عنوان المادة الأصلي باللغة الانكليزية: Death of truth: when propaganda and ‘alternative facts’ first gripped the world
اسم الكاتب  بيرس بريندون Piers Brendon
مصدر المادة الأصلي الغارديان، The guardian
رابط المادة https://www.theguardian.com/media/2017/mar/11/death-truth-propaganda-alternative-facts-gripped-world
تاريخ النشر 11 آذار/ مارس 2017
المترجم وحدة الترجمة والتعريب- أحمد عيشة

 

 

«توقف التاريخ في عام 1936، بعد ذلك، كانت الدعاية فقط». هكذا قال جورج أورويل عن تلك المرحلة، عندما ضاعفت استراتيجيات وسائل إعلام هتلر وستالين المجافية للحقيقة المآسيَ الكثيرة للكساد الكبير.

 

01

مجموعة دولية من الملصقات الدعائية قبل الحرب العالمية الثانية، وفي أثنائها. تجميع: UIG / VGC عبر صور غيتي

 

كانت الحقيقة هي الضحية الأولى للكساد العظيم، عاكسةً المعاناة في ذلك الوقت، من دعايةٍ صُنّعت على نطاقٍ غير مسبوق، وهددت الكارثة الاقتصادية بإشعال الحروب التالية، بحسب ما قال جورج أورويل؛ كذلك كانت الأكاذيب المفيدة مفضَّلةً على الحقائق الضارة، وذهب أبعد من ذلك، معلنًا أنَّ التاريخ توقف في عام 1936، وما بعده، كانت الدعاية فقط.

 

كانت هذه مبالغة مميزة، ولكنها تشير إلى عالمية خداع الدولة. كان مصطلح الكساد يهدف إلى تضليل، وظفّه الرئيس هوفر على أنَّه كنايةٌ عن الكلمة الأمريكية القياسية للأزمة المالية: (الذعر). ومن ثمّ، رأى الشاعر أودن (1907-1973، من أعظم الشعراء الإنكليز، حصل على الجنسية الأمريكية عام 1946) أنَّ هذا كان «عقدًا غير شريف»، وهي النتيجة التي توصل إليها في حانة نيويورك في 1 أيلول/ سبتمبر 1939، في أثناء محاولة «التراجع عن كذبةٍ مخبأة … أكذوبة السلطة». لقد كانت نهاية العقد الذي رأينا فيه، بحسب ما كتبه أودن في مكانٍ آخر: «وجوهًا لا تُعدّ ولا تحصى، ذاهلة من كذبةٍ واحدة».

وبطبيعة الحال، فالكذب سمة بشريّة، وثمة كذبٌ رسميّ مورس على مر العصور، ولكنه طُوِّر بصورةٍ مكثّفة في الحرب العالمية الأولى، ولا سيما في ظل اتجاه اللورد نورث كليف، مؤسس الصحافة الشعبية في بريطانيا، ويُعرَف في ألمانيا باسم «أبو الكذب»، وتكرّس نشاطه بخاصّة، في هجائه القيصر (الإمبراطور الألماني)، الذي كان يُصوَّر (في منشور سقط وراء الخطوط الألمانية)، ويتقدم مع أبنائه الستة، وجميعهم في الزي العسكري الكامل، متخطّيًا مجموعة من أذرع نحيلة ممدودة، قارئًا التعليق: «عائلةٌ واحدة لم تفقد عضوًا واحدًا».

