فدولة إسلامية يحكمها رجال الدين. ولدى القيادة وعامة الشعب في البلدين مزاج وطني متأجّج، وذكريات عن الماضي المجيد، وتطلع إلى استرجاع الدولة دورَها على الساحة الدولية، وفي المنطقة.
  • ومن ناحية أخرى فإن إيران وروسيا لا تثقان كثيرًا في بعضهما؛ فالإيرانيون لم ينسوا أن روسيا القيصرية ضمت إلى أراضيها مناطق كانت يوما تحت سلطة الإمبراطورية الفارسية، كما لم ينسَ الإيرانيون أن الاتحاد السوفياتي حاول إقامة جمهورية شعبية في أذربيجان الإيرانية. روسيا في دورها، تتهم الفرس بالتذبذب والدموية، وآخر مثال كان مصير السفارة الروسية التراجيدي برئاسة غريبايديف.
  • تنظر قيادة الجمهورية الاسلامية الإيرانية والقيادة في روسيا الاتحادية بصورة سلبية إلى سياسة الولايات المتحدة الأميركية، التي فرضت عقوبات على كلا البلدين. ويحتل رفض الهيمنة الأميركية موقعًا أساسيًّا في مبادئ السياسة الخارجية لإيران ولروسيا الاتحادية على الساحة الدولية. وفي حين تحاول روسيا على المستوى العالمي، فإن إيران تحاول الحدّ من النفوذ الأميركي على المستوى الاقليمي. ومن هذا المنظور يمكن عدّ موسكو وطهران شريكين إستراتيجيين؛ فهما يعملان بصورة مشتركة على مواجهة النظام العالمي السائد بعد انتهاء الحرب الباردة.
  • إن تطور العلاقات مع إيران، الدولة الاسلامية الكبيرة، يلعب دورًا مهمًّا في تعزيز صورة روسيا تنظر في ودٍّ إلى الاسلام نظرةَ دولة منفتحة على “حوار الحضارات”.
  • مفهوم “حوار الحضارات” نفسه، حاز دعم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، كما اعتمده الكرملين لاحقًا في إطار الصراع، حول عالم متعدِّد الأقطاب. ولهذا التضامن الثقافي جانب براغماتي أيضًا؛ إذ يتذكر الكرملين، أن إيران لم تنتقد روسيا على أفعالها العسكرية في الشيشان، وأنّها في عام 2005، دعمت منحها صفة المراقب في المؤتمر الإسلامي الذي غير اسمه في ما بعد إلى” منظمة التعاون الإسلامي”.
  • تحاول روسيا الحاليّة تمتين العلاقات الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط، شمال أفريقيا وجنوب آسيا من خلال محور شمال- جنوب، وهنا تلعب إيران دور الدولة الترانزيت ذات الأهمية المحوريّة بالنسبة إلى روسيا.
  • وفي القمة الثلاثية التي عقدت في باكو في آب/ أغسطس عام 2016، صرح الرؤساء الثلاثة: بوتين، حسن روحاني وإلهام علييف، أنّهم سيضعون كل جهدهم لتشييد 7200 كم من طريق النقل الذي سيربط البلدان الثلاثة فيما بينها. ترى روسيا في إيران نفسها، التي لديها عدد كبير من السكان، وتتمتع بقدر كبير من الإمكانيات التكنولوجية، وبدرجة عالية من النمو التعليميّ والثقافي، فرصًا اقتصادية كبيرة.

ولكن من الناحية الاقتصادية، فإنّ العلاقات بين البلدين لا تتأثر بها في الدرجة الأولى، بل تتأثر بشكل أكبر بكثير بالجيو-سياسة. ولا يمثل النفط الذي يشكل أهم الصادرات الإيرانية أمرًا مهمًّا لروسيا. ومن جانبهم يفضل الإيرانيّون التكنولوجيا الغربية المتطورة على التكنولوجيا الروسية.

في الوقت الراهن، التبادل التجاري بين البلدين ليس كبيرًا، ولم يتجاوز في عام 2010/2011 حجم 3.5 مليار دولار، وانخفض الى 1.2 مليار دولار عام 2015، بعد انضمام روسيا إلى العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على إيران. والآن، وبعد رفع العقوبات عن إيران، تأمل موسكو في رفع صادراتها إلى إيران.

