المحتويات

مقدمة

أوّلًا: تاريخ العلاقات الروسية- الإسرائيلية

        في العهد السوفياتي

        بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

ثانيًا: تأثير المصالح الروسية بالشرق الأوسط في العلاقة بإسرائيل

ثالثًا: الموقف الروسي من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

رابعًا: التعاون الاقتصادي بين روسيا وإسرائيل

        1- المشروعات الاقتصادية الكبرى المشتركة

                ‌أ. صناعة الأدوية والسكك الحديدية

                ‌ب. في المجال الزراعي

                ‌ج. التكنولوجيا المتقدّمة

                ‌د. التعاون العسكري- التقني

                ‌ه. في مجال الفضاء

                ‌و. في السياحة

        2- التعاون في المضمارات الثقافية والعلمية والتعليم

خامسًا- التنسيق في المسألة السورية

سادسًا: مقاربات مختلفة

سابعًا: عوامل القلق

ثامنًا: التوافق الروسي-  الإسرائيلي ضد الإرهاب

خلاصات واستنتاجات

 

 

مقدمة

تحضر علاقات روسيا بإسرائيل في معادلة الشرق الأوسط الصعبة، وتقدّم اقتراحات بفك بعض تعقيداتها، ثمَّ إنها تصبّ الزيت على النار، وتزيد من تشابك خيوطها من جهةٍ أخرى؛ فمنذ إعلان دولة إسرائيل، واعتراف الاتّحاد السوفياتي -آنذاك- بها، ارتدى الاتحاد السوفياتي ووريثته روسيا، قميص الصديق والعدوّ تواليًا، بالنسبة إلى (إسرائيل)، والعرب في الجهة المقابلة، ومرّ الطرفان (روسيا وإسرائيل) بأدوار الضعف والقوّة.

 

أوّلًا: تاريخ العلاقات الروسية- الإسرائيلية ([1])

في العهد السوفياتي

في 1947 اتخذ الاتحاد السوفياتي قرارًا بدعم خطة تقسيم فلسطين، بهدف مواجهة الخطة البريطانية. واعتمدت القيادة السوفياتية حينذاك على علاقات الصداقة التي تربطها بقيادة إسرائيل التي كان يتزعمها القادة الاشتراكيون. واعترف الاتّحاد السوفياتي بإسرائيل مباشرة بعد إعلانها دولة، وأقام معها علاقات دبلوماسية.

إلا أن إسرائيل لم تنتهج سياسة موالية للاتحاد السوفياتي، وبدأت بالتوجّه إلى تمتين علاقاتها مع الغرب، ومن ثمَّ، مع الولايات المتحدة الأميركية، عندئذٍ صار الاتحاد السوفياتي يدعم الدول العربية المعادية لإسرائيل.

وفي 1953، قطع الاتحاد السوفياتي علاقاته بإسرائيل في إثر انفجار قنبلة في مقرّ بعثة الاتحاد السوفياتي في إسرائيل (فلسطين المحتلة)، واستؤنفت بعد أشهر من العام نفسه. وفي 1967، في عقب حرب الأيّام الستة، قطع الاتحاد السوفياتي علاقاته بإسرائيل. واستُعيدت العلاقات عام 1991، وبشهادة الدبلوماسي الإسرائيلي (آنا آزاري)، فقد بدأت المباحثات السرية بين البلدين منذ عام 1985 من خلال (غينادي تاراسوف)، وفي 1988 توجه أول وفد إسرائيلي إلى الاتحاد السوفياتي.

 

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ([2])

شهدت العلاقات الروسية الإسرائيلية نهوضًا واضحًا بعد الحقبة السوفياتية، وتلخص صعود هذه العلاقات بنقطٍ عدّة:

  • تقديم أوراق اعتماد السفيرين في 25 كانون الأول/ ديسمبر 1991، بعد أسبوعين فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي. وافتتاح سفارة روسية في تل أبيب، وقنصلية في مدينة حيفا، وسفارة إسرائيلية في موسكو.
  • بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اعترفت إسرائيل بالدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي، وأقامت علاقات دبلوماسية معها. وكانت روسيا الاتحادية أكثر الدول أهمية، وحلت محل الاتحاد السوفياتي عضوًا دائمًا في مجلس الأمن.
  • كانت إسرائيل لسنوات طويلة، مقصدًا للمهاجرين اليهود من روسيا وغيرها من الدول ما بعد الاتحاد السوفياتي. ومنذ الثمانينيات تشكلت أقلية يهودية كبيرة من أصول روسية. ويعيش في إسرائيل حاليًا حوالى مليون مواطن سوفياتي سابق، من الروس معظمهم.
  • في 2005، زار الرئيس فلاديمير بوتين القدس زيارة رسمية، وقدم في زيارته تمثالًا لذكرى اليهود الذين قضوا في الهولوكوست.
  • في تشرين الأول/ أكتوبر 2006، احتُفل بمرور 15 عامًا على إقامة العلاقات الروسية- الإسرائيلية. وفي 2008، وقع البلدان اتفاقًا ألغي بموجبه نظام التأشيرة (الفيزا) بينهما.
  • عام 2012، حضر الرئيس الروسي بوتين إلى إسرائيل بمناسبة افتتاح نصب لجنود الجيش الأحمر في مدينة ناتاليا. وأقيم النصب من الأموال التي جمعها رجال الأعمال اليهود الروس.
  • عام 2014، بادرت الحكومة الروسية إلى عقد مفاوضات نتج منها مذكرة تفاهم لإقامة خط مباشر «مشفّر» بين فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
  • بين عامي 2001 و2016، زار رؤساء الوزراء الإسرائيليون موسكو زيارات متكررة ([3])؛

ما يشير إلى مستوى العلاقات بين الدولتين، من خلال تكرار زيارات مسؤولين إسرائيليين إلى روسيا. فقد زار رؤساء الوزراء الإسرائيليون روسيا 13 مرّة منذ عام 2000، وكان نصيب بنيامين نتنياهو 7 زيارات منها. وكان الموضوعان السوري والإيراني محوري هذه اللقاءات. وكانت مباحثات رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون، ويهود أولمرت تتمحور حول حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، والبرنامج النووي الإيراني.

 

ثانيًا: تأثير المصالح الروسية بالشرق الأوسط في العلاقة بإسرائيل

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي بادرت موسكو إلى تعزيز مواقعها ونفوذها في الساحة العالمية، ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط. ولتحقيق هذا الهدف كان على روسيا أن تأخذ موقفًا موضوعيًّا من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن تصبح شريكًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة في البحث عن حل لتسوية الصراع. وفي هذا الإطار عام 2001، تألفت رباعية الشرق الأوسط – بمبادرة من رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار- من أربعة أطراف هي: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة، وسمّي طوني بلير مفوّضًا للرباعية.

