وحدة مراجعات الكتب

مراجعة: محمد نور النمر

الكتاب: ما المواطنة؟

تأليف: دومينيك شنابر وكريستيان باشوليه

ترجمة: سونيا محمود نجا

الناشر: المركز القومي للترجمة

مكان النشر: القاهرة/ مصر

تاريخ النشر: 2016

 

إن سؤال الـ (ما) الذي عنون به هذا الكتاب لا يشير إلى الحاجة إلى حصر تعريفات المواطنة المتعددة، إنما يشير إلى البحث في ماهية هذا المفهوم، وتحديد خصيصاته وسماته الجوهرية. من هنا احتاج الأمر إلى التنقيب في الأصول اليونانية، لأن ظهور المدينة صاحبه بزوغ فكرة المواطن، والمدينة اليونانية هي التي أوجدت المواطن بصفته عضوًا في جماعة المواطنين الأحرار المتساويين، إلا أن ما يعيب هذا التصور اليوناني هو أن المدينة بقيت أسيرة تصور يمكننا وصفه بالتصور الإثني أو العرقي، وبقي اليونانيون يقدمون أنفسهم والآخرين بمفردات إثنية من مثل الأصل، واللغة، والآلهة، والأماكن المقدسة، والأعياد وغيرها.

لم يرصد الكتاب صور مفهوم المواطنة وتجلياته تاريخيًا، إنما دأب في البحث عن المبادئ والسمات المشتركة بين المجتمعات المؤسسة على مبدأ المواطنة، وزودت المقدمة بملحقين؛ الأول بعنوان (ما المدينة إذن) لأرسطو، وهو مأخوذ من كتاب السياسة، والثاني بعنوان (وحدة الحق لشيشرون) مأخوذ من كتاب (دوليجيبوس) عن القوانين.

جاء الكتاب في خمسة فصول مع ملحقات خاصة بكل فصل.

كان الفصل الأول بعنوان (الحداثة السياسية)، بدأ بتساؤل مهم: ما الحداثة السياسية إذا لم تكوّن مجتمعًا تكون فيه المواطنة أساس الشرعية؟.

تنطلق الشرعية في المادة الثالثة من حقوق الإنسان من أن الأمة هي مصدر السلطة، هذه المقولة أسست للحداثة السياسية بانتقال الشرعية السياسية من شرعية الملك إلى شرعية الأمة، لأن الأخيرة هي التي شكلت بنية النظام السياسي الغربي، عندما بنت منظومتها على أساس الفرد المستقل، وأنتجت مفهوم المواطن؛ لأن إعلان هذه الشرعية في العصر الحديث وضع مبدأ تجاوز المصالح الخاصة، ولم يعد الأفراد معرّفين بأصولهم التاريخية، وممارساتهم الدينية، وانتماءاتهم الاجتماعية، إنما أضحوا أفرادًا متساويين مساواة مدنية، وقانونية، وسياسية على الرغم من اختلافاتهم فيها.

وتحت عنوان (استحال الفصل بين العام والخاص مبدأ مؤسسًا للنظام الاجتماعي) يوضح الكتاب أن ما يؤسس للمواطنة هو التعارض بين ذاتية الإنسان الخاص، عضو المجتمع المدني، وعمومية المواطن. فالشرعية الجديدة قامت على مبدأ الفصل بين الكنيسة والسلطة السياسية، وبناء عليه، أضحى حياد الدولة وسيلة لتنظيم التسامح مع الأديان جميعها، ولتفادي أن يتقاتل البشر باسم معتقداتهم الدينية.

إن بناء المجتمع السياسي على أساس الفرد أو المواطن طرح تساؤلات جوهرية من مثل: كيف يمكن الانتقال من المواطن السيد أو الحاكم المهيمن إلى مجموع المواطنين الذين يعدون مصدر الشرعية السياسية؟ كيف يمكن ترجمة سيادة الفرد– المواطن في شكل مؤسسات سياسية؟ كيف يمكن تكوين هيئة سياسية من أفراد هم أساسًا مستقلون ذوو سيادة ذاتية؟ كيف يمكن المواءمة بين الاستقلال الذاتي للفرد والفروض الاجتماعية؟ ألا يوجد تناقض بين حرية الفرد ومتطلبات المجتمع؟. تمخضت عن التساؤلات ثلاثة محاور مناقشة رئيسة وهي:

أولًا: محور يتعلق بحقوق الإنسان والمواطن، أي الحقوق الطبيعية والسياسية.