وفي انتظار تخفيف العقوبات، كانت مباحثات تدور حول صفقات استثمارية محتملة بقيمة تصل الى 40 مليار دولار. بيد أن الوصول إلى هذا المستوى لن يكون بالأمر الهيّن. فبالنسبة إلى موسكو سيكون من الصعب، في ظل الصعوبات المالية التي تمر بها، أن تقدم لطهران قرضًا كبيرًا لتحفيز استيراد طهران للمنتجات الروسية. في صيف 2016، منحت الحكومة الروسية إيران قرضين بقيمة 2.2 مليار يورو، يشكل -في ما يبدو- جزءًا من القرض الموعود البالغ 5 مليارات دولار.

تدرس الشركات الروسية الكبرى إمكانية التعاون مع إيران. وبعد انتهاء أعمال تشييد محطة بوشهر النووية، تأمل شركة “روس آتوم” بالحصول على طلبات إيرانية جديدة لإقامة مفاعلات نووية جديدة. وتحاول كبرى الشركات الروسية النفطية” لويكول” الدخول الى السوق النفط- غازية الإيرانية. ومن ناحية اخرى، يبحث قطاع الصناعات الجوية-الفضائية الروسي، بعد تعافيه من الأزمة العميقة التي عاشها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، عن فرص تصديرية جديدة. ويجب لفت النظر الى أنه بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران يتوجب على الشركات الروسية الدخول في منافسة مع الشركات الأوروبية التي ستعود تدريجيًّا إلى السوق الإيرانية.

في قطاع نقل الطاقة، حيث يمكن لإيران منافسة روسيا، فإن لروسيا نظرة بعيدة المدى؛ فمن المفهوم أن روسيا خسرت من جرّاء تجدد تصدير النفط الإيراني إلى أوروبا -إذ تقلصت حصّتها في السوق- وانخفضت أسعار النفط-، الأمر الذي لم يمنع روسيا من المساهمة والعمل بفاعليّة ضمن مجموعة (5+1) حول برنامج إيران النووي الذي نصّت شروط اتفاقه على رفع العقوبات عن إيران.

وفي آذار/ مارس عام 2016، عندما لم تستجب إيران لدعوات موسكو بخفض إنتاج النفط لدعم أسعاره، فإن موسكو أبدت تفهمها للموقف الإيراني. وفي أيلول/ سبتمبر 2016، صرح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين بأن روسيا تعدّ استعادة إيران لإنتاجها عند مستويات ما قبل العقوبات هو أمر طبيعي. وعندما سيتدفق الغاز الإيراني إلى الأسواق الأوروبية التي تعدّ سوق الغاز الروسي الأول، فإنّ الأمر لن يعجب موسكو، ولكنها ستتعامل مع الأمر في هدوء. فبدلًا من الصراع مع أولئك الذين لا تستطيع مواجهتهم، ستتصرف روسيا برويّة باحثة عن سبل تخفيف الضرر الذي يلحق بمصالحها إلى الحدّ الأدنى الممكن، وستعزّز علاقاتها مع الشركاء الأكثر أهميّةً.

رابعًا: المجمع الصناعي الحربي الروسي: أكبر المستفيدين من العلاقات الروسية-الإيرانية

وحتى بعد الرفع التام للعقوبات الاقتصادية، فإنه لن يكون في إمكان إيران الوصول إلى التقنيات العسكرية والسلاح الغربي. ولهذا فإن تصدير الأسلحة الروسية، يمكن أن تصبح إيران أهم سوق لتصدير السلاح. بداية عام 2016، قامت روسيا بتسليم إيران منصّات الصواريخ المضادة للطائرات إس 300، حيث جمّدت موسكو الصفقة في 2010، في محاولة للضغط على إيران في المفاوضات حول البرنامج النووي. والآن بينما تنظر إيران في مسألة شراء منظومات أكثر تطورًا من S-400، فإن موسكو تصرح أنها لا ترى معوقات أمام تزويد إيران بدباباتТ90 وطائرات قاذفة من طراز Су-30.

