الكتاب: الإسلاميون والدين والثورة في سورية

تأليف: محمد أبو رمان

الناشر: مؤسسة فريدريش ايبرت

مكان النشر: مكتب الأردن والعراق/ مكتب سورية.

تاريخ النشر: 2013.

 

في الوقت الذي يرى فيه خبراء وسياسيون هذا البروز الإسلامي الثوري في سورية أمرًا طبيعيًا وملجًا اضطراريًا لمواجهة اختلال موازين القوى؛ فإنه يطرح لدى خبراء آخرين هواجس وتساؤلات عديدة، تعزز هذه الهواجس ظواهر متعددة طفت إلى السطح بصورة أكثر وضوحًا مع عسكرة الثورة، وتعثر مسار الحل في الأفق السياسي الداخلي، واستعصاء عملية التغيير السلمي، وفشل المجتمع الدولي في التوصل إلى حلول توافقية، وفي هذا الإطار تحاول دراسة الباحث محمد أبو رمان الإجابة عن جملة من الأسئلة وتفكيك مجموعة من الإشكاليات حول طبيعة الاتجاهات الإسلامية والجماعات المسلحة؛ وتكوينها الداخلي، وأهدافها السياسية ومدى انتشارها وحضورها، واتجاهها الفكري وخطابها الأيديولوجي، وموقفها من الديمقراطية والحريات. في محاولة لتقديم تحليل يتناول الخلفيات الأيديولوجية والتاريخية للحركات الإسلامية وكذلك خطابها، بشكل يربط بين أجنداتها السياسية والدينية، كما يوضح التحديات التي تواجهها، مقترحًا تصنيفًا للأجندات الرئيسية التي يتبعها اللاعبون الإسلاميون المختلفون، كما يقيم تأثيرها المحتمل.

وللوصول إلى هذا الهدف يتبع الباحث تقسيمًا منهجيًا، للتمييز بين اتجاهات فكرية وسياسية رئيسة، تتفرع لمجموعات وجماعات صغيرة ضمن كل اتجاه، وذلك في محاولة لرسم خارطة واضحة يُستند عليها في التعرف على الأطر العامة التي تميز بين الفاعلين الإسلاميين في سورية؛ فكانت على الشكل التالي:

الاتجاه الأول: الإخوان المسلمون

الاتجاه الثاني: السلفي

الاتجاه الثالث: الصوفي

الاتجاه الرابع: الإسلاميون المستقلون

يضيف الباحث إلى الاتجاهات الأربعة السابقة دور المشايخ وعلماء الدين وما يتبع لهم من مؤسسات دينية وجمعيات خيرية، ويحاول أن يناقشها ضمن التصنيفات السابقة، حيث يدرس الباحث الاتجاهات السابقة على مستويين:

الأول: على صعيد البنية والتكوين والحضور والدور. الثاني: على صعيد الخطاب الأيديولوجي وموقفها من طبيعة الصراع والديمقراطية والتعددية وحقوق الأقليات والنظام السياسي المنشود.

 

قبل أن يلج الباحث إلى دراسة الاتجاهات الأربعة بشكل تفصيلي، ومقاطعة أجنداتها الدينية مع السياسية، واستشراف مآلات وأثر تلك الأجندات على مسار الصراع أو ما بعده؛ فإنه ينطلق من أربع فرضيات كأطر عامة للدراسة ومسار يتحرك البحث ضمنه، إلا أن تلك الأطر العامة والفرضيات وبعد ثلاثة أعوام من إعداد هذه الدراسة، لا بد من فحصها من جديد وفقًا للمتغيرات المحلية والدولية والإقليمية، وقد أورد الباحث الفرضيات على الشكل التالي:

  • ضرورة الفصل والتمييز بين الجوانب المختلفة للإسلام في الثورة السورية، وعدم الخلط بينها وتحديدًا الدور الرمزي والروحي، الذي يمثل الغالبية من المجتمع السني السوري، وهو ما يختلط أيضًا بالشعور الطائفي، وبين الالتزام الأيديولوجي والحركي الصارم، الذي يمثل الإسلام السياسي ويختلف في طبيعته وتكوينه وأهدافه عن الجانب الأول.
  • أغلب أبناء الفصائل الإسلامية المسلحة، ليست لهم خلفية أيديولوجية وتنظيمية إسلامية، فهم من الوافدين الجدد، ارتبط حضورهم بطبيعة الثورة وما فرضته من خيارات روحية وسياسية على المجتمع السوري.
  • إن ظاهرة الإسلام السياسي في الثورة السورية تتحدد بطبيعة الظرف الاستثنائي القسري، الذي تفرضه الثورة المسلحة، ما يعني أن هذه الظاهرة مرشحة بالضرورة في مراحل لاحقة للتطور والتحرك، بخاصة إذا بقيت هذه الظروف والإكراهات.
  • الدور الحيوي للريف والأطراف في الثورة المسلحة، مع ضآلة دور كل من دمشق وحلب المدينة، ما فرض نمطًا من التدين أقرب إلى الطبيعة الريفية والبدوية من جهة، ويتواءم مع الثورة المسلحة من جهة أخرى، وهو ما يفسر بصورة كبيرة بروز الاتجاه السلفي، بينما بقي الاتجاه الإسلامي المدني مترددًا، وبعضه متحالفًا مع النظام، وأغلبه محسوبًا على الاتجاه الصوفي.

