وحدة مراجعات الكتب

 

وحدة مراجعات الكتب.

مراجعة: خديجة حلفاوي؛ باحثة في الشؤون الاقتصادية والسياسية، مهتمة بالشؤون الاجتماعية والسياسية العربية. مغربية تقيم في المغرب العربي.

الكتاب: (حمص: الحصار العظيم/ توثيق سبعمئة يوم من الحصار)

تأليف: وليد فارس.

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مكان النشر: الدوحة/ قطر.

تاريخ النشر: 2015.

 

 

صدر الكتاب في النصف الثاني من سنة 2015، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويعدّ أحد أهم الكتب الشاهدة على المسار الكرونولوجي والسوسيو-سياسي للثورة السورية منذ اندلاعها.

اتخذ الكاتب والمناضل والناشط السياسي وليد فارس مدينةَ حمص _مهد الثورة السورية_ مسرحًا لحوادثه، إذ سرد معايشته اندلاع الثورة والمآلات والحوادث والتحولات التي عرفتها حمص منذ سنة 2012 (حصار حمص) إلى سنة 2014 (نهاية الحصار).

صحيح أن الأمر يتعلق بـ (يوميات حرب أو حصار) لشخص عايش الحوادث والوقائع التي عرفتها حمص منذ سنة 2012 من قرب _لأن الباحث ابن المدينة_ وعمل على نقلها وتدوينها بوصفها شاهدًا على الثورة، إلا أن ذلك لا يمنع عدّ الكتاب أحد أهم (السرديات الأنثروبولوجية) التي توثق تحولات موازين القوى في سورية إبان حكم بشار الأسد.

أولًا: يوثق الكتاب حصار حمص بشهادات حية؛ مختلفة الاختلاف كله عما يروجه النظام السوري أو حتى الإعلام الغربي.

ثانيا: جعل الباحث السرد والوصف اختيارًا منهجيًا لتحويل القارئ من متلق إلى فاعل؛ مشارك في الحوادث ومحلل ومقارن لها بما رُوج ويُروج في منابر أخرى.

لقد استفاد الباحث من معرفته الكبيرة بالمدينة، وبأدبيات التقصي الصحافي أيضًا، كي يوجه بحثه وفق تقدّم الحوادث وتعاقبها، وليس وفق خط بحثي أو مشكل محدد بصورة مسبقة. في حقيقة الأمر، تكمن أهمية المؤلف هنا، إذ إن ما يغلب على الدراسات المهتمة بالشأن السوري [ولا سيما الأجنبية] منذ سنة 2011 إلى اليوم، استنطاقها الواقع وفق استراتيجيات بحثية علمية عاجزة _بطبيعة الحال_ عن ملامسة المعيش الاجتماعي أحيانًا، لتركيزها في القراءات السياسية والتاريخية لتلاحق الحوادث، ولا تسعف الباحث والقارئ أيضًا، في المواكبة السوسيو-معيشية لتغيرات الحوادث في أزمنتها الاجتماعية والسياسية، وليس وفقًا لأزمنة الباحث العلمية والأيديولوجية أحيانًا ([1]).

لابد من الإشارة إلى أننا وجدنا صعوبة كبيرة في تصنيف المجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المؤلف.

يتألف الكتاب من 216 صفحة من القطع المتوسط، موزعة في ثمانية فصول متكاملة بإطار سردي كرونولوجي لتقدم الحوادث في سورية. فمن (حمص عاصمة الثورة)، و(حصار حمص)، والمؤسسات في حمص (والمعارك في المنطقة المحاصرة) مرورًا بـ (الاستخبارات والاختراقات في حمص) و(العنصر البشري فيها)، وصولًا إلى (العلاقات الخارجية) و(التفاوضات مع النظام)، يأخذنا الكاتب في رحلة جينالوجية نحو الجذور الدموية لميلاد الثورة السورية، والتحولات والتقلبات المختلفة التي عرفتها في عاصمتها ومنبعها؛ يتعلق الأمر بمدينة حمص العريقة.

