(1)

على الرغم من التداعيات المأساوية التي نتجت عن تصنيع ما يسمى “دول الشرق الأوسط” ابتداء من حدودها الجغرافية، وانتهاء بالذين سطوا على مؤسساتها فحولوها من دول تكون السلطة أحد عناصر وجودها بموجب دساتير وقوانين وأنظمة نافذة إلى سلطة تسلطية تسطو على مؤسسات الدولة، وتحولها إلى إقطاعة، وتحوّل شعبها إلى أقنان تُديرها لحساب قوى الهيمنة الدولية. فتحولت تلك “الدول” من دول لها سلطات دستورية إلى سلطات غاشمة لها “دول” تُسخّر مواردها البشرية والمادية لما يخدم العصابات الحاكمة ومن يرعاها دولياً، ولو أدى ذلك إلى هلاك شعبها، وتدمير بنيانها، والتفريط بسيادتها. إنها في حقيقة الأمر “دول عدوانية” على أمم وشعوب الأرض… تدمّر بسلطاتها القمعية المتوحشة “المعترف بها دولياً” وبأجهزتها المعقدة ما بقي من تلك الأمم والشعوب بعد الفتك الشديد الذي مارسته جيوش المستعمرين. هذه الجرائم الكبرى يتم التستر عليها بحملات من التضليل المنظم تحت ركام من الفقه الأوروبي القانوني عن تنظيم الدول ونظمها بينما يتم عن عمد تجاهل المسألة الجوهرية الأساس في تأسيس الدول وهي: تحديد المستند المشروع لتأسيس الدولة، وسلامة ركني الشعب والوطن، وتطابق حدود الدولة مع حدود التكوين التاريخي للمجتمع. فذلك هو الحد الفاصل بين الدولة القانونية، ودولة الواقعة العدوانية من ناحية التأسيس، ثم، بعد حسم تلك النقطة الجوهرية، يبدأ البحث في النظام ومؤسساته وتوجهاته، ومدى مشروعية منظومته القانونية وليس قبل ذلك.

فعلى أساس من الدولة القانونية المشروعة يمكن بناء نظام قانوني مشروع، وإن كان هذا ليس حتمًا، أما على أساس من دولة أُسست كواقعة عدوانية، فإن الحديث ينتفي تمامًا عن نظام قانوني مشروع لأن ما بني على باطل هو باطل حتمًا.

 

(2)

هكذا، سنبدأ بلمحة تاريخية عن الدولة، وتطورها منذ بداية العلاقات الاجتماعية للإنسان البدائي حيث تفاقمت حاجاته للتنظيم والادارة مع تطور تلك العلاقات الاجتماعية عبر العصور، تلك الحاجات التي كانت تتجدد مع كل مرحلة تاريخية من تطور الجماعات البشرية إلى أن وصلت للطور المعاصر حيث تم تحديد أركان الدولة: “1” الشعب، “2” الوطن، “3” السلطة، وبناء على توفر تلك الأركان وسلامتها يتم البحث بعد ذلك في شرعية الدولة ومشروعيتها، ثم حق تقرير المصير، ولمن هذا الحق؟!

في محاولة للإجابة عن تلك الأسئلة نتتبع الإرهاصات الجنينية الأولى لولادة السلطة والتي تطورت عبر مراحل تاريخية إلى الدولة الحديثة:

أولًا: منذ أن تحول الإنسان البدائي إلى كائن اجتماعي، وتكونت “الأسرة البدائية” ولدت الحاجة إلى التنظيم والإدارة، وتقسيم العمل، وتحديد المهام، وفرض السيادة على أرض الجماعة، “الكهف” ومجال الصيد المحيط به، وتحديد من بيده القرار، وحقه على أفراد الجماعة “الأسرة” بالطاعة والتنفيذ، وحقهم عليه في تحقيق الحماية والأمن لهم، والكلأ، والماء، والمأوى.

لقد كان ذلك الشكل البدائي يتلاءم مع التكوين الاجتماعي “البدائي” في ذلك العصر، ومع تطور التكوينات الاجتماعية من الأسرة إلى العشيرة إلى القبيلة إلى الشعوبية إلى الأمة طوّر البشر مع كل مرحلة ما يناسبها من أدوات التنظيم والتدبير والربط للجماعة البشرية وحددوا لها الوظائف والأهداف والأساليب والامكانيات، واستقرت تلك الممارسات أعرافًا، وظهرت الهيئات التي طورت تلك الأعراف، بعد أن أضافت إليها ما يلبي حاجة الجماعة في مرحلة ما، أو ما تريده القوى القادرة على فرض سيادتها إلى شرائع وقوانين ملزمة.

 

(3)