 

سنعمد خلال هذه المراجعة إلى إعادة فحص تلك الفرضيات، وفقًا للمتغيرات المحلية والدولية والإقليمية وانعكاسها على الجماعات الإسلامية في سورية، وسنتناولها ضمن سياق عرض هذه الدراسة كي لا ننتزعها من سياقها البحثي. خصوصًا أن تلك الفرضيات قد يبنى عليها الكثير في سياق دراسة الحركات الإسلامية في الثورة السورية. 


 

الفصل الأول: الإخوان المسلمون

الجماعة التي كانت تحظى بحضور اجتماعي سياسي علني وملحوظ في العقود السابقة، إلى عقد الثمانينيات عندما وقعت المواجهات الدموية بينها وبين نظام حافظ الأسد، لتعود الجماعة اليوم مع الثورة السورية، بوصفها فاعلًا سياسيًا مهمًا. يبدأ الباحث الفصل الأول من دراسته بجماعة الإخوان المسلمين في سورية، إذ بعد أن يستعرض بشكل مكثف تاريخها السياسي وعلاقتها مع الأسدين الأب والابن، ينطلق لمناقشة وتحليل دورها في الثورة السورية عبر أربع نقاط:

  • تضخم الخارج “العمل الأخطبوطي”:

يستعرض الكاتب عبر هذه النقطة بداية نشاط الجماعة في العمل السلمي الثوري من الخارج، والذي كانت بدايته إعلامية عبر إطلاق صفحة الثورة السورية والتي تحولت فيما بعد إلى إحدى أهم المنابر الإعلامية الناطقة باسم الثورة، ويركز على الدور الذي لعبه عبيدة النحاس وأحمد رمضان اللذين استقلا عن الجماعة في العام 2010  على خلفية سيطرة جناح حماة، ليؤسسوا مع بداية 2011  ما سمي بـــ” العمل الوطني” والتي تبنت خطابًا ديمقراطيًا إصلاحيًا وساهمت فيما بعد بفعالية في تأسيس “المجلس الوطني”، وفي مرحلة لاحقة من العام 2012  تأسس الائتلاف الوطني السوري في الدوحة كمحاولة من أصدقاء سورية لإيجاد تمثيل سياسي أوسع للثورة لا يكون فيه الإخوان هم المتنفذ الأكبر، وعلى الرغم من محاولات الجماعة التقليل من ثقلها السياسي داخل هيئات المعارضة؛ إلا أن بعض خصومها ما زالوا يتهمونها باستخدام علاقاتها الداخلية والخارجية مع الدول وتقديم شخصيات علمانية تتمتع بعلاقة جيدة مع الجماعة، والعمل من خلفها، كما هو الحال مع برهان غليون أو جورج صبرا.

  • غموض الدور العسكري:

يعتبر الباحث أن التضخم في الدور السياسي الخارجي يقابله ضمور داخلي على صعيد المشهد الداخلي والثورة المسلحة، والذي يعزوه إلى أسباب عديدة تتراوح بين الانقطاع الطويل عن الداخل وهيمنة جيل الشيوخ على القيادة وعدم إدراكهم للتحولات الكبرى التي طرأت على المجتمع السوري من الناحية الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الماضية، فيما يركز في تفسير انحسار الجماعة على الأرض ببروز دور الريف على المدينة في عسكرة الثورة، باعتبار أن المدن الحاضن التاريخي لدور الجماعة.  وهنا يجب التركيز على فرضية الباحث في الريف والمدينة ودورهما في التأثير على الصراع السوري وحركاته الإسلامية.

  • ضمور الشعبية وترميم التنظيم:

كان التنظيم يعاني عشية الثورة من انقسامات داخلية وترهل حقيقي تدركه جيدًا قيادات الجماعة، ومرده الأبرز للغربة الطويلة عن المجتمع السوري وشيخوخة القيادة وضعف جاذبية الجماعة للشباب السوري، ومع بداية الثورة اعتمدت الجماعة استراتيجيات جديدة للعودة إلى الداخل وترميم التنظيم والتكيف مع الظروف الجديدة، فعلى صعيد القيادة اتجهت الجماعة إلى التوحيد بين جناحي حلب وحماة، وجرت إعادة تشكيل للمكتب التنفيذي فأصبح أعضاؤه 22 عضوًا من بينهم سيدتان، كما أطلقت الجماعة نشاطًا سياسيًا حزبيًا جديدًا “وعد”، كما تطورت علاقاتها مع بعض منظمات المجتمع المدني.

  • التحديات والآفاق المستقبلية:

يعتبر الباحث أن “استعادة التوازن بين الداخل والخارج” أهم التحديات التي تواجه الجماعة، إضافة إلى ظاهرة الاستقطابات والانقسامات داخل صفوف الجماعة، ناهيك عن إعادة إحياء التنظيم وترميمه وتطعيمه بالشباب. بالمقابل فإن الباحث يعتبر أن الجماعة تمتلك نقاط قوى تتمثل في قدرتها السياسية والإعلامية في الخارج إضافة إلى خبرتها في التجنيد والتنظيم.

من خلال استعراض الباحث لواقع الإخوان المسلمين وتموضعهم السياسي والعسكري في الثورة السورية والتحديات التي قد تواجهها الجماعة؛ يتبين أن بعض الفرضيات في هذا السياق تحتاج لإعادة نظر بحكم الوقت الذي مر منذ إعداد الدراسة، مقابل فرضيات أخرى تحتاج لفحص أكبر كونها لا تتعلق بالإطار الزمني لإعداد الدراسة.