يسلط الفصل الأول بعنوان (حمص عاصمة الثورة) الضوء على الأسباب العامة لولادة الثورة السورية من رحم مدينة حمص بماضيها الضارب في القدم. هذه المدينة بتاريخها العريق [الذي يعود إلى 2300 ق. م] ومكوناتها العرقية والطائفية المتنوعة التي عاشت انسجامًا ووئامًا في مدى قرون خلت، وطيبة أهلها _نشهد ذلك في الروايات والأفلام_ ما كان لها أن تثور لولا ثقل الظلم والحيف والغبن الذي طال أهلها، وبلغ ذروته في أثناء حكم بشار الأسد.

في حقيقة الأمر، يمكن أن نعد بداية التظاهرات السلمية في شهر آذار/ مارس سنة 2011، قد نُظر إليها من طرف النظام السوري بوصفها الشرارة الأولى التي ستقود الشعب السوري إلى الثورة ([2]) على حكم بشار الأسد _مقارنة بما حصل في الثورة التونسية_ لذلك لم يتردد النظام في اللجوء إلى العنف والقمع ([3]) الذي تجاوز كل ما رأيناه في الحالة التونسية والمصرية، من أجل إجهاض الحلم الثوري والتحرري للشعب السوري.

لا بد من الإشارة إلى أن الباحث يؤكد مسألة (سلمية الثورة)، من منطلق أن تسليح الثوار كان نتيجة طبيعية لـ (عسكرة القمع) من طرف النظام السوري، الذي سارع بالعودة إلى (النهج الكولونيالي) القائم على التفرقة وبث الطائفية _العرقية والدينية_ بين الأهالي، وتعدى ذلك في ما بعد تجاه (الاستراتيجيات المجزرية) _التي علمنا التاريخ أنها تقوم على بث الرعب في النفوس_ بارتكاب مجموعة من المجازر (مجزرة ساحة الحرية، مجزرة تل النصر وغيرها). في الواقع، استندت هذه المجازر إلى مبدأين اثنين. أولهما؛ بث الرعب في صفوف الأهالي والسكان المحليين، لحثهم على التراجع. ثانيهما؛ تحميل مسؤولية المجازر الدموية للثوار من أجل نفي مشروعية الثورة السلمية.

يقدم لنا الفصل الثاني قصة الحصار الخانق الذي أعقب إعلان حمص (مدينة ثائرة) من سكانها، ذلك الحصار لم يكن محض (حصار عسكري) لمنطقة نزاع أو صراع _مثل ما يذكرنا التاريخ دومًا_ ، بل كان (حصارًا لاإنسانيًا)، هدفه تضييق الخناق على المدينة (بريفها وحاضرتها)، وإجبارها على التخلي عن طموحها الثوري والتحرري كي لا تنتشر العدوى في جل ربوع التراب السوري، إنه حصار يجمع بين الأبعاد الاستراتيجية والعسكرية، والأبعاد القمعية واللاإنسانية؛ أو بلغة أخرى حصار من أجل الحصار.

بدأت التوطئة لحصار حمص في بداية شهر شباط/ فبراير سنة 2012 _أي بعد سنة من بداية المواجهات_ بمجموعة من الحملات العسكرية الجوية والبرية التي هدفت إلى إغلاق منافذ الدخول والخروج من المدينة جميعها، جرى العمل لذلك في ثلاثة مستويات: حصار بري وجوي عام حول ريف دمشق، وحصار حول المدينة ثم حصار حول المناطق الداخلية المستهدفة ([4]).

إذا كان للحصار الذي تعرضت له مدينة حمص تداعيات كارثية في المستويين المادي والبشري، وتردي الأوضاع وشح الموارد، فإنه شارك _لا محالة_ في تعزيز قيم التضامن والتآزر بين الشرائح والطوائف والأعراق المكونة للجسم الحمصي عامة، إذ ساد التضامن والتنظيم في ما يتعلق بتوزيع المؤن والمواد الغذائية واستخدامها، ما خفف تخفيفًا كبيرًا من حدة الحصار. إضافة إلى ذلك، جرى تنظيم الخدمات الرئيسة (الكهرباء، والماء، والطبابة …إلخ) وفق منطق الضرورات، بالصورة التي جعلت السكان يعتادون الوضع مع توالي أشهر الحصار [بخاصة في الأشهر الست الأولى]؛ وشارك الترابط الاجتماعي والثقافي في المدينة في نقل الثورة من بعدها السياسي إلى بعدها الاجتماعي والثقافي. فأضحت الثورة شرطًا أساسًا للحياة في حمص.