كانت مساعي نورث كليف، قد حذرّت من عواقبَ وخيمةٍ على أوروبا، حيث زعم القوميون المتطرفون أنَّ ألمانيا لم تُهزَم بقوة السلاح في عام 1918، ولكن بطعنٍ في الظهر من المجرمين السياسيين، بعد أن أضعفتها الدعاية البريطانية البغيضة بصورةٍ قاتلة. وقد قارن كليف هتلر بالغاز السام الذي أضعف معنويات المدنيين، وأدّى بالجنود الألمان إلى أن «يفكروا في الطريقة التي أراد لهم العدو أنْ يفكروا بها». أصبحت أسطورة سقوط الوطن ضحيةً لمؤامرة البلشفية اليهودية عنصرًا أساسًا في العقيدة النازية، إذ عقد هتلر العزم على صنع غازه السام الخاص، بأن يكون فاعلًا، وكتب في «كفاحي»: يجب على الدعاية أنْ تصرَّ على عددٍ قليل من شعاراتٍ بسيطة جذابة لـ «المشاعر البدائية للجماهير العريضة».

لكن الدعاية -بمثل الإعلان- تحقق التناغم عندما تكون الأوضاع ملائمة، وما كان لهتلر وصراخه جميعه أن يحصل على دعمٍ واسع النطاق، لو أنه لم يكن قادرًا على استغلال مآسي الكساد الكثيرة. بعد عام 1929، كان الألمانيون متقبلين تأكيده بأنَّ معاناتهم هي ثمرات الشر لنظام فايمار الفاسد. (أعلنت جمهورية فايمار بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، واستمرت حتى عام 1933، عام انتصار النازية، وعملت على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي).

أصرَّ (هتلر) على أنَّ المشكلة ليست اقتصاديةً بل سياسية، ولا يمكن حلها إلا بعودة القوة الألمانية، وتحت قيادته: «إن المفتاح إلى الأسواق العالمية له صورة السيف». كانت وسيلته لاستيعاب ذلك السيف الحزب النازي الذي نظّمه تنظيمًا تامًّا «لخدمة الدعاية للأفكار».

عندما تولى السلطة، وظّف هتلر موارد الدولة والتكنولوجيا الحديثة جميعها للسيطرة على العقول الألمانية. اعتاد الإرهاب والمسرح؛ من مثل داخاو (أول معسكر اعتقال ألماني، وأشده تعذيبًا، يقع في مدينة داخاو، شمال غربي ميونيخ، وأغلق بسقوط النازية 1945)، ونورمبرغ (مدينة كان فيها نشاط الحزب النازي كبيرًا، ومركز للمحاكمات الشهيرة التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية).

يتواصل(هتلر) مع الجمهور بصراحة إيهامية عبر وسائل الإعلام الجديدة: الإذاعة والسينما، ولعل نجاح الفيلم المقيت (انتصار الإرادة) لـ (ليني ريفنستال 1902-2003)، -فنانة مقربة من هتلر وغوبلز، وُصِفت أفلامها بالساحرة- حوّل الدعاية إلى فن. وأشرك هتلر جوزيف غوبلز معه لفرض التجانس الأيديولوجي على ألمانيا.

نال غوبلز لقب «ملك الدعاية» النازية بحسب ما أعلنه، كانت عقيدةً تشمل الجميع، إذ «يجب أن يكون الداعية الرجل ذا قدرة كبيرة على معرفة النفوس». ويجب أن يحرث ويسلب كلّ مجالٍ من مجالات الحياة الألمانية. هاجم غوبلز الفن «المنحل»، وأشرف على حرق الكتب المختلسة من المكتبات العامة
(بيوت الدعارة الفكرية)، ونظّم الصحافة، وأرهب الكنيسة، واستسلمت الأكاديمية للانضباط، حيث قال رئيس جامعة غوتنغن إنَّه «فخورٌ بالتسمية الجديدة- البرابرة». ووفقًا لرئيس جامعة فرايبرغ، مارتن هايدغر، «الفوهرر ذاته، وبذاته، هو حقيقةُ ألمانيا.»

بالتشارك مع هذا الرأي، أشرف غوبلز على التضحية بالثقافة الوطنية، وصدرت تعليماتٌ للطلاب عن «البيولوجيا الآرية»، و«الرياضيات الألمانية» و«فيزياء الشمال»، ولُعِنَ كلٌّ من آينشتاين وفرويد. وهكذا كان إيمانويل لاسكر، الذي أصبح بطل العالم في الشطرنج بتوظيف قليل من المكر السامي -في نظر غوبلز- لحرمان لاعبي الشمال «حقوقهم المشروعة».