فالدولة “الجنينية” تكونت مع تشكل أول أسرة “بدائية” في التاريخ، والصراع على سلطة اتخاذ القرار وإلزام الآخرين به بدأ منذ ذلك التاريخ، وعندما توسعت الأسر “البدائية”، وظهر التكوين العشائري، ثم القبلي، طورت تلك المجموعات “أداة التنظيم” بما يتلاءم مع تلبية الحاجات المستحدثة، فظهرت مؤسسة شيخ القبيلة كمؤسسة أعلى مرتبة من مؤسسة شيخ العشيرة، وظهر المجلس الذي يُستشار ويحكم في المنازعات ويقدم المشورة في قضايا الغزو والدفاع وتأمين الكلأ والماء، ومع تطور البشر كانت تظهر تلك الممارسات التي استقرت أعرافًا فيما بعد تُعتمد كدساتير بدائية تُستمد منها قوانين الزواج وشروطه، والملكية وشروطها، والحقوق، وحقوق الغير، وقوة الإلزام للأوامر الصادرة عن ولي الأمر (شيخ العشيرة أو القبيلة)، وبناء عليها يتم إصدار الأحكام وتقرير العقوبات وتنفيذها. صحيح أنها كانت “دولًا” ” سيارة “محمولة على الدواب” أغلب الأحيان، وبحسب الظروف بحثاً عن الرزق، أو هرباً من معتد أقوى، أو غزوة لقبائل أخرى، لكن تاريخها الذي قد نعرف بعضه ونجهل أغلبه يُنبئ بأنها كانت تمتلك منظومة شبه قانونية يدركها أعضاء الجماعة، ويدركون ماذا يعني ارتكاب المخالفات، ومدى العقوبات المترتبة على ارتكابها، وعندما استقرت بعض التكوينات الاجتماعية في أماكن ثابتة، وكوّنت ما يعرف تاريخياً بالمدن التاريخية التي كانت غالباً في أماكن الخصب والمنعة، ظهرت الحاجة إلى قوانين أكثر تحديدًا وشموللًا، وتاريخ تلك المدن الذي نعرف بعضه، ونجهل جله يُنبئ في بابل الرافدين وأوغاريت سورية وأقصر النيل، وأثينا، وروما، والهند، والصين، واليابان، والمكسيك وغيرها كثير عن وجود هيكلية تختلف نسبياً من مدينة إلى أخرى تستمد مشروعيتها من الأعلى إلى الأدنى، وعن وجود منظومة قانونية ليست الألواح الاثنا عشرية في روما وقوانين حمورابي والكتابات القانونية البالغة الدلالة على جدران معابد الأقصر أو في أوابد أثينا أكثر من جزء يسير منها.

 

(4)

ومع وجود البداوة “القبلية” جنبًا إلى جنب مع “المدن المستقرة” كانت القبلية تجتاح تلك المدن شرقًا وغربًا كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فكان لا بد لتلك المدن من أن تفكر في مجال آمن يحيط بها يتسع ويضيق حسب قوتها، فظهرت الامبراطوريات التي امتدت سيادتها بقدر ما استطاعت جيوشها أن تمدها، وانحسرت إلى حيث استطاعت امبراطوريات أخرى أن تدحرها، وظهرت الحاجة إلى تلبية الحاجات المستحدثة من تنظيم للغنائم، والعبيد، والمواطنة. هكذا، إلى أن بدأت الأمم بالتكون بعد التفاعل الإيجابي والتاريخي لمجموعة بشرية معينة في زمان معين ومكان معين، واختصت بأرض محددة، فكان لا بد أن تتطور “الدولة” لتلبية الحاجات المستحدثة للجماعة، ورسم حدود بين الدول، وبما أن الأمم لم تكتمل تكوينًا دفعة واحدة، وبما أن بعض الدول وقعت تحت سيطرة نظم ذات نوازع ” قبلية” رغم أنها دول “قومية” حين قامت بغزو منظم وشامل لمختلف أرجاء الكرة الأرضية تقريبًا بهدف الربح، ونهب ثروات الشعوب والسيطرة عليها، حيث ظهرت أنواع مختلفة من الدول ما زالت نماذجها حاضرة في “العالم المعاصر” من حيث التأسيس: دول تتطابق حدودها مع أمم مكتملة التكوين لا تنتقص منها، ولا تتعدى على الغير، ودول متعدية على أمم أخرى تحاول ضمها والادعاء بتبعيتها لها، ودول تحطم أممًا مكتملة التكوين باقتسامها أرضًا وشعبًا، ودول استيطانية عنصرية تهجّر شعوبًا وتستورد مرتزقة مكانهم.

يُضاف إلى ذلك الاختلاف والتنوع الشديد في أنظمة حكم تلك الدول، ودساتيرها ومنظوماتها القانونية والاقتصادية، فهي دول ملكية أو ملكية دستورية، جمهورية أو جمهورية رئاسية أو برلمانية، وهي إمارات أو سلطنات، وهي استبدادية أو ديمقراطية، وهي رأسمالية أو اشتراكية، أو بين بين، وهي صناعية أو زراعية، أو شاملة، وهي درجة أولى، أو عالم ثاني وثالث. وهي دائنة أو مدينة، وهي تملك الفيتو في الأمم المتحدة، أو درجة ثانية لا تملك تلك الامتيازات العنصرية، وهي شمال أو جنوب، وهي غرب أو شرق، وهي مؤمنة أو ملحدة، وو… الخ.

 

(5)

ثانيًا: فالدولة إذًا رافقت تطور التكوينات الاجتماعية من مرحلة إلى مرحلة عبر العصور، وتنوعت بتنوع تلك التكوينات الاجتماعية، وتفاوتت فيما بينها تفاوت تلك التكوينات، فيما بين بعضها البعض، فهي أولًا وأخيرًا اختراع بشري لتلبية حاجات متجددة تابعة لأصلها “التكوين الاجتماعي” وقواه الفاعلة، وقد استُخدمت الدولة عبر العصور التاريخية في شتى الاتجاهات الايجابية والسلبية، فقيل دولة عادلة، أو مستبدة، أو غازية، أو مسالمة، أو طاغية، أو قانونية… الخ… وهي “الدولة” عبر تلك المسيرة الممتدة عبر العصور طرأ عليها الكثير من التغيير والتبديل في الشكل والمضمون والأساليب والمفاهيم.