 

خامسًا: عدم السماح بالحصول على السلاح النووي

تعترف روسيا بتطلعات إيران لتكون اللاعب الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، ولكنها لا تريد أن تظهر أسلحة نووية لدى إيران. ومنذ البداية، كان موقف موسكو من برنامج إيران النووي مرتبطًا بمصالح روسيا القومية. ولهذا لم يتغير هذا الموقف بعد عام 2014، عندما بدأت المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا. ترى موسكو وجوب التقيد بالاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015، بشأن برنامج إيران النووي -خطة العمل المتكاملة والشاملة-  وفي حال العكس، فإنه سيتحتم على روسيا التعامل مع إيران التي تمتلك السلاح النووي، أو التعامل مع حرب واسعة النطاق تجري على أطراف حدودها الجنوبية. وهذا السيناريو لم يرفع بعد -نهائيًّا- من الأجندات؛ فبعض الشخصيات النافذة في واشنطن، وكذلك بعض القوى الراديكالية (المتطرفة) في طهران، يعلنون رفضهم للاتفاقية. وبذلك فإن تنفيذ الاتفاق يمكن أن يكون موضوع تساؤلات.

على موسكو التي كانت، طوال فترة المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، تنظر بتفهم أكبر من الدول الغربية موقف إيران، وتلعب دورًا مهمًّا في التزام الأطراف تنفيذ بنود الاتفاق. وخاصّة، أن تتولى بنفسها معالجة الوقود المعالج. ولكن إن أدى الاتفاق إلى توتر جديد في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، فإنه سيتوجب على روسيا اتخاذ مواقف ليست بالهينة. ويمكنها أن تلعب دور “الشرطيّ الطيب” أو تلعب دور الوسيط بين طهران والمجتمع الدولي. وفي جميع الأحوال، لن تقف موسكو بشكل أوتوماتيكي إلى جانب الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن برنامج إيران النووي يمكن أن يكون مجال تناقض بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية. وحتى الآن لم تمتد المواجهة بين الدولتين إلى هذا المسار، إلّا أنه في حال استمرار التصاعد الحادّ فإنّ الوضع يمكن أن يتغير.

وعلى الرغم من أن موسكو، كما العواصم الغربية، قلقة من تطوير إيران لأنظمة الصواريخ متوسطة المدى، فإن المسؤولين الروس في الآونة الأخيرة لم يتعرضوا علنًا لهذا الموضوع.

 

سادسًا: التعاون والتنافس في سورية

تُعدّ إيران حليفًا جيو-سياسيًّا ثمينًا لروسيا في كثير من المناطق، بما فيها أفغانستان، سوريّة، وكذلك في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة في الجنوب. وفي سورية، تساند إيران وحركة “حزب الله” اللبناني المرتبطة بهما حكومة دمشق بالقوة العسكرية والتمويل المالي، بينما تساعد روسيا السلطات السورية عن طريق تقديم الطائرات والمدفعية، وتقدم المعلومات الاستخبارية، السلاح، التقنيات القتالية، وكذلك الدعم الدبلوماسي.

ومنذ بدء العملية العسكرية الروسية في أيلول/ سبتمبر 2015، تنسق روسيا عملياتها مع دمشق وطهران، وكذلك تتعاون مع السلطات العراقية الصديقة لطهران، وقد حصلت روسيا من إيران والعراق على الإذن باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات بالصواريخ المجنحة على أهداف في سورية. ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا التنسيق والتعاون لا يقيد حرية العمليات الروسية.

أعلمت موسكو طهران بنيّتها في استخدام القوات في سورية في شهر أيلول/ سبتمبر عام 2015، وكذلك البدء بسحب جزئي للطائرات الروسية في آذار 2016. وفي الحالتين، تم الاتفاق على تنسيق الجهد، من دون أن يكون ذلك من ضمن عملية لاتخاذ القرارات بصورة مشتركة. في آب 2016، عندما سمحت إيران للطائرات الروسية باستخدام قاعدتها الجوي في أصفهان، انتقلت العلاقات بين البلدين الى مستوى جديد؛ إذ كانت المرة الأولى منذ 1979، التي تسمح فيها إيران لقوات أجنبية بالوجود على أراضيها، على الرغم من أنه كان لفترة قصيرة جدًّا، لأنّ التلميح إلى إمكانية ظهور قاعدة عسكرية روسيّة بحدّ ذاته، تسبّب في كثير من الخلافات داخل إيران؛ فالدستور الإيراني يمنع بصريح العبارة وجود قوات أجنبية في إيران. أمّا بالنسبة إلى سورية، فإن كلًّا من روسيا وإيران يحاولان عدم السماح بسقوط نظام بشار الأسد، وانتصار المتطرفين الإسلاميين. لكنّ الأهداف البعيدة لروسيا وإيران تختلف من حيث المبدأ؛