ثانيًا: محور يتعلق بالحقوق والواجبات.

ثالثًا: محور يتعلق بالمؤسسات السياسية والتمثيل.

وإذا كان جون لوك يرى أن حقوق المواطن تستنبط من حقوق الإنسان، فإن روسو ذهب أبعد من ذلك، حين أكد أن حقوق المواطن هي التي تؤسس لحقوق الإنسان؛ لأن الإنسان لا وجود له خارج المجتمع الذي يمنحه حقوقه، أما أصحاب القانون الطبيعي فقد طرحوا الأسبقية الأنطولوجية للإنسان على حقوق المواطن.

أما التيار الذي تناول قضية الواجبات والحقوق فقد أثار القضية نفسها، ولكن بالتركيز على أن واجبات كل شخص مرتبطة بحقوق الآخرين؛ لأن مسألة الحقوق تُنشئ مبادئ الحداثة السياسية ذاتها، فالحق في الحماية الاجتماعية يرتكز على ضرورة الحرية الحقيقية، والمساواة الحقيقية للمواطن.

حظيت مسألة التمثيل بمنزلة مهمة في فكر الكاتبين؛ لأن المواطن وجوده صوري إذا لم يتحقق في إطار مؤسسات، وعليه يكون السؤال الرئيس كيف يمكن تنظيم عملية الانتقال من الفرد– المواطن إلى تنظيم المؤسسات السياسية؟.

انطلق الكاتبان من أنه على الرغم من وجود الديمقراطية المباشرة في الحضارات القديمة، إلا أنها لم تعرف فكرة التمثيل، وعليه تعد فكرة التمثيل إحدى إبداعات الحداثة السياسية، فالتمثيل يقوم على فكرة التفويض، ومنها ابتدع الديمقراطيون المحدثون المؤسسات السياسية الضامنة لهذا التمثيل بمثل الانتخابات، والبرلمان، والأحزاب السياسية لتنظيم المنافسة على السلطة.

ابتدع الأميركيون الديمقراطية التمثيلية حتى لا ينفصلوا عن ناخبيهم الذين يستمدون شرعيتهم منهم، وحتى يبقوا تحت رقابتهم رقابة دائمة، أما الفرنسيون فقد احتاجوا إلى وقت أطول، وذلك بسبب الخلط بين سلطة الشعب والقدرة الفائقة للمجلس النيابي المنتخب انتخابًا مباشرًا من قبل الشعب، وهذا ما شهده تاريخ فرنسا في القرن التاسع عشر من اللبس والتخبط في المجتمعات المؤسسة على المواطنة جميعها.

ختم الفصل الأول بعنوان: المواطن على الطريقتين الإنكليزية والفرنسية، بعدّهما تقليدين كبيرين أعدّا لفكرة التفوق، والتميز في السياسة، والتمثيل، وأضفيا عليها الشرعية، يمثل النمط الأول مونتسكيو، أما النمط الثاني فيمثله روسو.

يرصد الكتاب تطور فكرة المواطن تاريخيًا في الأنموذجين من خلال التعددية الليبرالية، والديمقراطية الأحادية. التقليد الإنكليزي يتكئ على مفهوم ضمان الحرية الحقيقية للمواطن في طبيعية السلطة المتعسفة دائمًا، وهذا واضح منذ عام 1215 في الميثاق الأعظم الذي يخضع فيه الملك لمراقبة وفد البارونات، وصولًا إلى القرن التاسع عشر الذي كانت فيه الوزارة تخضع لتصويت أغلبية مجلس العموم باستمرار.

أما الأنموذج الفرنسي فقد نحا منحىً ثوريًا عنيفًا مستلهمًا فكرة روسو في مفهومه عن سيادة المواطن، الذي عدّ التبعية بين البشر مصدرًا لغياب المساواة، وعدّ الهيئات الوسيطة بين الفرد– المواطن والدولة تحول دون استمتاع الفرد بحريته، ومن ثم يجب عليه هدمها، وهذا عكس الأنموذج البريطاني الذي قام على العلاقة القوية مع مفهوم الدولة.