نقول هذا ابتداء لأن المدارس الفقهية الأوروبية الحديثة اتبعت منهج الحق الطبيعي، أو “القانون الطبيعي” الذي ركّب عليه الرأسماليون “النظام الرأسمالي. فحاولت تلك المدارس الأوروبية وتحاول التأريخ لبدايات العديد من البنى والتكوينات البشرية والاجتماعية والسياسية ببداياتها هي، وعلى هذا الأساس قالوا: إن الدولة ولدت في القرن السادس عشر، وإن ما قبل ذلك لم يكن دولًا. وبما أن النظام الرأسمالي يريد الخلود، فقد قال منظروه واستنادًا إلى الحق الطبيعي ذاته: إن الدولة خالدة، وردًا على ذلك قال كارل ماركس: إن الدولة زائلة مع زوال النظام الرأسمالي. فأين الحقيقة من ذلك كله؟

قديمًا قالت العرب: “لكل زمان دولة ورجال”، ورغم البساطة المتناهية في هذا القول فإنه يُعبّر عن جوهر القضية التي نعالجها، وبالتالي فان محاولة التأريخ لولادة الدولة بمرحلة تاريخية معينة وإغفال المراحل التاريخية السابقة والإرهاصات التي أدت إلى أن تأخذ شكلها ومهماتها المعاصرة هي محاولة غير مشروعة ذلك أن “دولة ما” لا تولد وتموت اعتباطًا ثم تولد دولة أخرى وهكذا، وإنما هي “الدولة” أداة تحت أسماء متنوعة يطوّرها الإنسان ويستمر في تطويرها مع كل مرحلة تطور إليها، فهي أداة تتبع أصلها “التكوين الاجتماعي” الذي يمنحها شكلها ومضمونها ومصدر مشروعيتها، وبالتالي فإن كل دولة تولد من رحم الدولة المنصرمة للتكوين الاجتماعي الذي انقضى، وهذا على أكبر قدر من الأهمية لأن الدولة في المراحل التالية تحمل الكثير من سمات المرحلة المنصرمة بعد إضافة ما تمكن البشر من إضافته إلى تكوينها ووظائفها وأساليبها لتلبية الحاجات المستحدثة وهكذا، فهي ليست خالدة حتمًا، وهي ليست مرتبطة وجودًا بهزيمة نظام اقتصادي معين حتمًا، وإنما هي أداة يطورها الإنسان دائمًا حتى تلبي حاجاته المتجددة.

 

(6)

يقول د. ثروت بدوي: (يطلق البعض، وعلى رأسهم ” ديجي” اسم الدولة على كل تنظيم للجماعة السياسية، القديم منها والحديث. ولكن هذا الرأي رغم المكانة التي يتمتع بها (ديجي) يلقى معارضة قوية. ولذلك فإن الرأي السائد اليوم يقول إن الدولة لا توجد إلا حيث تكون الجماعة السياسية قد وصلت إلى درجة من التنظيم يجعل لها وجودًا مستقلًا عن أشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة فيها. وعلى الرغم مما وجد من امبراطوريات الشرق القديمة، وخصوصًا في مصر وفي بلاد فارس، من تنظيمات سياسية وقانونية فإن الكثيرين ينكرون على تلك الامبراطوريات صفة الدولة ويسمونها “إمارات أو ممالك” غير أن المدن السياسية القديمة الاغريقية والرومانية كانت لها الخصائص نفسها والسمات الاجتماعية والقانونية نفسها التي للدولة الحديثة) .(1)

ويضيف د. بدوي: (الإسلام عرف فكرة الدولة المستقلة عن أشخاص الحكام، وكان يعدّ الحاكم -أي الخليفة- بمثابة أمين على السلطة يمارسها بصورة مؤقتة، ونيابة عن الأمة) . (2) وقبل ذلك كانت المدن القديمة قد أوجدت تنظيماً قانونياً للدولة:”[…….] الرومان تركوا أعمالاً قانونية مميزة من وجهة نظر تقنية ومهنية ولكن ليس بصفة علم فلسفي يعالج ظاهرة اجتماعية، في حين أنهم لم يتركوا أي نظرية عن الدولة، ونتوصل إلى هذه النتيجة المتناقضة وهي أن مؤسسي أكبر دولة في العصر القديم أهملوا نظرية الدولة في حين أن منشئي دويلات المدن الصغيرة الاغريقية قد أقاموا نظريات كبرى للدولة، وما لم يمكن إنشاؤه على مستوى الواقع إقامة المجتمع الاغريقي على مستوى الفلسفة والفكر.”(3). “فالرومان كانوا أول من بدأ الاهتمام بالقانون الوضعي أي بدراسة القواعد القانونية الموجودة واقعيًا والمطبقة والنافذة في روما بدلًا من التفلسف حول الحق، وحول ما يجب أن يكون حقًا.” .(4)

أما النظرية الوسيطة في الدولة فقد اعتمدت على مسلمتين: (المسلمة الأولى: هي الوحي المسيحي، والمسلمة الثانية: هي التطور الرواقي بوجود مساواة طبيعية بين البشر لكن نظرية الحرية الطبيعية والحقوق الطبيعية واجهت خلال كل العهود متناقضات عنيفة، وكما قال روسو في بداية كتابه “العقد الاجتماعي”: “ولد الانسان حرًا، ولكنه مقيد بالسلاسل في كل مكان) .(5)

 

(7)

لقد قال المذهب الرواقي بوجود جمهورية واحدة لله والبشر على حد سواء، وبدت البشرية في جملتها دولة واحدة قام الله بإنشائها، كما أنها خاضعة لحكمه وتستمد أي وحدة جزئية كنسية أو دنيوية حقها من هذه الوحدة الأولية، ولكن العقيدة المسيحية كانت ترى أن الدولة شريرة في أصلها، فهي جاءت نتيجة للخطيئة الأزلية وسقطة الإنسان، واتفق في هذا الصدد كل المفكرين المسيحيين الأوائل، فنحن نصادف هذه النظرة نفسها عند “ايريناوس” في القرن الثاني، وعند أوغسطين في القرن الخامس، وعند جريجوري العظيم في القرن السادس، فقد قال (ايريناوس): “إن ضرورة الدولة جاءت نتيجة لابتعاد الناس عن الله وكراهيتهم بعضهم البعض وتردّيهم في شتى أنواع الانحراف. ومن ثم رأى الله وجوب تنظيم الناس في طبقات وفرض على البشر الخوف من واحد من البشر، حتى يمكن إرغامهم -اعتمادًا على هذه الوسيلة- على اتباع قدر من الاستقامة والمعاملة”.(6)