تبدو روسيا مهتمة بالتجربة الإسرائيلية المتراكمة في حربها ضد التنظيمات الإسلامية الإرهابية، وتعتمد قوى الأمن الشيشانية التجربة الإسرائيلية في حربها على الإرهاب. وفي 2000 زار عضو الكنيسيت ناتان شارانسكي روسيا، وعبّر عن دعم المنظمات الحكومية الإسرائيلية لروسيا ضد المتطرفين الشيشان، وبذلك فإن إسرائيل كانت واحدة من دول الغرب القليلة التي عبّرت عن دعمها لروسيا في هذا المجال.

 

ثالثًا: الموقف الروسي من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

تستند روسيا الاتحادية في بناء موقفها من تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إلى قاعدة حقوقية، تعدّ قرارات مجلس الأمن (242، 338، 1397، 1515)، والمبادرة العربية السلمية لعام 2002، و«خريطة الطريق» لعام 2003 التي اقترحتها اللجنة الرباعية المؤلّفة من روسيا الاتحادية، والولايات المتحدة الأميركية، والاتّحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أسسًا لأيّ تسوية محتملة بين الطرفين. وانطلاقا ممّا تضمّنته هذه الوثائق فإنّ روسيا تدعم الحل الذي يرى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، تعيش في سلام وأمن إلى جانب إسرائيل على أساس من حدود عام 1967. وفي الوقت نفسه، تدين وزارة الخارجية الروسية بالحزم العنف ضد سكان إسرائيل المسالمين.

 

رابعًا: التعاون الاقتصادي بين روسيا وإسرائيل

يقول تسفي ماغن ([4])، في مقال له بمناسبة مرور 60 سنة على نشأة دولة إسرائيل، وإقامة العلاقات الروسية-الإسرائيلية: «أصبحت العلاقات الاقتصادية بسرعة، العنصر الأكثر أهمية في العلاقة بين روسيا وإسرائيل. وحقّقت أكبر تحسن في السنوات الأولى بعد استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ولكنّها، وعلى الرغم من الإمكانات الكبيرة، فإنّها ما زالت تسير بوتيرة بطيئة». ويمكن الحديث عن نجاح في المجالات الآتية: التعاون العسكري- التقني، صناعة الطائرات، الاتصالات، صناعة المعدات المخبرية والأجهزة الطبية، الصناعات الكيماوية والزراعية، بناء أماكن الإنتاج والنقل. ونتيجة عوامل معيقة عدّة، منها ما هو قانوني، ومنها ما هو ناجم عن غياب الثقة المتراكم سابقًا، ويعد السوق الروسي المتنامي هدفًا جيّدًا للإسرائيليين.

وتقول تاس ([5]): «تبيّن إحصاءات الجمارك الفدرالية الروسية لعام 2015، أنّ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإسرائيل وصل إلى 2.35 مليار دولار، بتراجع نسبته 31 في المئة عن عام 2014. ويرجع السبب الرئيس لهذا التراجع إلى انخفاض معدل صرف الروبل مقابل العملة الأميركية. وتشمل الصادرات الروسية الى إسرائيل 37 في المئة من الألماس الخام، 36 في المئة من الوقود الخام، ومنتجات بترولية. أمّا المستوردات من إسرائيل فتتكون من: 24 في المئة من الخضروات». وتشير الوكالة الى أهم المشروعات التي تشترك فيها الدولتان:

 

1- المشروعات الاقتصادية الكبرى المشتركة

اتفقت روسيا وإسرائيل على إنشاء مشروعات مشتركة، تركّزت في مضماري الزراعة والتكنولوجيا المتقدمة، منها على سبيل المثال:

 

‌أ.        صناعة الأدوية والسكك الحديدية

شركة الأدوية الإسرائيلية Teva Pharmaceutical Industries Ltd، معمل في مدينة ياروسلاف عام 2014. وبناء خط سكة حديدية يربط تل أبيب بالقدس عن طريق شركة «بناء المترو الموسكوفية» الروسية، وشركة Minrav Holdings Ltd. الإسرائيلية، وقد أنهي المشروع عام 2013.

 

‌ب.    في المجال الزراعي

في 2014، استثمرت الشركة الإسرائيلية LR Group في إقامة مجمّعات حيوانية لإنتاج الحليب في جمهورية الشيشان، ومناطق الحكم الذاتي اليهودية، وفي منطقة تامبوف. وفي 2014، أطلقت شركة AquaMaof الإسرائيلية مشروعًا لتربية سمك السلمون في منطقة كالوجسكايا. وبدعم من حكومتي البلدين أنشئ مركز التكنولوجيا الزراعية عام 2013 في جامعة تيمييازوف للزارعة.

 

‌ج.     التكنولوجيا المتقدّمة

في 2011، وفي إطار الاتفاق بين مركز الإبداع الروسي «سوكولوفا»، والشركة الإسرائيلية «Ariel R&D» أطلِق مشروع بهدف تعزيز التعاون في مجال الإبداع التجاريّ. وفي 2012، بدأت الشركة الروسية «روسالوكس» بإنتاج شرائح للمعدات الألكترونية ببراءة اختراع إسرائيلية، وبلغت قيمة الاستثمار المشترك 870 مليون روبل.

تنشط شركات روسية عدة في سوق المعلومات التكنولوجية الإسرائيلية، من مثل ذلك شركة «ياندكس» التي استثمرت ملايين الدولارات في السوق الإسرائيلية، واشترت تكنولوجيا جوّالة لجمع المعلومات الجيولوجية. وتتشارك الشركة الروسية Yota Devices والشركة الإسرائيلية Cellrox في إنتاج تكنولوجيا متنقلة. إضافة إلى ذلك، ثمة تعاون في مجال تكنولوجيا النانو بين البلدين.

 

‌د.      التعاون العسكري- التقني

في 6 أيلول/ سبتمبر عام 2010، في زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إلى روسيا؛ وقع أول اتفاق تعاون عسكري بين الدولتين، وأكد وزير الدفاع الروسي حينئذ أنّ روسيا اشترت 12 طائرة مسيّرة من شركة Israel Aerospace Industries الإسرائيلية بقيمة 53 مليون دولار. ووقع لاحقًا اتفاق لشراء 36 طائرة من دون طيار بقيمة 100 مليون دولار. في 2010، ووقع اتفاق لإنشاء مصنع لتجميع طائرات من دون طيار من طراز   Mk II وBird-Eye 400 في مدينة كاترين بيرغ. وفي 2011، تلقى المصنع طلبات من وزارة الدفاع الروسية بقيمة 1.3 مليار روبل. وفي 2016، صرّح وزير الدفاع الروسي يوري بوريسوف، بخطط لشراء 3 مصانع تجميع بين 5 أعوام و10 أعوام.