المواطن في الأنموذج الإنكليزي ليبرالي، ومن ركائزه أمن الأشخاص، وحريات التفكير والتعبير، في مقابل الأنموذج الفرنسي الذي يعد فيه المواطن وريث الاستبداد، والحكم الملكي المطلق.

زود الفصل الأول في نهايته بملحقات توثق هذا المنظور التاريخي، وهي الميثاق الأعظم 1215، ومذكرة الجلب والإحضار 1679، وشرعة الحقوق، وإعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية، والتعديلات العشرة الأُوَل على الدستور الأميركي، وغايات المجتمع السياسي والحكومة من جون لوك، شكل من أشكال الترابط، والسيد، والحالة المدنية من كتاب العقد الاجتماعي لروسو.

الفصل الثاني بعنوان الانتقادات. رصد الكاتبان في هذا الفصل نقد مفهوم المواطنة أو سيادة المواطن، بوصفه يقتلع المواطن من أطره الاجتماعية والتاريخية والدينية جميعها، وقد اتخذ هذا النقد صورًا عدة:

أولاها المواطن المعنوي والفرد التاريخي: وهو النقد الموجه إلى الصورة الميتافيزيقية لمفهوم المواطن بوصفها صورة مجردة من أسيقتها كلها، فضلًا عن نقد العقلانية السياسية التي أفضت إلى ولادة هذه المفهوم.

وقد اتكأ الكاتبان على كتاب إدموند بورك (تأملات في الثورة الفرنسية)، في التمييز بين الأنموذج الإنكليزي الذي كانت فيه حريات الإنسان هي الضمانة العليا؛ لأن الحرية بالنسبة إلى (بورك) هي المحافظة على الميراث الذي آل إلى الرعايا الإنكليزيين من أجدادهم، وهو المحافظة على التراث الموروث، ونقله إلى الأجيال القادمة، بعدّها متجذرة في عادات الإنكليزيين وتفكيرهم، ومتغلغلة في منظومتهم القيمية كلها، في حين اتخذ الأنموذج الفرنسي الصورة المثالية الميتافيزيقية التي يسعى الثوار إلى تحققها في نضالهم الثوري، وهم بذلك يجردون السلطة من المسحة البشرية، وعليه تكون الثورة التي ترغب في البدء من الصفر، مصيرها محتوم الانتهاء إلى الاستبداد.

ثمة صورة أخرى من النقد اتخذه الرومانتيكي الألماني، وهو وجود نظام طبيعي يرى أن على البشرية الانضواء تحت لوائه، وهم يستنكرون إرادة البشر في التغيير؛ لأن الأمر متعلق بقوانين أزلية، هي إما متجسدة في العادات والتقاليد أو في الإرادة الإلهية؛ لأن الطبيعية صنيعة الله، والمجتمع عطية العناية الإلهية، وقوانين الطبيعة هي قوانين الله، وهي تسمو فوق قوانين البشر.

أما النقد الحديث الذي تزعمه عدد من الفلاسفة بمثل (تايلور)، فقد قام على اعتقاد رئيس هو أن البشر يستشعرون الحاجة إلى الاعتراف بالمواطنة ليس بدافع من كرامتهم فحسب، وإنما أيضًا بدافع من أصالتهم وشرعيتهم، وهذه الأخيرة تكون بالانتماء إلى ثقافتهم، وتجريد المواطن منها لا يؤسس تنظيمًا سياسيًا.

حظي النقد الماركسي للمواطنة بأهمية خاصة، بوصفه أشار إلى أنه لا توجد حقوق للإنسان خارج حقوق المواطن؛ لأن التمييز بينهما لا ينتج عنه إلا حقوق عضو المجتمع البرجوازي الأنانيّ، المنفصل عن الإنسان والجماعة. وخلص الكاتبان إلى أن هناك دعوة إلى المواطنة الحقيقية في قلب نقد ماركس؛ لأن الديمقراطية الحقيقية لن تتحقق إلا عندما يتحد العامل والمواطن، وعندما لا تقتصر المشاركة السياسية للمواطن على مشاركته في مرحلة في الانتخابات، وإنما عندما تتمكن الثورة من تغيير البنية التحتية للمجتمع.