  • فضمن نقطة ضمور الدور العسكري في الداخل لجماعة الإخوان المسلمين، نجد اليوم وبعد ستة أعوام على الصراع بأن الجماعة باتت تمثل بحضور عسكري مقبول في الساحة السورية سواء بارتباط مباشر” فيلق الشام” أو غير مباشر كبعض الفصائل الأخرى، وإن لم يكن هذا الحضور بحجم الثقل السلفي العسكري إلا أنه قابل للحياة بشكل أكبر.
  • بالنسبة لنقطة التحديات والآفاق المستقبلية يتبدى اليوم وبعد أعوام الصراع السوري بأن التحديات التي تواجه الجماعة أكبر بكثير من مجرد تحقيق التوازن بين الداخل والخارج أو رأب الصدع الداخلي في صفوف الجماعة، وإنما يتمثل التحدي الأبرز اليوم في التحول إلى نمط المحلية واللا مركزية التي أدرك التنظيم العالمي أهميتها وضرورة فصل الدَعَوي عن السياسي، وهو ما بدأت به حركة النهضة في تونس، إضافة لكون الإخوان اليوم جزءًا لا يتجزأ من الصراع الإقليمي، بين الدول الداعمة للتنظيم (تركيا، قطر) وبين المحور المناهض له (الإمارات والسعودية)، وبالتالي احتمالية إدراج التنظيم أو جزء منه كصفقات سياسية في إدارة توازنات المنطقة.
  • أما في تفسير الباحث لانحسار الجماعة على الأرض ببروز دور الريف على المدينة في عسكرة الثورة السورية، باعتبار أن المدن الحاضن التاريخي لدور الجماعة، فهذه الفرضية تحتاج لفحص دقيق سواء لناحية نشاط الجماعة في سورية بين الريف والمدينة، أو لناحية طبيعة الثورة السورية التي يصر الباحث عبر أغلب فصول هذه الدراسة على كونها ثورة أرياف، محاولًا سحب تأثير هذه الفرضية على تموضع الحركات الإسلامية في سورية، ويمكن مناقشة هذه الفرضية بشكل منفرد بعد استعراض كامل الدراسة، وذلك لأهميتها وحساسيتها، كونها يبنى عليها الكثير من التصورات البحثية في مختلف المجالات في حال صحتها أو عدمه.

 

الفصل الثاني: السلفيون القوى الصاعدة

يعتبر الباحث السلفية هي القوة الصاعدة في الثورة السورية، خصوصًا أنها لم تشهد نشاطًا حركيًا مؤسساتيًا قبل الثورة، فقد حالت طبيعة النظام العلماني دون انتشار الأفكار السلفية، كما أدى التزاوج بين النظام والحركة الصوفية إلى قمع السلفية وتراجعها، ومع اندلاع الثورة وتطورها يعتبر الباحث أن السلفية بدأت في الانتشار وتحديدًا في الأرياف، نتيجة لطبيعة الثورة المسلحة التي بدأت في الأطراف وانتقلت إلى المدن. لتتباين تلك السلفية في عسكرة الثورة بين مدارس وتيارات متعددة، حيث يحاول الباحث الغوص بشكل أكبر في الحركة السلفية في سورية عبر نقاط عديدة:

  • قبل الثورة “صعود في الخارج”

يستعرض الباحث خلال هذا القسم تاريخ الحركة السلفية في سورية وتطورها، بداية من جمال القاسمي، ( 1860- 1914) ومحمد رشيد رضا (1865- 1935)، والذي يمثل رائد المدرسة الإصلاحية أو السلفية العقلانية، مرورًا بالجمعية الغراء (1924) التي أسسها عبد المجيد الدقر، وأوصلت أحد قادتها عبد المجيد الطباع إلى البرلمان السوري (1943)، إضافة إلى “جمعية التمدن الإسلامية” أسسها أحمد مظهر العظمة (أصبح وزيرًا)، والتي أصدرت مجلة بعنوان الجمعية للتحول إلى مرجعية للسلفية الشامية، قبل أن تغلق الجمعية 1982 على خلفية أحداث الإخوان المسلمين، وصولًا إلى السلفية الدعوية التي مثلها محمد ناصر الدين الألباني واقترابه من التيار الإخواني السلفي في دمشق. أما الوجه الآخر للسلفية السورية فقد نما وصعد نجمه في الخارج، وهو ما يتعارف عليه في أوساط الباحثين بالسلفية الحركية، والذي مثله الشيخ، محمد سرور بن نايف زين العابدين.

  • في الثورة: عودة السلفية والسلفيين

يعتبر الباحث أن السلفية ملأت فراغًا كبيرًا مع انطلاقة الثورة السورية، وتحديدًا بعد أن ظهرت للعلن عبر العمل المسلح وفصائل مختلفة، إضافة لتقديم سلفيي الخارج دعمًا ماليًا وإعلاميًا كبيرًا، مع ذلك فإن الباحث يعتقد بأن سيولة أفكار هذه الجماعات وأنصارها تحول دون بناء خارطة أيديولوجية واضحة لها، ومسألة خلافية ومتحركة، تبعًا للتغيرات التي تشهدها الساحة المحلية. وهنا نتفق مع الكاتب في هذه الفرضية، فعلى الرغم من بروز تمايز واضح بين الحركات السلفية المسلحة على الأرض إلا أن قابلية التحرك والانزياح من تيار إلى آخر ما تزال قائمة سواء تحت ضغط المجتمع الدولي أو المحلي أو عبر مراجعات أيديولوجية، فإضافة إلى التصنيفات التي استعان بها الباحث (السلفية الجهادية التي ترتبط بالقاعدة بشكل مباشر، وسلفيو الخلافة المؤجلة والتي تندرج تحتها السلفية الجهادية والحركية، وبدأ يطلق عليها السلفية الوطنية أو المحلية، إضافة إلى السلفية التقليدية)، نلاحظ اليوم ومع استمرار الصراع ولادة تيار هجين يتحرك ضمن الأطر السلفية وينتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بحسب متغيرات الظرف الدولي والمحلي، وربما يمكننا أن نطلق عليه مبدئيًا “السلفية البراغماتية”.