 

‌ه.     في مجال الفضاء

في 2010، وقّعت روسيا وإسرائيل اتفاقًا للتعاون في مجال الفضاء، واستخدام المجال الفضائي للأغراض السلمية. وخلال المدة من 1995 إلى 2014، وضعت الصواريخ الروسية 9 أقمارًا صناعية إسرائيلية على المدار الأرضيّ.

 

‌و.      في السياحة

تُعدّ إسرائيل وجهة سياحية مهمة للسياح الروس. وفي 2014، قصد حوالى 1.829 مليون سائح روسي إسرائيل للاستجمام.

 

2- التعاون في المضمارات الثقافية والعلمية والتعليم

في 1994، وُقع اتفاق «التعاون في مجال الثقافة والتعليم»، ووُقع أيضًا في العام نفسه اتفاق لتنظيم التعاون الثنائي في مجال العلم. وخلال السنوات التسع الماضية نظم في تل أبيب معرض روسي بعنوان «من روسيا مع المحبة». وشارك في المهرجان كبار الفنانين الروس.  ورعت المعرض كُبريات الشركات الإسرائيلية من مثل شركة الباصات «إغيد»، وشركة الهاتف «بيزيك»، وإدارة اليانصيب الإسرائيلية. وفي 2009، أوقِف المهرجان لأسباب اقتصادية.

 

خامسًا- التنسيق في المسألة السورية

لماذا تتعاون روسيا وإسرائيل في سورية؟ تحت هذا العنوان في الواشنطن بوست ([6])، يتطرق الصحافي صموئيل راماني([7]) المتخصّص في السياسة الروسية، إلى الأسباب الكامنة، في رأيه، للتقارب الروسي- الإسرائيلي في سورية. ويتوصّل إلى أسباب ثلاثة رئيسة تدفع بالبلدين إلى التعاون في المسألة السورية:

  • يرى نتنياهو أن في مقدور روسيا تخفيف التهديد الذي يمثله الأسد وحلفاؤه الإيرانيون وحزب الله
  • تتوافق إسرائيل وروسيا في مسألة الحاجة إلى الأسد، للمحافظة على الاستقرار في سورية. فعلى الرغم من أن إسرائيل لم تعبّر علنًا عن دعمها للأسد، فإن توجهاتها السياسيّة الأخيرة تُظهر مخاوف إسرائيلية من تعقيدات وصول السُّنّة الثّائرين إلى السلطة في سورية. وكان التقارب الروسي- الإسرائيلي حول المسالة السورية عملية تدريجية؛ ففي البداية رأى صنّاع القرار الإسرائيليون أنّ سقوط الأسد أمر محتوم؛ لذا نأوا بأنفسهم بعيدًا عن النزاع، تجنُّبًا للدخول في صراع مفتوح مع سورية ما بعد الأسد. ومن ناحية أخرى، تقدم إسرائيل العون لبعض الفصائل المعارضة في صراعها مع داعش والنصرة، منعًا لوصول الأخيرة إلى حدودها، وبهدف حماية الأقلية الدرزية من العنف الطائفي. ومن غير المتوقع بقي الأسد في السلطة وتزايد وجود داعش، ما دفع نتنياهو في السنتين الأخيرتين، إلى تغيير مقاربته في الموضوع السوري في اتجاه تحالف أقوى مع روسيا. وعلى الرغم من استمرار إسرائيل في استهداف قوافل الأسلحة المتجهة إلى حزب الله، فإنها اتفقت مع الروس على الخطوط التي يمكنها أن تتدخل عندها. استرضاءً لبوتين؛ رفضت إسرائيل الاعتراف باستقلال كوسوفو، وقلّصت تعاونها العسكري مع جورجيا الذي بدأته بعد الغزو الروسي لأوسيتيا الجنوبية عام 2008، ولم تُدِن ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014.

في المقابل، كافأ بوتين إسرائيل بتعميق التعاون الاقتصادي والأمني في وقت تضايق الدول الغربية إسرائيل، بسبب احتلالها الأراضي الفلسطينية، وفي وقت تقوم فيه منظمات المجتمع المدني الغربية بمقاطعة البضائع الإسرائيلية.

  • يريد نتنياهو أن يكون الوجود العسكري الروسي في سورية محدودًا، لأطول مدة ممكنة. ففي بداية الأمر لم يكن كثيرٌ من القادة الإسرائيليّين متيقنين في ما إذا كان التدخل الروسي العسكري بنّاءً لحل الصراع، وما إذا كان سيحسن العلاقات الروسية- الإسرائيلية. ولكن القادة أنفسهم راحوا يتساءلون عن النتائج السلبية لسحب القوات الروسية.

دعا الرئيس الإسرائيلي روفن بيفلين إلى الحوار مع موسكو، لاحتواء التهديد الإيراني الذي عدّه مماثلًا لتهديد داعش، ما يعكس المخاوف الإسرائيلية، ويُظهر أن إسرائيل تنظر إلى الوجود الروسي بوصفه ضرورة لأمن المنطقة، إضافة إلى أن الوجود العسكري الروسي يمنع إيران من رعاية الإرهاب على حدود روسيا الجنوبية. ردًّا على النداء الإسرائيلي، أبلغت موسكو رئيس الأركان الإسرائيلي أن موسكو ستبني قاعدتين بحريّتين عسكريتين في سورية، لضمان عدم حصول تدخل إيراني قاتل.

تتوافق هذه التأكيدات الروسية مع اعتقاد موسكو الراسخ أن الانسحاب التامّ من الشرق الأوسط، كما فعلت إدارة أوباما، سيتسبب في اضطراب في المنطقة، وسيساعد في تعزيز التطرف الإسلامي. وباختصار، فإن التعاون الأمني المتزايد بين إسرائيل وروسيا تحرّكه رغبة مشتركة في تجميد الصراع، ومحاربة الإسلام المتطرف، واستباق عدوانية إيران وحلفائها.

يتجلّى أهم مظاهر التنسيق في سورية بين روسيا وإسرائيل -في رأي الخبراء- بنجاحهما في تجنب الحوادث في المجال الجوي السوري.

