المحتويات

مقدمة

أوّلًا: مقدمات التغيير ودوافع في السياسة التركية الجديدة

ثانيًا: في حدود الاستدارة التركية وانعكاساتها

ثالثًا: اتفاق الأستانة محطة اختبار للأطراف الراعية

خاتمة

 

مقدمة

شغلت التوجهات السياسية التركية الجديدة، وأبرزها المصالحة التركية الروسية الصيف الماضي، والتفاهمات التي ترتبت عليها قوى الثورة السورية على تنوعها، كما شغلت جميع المهتمين بالوضع السوري على حد سواء، ذلك أن تركيا التي انخرطت باكرًا في الصراع السوري، وتبنّت إلى حدّ بعيد أهداف الثورية السورية بما فيها إسقاط النظام، وقدمت دعمًا كبيرًا لقوى الثورة السياسيّة والعسكرية، كما استقبلت على أراضيها ملايين اللاجئين السوريين، ومع هذا وذاك فإن تركيا معنية بعمق بما يجري في سورية التي تحدها بنحو تسعمئة كيلو متر ونيف، ومنها يطل “الخطر الكردي” الساعي إلى كيان مستقل على أنقاض الدمار السوري، ممثلًا بعدوّها التاريخي حزب العمال الكردستاني pkk، وذراعه السوري حزب الاتحاد الوطني pyd، إضافة إلى الخطر على أمنها القومي، الذي يمثله الوجود الإيراني والميليشيات الشيعية التي يحركها على الأراضي السورية.

لقد اندفعت تركيا بعيدًا بانخراطها في الصراع السوري، لكن اندفاعتها بقيت ملجومة بالرؤية الأميركية التي أرستها سياسة أوباما تجاه ثورات الربيع العربي عامة، ومنها السورية على وجه الخصوص، القائمة على التحكم في إيقاع الصراع وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، والتحكم في التغيير الذي لا بدّ وأن يحصل في سورية مهما امتد أمد الصراع، بذريعة تركيز الجهد على محاربة الإرهاب.

توتر العلاقات الروسية التركية التي اقتربت من حافة الحرب، بعد أن اسقطت المقاتلات التركية طائرة روسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، وتصاعد التوتر الداخلي، وسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على مسافات طويلة من الحدود التركية السورية، ثم الانقلاب الفاشل في 15 تموز/ يوليو 2016، جميعها عوامل دفعت بالسياسة التركية نحو مراجعة شاملة اقتضت استدارات تركية نحو روسيا وإسرائيل، ومحاولات شبيهة تجاه مصر لكنها فشلت. استدارات لم تتضح حدودها وأبعادها بعد، لكنها تركت كثيرًا من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة غير متوافرة حتى الآن حول توجهات السياسة التركية الجديدة دوليًا وإقليميًا، وفي المقدمة منها التداعيات التي ستتركها على الصراع في سورية، وعلى العلاقة التركية مع قوى الثورة؛ لأن تركيا موضوعيًا مثلت الحائط الذي استندت إليه قوى الثورة، وكانت شريان حياتها وإمداداتها، فهل ستجد قوى الثورة نفسها مكشوفة الظهر؟ أم أنّ التغيرات في السياسة التركية ستبقى تكتيكية ومحكومة بمصالح تركيا وخياراتها الإستراتيجية، ويمكن لقوى الثورة أن تستوعبها وتتعايش معها؟

 