  • فروسيا تريد المحافظة على الدولة السورية بهذا الشكل أو ذاك، ولكن تحت إدارة نظام صديق لروسيا يتشكل بمشاركة فاعلة من موسكو. وبذلك فإن هدف روسيا ليس إنقاذ الأسد الذي تمتلك نفوذا محدودًا عليه، وليس إبقاء الأقلية العلوية في السلطة.
  • إن التدخل العسكري الروسي حال دون هزيمة القوات المسلحة للجمهورية العربية السورية، وأدّى في الوقت نفسه إلى تقليل النفوذ الإيراني في دمشق.
  • ويجب أن نأخذ في الحسبان أيضًا، أن روسيا في سياستها تأخذ أمن اسرائيل في الحسبان -وليس سورية وحدها- وهذا غير مقبول من جانب طهران التي تستخدم حليفها “حزب الله” كسلاح ضغط جيو-سياسي على حدود الدولة العبرية. فوق ذلك، وبغض النظر عن واقع العلاقات التحالفية مع طهران في سورية، فإن موسكو تصر على أن تسدّد طهران قيمة السلاح الذي تشتريه من روسيا.

أمّا الإيرانيون فيحاربون بالتحديد من أجل:

  • بقاء نظام الأسد في السلطة.
  • المحافظة على طرق الإمداد الحيوية إلى حزب الله في لبنان.
  • تعزيز نفوذها في المناطق الغربية من سورية (الباقية تحت سلطة الأسد) إذ لا تستطيع الاستغناء عنها لمساعدة حلفائها الشيعة والعلويين.

وفي حين تمكنت موسكو، مبدئيًّا من إيجاد حل وسط بين المجموعات السورية المتخاصمة، واللاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط؛ فإنّ هذا الواقع جعل إيران لا ترضى بغير الانتصار في سورية، وإلا فإنها لن تتمكن من لعب دور أكثر نشاطًا في مناطق القتال الرئيسة.

إنّ أحد أهم أهداف التدخل العسكري الروسي في سورية، إرغام الولايات المتحدة الأميركية على الاعتراف بأن تدخل روسيا هو تدخل بصفتها دولة عظمى؛ ففي عام 2015، ترأس وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، بصفة غير رسمية، المباحثات السورية لإيجاد تسوية سياسية للنزاع. وفي شباط 2016، وبإشرافهما تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جرى خرقه لاحقًا. في أيلول 2016، اقتربت روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية من عقد اتفاق جديد للعمل المشترك سياسيًّا وعملياتيًّا في سورية. ولمثل هذا التعاون أسبقيات ناجحة كالاتفاق الذي جرى بين روسيا والولايات المتحدة عام 2013 (بموافقة دمشق) حول التخلّص من السلاح الكيماوي السوري، الذي نُفّذ على الرغم من استمرار الحرب الأهلية.

تراقب طهران -في ارتياب- تطور التعاون الروسي الأميركي في سورية، فذلك ما يهدد مصالحها عادةً. كما أن الولايات المتحدة الأميركية تبدي الارتياب أيضًا في ما يتعلق بالتعاون بين روسيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فعلى سبيل المثال؛ ترفض الولايات المتحدة أن تتشاطر مع روسيا المعلومات عن القوات المسلحة للمعارضة السورية. ومن ضمن هذه المخاوف: وصول هذه المعلومات إلى الحرس الثوري الإيراني الموجود في سورية. أما موسكو فهي من جانبها تدرس بعناية فائقة النتائج المحتملة للتقارب بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي، بعد توقيع الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. ولكن فيما يتعلق بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية فإن موسكو تبدي قلقا أقل بكثير. وترى موسكو أن عراقيل كبيرة تعترض طريق تحسين العلاقات الإيرانية-الأميركية بشكل ملحوظ، ولذلك تعدّ الأمر بعيد الاحتمال.