يقول أحد الخبراء: «يتواصل خبراء البلدين العسكريين والاستخباريين، في صورة متواصلة في ما بينهم، لتجنب وقوع حوادث على غرار ما حدث بين تركيا وروسيا». ويضيف: «الطيران الإسرائيلي يجري طلعات مستمرّة في الأجواء السورية بهدف الحيلولة دون نقل الأسلحة الحديثة من إيران إلى حزب الله اللّبناني الذي يعدّ -كما تعدّ إيران- إسرائيل مصدرًا للخطر الحقيقي عليهما. ومن جانب آخر، فإن الطائرات الروسية المشاركة في العملية السورية، غالبا ما تجد نفسها في الأجواء الإسرائيلية. ويجري كل ذلك بتنسيق مشترك على المستويات كافّة، بما فيها على أعلى المستويات»، بحسب الخبيرة نوسينكو، ويضيف الخبير ساتانوفسكي في دوره: «عندما تخترق طائراتنا جزءًا من المجال الإسرائيلي فإنه لا يخطر في بال أحد إسقاطها».

 

سادسًا: مقاربات مختلفة

ترى الصحافيّة «آنّا بورشتيفسكايا» ([8])، من معهد واشنطن، أنه على الرغم من تصريح بوتين «نحن راضون عن شراكتنا البنّاءة مع إسرائيل. وأن العلاقات بين الدولتين قد وصلت إلى مستوى عالٍ». فإنه في الواقع، سعى إلى تحسين العلاقات مع إسرائيل منذ تبوّئه السلطة في آذار/ مارس عام 2000.

وتقول إنً تعقيدات قائمة بين البلدين. فبوتين يريد أن يبدو لاعبًا أساسًا في أنحاء الشرق الأوسط جميعها، بينما تضطلع إسرائيل بدور مهمّ في المنطقة. غير أن سياسة بوتين الإقليمية تنطلق أساسًا من معاداة الغرب في لعبة محصلتها (صفر) لتجعل من روسيا ثقلًا مضادًا للغرب في المنطقة، ولتقسيم المؤسّسات الغربية وإضعافها على نطاق أوسع. أمّا إسرائيل -بخلاف روسيا- فهي ديمقراطية مؤيدة للغرب. وتجدر الإشارة إلى أن عدوانية موسكو المتنامية في ما كان يُعرف سابقًا بالاتحاد السوفياتي، وخصوصًا في أوكرانيا، ونفوذها المتعاظم في الشرق الأوسط في سياق الانسحاب الغربي من المنطقة، يعقّدان العلاقات الروسية- الإسرائيلية.

عند استلامه زمام السلطة في آذار/ مارس 2000، سعى بوتين لإعادة روسيا لاعبًا بارزًا إلى الشرق الأوسط، وعمل مع الأطراف جميعها في المنطقة، سواء أكانوا أصدقاء أم خصومًا تقليديين. وقد جعل سياسته ترتكز على تعريفه الخاص للمصالح الروسية، انطلاقًا من وجهة نظر واقعية بحتة. وتضمّنت هذه السياسة تحسين العلاقات مع إسرائيل في إثر تدهورها في أواخر التسعينيات في عهد وزير الخارجية ورئيس الوزراء آنذاك يفغيني بريماكوف. وكتب البروفسور مارك كاتز في دوريّة «الشرق الأوسط الفصلية» في شتاء عام 2005: «لا يسعى بوتين لإرضاء واشنطن ولا لتلبية أي ضرورات سياسية محلية، بل إن سياسة موسكو الجديدة في الشرق الأوسط تنتج عن حسابات بوتين الشخصية للمصالح الروسية، وهي حسابات لا تلقى تأييدًا كبيرًا في حكومته».

ثمة عوامل عدّة دفعت سياسة بوتين باتجاه إسرائيل، خصوصًا في سنوات حكمه الأولى، ومن بين هذه العوامل الصراع مع جمهورية الشيشان المنشقة شمالي القوقاز، وهو صراع بدأ في أوائل التسعينيات، وكان حركة انفصالية علمانية أصبحت ذات طبيعة إسلامية متطرفة في صورة متزايدة، ويُعزى ذلك بقدر كبير إلى سياسات موسكو الصارمة، وانتهاكاتها الفاضحة لحقوق الإنسان. وقد شبّه بوتين صراع روسيا ضد الإرهاب بصراع إسرائيل ضدّه. وبمرّ السنين، أجرى هذه المقارنة ذاتها في اجتماعاته بعدد من المسؤولين الإسرائيليين رفيعي المستوى. ووفقًا لوكالة «تي أس جي إنتل بريف TSG Intel Brief»، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون الذي يجيد اللغة الروسية، وأسّس علاقة شخصية وطيدة مع بوتين، الرئيس الروسي بـ «الصديق الفعلي لإسرائيل».

وكانت إسرائيل من بين الدول القليلة التي لم تنتقد بوتين بعد الإجراءات التي اتخذها في الشيشان.

وثمة محرّك آخر لسياسة بوتين تجاه إسرائيل، وهو تشديدُه على تحسين علاقات اقتصادية مع دول الشرق الأوسط. من هنا، سعى إلى إقامة علاقات تجارية مع إسرائيل، بمثل تجارة التكنولوجيا العالية في مجالات تتضمن تقنية النانو.

وأخيرًا، سعى بوتين إلى إشراك روسيا في عملية السلام في الشرق الأوسط، على أمل أن تحلّ محلّ الغرب، وتبدو ببساطة لاعبًا مهمًّا. وفي الواقع، في عهد بوتين، أصبحت روسيا أكثر حزمًا، وسَعت إلى طبع بصماتها في عملية السلام منذ انضمامها إلى «اللجنة الرباعية الدولية».