  • بين السلفية الشامية والسلفيات الأخرى

يحاول الباحث ضمن هذا القسم أن يمايز بين السلفية الشامية التي أسس لها محمد رشيد رضا وجمال القاسمي وبهجت البيطار وأحمد مظهر العظمة، والتي تمتاز بطابع توافقي عقلاني وانفتاحي، سواء على الحضارة الغربية وبعض مخرجاتها أو على الحياة السياسية وفئات المجتمع الأخرى، وبين السلفيات الجديدة سواء التقليدية التي تقوم على أساس الابتعاد عن العمل السياسي أو الجهادية التي تطمح لقيام خلافة إسلامية، مثل هذه السلفيات تأخذ موقفًا معاديًا من الغرب وأقل انفتاحًا على الثقافة المجتمعية والمشهد السياسي، وأقل حماسًا للديمقراطية. ويرجح الكاتب بأن السلفية التي يمثلها الشيخ سرور زين العابدين، “السلفية الحركية” هي الأكثر قربًا من السلفية الشامية، كونها تؤمن بالعمل السياسي العام، وطورت موقفها من الديمقراطية نحو القبول بها كآليات ومؤسسات مع تحفظها على القيم الديمقراطية الليبرالية الغربية.

  • التحديات المستقبلية أمام تيارات السلفية

يحاول الباحث بناء على النقاط السابقة، التنبؤ بأبرز التحديات التي من الممكن أن تواجه السلفية بتياراتها المختلفة في سورية، ولعل أبرزها يرتبط بمدى قدرتها على تجذير هذه الطفرة وترسيخها بالواقع المجتمعي والثقافي السوري، مع ذلك يقر الكاتب بصعوبة التكهن بمستقبل الحركات السلفية إذ يرتبط ذلك بشكل النظام السياسي المقبل والتطور الموضوعي لمسار الصراع السوري، حيث أن السلفية الجهادية تمتلك فرصًا أكبر ضمن استمرار حالة الفوضى الداخلية، بينما السلفية التقليدية تمتلك شروطًا أفضل في الأرياف والأطراف، في حين أن السلفية الشامية وفرصة إحيائها تبدو أكبر ضمن نسق ديمقراطي، وفي المدن الرئيسة (دمشق وحلب) تبدو فرصتها أكبر.

  • وعلى الرغم من صعوبة الفصل أيديولوجيًا بين الحركات السلفية، إلا أن واقع الصراع الحالي يبدو أنه فرض خطوط تماس واضحة، سواء لناحية سياسة المجتمع الدولي التي أدرجت بعض فصائل السلفية على لائحة الإرهاب وأعلنت عدم قبولها ضمن أي عملية انتقال سياسي، ما ساهم بخلق تمايز واضح وإن لم يكن ثابتًا بصيغته النهائية ومفتوحًا لإدراج فصائل أخرى، إلا أنه ساهم بخلق حالة تمايز واضحة، والذي انعكس بدوره على المجتمع المحلي.
  • ممارسات السلفية الجهادية على الأرض والاحتكاك المباشر مع المجتمع المحلي(إداريًا، وعسكريًا، وخدماتيًا، وشرعيًا)، خفضت من فرضيات تأثير وتغلغل السلفية بالواقع المجتمعي والثقافي السوري، بغض النظر عن فرضية الريف والمدينة التي سنتطرق إليها بتفصيل في نهاية مراجعة هذه الدراسة، ولعل تاريخ 4/3/2015 حمل دلالات عديدة ورسائل محلية كانت بدايتها للحركات السلفية على الأرض، تفيد بتعطش الحاضنة الشعبية لمشروع وطني جامع، هذا ما أكدته عودة السوريين في المناطق المحررة لإحياء الحراك المدني في الرابع من آذار 2016 مستغلين الهدنة رغم هشاشتها، ليرفعوا علم الثورة فقط وسط تعدد رايات الفصائل المؤدلجة التي تسيطر على تلك المناطق.

 

الفصل الثالث: عقدة القاعدة في الثورة المسلحة

مثلت القاعدة إحدى أبرز الإشكاليات في الثورة السورية، فقد أدى صعود القاعدة في سورية إلى نتائج متضاربة، فالنظام السوري عمل على استثمار ذلك إلى أبعد مدى للتخويف من شبح الأصولية الإسلامية والجهادية العالمية، بالمقابل فإن الدول الأوروبية استغلت حضور القاعدة لتبرير الخوف من تسليح المعارضة المسلحة، فيما وقعت الفصائل المسلحة في ارتباك حقيقي في التعامل مع توابع القاعدة، ما بين إدراكها لدور القاعدة الفعَال في القتال ضد النظام السوري، وبين خطورة هذا الحضور على هوية الثورة وأهدافها والدعم الخارجي لها. وبناء عليه يحاول الباحث دراسة هذا الدور تاريخه وواقعه ومدى نفوذه ومآلاته المحتملة، وفقًا لعدة نقاط:

  • الأسد والقاعدة: السحر والساحر: يعزو الباحث بداية بروز البيئة الخصبة للقاعدة في سورية إلى حقبة التسعينيات وما اتبعه خلالها النظام السوري من خصخصة وما خلفته من فقر وتهميش وظروف اقتصادية صعبة في الأطراف والأرياف، بالتوازي مع سياسات النظام الداعمة “للمقاومة” في فلسطين ولبنان وفترة حرب العراق، وما استتبعته من آليات ساعدت على تدعيم ثقافة دينية محافظة في هذه المناطق متقبلة للأفكار الراديكالية، مع حرمان الإسلام المعتدل المدني من العمل المؤسساتي العلني. فمع بداية 2003 بدأ يبرز اسم “أبو القعقاع” (محمود قولا أغاسي)، ليبرز في 2006 تنظيم الفلسطيني شاكر العبسي “فتح الإسلام” في نهر البارد والمرتبط مع المخابرات السورية قبل أن يعود ويقلب السحر على الساحر.
  • نمو القاعدة… الانبثاق والتوسع

باستثناء تلك المجموعات الصغيرة وعملياتها النوعية لم يكن هناك وجود فاعل للقاعدة على الأراضي السورية، ولكن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وانتقالها للعمل المسلح، وسعي الأسد لتوليد القاعدة ولو قسريًا باعتبارها فزاعة للغرب، بدأت “أنوية” صغيرة بالتشكل، وتحديدًا في بداية العام 2012 مع إطلاق سراح سجناء صيدنايا، ومع التحول الكامل نحو العسكرة وانفتاح الحدود التركية أمام المقاتلين الأجانب للقتال إلى جانب السوريين بدأ عبور أفراد ومجموعات من مختلف الجنسيات، من ضمن تلك المجموعات مجموعة أرسلها زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو بكر البغدادي إلى سورية “جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني. والتي نشطت بشكل فاعل على الأرض ضد نظام الأسد قبل أن يقع خلاف تنظيمي بكساء شرعي بين التنظيمات إثر إعلان الخلافة من قبل البغدادي، إضافة إلى ما طرأ من متغيرات دولية ومحلية أجبرت النصرة على فك ارتباطها بالقاعدة والتحول إلى فصيل محلي “فتح الشام”.

  • خلال فقرة القاعدة (السحر والساحر) يعزو الباحث “بداية بروز البيئة الخصبة للقاعدة في سورية إلى حقبة التسعينيات وما اتبعه خلالها النظام السوري من خصخصة وما خلفته من فقر وتهميش وظروف اقتصادية صعبة في الأطراف والأرياف”، ولكن الغريب أن التسعينيات لم تشهد خصخصة وإنما إعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص عبر مرسوم قانون الاستثمار رقم 10، ومع ذلك فإن هذا القانون انعكس على الأرياف بصورة إيجابية، في حين أن الليبرالية (النيو ليبرالية) بدأت في 2005 خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، وأيضًا كان أثرها على الطبقة الوسطى والتي تقطن المدن وليس الأرياف.
  • واليوم وبعد التمايز الواضح الذي اختص به تنظيم الدولة عن القاعدة بإعلانه الخلافة، يكاد حضور القاعدة ينحصر بجبهة النصرة والتي على الرغم من انفكاكها عن القاعدة ما زال بعض المراقبين يشكك بذلك، باعتبارها استراتيجية جديدة للتحول في بنى القاعدة من الجهاد العابر للحدود إلى اللا مركزية الجهادية، إضافة لبعض المجموعات المسلحة التي لا تزال إلى الآن تميل نحو خط القاعدة وتمثل إشكالًا حقيقيًا للثورة السورية، (جند الأقصى، جند الخلافة، جماعة الإمام البخاري، التركستان).

 

 الفصل الرابع: الصوفية “الراكدة” عسكريًا

بخلاف الاتجاه السلفي، فإن المدرسة الصوفية مستقرة ومتجذرة في المجتمع السوري منذ قرون وتمثل تاريخيًا الأسلوب التقليدي لتدين المجتمع السوري، ولها حضورها الواسع على صعيد الطرق الصوفية أو الطقوس الدينية أو العلماء وخطباء المساجد. وعلى الرغم من أن الصوفية لم تتخذ شكلًا سياسيًا أو حركيًا، وإنما بقيت كاتجاه فكري وعقائدي وديني، إلا أن هذا لم يمنع بعض أفرادها من العمل السياسي، حيث انخرط بعض الصوفيين في جماعة الإخوان المسلمين قبل الثمانينيات كما انخرطت السلفية وعبروا عن اتجاهاتهم الفكرية مع التزامهم بالخط الأيديولوجي التنظيمي للجماعة واتفقوا على الخط السياسي للجماعة.

بالمقابل وبعد تلك الحقبة برزت شخصيات ذات طابع صوفي مستقل كان لها حضورها في المجال العام وتفاعلت مع الأحداث والتحولات السياسية في سورية، بالرغم من أنها ليست أحزابًا أو قوى سياسية، مثل جماعة زيد، وحركة القبيسيات، وبعض المشايخ الصوفيين كمفتي الجمهورية السابق أحمد كفتارو والحالي أحمد حسون، والشيخ محمد رمضان البوطي، وغيرهم من الطامحين لأدوار سياسية كمحمد حبش.