أوّلًا: مقدمات التغيير ودوافع في السياسة التركية الجديدة

لم يكن التغيير الذي خطّه إردوغان في السياسة التركية مزاجيًا ولا ارتجاليًا، ويمكن وصفه بالتراجع عما ميّز حكم العدالة والتنمية من عنفوان واعتداد بمكانة تركيا ودورها في السياسات الدولية، استنادًا إلى موقع جيو سياسي مهمّ، وتاريخ وثقافة عريقين، طالما كانا مثار اهتمام وزير خارجية تركيا السابق أحمد داوود أوغلو، إضافةً إلى نهوض اقتصادي متسارع. اضطر معها إردوغان إلى التخلي عن كثير من الشخصيات المؤثرة في الحكم التركي، إمّا لتأمين حرية أكثر في الحركة والمواقف، أو لأن هذه الشخصيات أصبحت عائقًا بحكم مكانتها في العلاقات الدولية. هذا التغيير اقتضته الضرورات الصعبة، التي تهدِّد في بعض منها وحدة تركيا، أو تبدِّل عميقًا في دورها وتوجهاتها دوليًا وإقليميًا، لكنها لم تكن بنت لحظتها بل وليدة تفاعل مديد لعوامل كثيرة، داخلية وخارجية يمكن الوقوف عند أبرزها.

 

1–    الأوضاع الداخلية

لم تأتلف تركيا الحديثة يومًا على بنية اجتماعية متماسكة سياسيًا بحكم تنوعها الإثني والقومي والديني، لكن الحكم العلماني الذي تحكَّم فيها سبعين عامًا، وأعطى دستورها سلطة نافذة للعسكر، استطاع المحافظة على استقرار سياسيّ نسبيّ خلال هذه الفترة بفضل عاملين أساسيين؛ أولهما: يتعلق بالدور الذي أراده لها الغرب في أن تكون جسرًا بين الغرب والشرق، وارتضته تركيا لنفسها، وثانيهما: حاجة الغرب الماسة إليها في مواجهته التاريخية مع الشيوعية والاتحاد السوفياتي طوال الحرب الباردة؛ حيث كانت تركيا رأس حربة أطلسية مهمّة في تلك المواجهة. لم تعد هذه الحاجة بالأهمية ذاتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك حلف وارسو وسيادة القطبية الواحدة، وثمة عامل آخر تمثل في وصول الإسلاميين بطبعتهم الأخيرة (حزب العدالة والتنمية) إلى السلطة مع مطلع الألفية الثالثة، بعد عقود من التضييق الذي مارسه العسكر ضدهم، لكنهم تحايلوا عليه مستفيدين مما أتاحته الديمقراطية التركية، عند هذا المنعطف بوصول العدالة والتنمية،  الذي حكم في ظل الدستور العلماني، وسعيه  الحثيث لبلورة مكانة ودور جديد لتركيا لا يتعارضان -بالضرورة- مع توجهها الغربي والأطلسي، ورغبتها المتعثرة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بدأ الغطاء الغربي بضمان استقرار تركيا بالانحسار المحسوب الذي يهدف إلى ثني تركيا التي تحاول أن تشب عن الطوق عن توجهاتها الجديدة، وكانت أولى تلك المواجهات عندما رفضت تركيا المشاركة في الغزو الأميركي للعراق، ورفضت تقديم التسهيلات لطيرانه منتصف آذار/ مارس 2003، وما زالت تدفع ثمن ذلك الموقف. ثمة أوضاع أخرى مستعصية وهي المشكلة الكردية وحزب الـ pkk، التي لم توجد لها حلولًا حتى الآن وهي مشكلة لا تني تنفجر، كلما وجدت من هو على استعداد لأن يعيث فيها، كما هو حاصل الآن بفعل الوضع الذي تولد بعد الثورة السورية، كذلك الإسلام الصوفي وحركة فتح الله غولن واسعة الانتشار، التي تجد تأييدًا غربيًا ربما غير رسمي، والتي باتت أحد عوامل زعزعة الوضع الداخلي خاصة بعد أن اتُّهِمت بتدبير انقلاب 15 تموز/ يوليو 2016، لكن مع ذلك كله، وقبله، وعلى الرغم من أن إردوغان يلقي باللائمة في ما يحصل في تركيا على أعدائه الداخليين، إلا أنه وغيره يعرفون أن المتدخلين الخارجيين لا يقلون تأثيرًا  وضررًا عن أعدائه الداخليين.