 

سابعًا: العلاقات الروسية-الإيرانية في مناطق أخرى

تعدّ روسيا وإيران حلفاء في أفغانستان منذ وصول حركة طالبان الى السلطة في عام 1996، وتعاون كلا الطرفين مع الولايات المتحدة الأميركية في التخلص عسكريًّا من طالبان في عام 2001، وعدّت روسيا وإيران أن العملية العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان جزءًا من الجهد الرامي إلى تعزيز الأمن في المنطقة، ولكنهما ينظران إليها كمصدر للقلق أيضًا. فمن جهة، تقاتل القوات الأميركية في جبال “كوندوكوش” متطرفي تنظيمي “طالبان” و”القاعدة” اللذين يمثلان تهديدًا لروسيا ولإيران. ومن جهة أخرى، تعدّ الدولتان أن الوجود الأميركي زاد النفوذ الأميركي في المنطقة الواقعة بمحاذاة الحدود الروسية والإيرانية مباشرة. والآن، مع تراجع التواجد الغربي في أفغانستان، يصبح من المحتم تعاون إيران وروسيا كي لا تصبح أفغانستان المضطرب مصدر تهديد لأمنهما. وهناك مصدر آخر للقلق؛ حيث المخدرات الأفغانية التي أصبحت إيران وروسيا ليس مناطق عبور [لتهريبها] فحسب، بل سوق تصريف متنامٍ أيضا.

وفي المستقبل قد تظهر حاجة إلى لتعاون الروسي-الإيراني في آسيا الوسطى، حيث يمكن أن يتدهور الأمن بشكل كبير فيها، ولدى روسيا وإيران تجربة تعاون سابقة في إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق؛ ففي عام 1997، وحّدت الدولتان جهدهما لوقف إراقة الدماء في الحرب الأهلية التي وقعت في طاجكستان الناطقة بالفارسية. أمّا فيما يتعلق بالقفقاز؛ فإن إيران تراقب، من دون أن تتدخل، مجريات الصراع الأذري-الأرمني الذي يدور حول منطقة “ناغورني كاراباخ”، حيث أتاحت لموسكو ودولتين أخريين من دول منظمة التعاون الأوروبي وللولايات المتحدة وفرنسا أن تكون وسيطة لوقف الحرب بين الدولتين. وبفضل إيران، تمكّنت أرمينيا، الدولة المسيحية التي ليس لها شواطئ على البحر والحليفة لموسكو، من الإبقاء على الممر البحري الحيوي الذي يربطها بالعالم.

ولكن يجدر القول إن مواقف روسيا وإيران لا تتفق في كثير من المسائل؛ إذ تعدّ موسكو “حزب الله” مجموعة عسكرية-سياسية ذات طابع ديني يمكن أن تتعامل معها، ولكنها لا تستحسن أعمالها العسكرية، وفي اليمن، حيث تدور حرب أهلية منذ العام 2014، تقف إيران إلى جانب القبائل الحوثية، في حين تتصرف موسكو بحيادية أكثر. والأمر المهم للغاية، أنّ روسيا لا تدعم السياسة الإيرانية في الخليج الفارسي؛ ففي حين تتفق إيران مع القوى الشيعية في المنطقة لتعزيز مواقعها، في ظل التنافس الحاد مع الدول السنيّة بقيادة المملكة العربية السعودية؛ فإن موسكو تحاول جاهدة عدم التدخل في الصراع السني-الشيعي؛ فالعلاقات مع الرياض تحمل قيمة منفصلة بالنسبة إلى موسكو.

 

ثامنًا: مبادئ المرونة

إن موسكو، التي عادت إلى الشرق الأوسط، ليست موسكو زمن الاتحاد السوفياتي، بل هي لاعب مختلف. فهي لا تحاول اختيار الأطراف لتقف إلى جانب هذا الطرف أو ضد ذاك الطرف. فروسيا الاتحادية تدافع -بوضوح- عن مصالحها الخاصة، ولكنها تبقى في إطار الحوار مع باقي اللاعبين في المنطقة. وشكل موقفها من تركيا حالة استثنائية، عندما أسقطت المقاتلات التركية في تشرين الأوّل/ نوفمبر 2015 الطائرة الروسية عند الحدود السورية-التركية ما سبب تدهورًا حادًّا في العلاقات بين البلدين. وبقيت العلاقات متوترة طوال 7 أشهر إلى أن اعتذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من الرئيس بوتين. وبعد لقاء القمة الذي جمع الرئيسين في سانت بطرسبورغ في آب/ أغسطس 2016، عادت العلاقات بين البلدين. وفي المستقبل قد تصبح أكثر قوة مما كانت عليه؛ فالرئيس إردوغان غير راضٍ عن سلوك الولايات المتحدة والغرب في أثناء المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، وبهذا فإن روسيا تواصل بشكل عام إبداء المرونة في أمور الشرق الأوسط، تاركة لنفسها حرية المناورة سواء مع الحلفاء أم مع المنافسين ماعدا “الدولة الإسلامية” المحظورة في روسيا، و”القاعدة” وغيرها من التنظيمات الجهادية التي تراها عدوّة. وإن العلاقات الوثيقة مع طهران لا تؤثر في علاقة موسكو مع تل أبيب ومجموعة الدول العربية، وقبل كل شيء دول الخليج العربي. إن القدرة على إقامة علاقات وثيقة مع طهران وتل أبيب في آن واحد هو دليل على مرونة السياسة الخارجية الروسية، وعن مستوى دبلوماسيتها وعن حقيقة أن للعلاقات الروسية-الإيرانية هناك حدودًا طبيعية. وربما يكون الزعيم الوحيد الذي التقى بآية الله علي خامنئي القائد الأعلى في إيران ومع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هو الرئيس فلاديمير بوتين، مظهرًا بذلك مقاربة خارجية عملية مرتكزة إلى البراغماتية السياسية.