على العكس من ذلك فإن أفلاطون يرسم للدولة صورة وردية شاعرية، حيث أطلق لخياله العنان وهو يصوّر جمهوريته ويقول: ” يستمتع عشاق المرئيات والأصوات بالأنغام والألوان الجميلة. هذه القدرة على النظر إلى الجمال، وتأمله، كما هو في ذاته، نادرة في الحق. لقد أعطينا لكل نصيبه، وبذلك نكون قد جعلنا الكل يتصف بالجمال”.(7)

أيًا ما كان الأمر، ومهما اختلفت الآراء في الدولة أو تعددت، فقد لحقت بالدولة صفات ونعوت الذين سيطروا عليها، وبالتالي فإنها وبعد إلصاق تلك الصفات والمهمات بها استحقّت ما قيل فيها: فالذين رأوا فيها مصدر كل الشرور وجدوا النموذج الواقعي في التاريخ الذي يؤيد ما قالوه فيها، والذين قالوا إنها واحة الأمل والأمن والحرية والتطور وجدوا في الواقع التاريخي ما يؤيد ذلك الذي قالوه.

 

(8)

ثالثًا: وقد رأى أفلاطون وأرسطو أن الدولة نتيجة حتمية لتقسيم العمل في المجتمع، أي مجتمع، حيث قسّم أفلاطون الأفراد إلى ثلاثة أصناف: 1. المسيطرون الذين يديرون الدولة. 2. الجنود الذين يدافعون عنها. 3. المنتجون الذين ينتجون الأموال المادية. أما أرسطو فقد اعتقد أنه لإدارة الدولة لا بد من مؤهلات خاصة لا يمكن أن تُكتسب إلا من قبل الأفراد الأحرار، أي المواطنين المتفرغين لشؤون الدولة والذين لا يساهمون في الانتاج بمعنى أنه لا بد من أحرار وعبيد، وكان السفسطائيون قد طرحوا قبلهما الأسس لما سُمّي نظرية الحق الطبيعي بعد ذلك، والتي تقوم على أساس أنه يوجد حق طبيعي ثابت خالد ملازم لطبيعة البشر ذاتهم وللمجتمع، وهو عنصر مستقل عن الإرادة والعقل البشريين. وإلى جانب هذا الحق الطبيعي يوجد حق ينشأ من قبل البشر ذاتهم في المجتمع (وضعي) وهذا الحق يتغير بتغير المجتمعات وبتغير الزمان، ومعلوم أن هذين النوعين قد يفترقان بل وقد يتجابهان، فلمن نعطي الأولوية في هذا النزاع؟ بل لماذا يُنشئ الأشخاص حقًا وضعيًا مختلفًا وحتى متعارضًا مع ما يسمونه الحق الطبيعي؟

وقد تجاوز الفلاسفة العرب الخطاب اليوناني الأفلاطوني وسواه، وصنفوا المدن تصنيفاً معياريًا انطلاقًا من الإنسان ذاته وفعله البشري، فقالوا على لسان الطوسي والدواني والفارابي وابن سينا وابن رشد: كما تكون أفعال الإنسان خيرة وشريرة تكون أيضًا المدن، وإذ الخير واحد، والشر متنوع متعدد، فإن المدينة تكون إما خيرة (فاضلة) ومن ثم فهي واحدة، وإما شريرة، وبالتالي فهي كثيرة الأنواع.

 

(9)

أما في المدينة الفاضلة، فإن الخطاب العربي “يُعطي الإنسان المنزلة الأشرف في الوجود، والقدرة على السعي لبلوغ الكمال، والمحور الذي تدور حوله سائر المخلوقات والأشياء، لكن الإنسان محتاج للتعاون كي يستمر، فيختلف الناس في الدرجة والأحوال والقدرات. في تلك الحاجة وذلك الاختلاف، قوام الاجتماع البشري ثم التمدن”.(8) وهكذا فإن المعيار المعرفي يحدّد الوعي كمحك في المدينة الفاضلة حيث: “آراؤهم متشابهة، ويتفقون في الرأي والفعل، تجمعهم وحدة المعتقدات، أو الأفكار والتصورات التي، جميعها وبرمتها، متفقة مع الحق، صائبة، فاضلة”.(9) ثم يأتي دور المعيار الرئاسي والخصال الأخلاقية للرئيس الفاضل “ذلك المحدد الأكبر للمدينة الفاضلة، والمميز الأبرز الذي يتبادل معها التعريف والتحرك، أو الفضائل وبلوغ الكمال ويتجاوز قول أفلاطون في (الحاكم الفيلسوف) ويرقى إلى أعلى مستوى من الخطاب البلاغي المبالغ في الإنسان السياسي الكامل”.(10)

وأما معيار العدالة، فإن المدينة الفاضلة تترتب على أجزاء ثلاثة “المديرون، والصناع، والحفظة، ويترتب على كل جنس منهم رئيس تحته رؤساء يلونه يترتب عنهم رؤساء يلونهم، إلى أن ينتهي إلى إفتاء الناس، تلك هي العدالة حيث يبقى كل في موقعه لا يتعداه إلى عمل آخر، أو إلى عملين معًا”.(11) وأما طبقات المدينة الفاضلة فهي أربع: “الحكماء: يعرفون الحقيقة، وهم أهل الفضيلة، هم (الأفاضل). ثم ذوو الألسنة، أو الخطابيون، وصناعتهم الفقه وعلم الكلام والخطابة والشعر، ثم المقدرون، ودورهم تدبير العدالة بين أهل المدينة وحفظ السنن، أما صناعتهم فالحساب والهندسة والنجوم والطب. ثم هناك رابعاً المجاهدون وصناعتهم الحرب والمدافعة، والشجاعة هي فضيلة هؤلاء الحامية للمدينة، ويضيف الطوسي طبقه خامسة من المهتمين بشؤون المال والأرزاق والخراج وواردات الدولة”.(12)