 

2–    العوامل الخارجية

لعل التوتر في العلاقات الأميركية التركية هو الأكثر تأثيرًا في الحالة التركية الناشئة، حيث بدا واضحًا الخلاف في التوجهين التركي والأميركي في عهد أوباما حيال الوضع في سورية، فالإدارة الأميركية لم تتحمس مطلقًا للتغيير في سورية لأسباب كثيرة. المعلَن فيها، أنها لا تريد بديلًا إسلاميًا لنظام الأسد، فلجمت الاندفاع التركي، وربّما أثّرت كذلك في اقتناع الغرب وتفهمه لمواقف تركيا، وبدا ذلك جليًا عندما استنكف حلف الأطلسي بضغط أميركي عن الوقوف إلى جانب تركيا، بُعَيد إسقاطها الطائرة الروسية -كما يتردّد- بتشجيع أميركي، وسحب الحلف بطاريات الباتريوت التي نصبها قريبًا من الحدود السورية لحماية أجوائها، فوجدت نفسها في ورطة كان يمكن أن تتطور إلى مواجهة عسكرية مع روسيا، لم تكن تركيا تريدها وليست قادرة عليها، وكذلك روسيا لا تريدها، فاقتصرت هذه المواجهة على الضغوط الاقتصادية والمناوشات الإعلامية، وبعض الدعم العسكري والإعلامي لغريمها حزب الاتحاد الوطني الكردي في سورية pyd.

إيران هي الأخرى أحد اللاعبين في الوضع الداخلي التركي لكفّ يدِها عن الملفّ السوري، على الأقلّ في دعمها حزب العمال الكردستاني pkk “قيادة قنديل” التي لا تخفي تحالفها مع طهران، كما أنّ لطهران أصابع أخرى تحرِّكها في تركيا بأشكال مختلفة، وكذلك النظام السوري ومخابراته التي لا تعدم أتباعًا يمكن أن يؤذوا في الداخل التركي. إلا أن أخطر العابثين اليوم في الداخل التركي هو تنظيم “داعش”، وكما هو معروف فقد اتُهمت تركيا كثيرًا، وهو اتهام ينطوي على شيء من الحقيقة، بتسهيل دخول المتطرفين عبر حدودها إلى سورية  لمواجهة الميليشيات الشيعية والتسريع في سقوط نظام الأسد، فارتدّ عليها، وفجّر “داعش” في كبريات المدن التركية وزعزع الوضع الأمني وأضرّ -تاليًا- بالاقتصاد التركي، ويبدو أن “داعش” هو الآخر لا يعدم مؤيدين ومتعاونين داخل الأراضي التركية يسهلون عملياته، ويُعدّ ذا دلالة في هذا السياق تفجير مطعم إسطنبول ليلة رأس السنة الذي يتمتع بحماية أمنية كبيرة، ومع ذلك نفذ الإرهابي الطاجيكي عمليته الدامية وخرج.

خلاصة القول إن الوضع الأمني داخل تركيا بات هشًّا لدرجة تهدد وحدة تركيا واستقرارها في عمق، وكأن حلم داوود أوغلو ونظريته بـ “صفر أعداء”  تبدد، وكثر الأعداء المتربصون بتركيا خارجيين كانوا أم من داخلها، وهذا ما دفع بالحكم التركي إلى التراجع والاستدارة، وتقديم الاعتذارات والبحث في تحالفات جديدة، الغاية منها تخفيف الهجمة التي تتعرض لها، وفي مقدّمها “تبريد المشكل الكردي” على حدودها الجنوبية، لأنه الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبلها، إذا تمكن في ظرف دولي مُواتٍ من الفوز بكيان كردي شمالي سورية، فسيكون بالضرورة قاعدة انطلاق لتهديد وحدة تركيا.