اختلفت مواقف هذه المجموعات والشخصيات من الثورة السورية، ما بين منحاز ومتناغم مع خطاب النظام وصامت عن الأحداث. لكن الملاحظة العامة تتمثل بغياب الحضور الواضح والمباشر والصريح في الثورة المسلحة كتجمع واضح، على الرغم من إصرار بعض المراقبين على انخراط أفراد صوفيين كثر من تلاميذ هؤلاء الشيوخ في العمل المسلح. ويحاول الباحث ضمن هذا الفصل رسم خريطة لهذه القوى بحسب مواقفها، بدءًا من جماعة زيد (أسامة الرفاعي) وموقفهم التاريخي من العلاقة الجيدة مع النظام إلى مناهضته بمختلف الوسائل، مرورًا بمن اتخذ خط النظام السوري من شخصيات كالبوطي وأحمد حسون وغيرهم (مجمع أبو النور، دائرة الإفتاء والأوقاف، مجمع الفتح)، وصولًا إلى الموقف الذي يعتبره الباحث حياديًا من قبل تنظيم القبيسيات.  بينما اقتصر العمل المسلح على تلاميذ المشايخ بشكل منفرد وليس منظمًا وواضحًا.

يعتبر الباحث أن السمة العامة لهذه التجمعات الصوفية أنها ذات طابع مدني مستقر فأغلب أتباعها في المدن الرئيسية دمشق وحلب، وتحظى بقبول اجتماعي جيد في هذه المحافظات، ما يعني احتمالية تجديد دورها خلال الفترة القادمة، ويعزو الباحث كمونها هذا إلى أن أغلب الفصائل المسلحة والحركات الاحتجاجية صعدت في الأرياف والأطراف بينما بقيت المدن الرئيسية تحت قبضة النظام الصلبة، وهنا نعود لنرى إصرار الكاتب على فرضية الريف والمدينة وأثرها على التيارات الإسلامية في الثورة السورية، وهذا ما يدعونا لفحصها بشكل منفرد في نهاية استعراض هذا البحث، وذلك كون هذه الفرضية تعتبر الرئيسية التي بنى عليها الباحث دراسته.

 

الفصل الخامس: “المختلط” أيديولوجيًا وحركيًا

يوضح الباحث خلال هذا الفصل، أنه ليس من السهل وضع المنظمات والجماعات الإسلامية العاملة، مدنيًا وعسكريًا، ضمن التقسيم التقليدي للمدارس والتيارات الإسلامية، (الإخوان، السلفية، الصوفية)، فضمن هذا الإطار من العمل الإسلامي برزت مجموعة من الهيئات والفصائل المدنية والقضائية، ومجموعات إسلامية لا تنتمي إلى خط إسلامي محدد.

وهنا يناقش الباحث الهيئات الشرعية التي ظهرت في حلب وريفها وإدلب وغيرها من المناطق المحررة، ليناقش أهلية تلك الهيئات وأثرها على المجتمع المحلي ودورها، كما يمر الباحث على فصائل الجنوب السوري، مناطق حوران، والتي لا تنتمي لأي من التيارات الإسلامية التقليدية، متطرقًا إلى النفوذ الأردني والسعودي في تلك المناطق.

 

الفصل السادس: الأجندات الإسلامية والثورة والدولة

يخلص الباحث إلى أن القراءة السابقة لحضور التيارات والمدارس الإسلامية ودورها في الثورة السلمية والمسلحة، تضعنا أمام أجندات إسلامية متباينة في رؤيتها للثورة والدولة والمجتمع، وهنا يحاول الباحث أن يميز بين خمس أجندات رئيسة؛ الإخوانية، السلفية، السلفية الجهادية والقاعدة، الصوفية، والإسلامية الوسطية العامة.

  • الأجندة الإخوانية: مدنية بمرجعية إسلامية

يعتبر الباحث أن أولوية الأجندة الإخوانية تتمثل في الحرص على إسقاط النظام وإعادة بناء وترميم مؤسسات الجماعة وتعزيز دورها السياسي الحركي، كما عملت الجماعة في السنوات الماضية من خلال بياناتها وأدبياتها على تعزيز الخطاب الديموقراطي والتأكيد على ضمان الحريات وحقوق الأقليات، وأخذت تتحدث بوضوح عن نظام ديموقراطي بمرجعية إسلامية، والالتزام بتداول السلطة والتعددية الثقافية والدينية والحزبية، وعلى الرغم من ذلك فما تزال العديد من الشكوك تساور الكثير حول مدى التزام الجماعة بهذا الخطاب.

  • الأجندة السلفية: إقامة الدولة الإسلامية

يعتبر الباحث أن الفصائل السلفية المسلحة على الأرض السورية تكاد تتوافق على مبدأ تطبيق الشريعة خلال الثورة وما بعدها، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى إيمانها بالحريات الفردية والقوانين الوضعية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة. وتتجنب هذه الفصائل إعلان القبول بالنظام الديمقراطي، وإن كانت لا تمانع في إجراء انتخابات دورية وتشكيل مجالس نواب، والقبول بالآليات الديموقراطية، وتبدو هذه الرؤية قريبة إلى ما تطرحه الأحزاب السلفية المصرية. فيما يوضح الباحث أنه على الصعيد المدني نجد تجليّات السلفية الحركية أكثر حضورًا، تلك التي تبدو أجندتها أكثر مرونة أو قابلة للمرونة.

  • أجندة القاعدة: إقامة الخلافة ومنظور الصراع العالمي

يرى الباحث أن الفصائل المنبثقة عن القاعدة (جبهة النصرة، تنظيم الدولة)، ينظران إلى الصراع من الزاوية العقائدية الطائفية باعتباره نظامًا نصيريًا يوالي إيران وحزب الله، وترى نفسها باعتبارها تمثل المسلمين السنة في سورية وخارجها، هذه النظرة تشترك فيها الفصائل القريبة من خط القاعدة وإن اختلفت بالآليات والأولويات، لذلك لا يمثل إسقاط النظام السوري بالضرورة أولوية لهذا التيار، فالنظر إلى سورية بوصفها ساحة من ساحات الصراع العالمي. وحاضنة جديدة لنمو القاعدة وبناء قدراتها وخبراتها، كما هو الحال في اليمن والجزائر والعراق.

