وحدة مراجعات الكتب

مراجعة: رلى العلواني

الكتاب: المفاهيم الأيديولوجية في مجرى حراك الثورات العربية

تأليف: سهيل الحبيب

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مكان النشر: بيروت/ لبنان

تاريخ النشر: 2014

 

إن للحراك الشعبي والجماهيري أهمية كبيرة في إحداث التغيير الثوري، بل لعل اللحظة الثورية التاريخية هي صنيعة حصرية للجموع الشعبية الثائرة، وهذه اللحظة هي مفصل العمل الثوري الذي قد ينتهي عنده الفعل الجماهيري بوصفه محركًا أساسًا للتغيير الديمقراطي، لينكفئ عن الصدارة لمصلحة المثقف الذي يأتي دوره مرشدًا لهذا الفعل الشعبي العفوي الساذج سياسيًا، ومن ثَمَّ يعطي هذه الحراك أكله، ويؤتي ثماره المرجوة منه، وإلا بقي فعلًا ثوريًا ناقصًا كثيرًا، ما يودي بالمجتمعات إلى التهلكة السياسية التي ستنعكس حتمًا في القطاعات كلها، إذ إن الفعل العشوائي اللامنظم لا يمكن أن تصدر عنه مؤسسات منظمة ومنتظمة، لذلك كان من حتمية الفعل الثوري أن يكون المثقف في صدارة هذا العمل، قائدًا له لا مقودًا فيه، و إلا لاتجهنا إلى ما لا تحمد عقباه، وكنا كمن أبطل العمل بعد أن شرع فيه.

ثم لا شك في أن للحظة الثورية الفارقة أثرًا بارزًا في عملية التغيير والتحول نحو الديمقراطية، إلا أن هذه اللحظة إذا لم تتبعها خطوات عملية تقود نحو تمهيد الطريق لتغيير مجتمعي مستدام ومستمر، لن يكون لها أي تأثير، بل قد يكون لها أثرها السلبي وارتداداتها الخطرة في المجتمع كله.

إن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يكون إلا بخطة شاملة بعيدة المدى تقودها النخب السياسية الثورية المثقفة، لإنتاج مجتمع حصين قادر على حماية منجزاته الثورية من ذئاب السياسة الساعين لتحقيق مصالحهم على حساب المجتمع وشرائحه كافة، ومن ثَمَّ تتجسد وتتلخص مهمة النخب الثورية المثقفة في حسن الاستفادة من اللحظات الثورية لبناء مؤسسات لها منهجية ذات نظرة مستقبلية بعيدة تسعى إلى تحول مجتمعي وفكر جمعي، يرى في التغيير مكسبًا أساسًا لوجوده عموديًا وأفقيًا، ومن ثَمَّ تسعى إلى حماية ما حققته، وتثبيته في قطاعات المجتمع كافة، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وما الارتدادات السلبية التي عانتها البلدان العربية بعد الثورات الجماهيرية إلا نتيجة حتمية لإهمال النخب المثقفة هذا الجانب والاكتفاء بما فعلته الجماهير ابتداءً من قلب الأنظمة وحل الأجهزة، ما أدى إلى ثورات مضادة للثورة الأم، وانقلابات عليها ممن استطاع أن يستغل هذه الفجوة في العمل الثوري، لينتج داءً ودواء من داخل العقار.

وما هذا الكتاب للمؤلف الأستاذ (سهيل الحبيب) الذي أسماه (المفاهيم الأيديولوجية في مجرى حراك الثورات العربية) إلا محاولة لتسليط الضوء على هذه الثغرة الثورية، من خلال قراءة تحليلية متأنية للحوادث التي أعقبت الثورة التونسية التي أطاحت بنظام بن علي أنموذجًا للثورات العربية، يستطيع من خلاله أن يرصد الحوادث، ويحلل النتائج، ويضع مقاربات فكرية لما يجري في البلدان التي شهدت حوادث ثورية، سعيًا منه للتنبيه إلى الأغلاط التي أدت إلى نتائج غير محمودة على الصعد كافة، وأدت في بعض الأحيان إلى انهيارات مجتمعية واقتتالات طائفية وصراعات إثنية.