 

ثانيًا: في حدود الاستدارة التركية وانعكاساتها

طرحت الاستدارة التركية المفاجئة الصيف الماضي وباكورتها المصالحة الروسية التركية، كثيرًا من الأسئلة، حول دوافعها وأبعادها وانعكاساتها على السياسة التركية المعهودة، دون أن تحظى بأجوبة شافية. لقد سُوِّيت الخلافات التركية الإسرائيلية، وعادت العلاقات التركية الروسية إلى سابق عهدها، لأن الطرفين في حاجة ماسة إلى بعضهما بحكم المصالح الاقتصادية الكبيرة التي تربط بينهما، والأهم منها اهتمام روسيا بتحييد تركيا في مواجهاتها العديدة مع الغرب، وآخرها أوكرانيا شريكة تركيا في شواطئ البحر الأسود، كما تريد روسيا أن تتخذ من تركيا متكأً لها في الخروج من المستنقع السوري، فيما لو تغيرت السياسة الأميركية عما كانت عليه في عهد أوباما، بعد أن غاصت فيه أكثر مما كانت تريد، من دون أن تجني -حتى الآن- سوى السّمعة السّيئة ووصمة جرائم الحرب التي ستلاحقها أمدًا طويلًا.

في سياق المراجعة التركية يمكن الوقوف عند الحالة التي انتقلت فيها تركيا إلى المبادرة الميدانية في الصراع السوري، بعد أن اكتفت طوال خمس سنوات بدعم المعارضة السورية، وتسهيل إمداداتها ورعاية اللاجئين بشكل معقول، وكثير من التصريحات النارية ضد النظام السوري وارتكاباته، وانتقلت بعد ذاك إلى التدخل العسكري بمشاركة فصائل تدعمها من الجيش الحر، وهي بهذا التدخل، ضربت عصفورين بحجر واحد، أولهما احتلالها المسافة بين جرابلس وإعزاز وصولًا إلى الباب قضت على الحلم الكردي بإنشاء كيان شمالي سورية يمتد من القامشلي إلى عفرين، وثانيهما وضعت قدمها في الأرض السورية، وهي بذلك فرضت نفسها طرفًا في الصراع، وطرفًا في حلّه، لا يمكن تجاهله، وبخاصة في مواجهة إيران، التي تنتشر ميليشياتها وحرسها الثوري على أغلب الأراضي السورية. هذا التدخل الذي لم يحظَ بحماس أميركي، وطاله الغضب الإيراني، كان لا بدّ له من موافقة روسية حتى يمكن ضبطه في الحدود والأهداف التي توخاها، وشكّل هذا بُعدًا مهمًّا في الاستدارة التركية. وإذا ما شاركت تركيا في معركة تحرير الرقة كما تعلن، سواء من جهة الباب بعد طرد “داعش” منها، أم من جهة تل أبيض برضا “قوات سورية الديمقراطية”، أو من دونه، تكون أيضًا قد زادت أسهمها في الملف السوري.