  • الأجندات المشيخية-الصوفية

يخلص الباحث أنه لا توجد أحزاب أو قوى سياسية وعسكرية تقدم لنا تعريفًا واضحًا لأجندات هذه الجماعات وتصوراتها الأيديولوجية للنظام السياسي المنشود، ولكن واقعها واهتماماتها توضح غلبة الجانب المجتمعي على السياسي، وتركيزها على العمل الدعوي والخيري والتربوي، مع اختلاف وتباين التصورات التي تقدمها للنظام السياسي المنشود، ما بين (القبيسيات اللواتي يصمتن)، وجماعة زيد التي (تتحدث عن الهوية الإسلامية)، والمؤسسة الدينية الرسمية (بتحالفها مع النظام السوري والدفاع عن شرعيته).

  • الإسلاميون الديمقراطيون

تشترك جماعات وتيارات إسلامية أخرى مع جماعة الإخوان المسلمين في إعلان القبول بالديموقراطية والتعددية السياسية، وتداول السلطة، وتكريس مبدأ المواطنة، وبدرجة قريبة من ذلك حركة العدالة والبناء، وإن كانت أقل وضوحًا في أدبياتها من التيار الوطني في هذا الإعلان. لكن هنا نرى وبعد 6 أعوام بدأت هذه الجماعات تزداد وتنتظم في أحزاب وبدأ يظهر لها تمثيل واضح، كحركة سورية الأم التي يقودها رئيس الائتلاف السابق معاذ الخطيب، وغيرها من التشكيلات السياسية الإسلامية.

  • إجمالًا تبدو الأجندات الخمسة التي ناقشها الكاتب ثابتة في خطوطها العامة؛ إلا أن متغيرات الأعوام الفائتة قد تكون أخضعت بعضها للتغير كما أعادت ترتيب أولويات بعضها الآخر، ففي الوقت الذي كانت تبحث فيه السلفية الجهادية عن الخلافة في سورية تنحصر أولوياتها اليوم في الدفاع عن وجودها العسكري على الأرض في جزء من الشمال السوري، في حين رأينا بعض السلفية التقليدية انتقلت أولوياتها من الحسم العسكري وإسقاط النظام إلى النقاش حول مرحلة انتقالية يكون فيها الأسد، إذ ساهم دخول بعض المتغيرات على معادلة الصراع السوري بحرف بعض الأولويات، على سبيل المثال (قانون مكافحة الإرهاب، مؤتمر الرياض، ملف تصنيف الفصائل، الدخول الروسي كقوة عظمى على الأرض)، ساهمت تلك المتغيرات بحرف بعض الأولويات وجعلها أكثر مرونة وواقعية، كفك ارتباط النصرة بالقاعدة، وما أجراه الأحرار من مراجعات (من مشروع أمة إلى مشروع ثورة). وبنفس الوقت دفع بأجندات أخرى للتصلب بشكل أكبر.

 

الفصل السابع: الآفاق القادمة. سؤال الدين والمجتمع

بعد استعراض الأجندات السابقة يطرح الباحث سؤالًا حول مدى تأثير تلك الأجندات على المجتمع السوري وعلى طرائق تدينه ومدى انفتاحه أو انغلاقه، وسؤال الديمومة، فيما إذا كان صعود بعض الاتجاهات يمتد من الحرب والصراع إلى ما بعد الثورة، أم أنه يرتبط بشروط وحيثيات العمل المسلح والفوضى؟

يعتبر الباحث أن التيارات السلفية خلال الثورة السورية شهدت انتعاشة مطردة، إلا أنها أقرب ما تكون إلى “أداة حرب مؤقتة” أو ما يطلق عليه الباحث “الطفرة السلفية”، بالمقابل يعود ليوضح أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاتجاه السلفي عمومًا طارئ أو لا يمتلك قاعدة مجتمعية، بينما يرى الباحث السلفية الجهادية تحديدًا تزدهر وتقوى في فترات الصراعات والحروب وفي أتون الصراعات الطائفية والمذهبية، وعندما يتلاشى الأفق السياسي كما حدث في العراق وسورية، يبقى هذا الاتجاه يعاني مع المجتمع عندما ينتقل الحديث إلى أجندته الاجتماعية والسياسية والثقافية.