 

02

المخرجة الألماني ليني ريفنستال في دورة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936. صورة: كيستون/ صور غيتي

 

كان هجوم ستالين على الواقع بشعًا -على الرغم من أنّه نادرًا ما أظهر أكثر من سياسته بتصدير الحبوب- عندما كان الملايين من الفلاحين الروس يموتون من الجوع. وأصرَّ على أنّ الحقيقة كانت ما قال إنه الحقيقة، موافقًا العلم الزائف لعالم التربية تروفيم ليسنكو، ومنددًا بالعالم الرياضي نيكولاي لوزين بعدّه مدمرًا وقاتلًا لعلماء الفلك، لاتخاذهم موقفًا غير ماركسيٍّ من البقع الشمسية. زعم ستالين مستحضرًا الديالكتيك بأن أكبر المخربين هم الذين لم يرتكبوا أي تخريب، وأن الجهاز الرهيب للقمع السوفياتي ساعد في اضمحلال الدولة.

هذا السائق لقاطرة التاريخ حركه إلى الوراء، وكذلك إلى الأمام؛ فقد خلق النكرات، ومحا صور المساعدين السابقين من مثل رئيس الشرطة السرية غينريخ ياغودا، وحذر الثائرة السياسية، وزوجة الراحل لينين، ناديجدا كروبسكايا (1869-1939)، بأنها إذا أساءت التصرف، فسيجعل امرأة أخرى أرملة لينين، على حد تعبيره، وقد ارتدى أقنعةً متقنة لخدع المسافرين الأجنبيين والمسافرين الآخرين من البلهاء المفيدين الذين فهموا أنَّ نجاح الشيوعية آتٍ من فشل الرأسمالية.

علاوةً على ذلك، قدم ستالين رشوة للصحفيين الغربيين من مثل والتر دورانتي (1884-1957، مدير مكتب نيويورك تايمز في موسكو، له كتاب دفاعًا عن ستالين)، الذي كتب عن المجاعة الشهيرة في أوكرانيا في صحيفة نيويورك تايمز: «ليس هناك مجاعة فعلية، ولكن ثمة وفيات في نطاق واسع من الأمراض الناجمة عن سوء التغذية». كرر بعض الصحافيين ذلك بدقة، على الرغم من أنّ بينهم مالكولم موغيريدج (1903-1990ـ صحفي بريطاني، كان يساريًّا، ثم تحول إلى مناهض للشيوعية) – الذي سجل أيضًا (مُسلَّمةَ العصر، صرخة رقيب روسي): «لا يمكنك أن تقول ذلك لأنه صحيح».

كانت الحقيقة حبيسة الإيمان والخوف. في المدينة الأوكرانية خاركوف، لاحظ آرثر كوستلر (1905-1983، روائي وناقد وصحفي إنكليزي من أصل هنغاري، كان شيوعيًّا، وترك الحزب وكتب روايته الشهيرة: ظلمة في الظهيرة) بعضًا من أسوأ فظائع المجاعة، لكنه شدد على أنها كانت من منتجات الماضي الرأسمالي، في حين إنَّ بعض علامات الأمل تشير إلى اليوتوبيا الشيوعية. حتى في معسكرات الاعتقال (الغولاغ)، وكتبت يوجينيا غينسبورغ (1904-1977، كاتبة وناقدة روسية، اُعتقلت لمدة 18 عامًا، بتهمة معاداة الثورة)، رفض الناس أن يصدقوا الدليل على رشدهم: «أي شيء ظهر في صحيفة، يتضمن قناعة أكثر مما رأوه في الشارع».

في ظلال لوبيانكا، مقر الكي جي بي، يتظاهر أكثر المشككين بالاقتناع بأخبار صحيفة البرافدا (الحقيقة)، ويعلم يقينا بأنها كاذبة– ويمزح الروس، كما لو أنهم شاهدوا عيان.