إن انخراط روسيا مؤخرًا في سورية في عقب الاتفاق الإيراني سيعقّد في الأرجح الوضع بالنسبة إلى إسرائيل، ففي 2010، وفي إثر ضغوط من الغرب وإسرائيل، جمّدت موسكو عقدًا بقيمة 800 مليون دولار مع إيران لبيع نظام الدفاع الجوي (إس-300) الذي يمكن أن يساعد في إسقاط الطائرات الحربية الأميركية أو الإسرائيلية، في حال تعرض المنشآت النووية الإيرانية لضربة جوية، ولكنها لم تلغ هذا العقد. وفي المقابل، امتنعت إسرائيل عن انتقاد تصرفات موسكو في الدول القريبة من روسيا. على سبيل المثال، أبقت إسرائيل علنًا على موقفها المحايد من الأزمة الأوكرانية، ولم تبع أسلحة لكييف. وخلاصة القول، إن إسرائيل ما زالت تعدّ روسيا لاعبًا مهمًا في الشرق الأوسط، ولا يرغب أي من الطرفين في إحداث أزمة ثنائية خطِرة. وفي هذا السياق، يطرح الانسحاب الغربي من الشرق الأوسط مشكلة بارزة لإسرائيل، إذ إنه يقلّل من خياراتها. وفي الواقع، وفي سياق علاقات نتنياهو المتوترة بالرئيس أوباما، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي ضرورة كبرى بتهيئة تفاهم أفضل مع بوتين، لكي يُقلّصَ احتمال وقوع اشتباكات عسكرية عرضية في سورية، وتحسين التفاهم المشترك على نطاق أوسع من أجل المحافظة على العلاقات المتوازنة. فهل سيتغير الأمر بمجيء الرئيس الأميركي الجديد؟ بغضّ النظر عما سيفعله ترامب تجاه الشرق الأوسط، فإنه من المرجّح أن تستمرّ روسيا وسورية في التعاون الاقتصادي والعسكري والعلمي.

على الرغم من ذلك، فإنّ مقاربة البلدين للموضوع السوري متباينة بينهما: فـ «لدينا مقاربات متباينة حول سورية»، بحسب ما يفترض الخبير ساتانوفسكي، ويضيف: «بالنسبة إلينا، سورية هي شريك بعيد عن أراضينا، وعلاقاتنا معها ليست بالسهلة، ولكنّ روسيا كانت على مدى عقود تدعمها، واليوم تؤمّن لها المحافظة على ما تبقّى من الدولة. أما بالنسبة إلى إسرائيل؛ فسورية دولة جارة، خاضت ضدها حروبًا عدّة، واحتلت أراض تابعة لها، ينظر اليها الإسرائيليون بصفتها منصةً لإطلاق الصواريخ من أراضي الجولان التي ضمّتها إسرائيل إليها».

ويقول الخبير: «كلما زاد ارتباط سورية بإيران، زاد التهديد الذي يمكن أن تتعرض له إسرائيل انطلاقًا من سورية». يتابع: «لا تمانع إسرائيل من بقاء نظام الأسد، فهذا أمرٌ لا يخصّها في النهاية، ولا تتدخل إسرائيل في الحرب الأهلية السورية». أما بالنسبة إلى الدولة الاسلامية -المحظورة في روسيا- فلا تبدو مشكلة لإسرائيل، لأنها لم تتعرّض لأيّ هجوم من جانبها حتى الآن. وإسرائيل لا تعدّ داعش خطرًا عسكريًّا مباشرًا، فداعش -بالنسبة إليها- عدوّ أضعف كثيرًا من الجيوش النظامية في الدول المجاورة.

تعدّ إسرائيل التدخّل من جانب «حزب الله» وقتاله إلى جانب الأسد في سورية مسألة بالغة الأهمية، بحسب مارياسيس. ويهدف تدخّل إسرائيل في سورية إلى تدمير قوافل الأسلحة المتوجّهة إلى حزب الله. وبحسب الدلائل كلّها، فإنّ روسيا لا تتدخل في هذا الأمر.

«تمكّنت إسرائيل خلال العقود الماضية أن تحقق مع الأسد، -إن لم يكن السلم، فإرساء اتفاق ضمنيّ على عدم خرق الوضع الناشئ على الحدود بينهما -يقول نوسينكو. وفي ما يتعلق بمصير سورية المقبل، يعدّ الإسرائيليون أنه ليس من الضروري التدخّل في مخططات ترتيب هذه المنطقة، سواء بقيت سورية تحت حكم الأسد أم تم تقسيمها- وبالنسبة إلى إسرائيل سيبقى هذا الأمر ثانويًّا».

 

سابعًا: عوامل القلق

إحدى المشكلات التي تقلق تل أبيب هي توريد الأسلحة الروسية إلى إيران التي يمكن أن ترسلها إيران في دورها إلى «حزب الله»، يقول مارياسيس: «ما يقلقهم حصول إيران على أسلحة متطورة، ولو كانت دفاعية، من مثل منظومات الدفاع الجوي إس- 300. والإسرائيليون ينقلون قلقهم في استمرار إلى القيادة في روسيا». وبالنسبة إلى الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، فإنّ أهميته -في رأي الخبير- قد تراجعت من وجهة النظر الإسرائيلية إلى المرتبة الثانية.

يقيّم الخبراء دور العامل الأميركي في العلاقات الروسية- الإسرائيلية من وجهات نظر مختلفة، فيرى الخبير «ساتانوفسكي» بأن الإدارة الأميركية تشعر بـ «غيرة مجنونة» من تحسّن العلاقات بين إسرائيل وروسيا. ويقول: «الولايات المتحدة على حق في النظر إلى العلاقات الروسية- الإسرائيلية على أنّها علاقات بالغة الخطورة على مخططات واشنطن الرامية إلى الهيمنة العالمية». ويتابع الخبير: «ما تقدمه الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل في المجالين المالي والتقني، لا تستطيع روسيا أن تقدمه. صحيح أن العلاقات الروسية- الإسرائيلية قد ارتقت مؤخّرًا إلى أعلى المستويات، لكنها لن تتمكن من الحد من التأثير الأميركي في إسرائيل».

 

ثامنًا: التوافق الروسي-  الإسرائيلي ضد الإرهاب

ما المصلحة الني تقف خلف التعاون العسكري الجديد بين روسيا وإسرائيل في الشرق الأوسط؟ ولماذا تخشى إسرائيل سقوط نظام بشار الأسد في سورية بصفته دولة؟ في مقابلة له مع صحيفة برافدا، يقول الخبير الإسرائيلي، «آفيغدور أسكين» ([9]): «سمح النزاع السوري لروسيا وإسرائيل أن يفعلا ما لم يستطيعا فعله طوال 70 سنة من علاقاتهما؛ فالدولتان اتفقتا على تنسيق أعمالهما العسكرية. فهما تنسقان أعمالهما معًا على أعلى المستويات، وبسرية تامة، ومن دون مشاركة الولايات المتحدة والغرب والناتو! ويدور الحديث عن نجاحهما معًا، وهذا مفيد للطرفين».

إن الحديث عن حلف عسكري بين الدولتين يتعلق بخصم مشترك هو الدولة الإسلامية، والإسلام المتطرّف عمومًا، وبالتأكيد، فإن داعش هي تسمية جديدة لـ «الإخوان المسلمين» و«حماس» وغيرهما من القوى التي تعمل في الشيشان وفي الشرق الأوسط. وقد ناقش الرئيس الروسي مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسألة وجود حلف مناصر لبشار الأسد يضمّ «حزب الله» ذا التاريخ الحافل بالنشاط الإرهابي.