في الفصل الثالث يتحدث الباحث عن تنظيم المؤسسات في سياق الحصار، وطبيعة الشروط الموضوعية والذاتية التي حكمت اختلاف التوجهات والرهانات والوسائل بين مختلف الفصائل المدافعة عن حمص، وصولًا إلى محاولات توحيد الجهد بعد أن اشتد الحصار وأثر تأثيرًا كبيرًا في (منطق الاستمرارية)، وذلك للأسباب الآتية: أولًا؛ ندرة العتاد والأسلحة واعتماد الأسلحة الخفيفة في مقابل الأسلحة الثقيلة المستعملة من النظام. ثانيًا؛ اشتدت مخاوف الثوار _أمام صمت المجتمع الدولي_ من (فشل أو تراجع الثورة) في مناحيها المختلفة.

وبمثل ما أشرنا سابقا، فإن الخيار العسكري للثوار جاء بعد القمع والعنف الذي وُوجهت به التظاهرات السلمية، لذلك كان خيار المواجهة مرتبطًا _بالضرورة_ بالدفاع عن المدنيين من جهة، ورد هجمات النظام في أفق فك الحصار من جهة أخرى. والملاحظ أيضًا، أن التنظيمات والفصائل المقاومة في حمص قد جعلت النظام عدوًا (ومن ثمَّ الحرية والتحرر هدفًا) باختلاف مشاربها ورهاناتها السياسية والأيديولوجية، لقد اختلفت الفصائل، وكثرت (بين فصائل دينية، وعسكرية ومدينة…إلخ) لكنها استثمرت _ما أمكن_ التنوع الطائفي والعرقي لمواجهة الحصار من جهة، والدفاع عن المدينة من جهة أخرى.

في الواقع، على الرغم من الصعوبات الكثيرة التي واجهت توحيد الفصائل والتنظيمات العسكرية في حمص، إلا أنها استطاعت مع ذلك _ما أمكن_ تدبر الوضع، ومواجهة الحصار في المستويات كافة (العسكرية، والاجتماعية والاقتصادية)، الأمر الذي جعلها تحظى بقبول وتأييد شعبي من شرائح المجتمع الحمصي المتنوع، على الرغم من مجموعة من التحديات؛ خطر الموالين للنظام داخل حمص، وخطر استمرار الحصار.

في الفصل الرابع، سلط الباحث الضوء على أهم المعارك التي وقعت إبان حصار حمص من طرف النظام السوري، تلك التي كانت لها آثار ونتائج مادية وبشرية بالغة في صفوف ثوار حمص، وفي صفوف قوات النظام السوري أيضًا، لكنها استمرت من دون هوادة لفك الحصار عن المدينة، وإعلاء صوت الحرية والكرامة فوق صوت الصواريخ والرصاص.

يمكن أن نقسم المعارك التي خاضتها الفصائل الحمصية لتحرير المدينة إلى قسمين: معارك دفاعية ومعارك هجومية أعقبت بداية الحصار، ومعارك داخلية وأخرى خارجية ارتبطت بالرغبة في إنهاء الحصار. في ما يتعلق بالمعارك الدفاعية والهجومية، فقد ارتبطت بالبدايات الأولى للحصار _ستة الأشهر الأولى أساسًا_ فمن معركة جورة الشياح إلى معركة الخالدية، عرفت حمص اشتباكات حامية الوطيس بين النظام (الراغب في محاصرة المدينة) والثوار (الراغبين في حماية المدينة والمدنيين). مع نهاية سنة 2013، كان النظام السوري قد استطاع تشديد الخناق على مختلف ربوع حمص (من الريف إلى المدينة) ومن معارك القصور إلى معارك الوعر، وأمام ازدياد مخاوف الثوار والمدنيين من استمرار الحصار وتأثير ذلك في مستقبل السكان، انتهجت الفصائل الحمصية استراتيجية عسكرية جديدة لطرد جيش النظام، والرد على هجماته في داخل المدينة وخارجها، وذلك لجعل الثورة غير مرتبطة بتحرير حمص فحسب، وإنما بتحرير ربوع سورية كلها.