“وفي المدينة الفاضلة الجميع يعمل والبطالة محرّمة، فلكل واحد منفعة للمدينة، وتحرّم البطالة والتعطل، ويُردع هؤلاء فإن لم يرتدعوا نفاهم من الأرض، فإن كان السبب مرضًا أو آفة أفرد لهم موضعًا يكون فيه أمثالهم، ويكون عليهم قيّم”.(13) أما (النوابت) الذين يشكلون خطرًا على المدينة الفاضلة على غرار ما يحصل في حقل صالح تظهر فيه نباتات غير صالحة فيحدثنا عنهم الفارابي وابن ماجة ثم الطوسي والدواني حيث “النوابت هم المراؤون، والمحرّفون، والباغون، والمارقون، والمغالطون، وهناك أنواع أخرى أيضًا على هذا الغرار. فهم أفراد يضادون المدينة الفاضلة كما يقول الفارابي”.(14)

 

(10)

وإذا كانت المدينة الفاضلة عند فلاسفة العرب واحدة لأن الحق واحد، والخير واحد، فهذان لا يتعددان إلا في مضادات المدينة الفاضلة، فإن المدينة الجاهلة متعددة الأشكال والنماذج ويصنفها الطوسي بخمس مدن هي:

  1. المدينة الضرورية: قصد الاجتماع للحصول على ما هو ضروري للبقاء “وهو قول مرتكز على تعريف الفارابي بأن قصد أهلها الاقتصار على الضروري مما به قوام الأبدان من المأكول والمشروب والملبوس والمسكون والمنكوح، والتعاون على استفادتها”.(15)
  2. المدينة النذلة: “مقصود أهلها التعاون على جمع الثروات، والاستكثار من الضروريات، لا ينفقون إلا الضروري، ورئيسهم هو الأقدر في مجال الحصول على الممتلكات وعلى حفظ المال”.(16)
  3. مدينة الخسة: “مقصود أهلها الاستمتاع بالملذات الحسية من كل نوع فهم يبحثون عن اللذة، لا عن حفظ الأبدان ورعايتها ورئيس تلك المدينة هو الأقدر على تحصيل وسائل اللذة وتوفير وسائل الرغبة لأهل تلك المدينة”.(17)
  4. مدينة الكرامة: “يتعاون أهلها على أن يعيشوا ممدوحين، معروفين بين المدن فقصدهم تحصيل الكرامة ويكون الحصول على الكرامة في هذه المدينة إما عن طريق الغلبة وإما الحب”.(18)
  5. المدينة الحرة: “هي المدينة الجماعية عند الفارابي، لكن الطوسي يفصّلها ويتوسّع، فهي اجتماع الحرية، أو مدينة الجماعة، مقصود أهلها أن يكونوا أحرارًا، يعمل كل منهم ما يود، دون اعتراض الآخرين له، أهلها سواسية لا يتقدم الواحد على غيره إلا بالمزيد من الحرية، والرئيس هنا مساوٍ لأي مواطن آخر، وأهل المدينة هم الذين يسيطرون على الرئيس، ويجبرونه على فعل ما يرغبون، بل يذهب النظر هنا إلى القول بعدم وجود رئيس، والرئيس في جميع الأحوال، والحال في المدن الأخرى غير الكاملة، فالأقدر هنا هو الأشد دفاعًا عن المساواة والحرية”.(19)

إن تصنيف العرب للمدينة الحرة ضمن المدن الجاهلة (غير الكاملة) يُظهر مدى التمسك الصارم بمعايير العدالة والمساواة إلى جانب معيار الحرية.

 

(11)

رابعًا: أما في أوروبا، وفي الفترة المعاصرة ذاتها، ينسبون إلى ملك فرنسا، الذي برز في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، الذي ظهر في مقاطعة (ماكوفيس) ولادة نظام الحكم الاقطاعي حيث “شن الملك الحروب في بادئ الأمر لوضع حد لاستقلال هذا السيد الاقطاعي المحلي أو ذاك، وخاض (حروباً شخصية) لأن التحالفات التي شكلها بغية التقسيم والحكم كانت عبارة عن انقسامات اقطاعية بين النبلاء القريبين، أما الاعتراف والدعم اللذان طالب بهما من واسعي السلطة على اختلافهم فكانا من أجل التسلط”(20). وإلى ظهور المدن ينسبون انتقال النموذج من النظام الإقطاعي إلى نظام الأعيان من القرن الثالث عشر وحتى القرن السادس عشر في أوروبا، فالعناصر الأساسية في نظام الأعيان متفوقة في اهتمامها بمسائل الامتيازات والحقوق كحقوق الحاكم أو الحقوق الشخصية لكل طبقة اجتماعية ازاء حقوق الطبقات الأخرى، لكن “كان ثمة استمرار أساسي فيما يتعلق بهذه النقطة بين نظام الأعيان، ونظام الحكم الإقطاعي. لكن الاصلاح القسري للحقوق المنتهكة على يد أولئك الذين يطالبون بالحقوق أصبح أقل تكرارًا في ظل نظام الأعيان، كالحاكم الذي يعمل غالبًا وفق الاحتجاجات الموجهة إلى ميول الإقطاعيين بسلب وتقتيل أتباع بعضهم بعضًا كطريقة للدفاع عن حقوقهم المختلف عليها بحيث يلجؤون إلى تسليح أنفسهم لحمايتها. فقام الحكام في مختلف الأقاليم أيضًا بتأسيس أنظمة للمحاكم لإقرار العدل على أساس سن قانونهم الجديد الذي تعلموه”.(21)

أما نموذج الانتقال إلى نظام الحكم الاستبدادي بين القرنين السابع عشر والثامن عشر فيرتبط أفضل ارتباط بمجموعة جديدة من المطالب السياسية المحددة: “فتقوية الحكم الاقليمي واندماج إقليم أصغر وأضعف في أقاليم أكبر وأقوى منها والعمليات التي استمرت خلال التقدم التاريخي لنظام الأعيان بكامله أفضت إلى تكوين عدد صغير نسبياً من الدول المستقلة التي دافعت عن نفسها كدول ذات سيادة وارتبطت بالأخريات بصراع داخلي طويل الأمد على السلطة، وتنافسي ينطوي على المجازفة”.(22)