لعبت التصريحات الإعلامية للساسة والمسؤولين الأتراك -غالبًا ما تعتورها التناقضات- جزءًا من هذه الاستدارة، تحمل رسائل فيها من التهديد أو التلويح به أكثر مما يعتقد أنها ستتحول إلى سياسات، ما أربك كثيرًا من المتابعين والمحللين. من ذلك على سبيل المثال، وعلى الرغم من أن الأوروبيين نكثوا الاتفاق الذي وقعوه مع وزير خارجيتها الأسبق، لتنظيم تدفق الهجرة من شواطئها تجاه أوروبا، ولم يلتزموا تمكين المواطنين الأتراك من حرية التنقل في دول الإتحاد، فإن الأتراك لم ينفذوا تهديداتهم بفتح حدودهم أمام ملايين اللاجئين الراغبين في العبور نحو دولها. كذلك التصريحات التركية بالانضمام إلى مجموعة شنغهاي الاقتصادية بديلًا من الاتحاد الأوروبي، فهل تركيا في وارد تغيير تحالفاتها الإستراتيجية مع الغرب؟، وهل يمكن أن يشكل “الحلفاء الجدد” وهم هنا الروس بديلًا من الغرب؟ وهل الغرب فعلًا على استعداد للتخلي عن تركيا، حليفته الإستراتيجية ذات الموقع المهمّ والإمكانات الكبيرة؟ أسئلة قد يصعب الإجابة المباشرة عنها، لكن تاريخ الدول والعلاقات الدولية والواقع العياني المتحول يقول: لا، فليس بهذه السهولة أو بناءً على ردّات فعل طارئة، تستطيع الدول تغيير تحالفاتها الإستراتيجية، فهذا التغيير مكلّف، ولا تستطيع أي دولة احتماله، هذا إذا افترضنا أن الحليف الجديد قادر على تعويضه، وعليه فإنه يرجح أن معظم التحالفات التركية القائمة، أو التي يمكن أن تقوم، هي ذات طابع تكتيكي مسقوف بموضوعه، وإذا نجحت المراهنة التركية على الإدارة الأميركية الجديدة بتجاوز سياسات الإدارة السابقة، تخفيف التوترات التي نتجت عنها، ومنها الموافقة الأميركية على إقامة مناطق آمنة في شمالي سورية وجنوبيها، وهو المطلب الذي كثيرًا ما ألحت عليه تركيا، ومنع من تنفيذه الرفض الأميركي، فإن الحديث عن تغيرات ذات بعد استراتيجي في سياسات تركيا، وتحالفاتها في هذه المرحلة الانتقالية التي يشهدها العالم، لا يعدو أن يكون تكهنات في غير محلها.

إن أي تغيير في السياسة التركية سينعكس سلبًا على قوى الثورة السورية، يتناسب طردًا وعمق هذا التغيير، لأن كثيرًا من مفاتيح التحكم والتأثير في قوى الثورة، قد أصبح موضوعيًّا في يد تركيا. هناك حدّ من التغيير يمكن للمعارضة السياسية أن تستوعبه وتتعايش معه، وفي حال تجاوزت الاستدارة هذا الحد، فإن المعارضة السورية ستكون مضطرة إلى إجراء تبدلات كبيرة في أساليب عملها وفاعلياتها. “الإدارة الذاتية الكردية” هي الأخرى تضررت وتقلصت أحلامها، لأن الدعم الأميركي لها، قد يبقى مقتصرًا على الجانب العسكري، ومرتبطًا بمصير تنظيم “داعش” ومشروعه في سورية والعراق الذي يشارف على نهاياته. كذلك إيران هي الأخرى منزعجة من تطور العلاقات التركية الروسية، لأنها تعتقد أنه سيكون على حساب طموحاتها في الهيمنة على سورية التي استثمرت فيها بشريًا وماديًا استثمارًا كبيرًا، وربما تتّجه السياسة التركية الجديدة في علاقتها مع روسيا في أحد جوانبها إلى اللعب على هوامش الافتراق، في توجهات الطرفين الروسي والإيراني حيال الوضع في سورية.

 