اختتم الفصل الثاني بمفهوم الدولة الحامية الذي عدّ بمنزلة الرد على انتقادات الماركسيين للمواطنة البرجوازية أو الصورية، وهو من المفهومات التي ظهرت في ما بعد الحرب العالمية الثانية، الدولة الحامية التي أسست؛ لإعطاء محتوى محسوس للحقوق والواجبات، وهي التي قامت بالأساس على إقامة توازن بين المساواة السياسية والقانونية في خط موازٍ؛ ما جعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية أقرب إلى التساوي، لأنها أي الدولة الحامية كانت بالأساس مشروعًا سياسيًا أو وسيلة لخلق مواءمة بين التساوي السياسي، وحقائق غياب التساوي الاقتصادي، وانتهى بتساؤل مهم، وهو: هل ينبغي التفكير في أن إقرار المساواة في الحقوق المتعلقة بالمواطن (المدنية والسياسية) يتمتع بأولوية غير مشروطة على العدالة المتجسدة في توزيع الثروات؟.

ألحق بالفصل الثاني أيضًا عدد من المحلقات منها؛ إعلان حقوق الإنسان (1789)، والتقرير الأول للجنة الاستجداء والتسول في الجمعية التأسيسية، ومشروع حقوق الإنسان والمواطن، وبيانات الحكومة الموقتة للجمهورية الفرنسية، فضلًا عن ديباجات دستور الجمهورية الفرنسية في مراحلها المتعددة.

عنون الفصل الثالث بـ (المؤسسات)، ليست المواطنة صنمًا حتى يُحافَظ عليه من السابقين إلى اللاحقين، وليست صنمًا أيضًا في تطبيق شكل واحد لها في المجتمعات المتعددة، إنما هي بنيان تاريخي لا يحقق دوره الرئيس إلا إذا تجسد في المؤسسات، والقوانين، والممارسات الاجتماعية.

تحت عنوان (الدعوة الكونية) يناقش الكتاب معنى التصويت، ليس بعدّه أداة مميزة فحسب، ورمز سيادة المواطنين، أو وسيلة التنظيم في المجتمع الديمقراطي في اختيار القادة، إنما أيضًا رمز المقدس الجديد، رمز المجتمع السياسي نفسه الذي يضمن الروابط الاجتماعية، من هنا يعد التصويت سرًا من أسرار مساواة المواطنين، وممارسة الانتخاب، لحظة تأخذ فيها جماعة المواطنين شكلًا محسوسً،ا وهي لحظة لا يدرك معناها إلا من حرمها؛ لأن النظام السياسي يسعى بطريق المواطنة  إلى تجاوز اختلافات المواطنين العرقية والدينية، والاجتماعية بالتأكيد على ذواتهم.

يتعرض الكتاب في مسألة التصويت إلى واحدة من أعقد المسائل في هذا الباب، وهي الأجانب والتصويت، على افتراض أن المجتمع المؤسس على المواطنة يتسم بالانفتاح على الأجانب في ما يتعلق بمفهوم الحقوق الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والمدنية، وهذا بخلاف الدول الثيوقراطية التي تشترط اعتناق دين الدولة أو الانتماء من خلال المولد؛ كي يكون مواطنًا مثل (إسرائيل).

عد الكاتبان المدرسة أهم المؤسسات في المجتمع الديمقراطي، فهي ليست أساس المشروع الديمقراطي فحسب، إنما أيضًا الأنموذج الأمثل للمواطنة؛ لأن المدرسة هي الحقل الذي يمارس المواطنون حقوقهم فيه ممارسة حقيقية ملموسة؛ فالطالبون مهما كانت أصولهم الدينية والاجتماعية والقومية، يتقاسمون المعارف والمرجعيات ذاتها، وعليه يمكن القول إن نظام المدرسة مماثل لنظام المواطنة كما هي المؤسسات السياسية، وصور التعبير عن مواقف الإنسان الأخرى.

ألحق بالفصل الثالث ملحقات من مثل: المؤسسات السياسية في البلدان الأوروبية، ومملكة إسبانيا، ومعاهدة ماستريخت، وجمهورية فنلندا، وفرنسا، وغيرها من الدول الأوروبية.