إن قلق روسيا من التطور التكنولوجي الإيراني ومن سلوك القيادة الإيرانية، أقل بكثير من القلق الذي تبديه إسرائيل. وهي في الوقت نفسه تحذر من مخاطر يمكن أن يسببها قيام إسرائيل بضربة استباقية ضد إيران.

وعلى الرغم من توقعات كثير من المحللين الغربيين، فقد استطاعت روسيا تجنب المشاركة في الصراع السني-الشيعي سواء كان في سورية أو في منطقة الخليج. وبالنسبة إلى روسيا فإن تشكيل ائتلاف يضم العراق وسورية وإيران لم يكن مرتبطًا بفكرة إقامة محور روسي-شيعي على الإطلاق، إنّما ينطلق من المصالح المشتركة فحسب. حاولت روسيا في سورية، وإن لم تنجح بعد بدرجة كافية، أن تدفع مجموعات معارضة مختلفة إلى القبول بحل وسط من التفاهم مع دمشق، الأمر الذي يتعارض مع المصالح الإيرانية. وفي الوقت نفسه، كانت موسكو تعلن على الدوام أن الاتفاقات السياسية في سورية ستكون متينة إذا دعمتها إيران، وهذا الأمر يصعب على كثير من السوريين السنّة قبله.

إضافة إلى ذلك، يطوّر بوتين في استمرار العلاقات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيس أكبر دولة عربية ذات أغلبية سنيّة. وللكرملين علاقات تقليدية وثيقة مع المملكة الهاشمية الأردنية. وفي عام 2016، زار عدد من زعماء دول منظمة التعاون الخليجي موسكو وأجروا محادثات مع الرئيس بوتين. والذي يدفع موسكو إلى الصداقة مع دول الخليج هو المصالح الاقتصادية، في حين أصبحت حليفًا ظرفيًّا لإيران انطلاقا من أهدافها الإستراتيجية في سورية في الدرجة الأولى.

في هذا السياق فان المهمة الأصعب التي تقف في وجه موسكو، هي المحافظة على علاقات وثيقة مع إيران، وفي الوقت نفسه تعميق الحوار مع السعودية. وقد تكون مسألة تطوير علاقات الشراكة مع المملكة العربية السعودية، وتعزيز الصداقة مع بقية دول الخليج الغنية، إلى جانب توسيع العلاقات مع إيران أصعب من متابعة الأمور مع إيران وإسرائيل في الوقت نفسه، وروسيا لا تنوي الانحياز إلى طرف ما في الجدل القائم بين إيران والسعودية. وتبقى مهمة تعزيز العلاقات البنّاءة مع دول تتنافس بشراسة في المنطقة من أبرز مراحل اختبار الإبداع السياسي ومرونة الدبلوماسية الروسية.

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وحتى اندلاع الأزمة الأوكرانية كانت العلاقات بين روسيا وإيران مرتبطة بواقع العلاقات بين موسكو وواشنطن. وتحت ضغط الولايات المتحدة الأميركية كانت روسيا -غالبًا- تقوم بتنازلات من طرف واحد على حساب علاقاتها مع إيران. ونتيجة هذا التصرف، فقد فقدت موسكو صدقيتها لدى طهران، ما كان يدفع القادة الإيرانيين إلى النظر بتشاؤم أكبر، الى نظرائهم في الكرملين، الذين لم يكونوا في السابق يثقون بهم أصلًا بدرجة كبيرة. ومع بداية الأزمة الأوكراني، تغيّر الوضع: فالمواجهة مع الولايات المتحدة توتّرت العلاقات بينهما إلى درجة كبيرة، وأصبحت طويلة الأمد، ما أبعد امكانية هكذا مناورات. روسيا لم تتخلَّ، كما تخوف كثير في الغرب، عن علاقاتها مع الولايات المتحدة في إطار المباحثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلا أنها وبعد التوقيع على الاتفاق بدأت تبيع إيران الأسلحة وراحت تحبك علاقات عسكرية معها دون الالتفات الى ردة فعل واشنطن.