ثالثًا: اتفاق الأستانة محطة اختبار للأطراف الراعية

بعد سقوط حلب بقرار دولي غير معلن في يد النظام السوري وحلفائه، وبعد أن دمر القصف الجوي الروسي حلب الشرقية على رؤوس ساكنيها وهجرهم قسريًا، واتهامات لتركيا بخذلان حلب ومبادلتها بالباب، انبرت الأطراف المنتصرة في حلب لاستثمار انتصارها سياسيًا، كلٌّ على طريقته، فقد دعت روسيا كلًا من تركيا وإيران إلى اجتماع لوزراء خارجية الدول الثلاث في موسكو في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2016، صدر عنه بيان موسكو الذي دعا إلى مؤتمر في العاصمة الكازاخية أستانة في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، برعاية تركية روسية بصفتهما ضامنتين لوقف إطلاق النار، الذي سرى مفعوله بدءًا من 30 كانون الأول/ ديسمبر2016، وعانى كثيرًا من الخروقات، وخاصة في جبهتي وادي بردى والغوطة الشرقية وسجلت أغلب الخروقات من جانب ميليشيا حزب الله اللبناني، ما يفسر عدم رضا إيران والنظام عن هذه الهدنة ولا عن مؤتمر الأستانة. بدت النبرة الروسية عالية بُعيد الاتفاق على مؤتمر الأستانة، لكنها سرعان ما راحت تخفت، وأضحى المؤتمر مكمّلًا لمسيرة جنيف وليس بديلًا لها، ثم أعلن أخيرًا أن جدول أعماله سيقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار وموضوع المعتقلين وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، وأن من سيحضره من طرفي الصراع عسكريون من الفصائل مع مستشارين مدنيين، وكثر الحديث عن بحث فكرة تشكيل مجلس عسكري انتقالي، تناط به مهمة الأمن والجيش اللذين يهمان الروس في تركيبة النظام. لقد أُضعِف المؤتمر قبل أن يبدأ غياب المشاركة الدولية الفاعلة، وهو ما كانت تأمله موسكو، وترفضه طهران التي رفضت حضور السعودية وقطر والولايات المتحدة، قبل أن يقتصر الحضور الأميركي على سفيرها في الأستانة بصفة مراقب، الأمر ذاته بالنسبة إلى الأمم المتحدة، التي سيقتصر دورها على تسهيل عملية التفاوض بين الوفود، وغابت بريطانيا وفرنسا والسعودية وقطر، هذا الغياب الدولي حمل رسالة واضحة للروس، بأنه من غير المسموح لمؤتمر الأستانة أن يجترح مرجعية بديلة من مرجعيات جنيف.

يشكل مؤتمر الأستانة في ضوء النتائج التي سيسفر عنها اختبارًا صعبًا للتفاهم التركي الروسي بصفتهما ضامنتين لوقف إطلاق النار، ومدى قدرتهما على فرض التزام الأطراف المتصارعة في ظل الرفض الإيراني، وعدم قناعة النظام بالحلّ السياسي من أصله، كما سيشكل اختبارًا للتفاهمات الروسية الإيرانية حول الملف السوري، بما أن إيران هي من ألحت في طلب التدخل الروسي، ويُظنّ أنها تكفّلت بتمويله، بعد الهزائم التي تلقتها ميليشياتها وقوات النظام في إدلب ربيع العام 2015، علاوة على أن تركيا طالبت في الاجتماع الثلاثي في موسكو بسحب ميليشيا حزب الله، وجميع الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية، ما استفزّ القيادات الإيرانية، وتجدد عزفها على شرعية وجود حزب الله وبقية الميليشيات، الذي جاء بناءً على طلب “النظام الشرعي” في دمشق! وفي هذا السياق كان لافتًا تصريح لافروف، وحمل رسائل تهديد مبطنة للإيرانيين والنظام “بأنّ دمشق كانت ستسقط في يد الإرهابيين في غضون أسبوعين أو ثلاثة، لولا التدخل الروسي”.

ستكون الأستانة اختبارًا أيضًا لمدى قدرة الفصائل العسكرية على أخذ مسافة من الخيارات التركية الجديدة، وإلى أي مدى يمكن أن تذهب في علاقتها مع الروس ومع الأطراف الأخرى، فقد لوحظ أن الاجتماعات التشاورية، التي عقدتها الفصائل في أنقرة بحضور مسؤولين أتراك كبار -بمن فيهم رئيس الاستخبارات التركية فيدان، واستغرقت خمسة أيام- لم تكن موافقة الفصائل فيها على الذهاب إلى الأستانة، بالسهولة التي يفرضها واقع الحال.