ويبدو أن الكذب المُضلل للعموم، كان شكل الوجود الآمن والوحيد بحسب ما قاله ألكسندر سولجينتسين.

 

03

ملصق دعاية سوفياتية. التوضيح: أرشيف التاريخ العالمي /UIG عبر صور غيتي

 

وبتأثير الاضطراب والتوتر، بدّدت الدعاية اليقينيات والتصورات المشوهة. «أعتقد بكل شيء إلا الحقائق» هذا ما قاله الصحافي البريطاني المقيم في موسكو ألفريد كوليرتون. فقد أصبح الواقع مطواعًا، بمثل ساعات سلفادور دالي (لها صور مختلفة مرنة). خلقت السلطة الهلوسات والأحلام بالجبال الذهبية، وازدهر الوعي المزدوج الذي يُطلق عليه أورويل التفكير المزدوج، بحسب تعبير هذا الدارس الفذ للماركسية، الفيلسوف البولندي ليسزاك كولاكفسكي:

في الاجتماعات العامة، وفي أحاديث خاصة، يُضطر المواطنون إلى تكرار أكاذيبَ غريبة بشعة في زي طقوس عن أنفسهم، وعن العالم، وعن الاتحاد السوفياتي، وفي الوقت نفسه يبقون صامتين إزاء الأشياء التي يعرفوها جيدًا جدًا، لا لأنهم كانوا مرعوبين فحسب، ولكن لأن التكرار المستمر للأكاذيب التي كانوا يعلمون أنّ هذا يجعلهم شركاء في حملة الأكاذيب التي تطبع في الذهن من قبل الحزب والدولة».

حتى أولئك الذين أدركوا أنّ طغيان ستالين -على الرغم مما كان عليه- ما كانوا يريدون بالضرورة أن يخبروا المخلصين للحزب. وقال روبرتا جروبر العضو الشيوعي في الرايخستاغ «إذا خلصتهم من أوهامهم»، وما لبث أن فرَّ إلى روسيا، وسُجن قبل تسليمه إلى هتلر، وأضاف: «فأنت تسلبهم من أملهم الأخير».

 

04

أصر الزعيم السوفيتي ستالين على أن الحقيقة هي ما يقول إنه الحقيقة. صورة: هلتون جيتي

 

كان العالم مضطربًا، ولا سيما من المحاكمات الصورية التي صممها ستالين في التطهير الكبير، وكانت الجرائم التي يعترف بها المتهمون خياليةً جدًا حيث تبدو ذنوبهم غير قابلة للتصوّر والتصديق. ومع ذلك، بحسب ما قاله عالم الاقتصاد جون ماينارد كينز: «جعلتني خطابات المسجونين أشعر بأنّهم يظنون بطريقة أو بأخرى بأنّ اعترافاتهم صحيحة». كان مذهولًا حاله حال توماس مان الذي سمى المحاكمات «ألغاز قبيحة».

أخذ عددٌ من المراقبين المطلعين التهمَ على عواهنها، بينما رفض آخرون الإجراءات كلها كقطعةٍ صلبة من الدعاية الشيوعية المبهرجة (agitprop). في صورة مقززة نمطية. قال الروائي الفرنسي سيلين: «عادةً ما كان السوفيات يرتدون ملابس وسخة، ويحاولون أن يقدموها بوصفها حلوى الكراميل. وكثير من الأجانب ممزّقون بمشكلات أكثر إلحاحًا، عدّوا الاشتباك في الرأي ترخيصًا ليمتنعوا عن الحكم، ووجدوا بأنَّه من المستحيل تحديد الحقيقة في عالمٍ يسيطر فيه ما سماه باسترناك «القوة غير الإنسانية للكذب».