وفي بداية الحرب الأهلية السورية كان في إسرائيل انقسام في الرأي؛ فوزير الحرب آنذاك، إيهود باراك كان يدعو إلى مناصرة من يريد إسقاط الأسد. أمّا نتنياهو فكان أقرب إلى الحياديّة، بمثل حال الاستخبارات الإسرائيلية التي دعت إلى رفض التدخل، والعمل بخطوات حذرة على دعم الأسد. ففي 47 سنة، كانت الحدود الإسرائيلية السورية هي الأكثر هدوءً.

على الرغم من عدم التوصل الى اتفاق سلام مع سورية حتى الآن، يسود في إسرائيل رأي صائب يقول إنّ الأسد كان القوة الوحيدة العقلانية في سورية، وسيبقى كذلك. وقد أكّد الرئيس بوتين لنتنياهو في لقاءاتهما أنه على إسرائيل ألّا تخشى أيّ تهديد من جانب سورية. وقد برزت حالة من مصالح مشتركة بين روسيا وإسرائيل بضرورة دعم نظام بشار الأسد، وأكد أيضًا أن تفاهمًا مشتركًا حاضر بينهما في هذه المسالة.

في حين إنّ الولايات المتحدة لم تتمكن من إيجاد حلفاء موثوقين في سورية، وظلّ التحالف الراهن بين روسيا وإسرائيل بمنزلة جدار يمنع وصول «قاطعي الرؤوس» إلى إسرائيل وروسيا. وفي أثناء الحرب الشيشانية قدمت إسرائيل مساعدات لا يُستهان بها لروسيا، وكانت إسرائيل الى جانب روسيا خلافًا للموقف الغربي.

لم تشارك إسرائيل في الصراع السوري باستثناء ضربات عدة على مواقع لحزب الله ولداعش. وكانت الضربات الإسرائيلية ترمي إلى إرسال إشارات إلى الأسد بالامتناع -فحسب- من تسليم أسلحة متطوّرة لحزب الله، ويعلن هذا الأخير أنه سيستخدمها ضد إسرائيل. وتزوّد إسرائيل روسيا بأحدث طراز من الطائرات المسيّرة عن بعد، في وقت رفضت إسرائيل تزويد أوكرانيا بها، وعلى الأرجح سينحسر الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، بينما سيترسّخ الوجود الروسي فيه.

إنّ التعقيد في الشرق الأوسط ناجم عن كون الدول المكوَّنة منه، قد أُنشئت في صورة مصطنعة من جانب بريطانيا وفرنسا. وهناك قناعة بأن زيادة التعاون والتنسيق بين روسيا وإسرائيل سيساعد في إقرار النظام الذي سيكون مفيدًا للبلدين كليهما، ولجيران إسرائيل من العرب.

كتب «جون كوهين» معلّق وكالة رويترز ([10]) عن العلاقات الروسية الإسرائيلية؛ «مع صعود بوتين، وجدت إسرائيل صديقًا مقربًا في موسكو لم تحظ به على الإطلاق من قبل، ووجد البَلَدان مصالح مشتركة في محاربة الإرهاب. وفي 2014، كان بوتين واحدًا من بضعة زعماء وقفوا داعمين لإسرائيل في مواجهتها مع حركة حماس الفلسطينية، حيث قال بوتين: أنا أدعم إسرائيل في معركتها للمحافظة على حياة مواطنيها». وفي 2005، كان بوتين الرئيس الروسي الأول الذي يزور إسرائيل، ويقف دقيقة صمت عند الجدار الشرقي – أكثر الأماكن المقدسة عند الإسرائيليين- الذي يعدّ رمزًا للهولوكوست. ويقال إنّه اشترى منزلًا في تل أبيب لمعلمه الألماني اليهودي ذي الـ 84 سنة. عاد بوتين إلى إسرائيل ثانية في 2012 ضيف شرف لإحياء ذكرى الجنود السوفياتيين اليهود الذين قهروا هتلر في الحرب العالمية الثانية.

على الرغم من أن إسرائيل أعلنت أنّها لا تتدخل في الحرب السورية، إلّا أنّها رسمت «خطوطًا حمراء» لمنع نقل السلاح المتقدّم من إيران إلى عدوها «حزب الله» اللبناني. ومن ثمّ، فإنّ نشر روسيا أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة في سورية يشكل مصدر قلق لإسرائيل. إذ يبلغ قطر فاعلية صواريخ إس 400 حوالى 250 ميلًا قادرة على استهداف 36 طائرة في الآن ذاته. هذه الصواريخ قد تسهم في قلب قواعد اللعبة في المنطقة. وذهب الأمر بأحد المسؤولين الإسرائيليين الكبار إلى القول بأنه «كابوس». وفي حال تردّي العلاقات الروسية – الإسرائيلية جدّيًا، فإنّ صواريخ إس 400 قد تعقّد الأمر في وجه إسرائيل بصورة ملموسة، في مساعيها للتصدي لشحنات الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله. ولهذا -تحديدًا- تريد إسرائيل من روسيا ضمانات مؤكدة بأن هذه الصواريخ لن تعيق حرية الطائرات الإسرائيلية في المجال الجويّ السوري.

نتيجة القلق الإسرائيلي، والرغبة المشتركة في تجنب وقوع حوادث غير مرغوبة مع القوات الروسية، توجّه نتنياهو بزيارات عدّة إلى موسكو للقاء بوتين، بعد أن اتّضح جليًا عمقُ الالتزام الروسي تجاه سورية. وفي عقب اللقاء صرّح نتنياهو بأنه يؤمن بتفهم بوتين للخطوط الإسرائيلية الحمراء تجاه حزب الله. يتعلّق القلق الإسرائيلي الآخر بـ 200 ألف يهودي روسي ظلّوا في روسيا. وبالطبع، لا تخفى مشاعر بوتين تجاه اليهود الروس؛ فعلى الصعيد الداخلي يعدّ بوتين كثيرًا من رجال الأعمال والمسؤولين اليهود أصدقاء له، ويقر بالتأثير الإيجابي لليهود فيه في أثناء طفولته. ويساند بوتين إنشاء المتحف اليهودي في مركز مدينة موسكو، حتى إنّه تبرّع بماله الخاص لهذا الغرض، معربًا عن «معارضتِه الشرسة لأي مظاهر مناهضة للسامية»، ويعمل على إصدار قانون للمحاسبة على التحريض ضد السامية. وعلى صعيد الأزمة الأوكرانية، تحرص تل أبيب على تجنب الاصطفاف مع بوتين. وبعد ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم امتنعت إسرائيل عن التصويت على قرار الأمم المتحدة الذي يدين خطوة موسكو، وفسره المتحدث الرسمي للأمم المتحدة بأنه يعني التصويت ضد القرار. وبتعزيز وجود الدب الروسي في الحدود الشمالية لإسرائيل يتوقع من القادة الإسرائيليين الاستمرار في إظهار الاهتمام الكبير برجل الكرملين.