كذلك ستشكل الأستانة اختبارًا للتفاهمات التركية السعودية والتركية القطرية، وهما الدولتان المتدخلتان في الصراع السوري، حيث لم يصدر عن السعودية أي تعليق ولا موقف في أي اتجاه، ربما هي في انتظار ما ستسفر عنه اجتماعات الأستانة. إلا أن الاختبار الأصعب سيكون من نصيب الطموحات الروسية، في أن تحوز إنجازاتها رضًا أميركيًّا وغربيًّا، يفتح أمامها باب المساومات على الملفات العالقة معه، ولم يظهر ما يدلل عليه، فالغرب غاب عن الأستانة، والحضور الأميركي باهت وأقرب إلى رفع العتب، مرارةٌ عبّر عنها لافروف عندما حذر “من أن دولًا غربية لم يِّسمها، تحاول تخريب مؤتمر الأستانة، وهذا لا يخدم جهد إنهاء الصراع في سورية”.

أمر آخر يمكن الوقوف عنده لمناسبة الأستانة، فالدعوات وُجّهت إلى عسكريين من الفصائل أو النظام، حتى لو رأَسَ الوفدين مدنيّان، ورفضت موسكو توجيه الدعوة إلى الهيئة التمثيلية الممثّلة بهيئة الرياض الذي جرى تشكيلها بناءً على مؤتمر فيينا، ثم شُفِّع بقرار دولي، كذلك استبعدت المعارضات التي حاولت فبركتها في حميميم أو القاهرة، فما دوافع روسيا في الإصرار على التفاوض بين العسكر؟ وهل يعود ذلك إلى جدول أعمال المؤتمر، وقصره على شؤون ميدانية بحسب ما هو معلن مع كثير من التلميحات، بأن المؤتمر سيخرج بوثيقة سياسية تقدم على طاولة جنيف بصفتها أمرًا واقعًا في شباط/ فبراير 2017، أم يعود إلى محدودية المشاركة الدولية، ومن ثمّ إنقاذ المؤتمر من وصمة الفشل؟

الروس كغيرهم يعرفون أن الحرب هي استمرار للسياسة بوجهٍ آخر، وأن العمل العسكري مرحلة من مراحل الفعل السياسي، كما أن عسكريي الفصائل ليسوا محترفي سياسة، ومن ثمّ، فهم غير مؤهلين لهذا الفعل التفاوضي بحكم طبيعة الثورة السورية، فالتفاوض فن وعلم وتاريخ من الخبرات المتراكمة في الأزمات الدولية، وقبل كل شيء هو فعل سياسي يُناط به تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف، بحسب ما تتيحه التوازنات الدولية وسياسات الدول المتدخلة بما أن الصراع السوري، أصبح صراعًا دوليًا وإقليميًا بالوكالة أو بالأصالة منذ سنوات، فهل تعتقد موسكو فعلًا والحال هذه، أنها تستطيع تمرير حل من خلف ظهر المجتمع الدولي وقراراته؟ وهل تعتقد الفصائل الذاهبة إلى الأستانة أنها تستطيع النيابة عن الشعب السوري؟ وهي التي عجزت حتى الآن عن الخروج من فصائليتها وتوحيد جهدها أو حتى برامجها وطروحاتها، أم أنها تعدّ الأستانة تقطيعًا للوقت، لا يستلزم فتح مجابهة مع الدول الداعمة في هذه المرحلة؟ جميعها أسئلة تنتظر جلاء غبار الأستانة، كما تنتظر وضوح مواقف الإدارة الأميركية الجديدة حيال الملف السوري، حتى تنظر كل دولة من الدول المتدخلة تحت قدميها، وتختبر صلابة الأرض التي تقف عليها، لأن فشل الأستانة لن يكون فشلًا للقوى المحلية في سورية، بل سيكون فشلًا لسياسة روسيا وتفاهماتها مع كل من تركيا وإيران في الدرجة الأولى، وعندها ستعرف عمق المأزق، الذي وصلت إليه بسبب تدخلها في سورية وما فعلته فيها من قتل ودمار.