لم تكن الاستراتيجيات العسكرية للثوار السوريين عشوائية أو غير منظمة، فقد استفادوا من اختلاف التصورات العسكرية والاستراتيجية بين الفصائل المتنوعة من جهة، ومن وجود كثير من الجنود والقادة العسكريين الحمصيين أو المنشقين الذين التحقوا بالثوار من جهة أخرى، من أجل مواجهة سبعمئة يوم من (الجحيم).

يُفتح الفصل الخامس على أحد أهم العوامل التي عززت منذ عقود استمرارية النظام الاستبدادي في الحكم (وفي مختلف الدول الاستبدادية على مر التاريخ)؛ يتعلق الأمر بجهاز الاستخبارات، بوصفه جهازًا قمعيًا _بلغة لوي التوسير_ يتحول إلى جهاز أيديولوجي مترسخ في البنيات اللاشعورية للأفراد والجماعات المسحوقة.

وشأنها شأن كثير من دول العالم الثالث، عرفت سورية منذ نظام حافظ الأسد (الأب) مجموعة من الحوادث والوقائع السياسية التي رسخت في البنية اللاشعورية المحلية والإقليمية (ثورات الأكراد، تحركات شباب سورية…إلخ)، وجعلت المواطن السوري أكثر حذرًا في تفاعله مع القضايا السياسية والاستراتيجية الوطنية والدولية. لكن الاستخبارات صاعدت حدتها في أثناء الحصار ([5]) وفق مؤشرين اثنين: أولًا؛ اقتران عمل الأجهزة الاستخباراتية بحشد الوسائل المشروعة وغير المشروعة جميعها لإجهاض الحلم الثوري. ثانيًا؛ وجود أطراف أجنبية _بحسب الكاتب دائمًا_ داعمة لاستمرارية النظام الحاكم.

اعتمد النظام مبدأ الاختراق الاستخباراتي في صفوف الثوار مدخلًا أساسًا للكشف عن تحركاتهم ومواجهتها مواجهة استباقية (سواء بالمخبرين، أم بالتجسس على الاتصالات بين الثوار والمدنيين، أم بالتسويات الأمنية). إضافة إلى ذلك، عانى الثوار بعض التدخلات الأجنبية التي لم تكن دومًا في مصلحة الثوار _أو على الأقل لم تفِ بوعودها_ وانعكست سلبًا في توزيع موازين القوى. لذلك، لم يكن للثوار خيار سوى اختراق صفوف قوات النظام، والبحث عن سبل إضعافها ([6]).

لا بد من الإشارة إلى وجود كثير من القادة والأفراد والكتائب في صفوف قوات النظام _بخلاف ما يروج دائمًا_ ساعدوا فصائل الثوار في حمص وفي ربوع سورية مساعدة مباشرة أو غير مباشرة في مواجهة النظام، وإلحاق الهزيمة به، وما يفسر هذا الأمر في نظرنا _إضافة إلى شرعية الثورة في صفوف عدد من الموالين للنظام_ سلسلة الانشقاقات التي طالت قوات الجيش السوري مع توالي الأشهر والسنوات.

عني الباحث في الفصل السادس بالشروط الاجتماعية والديمغرافية التي ميزت حصار سبعئمة يوم في حمص، بتقديم مجموعة من البيانات والإحصاءات النادرة والمهمة لمسار الحصار _وتسعف في قراءة تاريخ الثورة السورية بصورة مغايرة_ من أجل كشف طبيعة التشكيلات والمكونات السياسية والسوسيو-عسكرية وتأثيرها في نمط الحياة الحمصية؛ في الحقيقة، انتقلت حمص من مدينة (اجتماعية) إلى مدينة (عسكرية)، بسبب الحصار من جهة، وهيمنة النشاط العسكري على النشاط جله من جهة أخرى.