بحسب الكاتب «ميران إيتزون» من معهد الشرق الأوسط (Scholar -The Middle East Institute) ([11]) جذبت العلاقات الروسية- الإسرائيلية انتباهًا غير عاديّ في الأشهر الماضية، بعد التدخل العسكري الروسي في سورية، وإقامة آلية الحيلولة من دون التنازع بين القوات الروسية وجيش الدفاع الإسرائيلي. وفي حقيقة الأمر، فإن الرئيس بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي يسيران على حبل مشدود من المصالح المشتركة والمتضاربة في المنطقة وتجاه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ ففي سورية، يأتي التحالف الروسي مع إيران وحزب الله متعارضًا مع مصالح إسرائيل. وفي وقت يسهل فيه تمييز الاختلافات بين المصالح الروسية والإيرانية على هذه الساحة، فإن أهدافهما المشتركة الأساسية تبقى متطابقة؛ إذ تبحث كلٌّ من الدولتين في تعزيز تأثيرها في سورية ولبنان، في حين تنكران على الولايات المتحدة وحلفائها أيّ دور في سورية ما بعد الصراع. ومن وجهة النظر الإسرائيلية فإن دور إيران الحالي في سورية، يشكل مصدر قلق إسرائيلي حادّ، بينما ترى أن الدور الروسي سيكون مفيدًا. يرى أن روسيا سيكون لها تأثير أكبر في لاعبين إقليميين -إيران وحزب الله وبعض اللاعبين الذين ليس لهم دولة- أكبر من دور الولايات المتحدة وحلفائها أو أي لاعب خارجيّ آخر. ويرى بعض المراقبين في إسرائيل أن روسيا هي عامل معتدل في هذا المعنى.

من الوجهة العملياتية، ترى إسرائيل أن الوجود العسكري الروسي يعد عاملًا معقّدًا في الوضع المعقّد أصلًا، نظرًا للقدرات الروسية في جمع المعلومات الاستخباريّة، وعدم اكتراثها بقواعد الاشتباك، وتبين بعد حادث الطائرة على الحدود التركية- السورية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وكذلك إمكان قيام روسيا باختراق المجال الجويّ الإسرائيلي. إضافة إلى ذلك، فإنّه من الواضح أنّه سيكون في إمكان حزب الله، بعد انتهاء القتال في سوريّة أنّ يوجه انتباهه إلى الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، ما يدعو إلى توقع ارتفاع التوتّر على حدود إسرائيل في الشمال. ومن الطبيعي أن يكون لنوع العلاقات التي أرسيت بين روسيا وحزب الله منذ 5 سنوات دورًا في موقف روسيا من أي اشتباك يحصل مستقبلًا بين إسرائيل والحزب. ويعدّ جيش الدفاع الإسرائيلي حزب الله، المزود بأحدث أنواع الصواريخ الروسية الذي يتمتع بكمية من المعلومات الاستخباراتيّة المهمّة؛ العدوّ الأول لإسرائيل. وفي إسرائيل، بعد مرور 10 سنوات على الحرب الأخيرة يرون أن الحرب الثالثة قادمة بالتأكيد. وأنّ القوة الخارجية الوحيدة التي تستطيع منع هذه الحرب هي روسيا. فهل سيكون لها مصلحة في ذلك؟

 

خلاصات واستنتاجات

إذا نظرنا إلى المصالح الروسية- الإسرائيلية في المنطقة -بصورة أبعد وبمنظور أشمل- يبدو المثل الإسرائيلي القديم «أحترمه، ولكنني أحذر منه» الذي كان في أساس الموقف الإسرائيلي من روسيا؛ ما زال صالحًا، وسيبقى في المستقبل دليل إسرائيل في علاقتها مع روسيا. وهذا يشبه مقولة ريغان التي عمل بها باراك أوباما، وتقول «لا تثق، بل تأكّد». والفرق في الحالين -طبعًا- أن الأمر يتعلق بدولة إقليمية هي إسرائيل، ودولة عظمى هي روسيا. لدى إسرائيل قدرة كبيرة على عدم الثقة، ولكن إمكاناتها للاختبار محدودة جدًّا.

1- تسعى روسيا إلى إضعاف الولايات المتحدة، والإمساك بالشرق الأوسط، بوصفه جزءًا من استراتيجيتها العالمية، بما يؤثر في الهدف الروسي. ما زالت وزارتا الدفاع والخارجية الإسرائيليّتان تعدّان الولايات المتحدة الأميركية حليفها وحاميها الأوّل. ونجحت روسيا في تحسين دبلوماسية مرنة، وجعلت لنفسها «ماركة مسجلة» كـ «اللاعب الوحيد الذي في مقدوره الاشتباك مع بقية اللاعبين».

2- إذا اتضح أن أميركا -ما بعد الانتخابات- لن تغير سياستها بصورة كبيرة، فإن روسيا ستواجه على الأرجح حقيقة محدودية قوتها وتأثيرها. فهي لن تستطيع استلام زمام القيادة التقليدية بمثل أميركا، وهي لا تبحث عن ذلك. وعند حدوث أي صراع تكون إسرائيل فيه طرفًا، سواء كان مع غزة أم الضفة الغربية، مع لبنان وسورية أم مع تدخل إيراني مباشر، فإنّ جدلًا جديًّا سينشب بين روسيا وإسرائيل.

3- يتعارض تصدير السلاح والمعدّات، وهما اثنتان من أذرع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، مع المصالح الإسرائيلية، سواء في المستوى التاريخي أم في المستوى الراهن. فقد شكّلت الأسلحة والمعدات الروسية الصنع العمود الفقري لترسانة الأسلحة المعادية لإسرائيل. وظهرت القدرة الإسرائيلية المحدودة في منع بيع الأسلحة في المنطقة، وأظهرت الصفقات الأخيرة بين إيران وروسيا.