بالمقابل يرى الباحث أن حضور ونفوذ وانتشار أنماط التدين المجتمعي والأيديولوجيات السياسية لهذه التيارات والجماعات الإسلامية؛ سيعتمد بدرجة رئيسية على ما سيفضي إليه الصراع بينها وبين النظام السوري، حيث أن استمرار الصراع المسلح لفترة طويلة في ضوء الأجندات الإقليمية سيبقي الحضور السلفي فاعلًا رئيسيًا، لكن مع مرور الوقت ستجتهد جماعة الإخوان المسلمين في ترميم مؤسساتها، في حين ستستعيد الحركات الصوفية جزءًا من فاعليتها وتحديدًا في المدن الرئيسية، كما أنه من الممكن أن تتعزز حالة الصدام بين التيارات الإسلامية على وقع الخلافات الأيديولوجية والفكرية، تحديدًا فيما يتعلق بالمناطق المحررة، وفي حال سقوط النظام أو العبور عبر صفقة دولية تحافظ على هذه القوى الإسلامية، فسنجد بعضها دخل اللعبة السياسية وتحول إلى أحزاب وسنرى أجندات متباينة في رؤيتها للدولة والمجتمع والعلاقة مع الغرب وسندخل في سجالات إسلامية-إسلامية أو إسلامية-علمانية، وستعتمد المرحلة الانتقالية على قدرات القوى السياسية المختلفة في إدارة صراعاتها واختلافاتها الداخلية. بينما يستبعد الباحث سيناريو الحسم العسكري لأحد الطرفين والذي إن تم لصالح السلفية الجهادية فسيؤدي إلى تصدعات كبيرة على المستوى الاجتماعي السوري، كما أنه في حال حسم الأسد الصراع وهذا ما يستبعده الكاتب، فهذه التيارات والجماعات ستعود إما لعمل الخارج أو التنظيمات السرية من جديد.

نقض (فرضية الريف والمدينة في الثورة السورية)

بعيدًا عن الفرضيات التي أطلقها الباحث وطرأت عليها متغيرات بحكم وقت إعداد الدراسة 2013، إلا أن الباحث يصر في مختلف الفصول على فرضية أثر الريف والمدينة في الثورة السورية، وتحديدًا على صعود التيارات الإسلامية أو أفولها، وذلك على ما يبدو وفقًا لمقاربة سوسيولوجية أعتقد أنها جانبت الصواب وذلك لناحيتين، الأولى تبدأ أساسًا بتوصيف الثورة السورية بالريفية واعتبار أنها انطلقت من الأرياف دون المدن والبناء عليها كحقيقة، ومن ناحية أخرى تأثير هذه النتيجة على العمل الإسلامي الأيديولوجي المسلح.

  وبناء عليه أورد نقد هذه الفرضية بحثيًا بناء على معطيات الواقع السوري:

  • لم يورد الباحث بداية تعريفًا إجرائيًا يوضح من خلاله ماذا يريد من مصطلح الريف، بما يتماشى مع أغراض دراسته، فإذا كان يقصد بالريف المكان الجغرافي؛ فإن الثورة السورية لم تنطلق بالمجمل من الأرياف، وإنما كانت شرارة البداية الفعلية من المدن، (حمص، دير الزور، دمشق، درعا، حماة). أما إذا كان الباحث يقصد بالريف حالة من التخلف والتراجع العلمي؛ فهذا أيضًا غير صحيح إذ إن أغلب الدراسات تشير إلى أن الريف السوري ريف متعلم بل وفي بعض المحافظات تكاد نسبة التعليم تفوق المدن (دير الزور، درعا)، وإذا كان يقصد في الريف حالة الضعف الاقتصادي، فإن سياسات الــ”نيو ليبرالية” التي اتبعها بشار الأسد 2005 أضرت بالطبقة الوسطى بشكل أكبر، تلك الطبقة التي توجد في المدن وليس الأطراف والأرياف.
  • كما أن هناك فارقًا كبيرًا بين توصيف، أن (تنطلق الثورة من الأرياف إلى المدن) وبين (أن تنحسر إلى الأرياف) وتتحول للعسكرة ضمن الأرياف، إذ إن سياق الدراسة يؤكد على انطلاقة الثورة السورية من الأرياف، وهذا بالمجمل غير دقيق، وإنما الأدق أنها انحسرت إلى الأرياف لأسباب موضوعية وليس ذاتية، أورد أبرزها:
  • سعي النظام إلى السيطرة على مراكز المدن والاستئثار بها، وحصر الحراك في الأرياف، وذلك لطبيعة المدن الكبرى كونها خليطًا اجتماعيًا غير متجانس (أقل قابلية للثورة من الخليط المتجانس)، وكونها مراكز تجارية وصناعية يرتبط أغلب سكانها بمصالح اقتصادية مع النظام، في حين المدن الأخرى عدا دمشق وحلب تعتبر مدن (طبقة وسطى) أو مدن “موظفين” أي أغلب سكانها من الموظفين الحكوميين، والذين ترتبط معيشتهم الاقتصادية مباشرة بمؤسسات الدولة التي يسيطر عليها النظام بشكل كامل.
  • ولعل جغرافية الريف السوري وتحديدًا في التحول من السلمية إلى العسكرة، ساهمت بشكل كبير في ترجيح الريف على حساب المدينة كمراكز تجمع عسكري، كون الريف السوري ريفًا حدوديًا “محمي الظهر” الأمر الذي يتناسب مع طبيعة التسليح الذي تبنته دول إقليمية، فريف درعا محمي من الأردن، ودير الزور من العراق، وحمص من لبنان، وحلب من تركيا، الأمر الذي سهل عبور المقاتلين والسلاح، إضافة إلى تأمين ظهير خلفي يتناسب مع مجموعات مسلحة تقاتل جيشًا نظاميًا، ولعل ما سهل ذلك كون أغلب الأرياف في سورية لا تحتوي على قطعات عسكرية ضخمة للنظام، وإنما وجود يقتصر في بعضها على مخافر الشرطة.

كما أن الجماعات الجهادية إجمالًا توصّف بحثيًا بأنها جماعات “أناركي” تنشط حيث تضعف الدولة المركزية، بغض النظر سواء أكانت لها حاضنة شعبية أم لا. واليوم وبعد ستة أعوام على الثورة السورية تبين أن طبيعة هذه الجماعات طبيعة احتلالية قسرية.