 

(12)

لقد رأى (توكفيل) أن هنالك عناصر استمرار كثيرة وهامة فيما بين الأنظمة السياسية الاستبدادية (ما قبل الثورة الفرنسية وما بعدها)، وكان هنالك سببان أساسيان لمثل هذا الاستمرار، أحدهما خارجي، والآخر داخلي، فأهمية العلائق السلطوية فيما بين الدول لم تستمر، فحسب، بل زادتها أفكار القومية والتزاحم الأوروبي على الأسواق والموارد في الأصقاع الأخرى من العالم. أما من الناحية الأخرى “فكان هناك التعقيد المتنامي في المجتمع المدني نفسه، وفي الشدة المتزايدة لصراعاته الطبقية، وفي كلا المستويين، كان من مصلحة الطبقة البرجوازية أن تحافظ على إمكانية الدولة في التوجيه الاجتماعي وتقويته، والدفاع عن الحدود الوطنية وتخفيف النزاع أو قمعه وهي مظاهر للحكم أصبحت راسخة في جهاز الدولة على مدى قرون فكان يجب صياغة ذلك الجهاز وجعله مسؤولًا عن المراقبة بما يقوم به من تأسيس للمجال العام دونما تجريد أو إضعاف أو تخريب خطير لقدرته على ممارسة حكم المجتمع”.(23)

فقد جمع الحاكم المستبد كما يقول كاسيرر في شخصه “سلطات الحكم التي كانت في نظام الأعيان موزعة على كثير من الأفراد والهيئات المتمتعين بالامتيازات. فقد ركز تلك السلطات إضافة إلى تلك القديمة منها ذات الأصول الملكية في جهاز متكامل غايته وضع سياسات الدولة وتنفيذها.”(24)

فالبرجوازية في أوروبا لم تصنع الأمم والمجتمعات والدول الأوروبية، وإنما تمكّنت (بعد أن عجزت الكنيسة والملوك والأمراء والأعيان عن استمرار سيطرتهم على أجهزة “الدول” الأوروبية). ومن ثم عملت تلك البرجوازية على صياغة منظوماتها القانونية على أساس الحق الطبيعي الذي يتيح لها السيطرة على الدولة والمجتمع من جهة، ومن ثم التخفيف من الصراع الداخلي بتوجيه تلك الدول إلى الغزو الخارجي وتحقيق مضمون امبراطوري بأطر حديثة، ما يعنينا أنهم يؤرخون للدولة المعاصرة بانفصال الدولة عن أشخاص الحكام ويتجاهلون الدول التي قامت خارج القارة الأوروبية، فقبل أن يعرفوا انفصال الدولة عن أشخاص الحكام، وخضوع الدولة والأجهزة لنظام عام بعدد من القرون، كان الخليفة أبو بكر الصديق يقول لجموع ” الشعب” بعد اختياره خليفة: “وُلّيت أمركم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، وأطيعوني ما أطعت الله فيكم”.

هنا “الحاكم” يستمد مصدر السلطة من الشعب مباشرة ويعطي “للشعب” حق الحساب والعقاب وحق المراقبة في الخضوع للدستور “القرآن”، وللقوانين “السنة”، وباب الاجتهاد مفتوح لتحقيق المصالح المرسلة للمجتمع. وهذا عمر بن الخطاب يخاطب “الشعب” بعد اختياره خليفة “من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقوّمه” فيجيبه مواطن من الجموع: “لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوّمناه بسيوفنا”. فيقول عمر: أحمد الله أن أوجد في الأمة من يقوّم عمر بسيفه”.

وهذا علي بن أبي طالب يتلقى البيعة بالخلافة بعد عمر بن الخطاب من اللجنة المعينة لاختيار خليفة حيث يخاطبه ابن عوف: بايعتك على أن تحكم بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين، فيجيب علي: “قبلت على أن أحكم بكتاب الله وسنة رسوله وأجتهد برأيي” فكرر ابن عوف الايجاب وكرر علي القبول المشروط ثلاث مرات فسحب ابن عوف البيعة، وأعطاها لعثمان بن عفان الذي قبلها دون شروط.

لقد كانوا أقرب المقربين الى الرسول العربي، لكن لم يستمدوا الحق بالسلطة من هذه القرابة، ولم يستمدوا الحق في الحكم من مواقفهم وتضحياتهم، ولم يستمدوها من الله، فقد تعلموا أن يستمدوا هذا الحق من الالتزام بالدستور والقوانين والاجتهاد. صحيح أن الأمور تغيرت في بلاط بني أمية وبني العباس، وولدت امبراطورية على شاكلة امبراطوريات ذلك العصر، وتفاعلت بعد ذلك عوامل داخلية مع عوامل خارجية في إيقاف عجلة تطور الجماعة التي اكتملت تكوينًا كأمة عربية. لكن المبادئ والمواقف كانت قد دخلت ذاكرة التاريخ والأجيال المتعاقبة، ولا يحق لأحد أن يتجاهلها تحت أي ادعاء. نعم، لم يتبع من سموا أنفسهم خلفاء بعد ذلك هذا النهج الإنساني القويم، بل إنهم انقلبوا عليه، لكن هذا النهج سيبقى أساساً صلباً يبني عليه جيل عربي قادم، بما يتناسب مع الظروف الموضوعية المعاصرة، دولة بمواصفات إنسانية تحقق الحرية والعدالة والمساواة لمواطنيها وللإنسانية جمعاء.