كانت رؤية الأشياء مباشرةً أكثر صعوبة في الغرب بالكشف عن نشاط الدعاية البريطانية في الحرب العالمية الأولى، حيث وجد الأمريكيون أدلةً على أنهم قد يُستدرجون إلى الصراع عبر «حملة الأطلسي» بالخداع، حملة عززت حال الانعزالية في الثلاثينيات من القرن الماضي، واكتشف البريطانيون أنّه لا فحوى في قصص الفظائع الرهيبة معظمها -عن جنود صُلبوا، وعن اغتصاب الراهبات، وعن الرُضع الذين قُطعت أوصالهم، وجهرًا حول المصنع الألماني لتحويل الجثث إلى دهون.

أصغى السياسي العمالي آرثر بونسومبي (1871-1946؛ سياسي بريطاني وناشط مناهض للعنف، اهتم بالإعلام وقت الحروب وسيلةً لصناعة الكذب) إلى الغضب الواسع النطاق: «إنَّ حقن سم الكراهية في عقول الرجال عن طريق الباطل هو شرٌ أكبر في زمن الحرب من الخسارة الفعلية للحياة». ونتيجة ذلك، كان الناس يترددون في قصص التفاخر بالفظائع الحقيقية التي تنطلق من ألمانيا هتلر. عندما نشرت صحيفة أخبار كرونيكل (صحيفة بريطانية يومية، توقفت عام 1960ـ بعد اندماجها في ديلي ميل) رأيًا ظرفيًا عن الوحشية الراعبة للحراس في زاكسينهاوزن (معسكر اعتقال نازي، حاليًا متحف) في عام 1938، كتب هيلاير بيلوك (1870-1953، كاتب ومؤرخ إنكليزي من أصل فرنسي، له كتب عدّة أهمها: الدولة الخانعة)، أن هذا «مثال على الكذب في الجانب المناهض للنازية»، ما جعل من المستحيل «تصديق أيّ شيءٍ من تلك المنطقة من دون أنْ يكون مؤيدًا بشهادة».

ونتيجة عرض افتراءاتها الخام، كانت الدعاية البريطانية مرموقةً نسبيًّا في الثلاثينيات، ممثلة بالمجلس الثقافي البريطاني، وبي بي سي، ونشرات الأخبار المصورة، وصحيفة التايمز. تلاعبت وسائل هذه المؤسسات بالرأي مباشرة، ولكن بصورة فاعلة. أراد ريكس ليبر (مؤسس المجلس الثقافي البريطاني)، رئيس قسم الصحافة في وزارة الخارجية تحويل فليت ستريت (شارع في حي الصحافة في لندن) إلى «حاكٍ يكرر مخدرات الموظفين الأجانب، إلى درجة التباهي بأنّه يمكنه أن يحوّل الرأي العام في ثلاثة أسابيع. كان هذا إيجابيًا، ولكن الحكومة مررت رسالتها، مهونةً من الكساد، ورافعة من أمر النظام الملكي (في حين إنها تدبر مؤامرة صامتة حول علاقة إدوارد الثامن مع السيدة سيمبسون»، وتدعم سياسة التهدئة.

في أواخر شهر آب/ أغسطس عام 1939، اقترح المدير العام لهيئة الاذاعة البريطانية ترحيل «غابات باجلي (محمية طبيعية في إنكلترا) إلى ألمانيا، وهي الأغنية الشهيرة للعندليب، تعبيرًا عن نية بريطانيا المحبة للسلام».

وغالبًا ما تكتمل هذه الأساليب الماكرة بالاقتصادات الضعيفة، بمثل زعم وزير الخارجية وقتئذ أنتوني إيدن، أنّه لا يعرف من الذي قصف غرنيكا (مدينة إسبانيا قصفتها القوات الألمانية والإيطالية المساندة لفرانكو عام 1937، أيام الحرب الأهلية الاسبانية). أحيانًا هذه الحيل لا تنفع: عندما ألقيَ اللوم على «الغواصات المجهولة» لإغراقها السفن التي تتاجر مع إسبانيا الجمهورية، وكان يطلق على موسوليني اسم «رجل دولة غير معروف».