عرض الكاتب في الفصل الأول من كتابه إلى فكرة الانتقال الديمقراطي في التفكير العربي المعاصر، محاولًا الوصول إلى تمثل أكثر تعميمًا لهذا المفهوم الذي يقرر أنه وإن ظهر تجانسه إلا أنه لا يلبث يتمايز رويدًا رويدًا بفعل العوامل والبيئات والمتطلبات الشعبية المتمايزة، ما يظهر تمايزًا في فكرة الديمقراطية، إذ يقول: «إن ما يظهر من تجانس في المواقف تجاه الديمقراطية التي يحفل بها الفكر العربي الراهن يخفي تباينات تفيد بأن الحديث عن الديمقراطية في الخطابات المختلفة إنما هو حديث عن مفاهيم مختلفة ودلائل متباينة». وما قرره المؤلف يلامس الصواب إلى حد كبير، إذ لا يمكن أن نعد مفهوم الفكرة الديمقراطية واحدًا عند الشعوب العربية كافة، بمعنى أنه و إن تجانس المفهوم العام للديمقراطية عربيًا بوصفه مطلبًا شعبيًّا إلا أن تمايزًا حتميًا سيظهر بين بلد وآخر نتيجة اختلاف التفاصيل والرؤى والمتطلبات، لذلك ومن خلال هذا البحث حاول المؤلف «الوصول إلى قراءة ذات صبغة أكثر شمولية وتعميمًا في تمثل مناحي التفكير الديمقراطي العربي خلال السنوات الأخيرة ومعالمه الكبرى» ليكون القارئ أكثر وعيًا وإدراكًا لهذه الفكرة التي طالما طمحت لها الشعوب عامة والعربية خاصة، ومن هنا يعرض المؤلف إلى التيارات الفكرية العربية التي شهدتها ساحتنا العربية مؤخرًا  محاولةً أن تنهج منهج التفكير الديمقراطي المنشود الذي ينبغي أن يكون ذا طابع محدد غير قابل للتغيير والتبديل، على الأقل على صعيد المفهوم الكلي، وإن اختلف في جزئياته وتفصيلاته، ولذلك كانت هناك معالم رسمتها هذه التيارات الجبهوية للطريق الديمقراطية أوضحت من خلالها معالم الطلب الديمقراطي والحراك نحوه مقررة أن «العائق المركزي الوحيد في وجه الانتقال الديمقراطي عربيًا، في منظور هذه النزعة التوفيقية، هو السلطة الاستبدادية»، وبذلك برأت المجتمع وما يتضمنه من عوائق ثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية من كونه عائقًا أمام التحول الديمقراطي المنشود، وأظهرت أن الشعوب هي التي ترفض هذه التحولات نحو التحرر والحرية لما لها من مثالب، هي فكرة حاولت وتحاول السلطات القمعية والاستبدادية في مجتمعاتنا العربية تكريسها لمحاولة ثني النخب الفكرية المثقفة عن المطالبة بالتغيير والتحول الديمقراطي، في حين إن الشعوب العربية تعدّ تربة خصبة لهذه البذرة ولهذا التحول والتغيير، وما شهدته مجتمعاتنا العربية وما أظهرته من حراك ثوري دليل على خبث ما تروجه السلطات المستبدة، بوصفه محاولة يائسة لإيقاف عجلة التغيير.

ولكي لا تكون الديمقراطية مفهومًا سياسيًا استهلاكيًا وطريقة خبيثة للوصول إلى الحكم والسلطة، كان لا بد من طرح مفهوم كلي للمسألة الديمقراطية سياسيًا ومجتمعيًا، فمثلما أننا لا نتهم المجتمع بالوقوف سدًا منيع في وجه تحقيق التحول الديمقراطي إلا أن مشكلة حرف بوصلة التفكير الجمعي في المجتمع العربي لتقبل فكرة طالما سعى إليها، تبرز هنا بصورة جادة، وذلك عن طريق خلق أطر مجتمعية تذوب فيها التمايزات كلها من خلال «تركيز مفهوم المواطنة المتعلقة بطبيعة علاقة الفرد بالدولة باعتبارها منظومة حقوق وواجبات»، وهذا أمر حتمي لتوجيه دفة المجتمع نحو التغيير، إذ لا يمكن أن تطرح التكتلات النخبوية فكرة التحول الديمقراطي مفهومًا سياسيًا بحتًا ليس له أي امتدادات مجتمعية ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وإلا كان ذلك سعيًا من هذه النخب للوصول إلى سدة الحكم فحسب، إن هذه الطروحات النخبوية ما هي إلا محاولة لذر الرماد في العيون، والتعمية على وصول مستبدين آخرين إلى السلطة، ولعل كثيرًا من الاتجاهات النخبوية المعارضة تتخذ طرح هذا المفهوم سبيلًا إلى ذلك من دون أدنى أفق لتغيير شامل في الصعد كافة.

ويحاول المؤلف تفسير ما جرى في الثورة التونسية ذات الأبعاد الإقليمية الممتدة إلى مصر وليبيا واليمن وغيرها، لإيضاح التمايزات بين التفكير السياسي والتغييري للنخب المثقفة والمعارضة، وما جرى في الثورة التونسية من حراك جماهيري أظهر حال قصور النخب السياسية الداعية إلى التحول الديمقراطي، إذا ما قيست بالمطالب الكبيرة التي أظهرت العفوية الشعبية التي انتقلت انتقالًا سريعًا من المطالبة بحق العمل ولقمة العيش، إلى المطالبة بتغيير أكثر عمقًا واستراتيجية بالسعي إلى إسقاط هرم السلطة، إن النخب السياسية التي يفترض أن تكون قائدة لهذا الحراك جاءت تابعة له، ومتبنية لمطالبه في منتصف الطريق، بل كانت هذه النخب المعارضة أكثر لينًا في التعامل مع السلطة من الجماهير الثائرة، إذ كان من الممكن أن ترضى بنوع من المهادنة الحكومية والاشتراك في السلطة مع وجود هذه السلطة وقياداتها، نوعًا من الديمقراطية التوفيقية التي تؤسس استراتيجية الانتقال التدرجي، والتقدم الزمني للخطاب التوفيقي السياسي، «والتوفيقية لا تقول بالقطيعة مع السلطة ولا بفكرة التغيير الآني للسلطة، بل تترك الباب مفتوحًا دومًا نحو اعتدال النظام أو خروج الإصلاحيين والمعتدلين منه».