يغلب على التشكيلة الاجتماعية والسياسية الحمصية الطابع العسكري (القادة العسكريون، والمقاتلون أصحاب الخبرة العسكرية) والطابع التقني_الوظيفي ذو الصبغة العسكرية_ (الأهليات العلمية والتقنية) على حساب المدنيين والوجهاء، وهذا أمر طبيعي بوصف المدينة تحت الحصار والقصف. لكن على الرغم من ذلك، لم تشهد مرحلة الحصار نزاعات عسكرية وصراعات سياسية طائفية أو عرقية تذكر، من منطلق أن الرغبة في الانعتاق والتحرر كانت ذات جذور (وطنية) أكثر منها (طائفية أو دينية).

واقعيًا، تظل مسألة العلاقات بين الطوائف الدينية والعرقية الحمصية إبان الحصار بحاجة إلى دراسات ومقارنات دقيقة، لكشف الدوافع والآثار الاجتماعية لـ (مقولات التعايش)، والمشاركة في تصحيح بعض التصورات الأجنبية المروجة عن المنطقة بوصفها فضاء للنزاعات الطائفية والعرقية أكثر منها فضاء لمناشدة الحرية باسم الإنسان ولهدف الإنسان.

عالج الفصل السابع مسألة العلاقات الخارجية في حمص في أثناء الحصار، إذ إن طبيعة هذه العلاقات وتغيرها أو تعارضها في بعض اللحظات كان له أثر عميق في مآل الثورة الحمصية والثورة السورية بصورة عامة. في هذا الصدد، يؤكد الباحث أنه لا يجب أن نقتصر في حديثنا عن علاقات حمص بالخارج إبان الحصار على الأبعاد السياسية والاقتصادية فقط، بل لا بد من الانتباه إلى الأبعاد الاجتماعية أيضًا، من منطلق أن أول من تفاعل مع الحصار هم المهاجرون السوريون في مختلف دول العالم، إضافة إلى عدد من التنظيمات غير الحكومية الإقليمية والدولية، سواء بصورة مباشرة (دعم مادي أو مباشر)، أم بالترويج للقضية السورية في الإعلام والمحافل الدولية.

في الواقع، يمكن أن نعد علاقة ثوار حمص بالمجلس الوطني والائتلاف الوطني السوري (خارجيًا)، والمجالس والأركان العسكرية في حمص (داخليًا)، علاقة انسجام وتوافق (من حيث المبدأ)، من منطلق أن همّ التحرر ومناشدة الكرامة وردّ المنزلة إلى الإنسان وإنهاء الظلم، قد بنت مجتمعة أسسًا وقواعد عمل وتواصل وتفاعل بين الجميع. لكن أوجه الاختلاف أو اللاتوافق قد اقترنت بقضية الدعم المباشر، وليس التضامن اللامشروط، من منطلق أن حمص قد كانت تحت الحصار وفي حاجة إلى نزع الشرعية الدولية عن نظام الأسد ودعم الثورة السورية. لذلك، وأمام صمت المجتمع الدولي ([7]) استمر المجلس الوطني والائتلاف الوطني السوري في الدعم اللامشروط للثورة، بينما التزمت القيادات العسكرية المحلية بخيار المواجهة العسكرية.

إضافة إلى الدور الكبير الذي أدته المنظمات الدولية غير الحكومية في الدعم المادي والمعنوي للثورة السورية، يجب ألا ننسى دور وسائل التواصل الاجتماعي (بوصفها إعلام الثورة الجديد) في الربط والتنسيق بين القيادات العسكرية والمدنية من جهة، وفي نشر وفضح ما يرتكبه النظام من خرق ومجازر ضد الإنسانية، ويعمل للتستر عليها من جهة أخرى؛ إلى درجة يمكن الحديث معها عن تفاعل المجتمعات الإنسانية مع القضية السورية أكثر من المجتمعات السياسية.