4- في جبهة الطاقة، فشلت محاولات شركة النفط الروسية «غاز بروم» على مر سنوات من الدخول في حوض شرق البحر المتوسط، ويفترض أن يكون ذلك عائدًا إلى الممانعة الإسرائيلية. وقد وقعت مؤخرا أنقرة وتل أبيب اتفاقًا على مشروع عملاق لتصدير الغاز من إسرائيل إلى تركيا وأوروبا، وقد يخفض هذا المشروع ارتباط تركيا وأوروبا بالغاز الروسي، وهو وجه آخر لتضارب المصالح الإسرائيلية- الروسية.

5- في الساحة الدولية؛ تحاول إسرائيل أن تتوخى أقصى درجات الحذر في ما يخصّ القضايا المهمّة لروسيا. ففي الجلسة التي عقدت منتصف 2014، والمخصّصة للتصويت على قرار يدين التدخل الروسي في أوكرانيا، تلقى المندوب الإسرائيلي أمرًا بالخروج من القاعة، مغضِبًا الإدارة الأميركية، ولم تحظ الهجمات التي يشنها القراصنة الرّوس على شبكات الإنترنت، واستضافة روسيا إدوارد سنويدن بأيّ ردّات فعل من جانب إسرائيل. ثم إن سياسة بوتين الداخلية القمعية لم تحظ من الحكومة الإسرائيلية بأيّ اهتمام. وعلى الرغم من سجل روسيا في ما يخصّ التصويت في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة على قضايا تهمّ إسرائيل، التي كانت في معظمها سلبية، فإسرائيل تعاملت مع الأمر بوصفه «في حكم الطبيعة».

6- صفة مميزة أخرى في العلاقات الإسرائيلية- الروسية تتعلق بوجود أكثر من 1 مليون يهودي- روسي من إجمالي سكان إسرائيل البالغ عددهم 8 ملايين. وصل المهاجرون اليهود- الروس معظمهم إلى إسرائيل في التسعينيات من القرن الماضي. وبحسب الدبلوماسيين الإسرائيليين، فإنّ الرئيس بوتين، وفي الاجتماعات كلّها مع نظيره الإسرائيلي، كان يقول، إن لروسيا مليون شخص في إسرائيل، وإنه لن يفعل أبدًا ما يمكن أن يتسبّب لهم بالأذى. وعلى مدى سنوات تنشر ادّعاءات في الإعلام الإسرائيلي بوجود تخريب سياسي محلي بإشراف من بوتين، ويظهر اسم آفيغور ليبرمان ضمن هذه الادّعاءات غالبًا، ادّعاءات مشابهة بترويض مقاربات يمينية سياسية -في أوروبا غالبًا- بما في ذلك السياسيين، امتدت مؤخّرًا إلى الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلق بدعم بوتين لدونالد ترامب.

7- يبدو أن مسار العلاقات الروسية- الإسرائيلية المستقبلي سيكون مشابهًا للسيناريو الآتي:

أ- ثمة اهتمام من الطرفين، مستمرّ بالمحافظة على مظهر الصداقة، والفائدة المتبادلة التي يجنيانها من الارتباط بينهما.

ب- إذا استمرت الصراعات في الشرق الأوسط في خلق الأزمات، فإنّ روسيا وإسرائيل ستجدان نفسيهما في لحظة ما على طرفي نقيض.

ج- ستكون مقدرتهما في «احتواء» المصالح المتضاربة ومعالجتها محل اختبار دائم.

د- سيفاقم ازدياد التوتر في العلاقات الروسية- الأميركية، والعلاقات الروسية- الأوروبّية الضغوطات على إسرائيل، وستجد إسرائيل نفسها في مآزق سياسية، ما يجبُرها على تصويب سياستها بصورة دائمة، وعلى إعادة النظر في علاقاتها بنظام بوتين الذي يرفع راية التحدي الدائم.

 

([1])د.م، «ملف العلاقات الروسية- الإسرائيلية Российско_ израильские отношения. Досье »، موقع وكالة تاس، (21 نيسان /أبريل، 2016».

http://tass.ru/info/3228338

([2]) تسفي ماغن، «60 عاما على العلاقات الإسرائيلية الروسية Израиль ― Россия: 60 лет отношений»، (مجلة السنوية الأورو-آسيوية اليهودية / مكتبة ЕАЕК ، 2007-2008).

http://library.eajc.org/page70/news13495

([3])د.م، «Визиты премьер- министров Израиля в Росию»، موقع وكالة أنباء تاس، (20 نيسان/ أبريل 2016، التحديث في 6 حزيران/ يونيو 2016).

http://tass.ru/info/3224336

([4]) تسفي ماغن، «60 عاما على العلاقات الإسرائيلية الروسية».

http://library.eajc.org/page70/news13495

([5])د.م، ملف العلاقات الروسية – الإسرائيلية

http://tass.ru/info/3228338

([6])راماني. صموئيل، «Why Russia and Israel are Cooperating in Syria»، موقع هافنغتون بوست، (24 حزيران/ يونيو 2016).

http://www.huffingtonpost.com/entry/why-russia-and-israel-are-cooperating-in-syria_us_576bdb68e4b083e0c0235e15

([7]) صموئيل راماني: صحافي في واشنطن بوست، متخصص بالسياسة الروسية ما بعد عام 1991

Samuel Ramani/ DPhil > University of Oxford.  June 24 2016>

([8])  آنا بورتشيفسكايا، «نضج العلاقات الإسرائيلية The Maturing of Israeli-Russian Relations»، موقع معهد واشنطن، (ربيع عام 2016).

آنا بورتشيفسكايا: زميلة «آيرا وينر» في معهد واشنطن، تركز في السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط.

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-maturing-of-israeli-russian-relations

([9])  Avigdor_Eskinآفيغور إيسكين: صحافي محافظ. يحمل الجنسية الروسية والإسرائيلية، وناشط سياسي معروف بتطرفه، ومرتبط بدوائر الروسية المحافظة ومعروف بمواقفه المساندة لبوتين في المسألة الجيورجية والأوكرانية والأستونية. في عام 2014، كان من دعاة التدخل الروسي في أوكرانيا وما يزال مناصرًا للانفصاليين في الدونباس.

([10])  جوش كوهين، «. Vladimir Putin is the closest thing to a friend Israel has ever had in Moscow» ، موقع وكالة أنباء رويترز، (14 كانون ثاني/ يناير 2016).

http://blogs.reuters.com/great-debate/2016/01/14/vladimir-putin-is-the-closest-thing-to-a-friend-israel-has-ever-had-in-moscow/

([11])إيران إيتزيون، «Israeli- Russian Relations: Respect and Suspect»، معهد الشرق الأوسط، (03 آب/ أغسطس 2016).

http://www.mei.edu/content/article/israeli-russian-relations-respect-and-suspect