في الفصل الرابع بعنوان (الفردانية الديمقراطية)، استعار الكاتبان مفهوم الفردانية الديمقراطية من كتاب (عن الديمقراطية في أمريكا) للكاتب ألكسيس دو توكفيل، والمفهوم يشير إلى تضخم مفهوم الحق الفردي في البلدان الديمقراطية على حساب القانون الموضوعي، من دون قدرة الأول على الحلول محل الأخير، وهو ما أغرق الحياة الاجتماعية في مزيد من الضبابية.

من أشكال تجلّي خطر مفهوم الفردانية الديمقراطية اجتماعيًا إضعاف المؤسسات الوطنية؛ لأن الأخيرة كان لها الدور الرئيس في الشرعية التقليدية، من هنا تطلب الأمر من الخبراء، والمفكرين، والقانونيين، والخلقيين إعادة تعريف قيم مشتركة لا تعريف المؤسسات الاجتماعية كلها من مثل المدرسة، والجيش، ودور العبادة، والنقابات وكيفية صوغها، ونقلها إلى الوسط الاجتماعي.

إن حال الهوس بالمساواة بين الأفراد جعلت غياب التساوي ممكنًا في الحياة الاجتماعية، ولم تعوّضه الدولة الحامية إلا تعويضًا جزئيًّا اقتصاديًا أو اجتماعيًا من مثل تساوي الفرص بين المهاجرين والمواطنين في البلدان الأوروبية.

لذلك يمكن القول؛ إن المجتمع المؤسس على المواطنة يعلن التزامه بمعالجة، ومعاملة سياسية متساوية للأفراد جميعهم في المجال العام، غير أنه لا يضمن التوزيع العادل للموارد الجمعية بينهم، فالمساواة في الفرص ليست مساواة في النتائج.

لا يختلف خطر الحق الفردي في المجال السياسي عن المجال الاجتماعي، وخصوصًا الفردانية الأسرية من مثل قضايا التشريع الخاصة بالابن الشرعي، أو غير الشرعي، أو حقوق المثليين، وشرعية العلاقة الجنسية أو رفض شرعيتها.

لم تنج القضايا من سيل الفردانية الديمقراطية، إذ احتاج الأمر إلى إعادة تعريف طرق الإيمان والممارسات الدينية وسبلهما، وقد أضحى ابتداع كل فرد لشعائر وطقوس جديدة، بحيث يشكل كل فرد عقيدته وممارسته محل الانتماء والتبعية.

في الفصل الأخير المعنون بـ (المواطنة والأمة)، طرح الكاتبان الأسئلة المتعلقة بعلاقة المواطنة بمفهوم الأمة، ومنها مشكلة التعددية الثقافية، والحقوق الثقافية، وما وراء الأمة، أو المفهومات المعاصرة بمثل المواطنة الأوروبية الجديدة، والمواطنة محل الإقامة، أو المواطنة بعد القومية.

عرض هذا الفصل كثيرًا من النقد لتجربة المواطنة الكلاسيكية في الولايات المتحدة الأميركية من خلال الليبراليين، وفرنسا من خلال الجمهوريين؛ تجربتان قامتا على الجمع بين المساواة المدنية، والسياسية للمواطنين مع احترام الارتباطات، والانتماءات التاريخية أو الدينية، وضمان وحدة المجتمع بالمواطنة المشتركة، وحرية الأفراد في اختياراتهم الوجودية.

إن تجربة المواطنة الكلاسيكية أو يسميها بمصطلح (الجماعاتية) تثير عددًا من المخاطر، أولها تناقضها مع حرية الأفراد وحقوقهم، فما يفرض أن يحصر هؤلاء الأفراد وينسبهم إلى مجموعة هو حريتهم الشخصية، وما يملكون من إمكانات تواصل مع الآخرين؛ لأن المجتمع الحديث ليس مجموعات منفصلة، بل أفرادًا لهم أدوار مختلفة.

أما الخطر الثاني المتعلق بالاندماج الاجتماعي، فهو خطر تكريس الذاتية، والمصالح الخاصة على حساب المواطنين، والنتيجة تكون إعادة الأفراد إلى كنف جماعتهم الأصلية بدلًا من تزويدهم بوسائل تساعدهم في تجاوزها، وتحقيق صلات صحيحة مع الآخرين، وفي هذا السياق طرح الكاتبان الأسئلة المتعلقة بقضايا حقوق المهاجرين الثقافية، والسياسية، والمدنية في البلدان الأوروبية.