وعلى الرغم من ذلك، كانت الدعاية البريطانية مختلفةً عن تلك المستخدمة في البلدان، التي فسرها ونستون تشرشل بقوله: «تنضج كل شيء، وتزيف وتعمم بالحكم والقرار، ولا يمكنكم أن تعرفوا ما يحدث في العالم الكبير في الخارج إلا من خلال الحصول على صحفٍ أجنبية». واشتكى دبلوماسي بريطاني في إيطاليا، من الدعاية التي تُبث في إذاعة موسوليني في باري، حيث لا تحمل أيّ شيء مما يتعلق بالحقيقة، وبخلاف المنشور من لندن، الذي يقدّم الأخبار، ووجهات النظر «بصورة موضوعية وواقعية، على الرغم من المحاباة في عملية الاختيار والحذف».

تصرفت الحكومة الأمريكية أيضًا بشيء من الدهاء. في «تفاخرٍ علني» لا مثيل له، وأُنشِئ عدد من وكالات جديدة لتعزيز الصفقة الجديدة (مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في أمريكا بين عامي1933 و1936، عقب الكساد الكبير وركزت على ثلاث قضايا: الإغاثة والإصلاح والتحفيز)، ولكن أيًّا منها لم يكن فاعلًا، ومثال ذلك بثّ «دردشات الموقد» الحميمة للرئيس روزفلت.

في أماكن أخر تعكس الظروف المحلية، كانت الدعاية حادة جدًا. اُستكشفت أعماقٌ جديدة من التزوير في الحرب الأهلية الإسبانية، وواصل الكساد خسائره المزلزلة في اليابان، ألقت الشرطة القبض على 60000 من «مجرمي الفكر»، وهدد أفراد سلاح الجو بقصف محطات الصحف الضالة، وأخذ رعاة الرقابة الرسمية حرفتهم إلى عبثيتها المطلقة برفضهم تحديد ما كانوا يرغبون في قمعه.

لم يكتف الصحفيون الإيطاليون بتمجيد الدوتشي بحروف كبيرة فحسب، ولكن كتبوا كلّ ما يتعلق به بحروف كبيرة أيضًا مثل الله.

وقد تأثرت الجبهة الشعبية في فرنسا بطالبٍ يدرس تقنيات الدعاية الشمولية، ويدعى سيرجي تشاخوتين (1883-1973)، أراد تشاخوتين إنقاذ البشرية من الفاشية، بإخضاع الجمهور من الديمقراطيين إلى «اغتصاب نفسي». لكن المهرجانات الغالية ذوات الأصل الفرنسي للأخوة، وعلى الرغم من المؤثرات الخاصة المثيرة بمثل الكتابة بدخان الطائرة، كانت تُروَّض إضافة إلى المسابقات الوحشية التي تجري تحت العلم الأحمر والصليب المعقوف. وفي هذه المدة، زعم الفنان والكاتب بيرسي ويندهام لويس (1882-1957، رسام وناقد وكاتب إنكليزي)، أنَّ الجمهور «مفتون بنوعٍ من حماقةٍ هستيرية، بالوسائل الساحرة للإعلان».

في الواقع، فإنّ الدعاية، مهما كانت شائعةً وبارعة، لا يمكنها غسل أدمغة شعبٍ بأكمله، فالأفراد معظمهم بقوا أحرارًا في عقولهم، ولكن ليس ثمّة شكٌ في أنَّ الدعاية كانت مؤثرةً للغاية، ولا سيما عندما تركز على شاشةٍ أو عبر موجات الأثير، في وقت كانت فيه العقول فضلًا عن الأجساد تنتهك من جرّاء عاصفة اقتصادية.

وحيث لم تقنع، فهي تشوش آبار المعرفة، وتعكرها، وتلوث مصادر الفهم، وقد أجازت حرمان الإيمان والكفر، وساعدت في جعل الثلاثينيات عصر تعتيم، وعصر ظلامٍ وقت الظهيرة.