 

خاتمة

من البديهي أن تتغير مواقف الدول وسياساتها المرحلية وفقًا لمصالحها، دون أن تهتز بالضرورة تحالفاتها الإستراتيجية، التي تتمتع عادة بثبات نسبي كبير تفرضه مكانتها ودورها وإمكاناتها، وفي الحالة التركية العيانية فإن تركيا تمرّ بمخاض عسير، ووضعها الداخلي هشّ ومأزوم بحدة، وأعداؤها أو خصومها الخارجيون كثر، وكل منهم يريد جذبها في الاتجاه الذي يخدمه، وبات لديها خشية حقيقية من أن تجد نفسها في وضع شبيه بالحال السورية، فالخطر الكردي كبير وليس هناك من إرادة سياسية جادّة لحله، وقد فوتت فرصًا كانت سانحة في السابق، كما أن الانقسام السياسي في تركيا حادّ، ولو أن الغلبة فيه ما زالت لحزب التنمية والعدالة، وللقوميين الأتراك المتوافقين معه في هذه المرحلة لمواجهة “الخطر الكردي”.

أصبح التغير في السياسة التركية معطى واقعيًا، حتى قبل أن تُعرف حدوده بدقة، وعلى الآخرين، والمعنيّ هنا في الدرجة الأولى المعارضة السورية، العسكرية والسياسية، مواجهة التحديات التي يفرضها هذا الاستحقاق، فالكرة في ملعبها وعليها.

تركيا مهمّة للمعارضة السورية وللاجئين عندها نعم، لكن الثورة السورية وبهدفيها (الحرية والكرامة) أهمّ؛ بعدّ التضحيات الجسام التي قُدِّمت على هذا الطريق بسبب طبيعة النظام، ودوره الوظيفي في المنطقة وتدويل الصراع ولعبة الأمم. ليس مطلوبًا من المعارضة، أن تدير ظهرها لتركيا، بل المطلوب منها أن تأخذ المسافة الضرورية التي يقتضيها عمق الاستدارة التركية، كما أنّ عليها أن تعيد ترتيب أمورها وأولوياتها وفقًا لإمكاناتها الواقعية ومقتضى الحال الجديدة، وأن توحد صفوفها وخطابها، وأن تخرج من حالة الشرذمة التي تعيشها، كما يرتب الوضع الجديد على المعارضة السياسية أن تستفيد من أي هوامش تتيحها افتراقات المصالح والأهداف بين الدول المتدخلة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه يظلّ حول المدى، الذي يمكن أن تذهب فيه تركيا بالضغط على المعارضة السورية وإجبارها على الدخول في تسوية، لا تلائم السوريين أو خارج قرارات الشرعية الدولية.

من غير المتوقع أن تذهب تركيا بعيدًا في ضغوطها على المعارضة السورية، لأنها في حاجة إليها كما حاجة المعارضة إلى تركيا. فهي اتخذت بعض تشكيلات الجيش الحر غطاءً لتدخلها في عملية درع الفرات، كما أن المعارضة السورية عامة تشكل مصدًا لارتدادات الحالة السوريّة في الداخل التركي، ومع هذا، وعلى الرغم من حملة التيئيس التي تتعرض لها قوى الثورة السورية بعد سقوط حلب، فإنه لا يمكن لأحد أن يفرض على المعارضة تسوية مجحفة لا تريدها، وإذا تورطت كلها أو بعضها بتسوية تخالف أهداف الثورة ولا تنطوي على قدر معقول من العدالة، فإن الشعب السوري سيرفضها ويرفض الذين قبلوا بها، لأن فاتورة التغيير قد دُفعت أضعافًا مضاعفة.