في الفصل الثامن والأخير، يتناول الباحث مسألة حساسة جدً في نسق الثورة السورية عامة، ويتعلق الأمر بمسألة العلاقة بالنظام. ونظرًا إلى أن الثورة قد اندلعت بداية من أجل (إسقاط النظام) على خطى باقي الثورات العربية، فإن الإنسان الحمصي كان يتمثل معادلة أحادية للثورة: إما أن تكون مع النظام (=ضد الثورة) أو مع الثورة (=ضد النظام)، ومن ثَمّ لم تكن مسألة المفاوضات حاضرة بقوة؛ على الأقل في المستويين المحلي والداخلي للأزمة.

يميط الباحث اللثام عن طبيعة الشروط الموضوعية والذاتية التي طبعت التفاوضات مع النظام، من منطلق أن الرهان ظل إنهاء الحصار من جهة، ومحاولة تفادي هلع المدنيين وانكسارهم أمام استمرار الحصار، ونقص المواد الغذائية والخدماتية من جهة أخرى. لذلك، نجد أن الأمر يدل على الطابع السلمي في الأصل للثورة السورية التي جعلت القيم الإنسانية (الحرية، والكرامة والعدالة الاجتماعية) منطلقًا أساسًا لها، لكنها مع ذلك وجدت نفسها في مواجهة القمع والظلم، وما كان لها إلا أن (تدافع عن نفسها).

عمل الثوار لتبني الحيطة والحذر في التعامل مع النظام السوري، إذ فُوِّضت في البداية بعض الشخصيات التي تحظى بسلطة رمزية للتفاوض مع النظام في مسائل إنسانية بالضرورة، قبل أن تُفرَز لجنات خاصات بالتفاوضات، ذلك كله كان بدعم من مجموعة من الدول والجهات ([8]) الراغبة هي الأخرى في العثور على حل للأزمة. إضافة إلى ذلك، ما ساعد في استمرار هذه المفاوضات ليس التأثير الدولي أو الإقليمي أو حتى المجتمعي، بل رغبة النظام في ذلك؛ ففي نظرته للثوار بوصفهم متمردين، وأمام تأزم الأوضاع وتراجع الداعمين، واستمرار مسلسل الانشقاقات؛ ظل يبحث عن سبيل لإنهاء الوضع (كأن الأمر قد تعلق باعتراف ضمني من النظام بشرعية الثورة).

كان على حمص _وعلى الباحث_ أن ينتظر يوم 7 أيار/ مايو سنة 2013، أي بعد أكثر من سبعمئة يوم من الحصار، لكي يتنفس الصعداء، ويُقرر إنهاء الحصار، وإخراج الجرحى والمدنيين بإشراف الأمم المتحدة. وكان على الثوار والمدنيين أن يشدوا من عزمهم، ويتناسوا جحيم الحصار وآثاره المادية والمعنوية، ويفكروا في مستقبل سورية: سورية الحرية، سورية الكرامة، وسورية العدالة الاجتماعية.

ختامًا، ثمة كم مهول من المعلومات والشواهد، والوثائق المهمة أيضًا (خصص الباحث ملحقًا خاصًا بالوثائق الشاهدة على الحصار) التي تعد (كنزًا بِكرًا) للباحثين في تحولات المشهد السياسي والاجتماعي السوري إبان الثورة، وشهادة حية أيضًا على الـ (جحيم) الذي عاشته حمص إبان الحصار، من منطلق أن (المعيش يظل أكثر عمقًا وقربًا من الواقع السوري) أكثر من الدراسات الماكروية والعمومية والتأملية.

يبدو أن هذا النص سيحافظ على حداثته وأصالته، سواء بتقلبات الحوادث الآن في سورية، أم بتحولها في المستقبل القريب والمتوسط.