المهم، إن عدم الاستقرار في أوروبا تفاقم في القرن التاسع عشر بسبب معيارين متناقضين: “أحدهما هو مبدأ القومية، وبه تمكنت الدولة من أن تدّعي أن السكان الخاضعين حالياً إلى دولة مجاورة، وهم من الناحية (القومية) نفس السكان الذين تنحدر منها الدولة المدعّاة ومن ثم ينبغي أن ينضموا إليها في نظام حكم واحد. أما الثاني: فكان عبارة عن المناداة بالحدود الطبيعية؛ أي الحدود المادية التي تقدم إلى الدولة الدفاع العسكري بمفهوم السلامة والكمال، ومن الممكن تطوير كلا المفهومين أو نبذهما كلما بدا ذلك مناسباً في الأوضاع الخاصة” (25).

 

(13)

خامسًا: هكذا يمكن رؤية الدولة الحديثة كمجموعة معقدة من التنظيمات المؤسساتية للحكم التي تعمل بواسطة الأنشطة المستمرة والمنظمة للأفراد الذين يشغلون المناصب وتحتفظ لنفسها بمهمة الحكم في مجتمع محدد اقليميًا كما تحتكر قانونيًا، وقدر الإمكان في الواقع، كافة السلطات والمرافق المرتبطة بتلك المهمة، ففي أوروبا وجدت كل دولة كدولة أولاً وقبل كل شيء، ثم من خلال المنافسة مع الدول الأخرى المشابهة لها. “فشكلت هذه الدول معاً نظاماً أساسياً مختلفاً عن الامبراطورية القديمة ببنيته الرأسية المتغايرة، وبعناصره الأساسية شبه المهيمنة المرتبطة بالمركز الملكي بعلائق تابعية”.(26)

وقد أُطلق على تلك الدول الحديثة لقب الدول الدستورية تمييزاً لها عن الدول الاستبدادية السابقة لها، يقول جيان فرانكوبوجي: “ميزة الدولة في القرن التاسع عشر وحدة في إقليم الدولة الذي تحده قدر الإمكان حدود جغرافية متواصلة من الممكن الدفاع عنها عسكريًا. كما أن هناك عملة واحدة، ونظامًا ماليًا موحدًا. وبصورة عامة ثمة لغة قومية واحدة. وهنالك نظام قانوني موحد يسمح للتقاليد القانونية البديلة بالمحافظة على الشرعية في المناطق النائية. لقد حققت الدول الغربية هذه الأهداف تدريجيًا خلال بضعة قرون، وفي القرن التاسع عشر عملت كافة الدول على تحقيقها بكل وعي وجلاء وهي في الغالب مرتبطة بأفكار القومية. أما أكثر الاستثناءات الهامة لمبدأ الوحدة فكانت الدول الاتحادية، وحتى هنا تجسّد المبدأ في بنية اتحادية وحكومة اتحادية كُلفت في أقل تقدير بتوجيه العلائق الخارجية”.(27)

لقد جاءت الدول الاتحادية في أوروبا لتحل مشاكل التخوم القومية بين الأمم الأوروبية التي اكتملت تكوينًا حيث تداخلت في بعض المناطق شعوب تنتمي إلى أمم مختلفة، فكانت الدول الاتحادية هي الحل، لكن ما يلفت النظر في هذا المجال هو أن الفقه الأوروبي يلح على أن من أهم ميزات الدولة الحديثة هو كونها دولة محددة بحدود ثابتة وبالتالي فإنها معروفة المساحة وعدد السكان، ومرة أخرى نلحظ أن المقصود بهذا التحديد هو (الأرض الأوروبية فقط) وإلا كيف يمكن أن نفسّر أن رئيسة الحكومة البريطانية السابقة مارغريت تاتشر جنّدت حملة عسكرية ضخمة إلى جزر الفوكلاند التي تبعد مئات الأميال عن دولتها (الحديثة والديموقراطية) لأنها تابعة للتاج البريطاني، فهي جزر من أراضي جلالة الملكة كما تدعي؟ وكيف نفسر أن الأشقاء عرب الجزائر اضطروا إلى تقديم مليون ونصف مليون شهيد لإقناع جمهورية فرنسا الدستورية الديموقراطية وأحزابها الرأسمالية والاشتراكية في أن أرض الجزائر ليست جزءاً من الجمهورية الفرنسية؟ والأمثلة كثيرة وبالغة الدلالة بهذا الشأن.

 

(14)

سادسًا: إن الدول في عالم اليوم متلاصقة على اليابسة جنبًا إلى جنب، والمناطق المحايدة والمتنازع عليها محدودة، لكن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نضع تلك الدول تحت معايير وميزات واحدة، ذلك أن العصر الامبريالي الراهن وريث العصر الامبراطوري المنصرم يضع البشرية أمام خيارات صعبة، فبعد العدوان على الشعوب بالجيوش والأفيون والشركات الاحتكارية الضخمة، والشركات متعددة الجنسيات، يتضح الآن ذلك “العدوان” بالدول على أغلب أمم الأرض لتصبح مشكلة المشاكل في هذا العصر بالنسبة للعديد من أمم الأرض كيف تتحرر من “دول” تشكل سدًا أمام تقدمها وتطورها، والقضية هنا بالغة التعقيد فلسنا أمام سيطرة جماعة تابعة، أو عميلة لقوى أجنبية على نظام الحكم يمكن التخلص منهم عبر نضال سياسي بسيط، أو عنيف، وإنما نحن أمام “دول واقعية” بالغة التعقيد والتنظيم والمقدرة تهدم البنى الأساسية للأمة والوطن فتغذّي أمراضًا سرطانية متفاقمة في تلك الزاوية من الوطن وتجتث الحياة من خلايا أخرى في الوطن ذاته. فيصبح أي حديث عن التطور والتقدم مجرد سراب. ويصبح أي حديث عن إصلاح مؤسسات تلك الدول أو تغيير منظوماتها القانونية، أو تعديل مسارها الاقتصادي أو الاجتماعي مجرد مضيعة للوقت، فالحل الوحيد هو إزالتها من الوجود لرفع التشويه عن الوطن والأمة لتتمكن من التطور والتقدم بما تملك، وببناء الدولة المشروعة التي تتطابق حدودها مع حدود الأمة أرضًا وشعبًا. فالدولة “طريقة لتنظيم الحياة الجماعية لمجتمع معين”(28) كما يقول لاسكي، وليست عدوانًا على المجتمع تُفكّكه إلى دول عديدة عاجزة عن الحياة إلا بقدر ما تدمر المجتمع لصالح قوى السيطرة الخارجية.