وفي مضمار نقد المواطنة الكلاسيكية، استدعى الكاتبان منظور (يورغن هابرماس) حول (المواطنة الجديدة)، القائم على الوطنية الدستورية صورة لتجاوز الوطنية القومية، وهذا يمكّننا من تجاوز مبدأ الهوية القومية – بأبعادها الثقافية والتاريخية كلها – إلى الإحساس الوطني على مبدأ القانون أو ما يسيمها دولة القانون، ومبادئ حقوق الإنسان. لكن تصور (هابرماس) يثير عددًا من الأسئلة، منها؛ هل يمكن دمج البشر بواسطة أفكار تحظى بالاحترام و بهذه الدرجة من التجريد (دولة القانون والوطنية الدستورية)؟. هل يمكن في المستقبل القريب أن نتصور سياسة لا تنبع من مجمل القيم والتقاليد والمؤسسات النوعية التي تعرف الأمة السياسية؟ ألا نخاطر هنا بجعل المجتمعات الديمقراطية التي أصبحت شيئا فشيئًا أقل اتسامًا بالسياسة أكثر هشاشة؟.

أرفق هذا الفصل بعدد من الملحقات من مثل: الاتفاقية الأوروبية للمحافظة على حقوق الإنسان وحريته الأساسية، ونصوص (لريمون آرون) عن رفض المحاربة، الوطنية الدستورية (هابرماس)، سياسة الاعتراف شارل تايلور، وغيرها.

خُتم الكتاب بتساؤلات عدة، من مثل: لماذا أصبحت كلمتا المواطن والمواطنة من أكثر الكلمات انتشارًا في السنوات العشر الأخيرة؟ وما المواطنة التي نريدها أن تنظم أنماط السلوك الاجتماعية المشتركة في ظل النزعة الفردية في الحقوق؟ ولماذا يكون المجتمع المؤسس على المواطنة هشًا، وغير قادر على القيام بوظيفته إلا بعد خلق مساحة عامة تعظّم من المجتمع الحقيقي الملموس؟.

أخيرًا، على الرغم من المناقشة النقدية لمشكلات مفهوم المواطنة مجملها، وملابسات تطبيقاته المتعددة في المراحل التاريخية المختلفة، أو حتى في مصادر نشوئه، أو مآلاته المعاصرة في البلاد الأوروبية، إلا أنه وقع في المنطق ذاته الذي نقد فيه المفهومات المتعلقة به، فقد تحول معه النقد إلى مناقشة فلسفية أكثر من كونه قضية عملية متجلية في واقعنا السياسي والاجتماعي، أي إن المفهوم تحوّل إلى قضية مجردة، وهو النقد ذاته الذي وجهه الكاتبان إلى هابر ماس.

الأمر الآخر الجدير بالنظر هو أن هذا النقاش يبدو وكأنه محاولة تفكيكية لمفهوم المواطنة، وارتباطاته الفكرية والسياسية والاجتماعية، من خلال نقد المفهوم الكلاسيكي، أو حتى شكل المواطنة التي تعيشها الآن أوروبا أو الدول الديمقراطية، وهذا جيد في الجانب النقدي إلا أنه لم يطرح البديل المناسب من التغيرات المعاصرة في الحياة الإنسانية.

لم يكن الكتاب وفيًا لعنوانه في السعي إلى ماهية المفهوم –ما المواطنة– إنما سعى إلى سرد تجليات تاريخية لمفهوم المواطنة، ثم بحث في الاختلاف بين تطبيقات هذا المفهوم في البلدان الديمقراطية، فعلى الرغم من أهمية هذا العامل التاريخي في بناء تصور للمواطنة، إلا أنه لا يقدم الطبيعة الجوهرية لها، أو دورها الرئيس في بناء عالم أفضل.

 

المؤلفان
دومينيك شنابر

عالمة اجتماع فرنسية، فضلًا عن اشتغالها بالفكر السياسي، عالجت عددًا من القضايا الفكرية والاجتماعية أهمها: سوسيولوجيا التاريخ، وقضايا الأقليات والبطالة، ونالت جائزة بالزان للعلوم الاجتماعية.

كريستيان باشوليه

كاتب فرنسي له عدد من الكتب في المجالات المختلفة منها: ماركسية ماركس، ريمون آرون والحرية السياسية، تاريخ القرن العشرين.