ترغب موسكو في انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون والتي تترأسها إلى جانب الصين منذ اليوم الأول لإنشائها في عام 2001؛ لأن في توسيع منظمة شانغهاي في عام 2017 -عندما سيصبح عدد أعضائها 17 دولة- فائدة لروسيا لأنها ستحقق لها التوازن مع الصين التي تنامى وزنها على المستوى العالمي في السنوات الأخيرة. وإن أصبحت إيران عضوًا كاملًا في المنظمة بعد رفع العقوبات التي فرضها عليها مجلس الأمن؛ فإن التوازن بين الشركاء الآسيويين القاريين سيغدو أكثر صلابة، فتكون روسيا -مع تجربتها الغنية في السياسة الخارجية والدبلوماسية- قد تمكنت من الحصول على منافع لها من هذا الاصطفاف. إلا أن طهران أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر تحفظًا تجاه آفاق انضمامها الى منظمة شنغهاي، نتيجة خوفها من إفلات فرصتها مع الغرب، وبخاصّة مع أوروبا التي بدأت تفتح لها الابواب.

 

الخاتمة

يبدو حتى الآن أن التعاون يسود العلاقات الروسية-الإيرانية أكثر من التنافس. فالخلافات حول بعض القضايا، كتقاسم مياه بحر قزوين الغني بالثروات، والخيارات الإستراتيجية في سورية، أو خفض انتاج النفط، يتم تسويتها بدرجات متقلبة من النجاح، ولكنها في المحصلة تُحلّ بشكل أو آخر.

الأهم هو أن العلاقات الروسية-الإيرانية مازالت تقوم على أسس هشة وغير مستقرة. فالعلاقات الاقتصادية محدودة وغير فاعلة. وتغيب الثقة على المستويات الحكومية في أغلب الأحيان. ومن ناحية العلاقات على المستوى الشعبي والعام فإنها غائبة عمليًا. ومع توسع رفع العقوبات عن إيران ستنفتح إيران على العالم، ويتطلع الإيرانيون أكثر فأكثر صوب الغرب، وبشكل أقل صوب الشمال. فمن المستبعد أن تصبح إيران صديقًا حميمًا لروسيا، وأكثر ما يمكن لموسكو وطهران أن تصبو اليه هو علاقات براغماتية مبنية على المصالح التي يحددها ويرسمها زعماء البلدين. الوزن السياسي الخارجي في العالم والعلاقات الدولية لروسيا ولإيران ليسا قابلين للقياس، ويستمران في كونهما غير متناسقين. إذا كانت روسيا بالنسبة إلى إيران- أحد أهم شريكين إستراتيجيين (إلى جانب الصين)، فإن إيران تشغل مكانًا متدنيًّا على قائمة الافضليات الروسية.

ويمكن أن تظهر دوافع وأسباب كثيرة لتدهور العلاقات بين روسيا وإيران في جيو-سياسة في الشرق الاوسط، وفي تقاسم بحر قزوين، وفي مسائل تصدير الغاز الطبيعي، حتى ولو لم يكن أحد الاطراف مضطرًا ليضغط على الطرف الآخر في هذه المسائل. في الوقت الراهن تحتاج موسكو وطهران إلى بعضهما في حل مسائل أوسع، وهما يدركان أن لتعاونهما خطوطًا مرسومة بدقة، وهذا التعاون يخفف التنافس فحسب، ولكن لا يحله. ومن جانب آخر، وبالضبط نتيجة لهذا الفهم، وبغض النظر عن عدم وجود جذور عميقة، وعلى الرغم من التاريخ المتوتر بين البلدين (خاصة من وجهة النظر الإيرانية)، وعلى الرغم من عدم الثقة العميقة والمتبادلة، يمكن أن يكون التعاون بينهما قابلًا للحياة، وناجحًا بدرجة مرضية.