 

المراجع

 

  • Balanche Fabrice, « Communautarisme en Syrie : lorsque le mythe devient réalité », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).
  • Belhadj Souhaïl, « L’appareil sécuritaire syrien, socle d’un régime miné par la guerre civile », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).
  • BEN AÏSSA Ikram, Hommage à la Syrie : nouvelles d’un pays en crise, L’Harmattan, 2016. 4- Dazi-Héni Fatiha, « Les diplomaties des monarchies du Conseil de coopération du Golfe dans la crise syrienne », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).
  • DALLE Ignace, Le Cauchemar syrien, Fayard, 2016.
  • Entretien avec Kodmani Bassma, « Retour sur le conflit syrien : les erreurs de l’opposition, les manquements de la communauté internationale », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).
  • Ignace Dalle et Wladimir Glasman, le Cauchemar syrien, Paris, Fayard, 2016.
  • HINNENBUSCH Raymond et ZINTL Tina (éd.), Syria from reform to revolt. Volume 1, Political economy and international relations, Syracuse university press, 2015.
  • Levallois Agnès, « La politique étrangère de la France en Syrie », Esprit, 5/2016 (Mai).
  • Mathieu Guidère, Daech en Syrie : origines et développement, Les Cahiers de l’Orient 2016/2 (N° 122).
  • Mikaïl Barah, « Syrie : regards géopolitiques », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).
  • Balanche Fabrice, « Géographie de la révolte syrienne », Outre-Terre, 3/2011 (n° 29).
  • Vanessa Guéno, « L’historien face au conflit : Homs et la révolte », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [Online], 138 | December 2015, Online since 16 February 2016, connection on 01 April 2017. URL : http://remmm.revues.org/9224
  • Pierret Thomas, « Fragmentation et consolidation de l’opposition armée », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89).

 

([1]) لا نقلل من أهمية الدراسات السياسية والسوسيو-تاريخية المنجزة عن الأزمة السورية، لكننا نلمس غياب الطرح الاجتماعي والثقافي المعيش والعميق في كثير منها. وإذ إننا لا نلوم الباحثين في هذا التقصير، إلا أننا ندعوهم إلى ضرورة العودة إلى الأدبيات السردية [الشهادات بخاصة] التي توثق الثورة السورية. في هذا الصدد يمكن أن نشير إلى بعض العناوين الفرنسية:

Balanche Fabrice, « Communautarisme en Syrie : lorsque le mythe devient réalité », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 29-44.

Ignace Dalle et Wladimir Glasman, le Cauchemar syrien, Paris, Fayard, 2016.

Levallois Agnès, « La politique étrangère de la France en Syrie », Esprit, 5/2016 (Mai), p. 76-85.

Mathieu Guidère, Daech en Syrie : origines et développement, Les Cahiers de l’Orient 2016/2 (N° 122), pp, 47-64.

Mikaïl Barah, « Syrie : regards géopolitiques », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 9-13.

Balanche Fabrice, « Géographie de la révolte syrienne », Outre-Terre, 3/2011 (n° 29), p. 437-458.

([2]) حول راهن الثورة السورية بعد ست سنوات، انظر:

BEN AÏSSA Ikram, Hommage à la Syrie : nouvelles d’un pays en crise, L’Harmattan, 2016.

DALLE Ignace, Le Cauchemar syrien, Fayard, 2016.

([3]) – انظر:

HINNENBUSCH Raymond et ZINTL Tina (éd.), Syria from reform to revolt. Volume 1, Political economy and international relations, Syracuse university press, 2015.

([4]) – لنظرة أعمق انظر:

Vanessa Guéno, « L’historien face au conflit : Homs et la révolte », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [Online], 138 | December 2015, Online since 16 February 2016, connection on 01 April 2017. URL: http://remmm.revues.org/9224

([5])  لتفاصيل أكثر، انظر:

Belhadj Souhaïl, « L’appareil sécuritaire syrien, socle d’un régime miné par la guerre civile », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 15-27.

([6]) حول هذا التفصيل انظر:

Pierret Thomas, « Fragmentation et consolidation de l’opposition armée », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 45-51.

([7]) انظر مقابلة مهمة مع بسمة قضماني:

Entretien avec Kodmani Bassma, « Retour sur le conflit syrien : les erreurs de l’opposition, les manquements de la communauté internationale », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 53-66.

([8]) – انظر:

Dazi-Héni Fatiha, « Les diplomaties des monarchies du Conseil de coopération du Golfe dans la crise syrienne », Confluences Méditerranée, 2/2014 (N° 89), p. 81-93.