ويقول لاسكي: “المجتمع الامبريالي قام على زعم ضمني أن جنسًا متفوقًا يحكم جنسًا متخلفًا يفترض طبعًا أن حقوقه نابعة من سلطته في أن تُطاع إرادته”(29) ويضيف: “إن السلام الرأسمالي بحكم طبيعته ليس سوى هدنة بين حربين، والعلاقة بين الرأسمالية والدولة الوطنية تستتبع في المدى البعيد اختفاء السلام واشتعال الصراع”(30). ويقول بوردو: “عندما يُدرك الإنسان أن السلطة وحدها يُمكن أن تجسّد نظامًا على قياس الأهداف التي تسعى إليها الجماعة، والتي تتكون حولها شركة الأجيال الحالية مع الأجيال الماضية، وتلك التي ستأتي في المستقبل حينئذ تولد فكرة الدولة ومعها حقيقة الدولة نفسها”. (31)

 

(15)

وكان أرسطو قد عرّف الدولة بالقول: “الدولة هي أحد مخلوقات الطبيعة توجد لتوفر حياة طيبة”. أما أوغسطين فقال: “الدولة أصل الخطيئة الأولى لأن الإنسان الشرير بميوله يشعر أنه بحاجة ليعيش في ظل سلطة تكبح هذه الميول”. بينما رأى هيغل “أن الدولة هي الله يسير على الأرض”. وقال عنها ترازيماخوس: “الدولة ليست سوى حكم الأقوى”. وعبّر هربرت سبنسر عن رأيه فيها بالقول: “الدولة شيء لم يكن موجودًا في أيام الرجل البدائي” وهو يأمل بأن يعود ذلك اليوم السعيد الذي تختفي فيه الدولة من الوجود، ويشاركه كارل ماركس هذا الأمل”.(32)

أما دوغيه فيقول: “الدولة جماعة من الناس بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة وهي في رأيه ظاهرة اجتماعية”. أما التعريفات الحقوقية للدولة فتعتبرها “مجموعة أفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين وتسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة، أو أنها مجموعة دائمة ومستقلة من الأفراد يملكون إقليمًا معينًا وتربطهم رابطة سياسية مصدرها الاشتراك في الخضوع لسلطة مركزية تكفل لكل فرد منهم التمتع بحريته ومباشرة حقوقه”.(33)

المهم أن فقهاء علم القانون، الذين لا يتفقون على تعريف واحد للدولة، يتفقون على العناصر أو الأركان التي يجب أن تتوافر لأي مجتمع ليكون دولة وهي :1. شعب. 2. أرض. 3. سلطة. 

ويضيف البعض عنصرًا، أو ركنًا رابعًا، وهو الاعتراف الدولي لكن “هذا محل خلاف كبير فيما بينهم يدور حول ما إذا كان الاعتراف لازمًا لتوجد الدولة أم للإقرار بوجودها أم للأمرين معاً”. وفقهاء علم القانون، في كل هذا “يصفون” الدولة “النموذج” كما يقول د. عصمت سيف الدولة، ولكنهم لا يهتمون بكيفية قيام الدولة “الواقعية” فيكفيهم أن تقوم في الواقع بعناصرها النموذجية لتكون عندهم دولة ثم يبدؤون، بعد هذا، في شرح دلالات عناصرها والآثار القانونية “الحقوقية” المترتبة عليها. فماذا عن أركان الدولة؟

 

مراجع وهــــوامـــــــــــــــش:

(1) النظم السياسية- الجزء الأول د. ثروت بدوي- دار النهضة العربية- القاهرة صفحة(22).

(2) المصدر السابق صفحة (25).

(3) نظرية الدولة والحق -رادومير لوكيل- ترجمة عبد الهادي عباس (مخطوط) صفحة (4).

(4) المصدر السابق صفحة (4).

(5) الدولة والأسطورة -أرنست كاسيرر- ترجمة، أحمد حمد محمود- الهيئة العامة المصرية للكتاب- القاهرة 1975 صفحة (148).

(6) المصدر السابق صفحة (150).

(7) المصدر السابق صفحة (151).

(8) الاجتهاد -العدد 6 -السنة الثانية 1990 – دار الاجتهاد -بيروت- علي زيعور صفحة (78).

(9) المصدر السابق صفحة (79).

(10) و (11) و (12) المصدر السابق صفحة (80).

(13) المصدر السابق صفحة (82).

(14) المصدر السابق صفحة (83).

(5 1) و 16 و 17 و 18 و 19) المصدر السابق صفحة (76).

(20) تطور الدولة الحديثة -جيان فرانكوبوجى -ترجمة محى الدين الشعراني – وزارة التقافة السورية 1987 صفحة (59).

(21) المصدر السابق صفحة (89).

(22) المصدر السابق صفحة (94).

(23) المصدر السابق صفحة (126).

(24) المصدر السابق صفحة (166).

(25) المصدر السابق صفحة (133).

(26) المصدر السابق صفحة (129).

(27) المصدر السابق صفحة (137).

(28) الدولة في النظرية والتطبيق -هارولد لاسكي -ترجمة أحمد غنيم وكامل زهيري – “الطليعة بيروت ” الطبعة الثانية 1963 صفحة (42).

(29) المصدر السابق صفحة (267).

(30) المصدر السابق صفحة (259).

(31) الدولة -جورج بوردو -ترجمة د. سليم حداد -المؤسسة الجامعية للنشر – بيروت 1985 صفحة (55).

(32) الدولة والحق – رادومير لوكيل- مصدر سابق- المقدمة صفحة (2).

(33) المصدر السابق صفحة (2).