لقد أظهرت الثورة التونسية تمايزًا -إن لم نقل تعارضًا- بين التطلعات الجماهيرية والطبقة النخبوية المثقفة، وعلى الرغم من ذلك أصبحت الرؤية الديمقراطية التوفيقية التي تتبناها هذه النخب هي السائدة مع تطبيعها وتعديلها وفقًا للرؤى الجماهيرية الثورية التي لا تقبل اللين أو أنصاف الحلول مع السلطة المستبدة، فبدت الديمقراطية التوفيقية _بعد هذا التعديل الذي فرضته أحوال المرحلة الثورية فائقة الحساسية تجاه أي فرد كان يمثل موقعًا ما في السلطة البائدة_ أكثر حزمًا،«في طبيعة المسار الانتقالي إلى هذه الديمقراطية، فتضفي عليه طابعًا ثوريًا قاطعًا وفوريًا، عوضًا عن طابع إصلاحي تدرجي، وتستبعد منه إمكانات التحالف مع أجزاء من النظام السابق».

لقد أحسن المؤلف في ما رمى إليه من استدلال على أن مفهوم الديمقراطية وإن كان متجانسًا عمومًا من الفئات والنخب القطرية كلها إلا أنه يتمايز إلى حد كبير نتيجة الأحوال المحيطة بمرحلة التغيير، ومن ثَمَّ ليس من المعيب أن تغير النخب المثقفة التي تؤمن بالتغيير التدرجي الذي يعتمد الإصلاح وسيلةً للحسم الديمقراطي المنشود، وتقوم بتعديلها بما يتوافق مع طروحات الجماهير الثائرة للوصول إلى مقاربة بين الأفكار النخبوية والجماهيرية تتطلبها المرحلة الراهنة للوصول إلى الغرض المشترك المتمثل بالمفهوم العام للديمقراطية، وإن تمايزت الأساليب والطرق واختلفت النظرة في ما هو الأصلح منها لقيادة مرحلة التغيير الراهنة.

ويذهب الكاتب إلى أن الديمقراطية التوفيقية التي تنظر إلى الديمقراطية بوصفها حلًا لمشكلة السلطة الاستبدادية ليس لها أي منظور شامل للديمقراطية يشمل مناحي المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كلها، مع أن المنظور الشامل لهذه الإصلاحات المجتمعية أنها «تمثل في مظهرها المطلبي المباشر الشروط التي يفترضها التحول الديمقراطي في منظور نزعة التغيير المجتمعي»، ولعل هذا الأمر مما غفلت وتغفل عنه كثير من النخب السياسية والمثقفة التي تتخذ الديمقراطية التوافقية منهجًا، والتي تؤمن بأن الديمقراطية لا تعدو أن تكون حلًا لمشكلة الدكتاتورية السلطوية فحسب، متناسية أن الديمقراطية مفهوم عام وحل جذري لمشكلة المجتمع عامة لا السلطة فحسب، لذلك يجب أن تنظر النخب العربية المعارضة إلى الديمقراطية بوصفها مفهومًا أكثر شمولًا وأكبر استيعابًا ودينامية مع التغييرات المجتمعية لأحوال المرحلة الراهنة، هكذا نجد مقاربة جديدة تجمع بين ما هو المفكر به والمغفل في المشهد العربي الذي يتمثل في القطع التام مع رموز الاستبداد وتشريعاته والديمقراطية التوافقية التي تجعل الثورة بداية مسار إصلاحي تدرجي طويل الأمد يقود نحو التغيير، ومن ثم فإن التحول الديمقراطي في البلدان العربية لا يمكن أن يكون سوى نتاج مسار إصلاحي طويل الأمد يفضي إلى تحول مجتمعي شامل.

وفي الفصل الثاني حاول الكاتب رصد التمايز بين المسارين الإصلاحي الذي يعتمد الزمن أساسًا للتغيير والجماهيري والثوري الذي يعتمد اللحظة الثورية أساسًا لهذا التغيير، وذلك من خلال استقراء الحالة التونسية بعد الثورة التي أثبتت النظرية الجماهيرية في إجراء انتخابات المجلس التأسيسي، إذ حققت فيه الجماهير الثورية نصرًا، وإن كان حسيًا فحسب، إذ أظهرت هذه الانتخابات «أن هذه الجماهير الديمقراطية الواسعة انتصرت لهويتها العربية الإسلامية على حساب الدعوات إلى التحديث العلمي والتغريب ومسخ الذات».

ولكن هل يعد هذا الإقبال الجماهيري دليلًا على التلاحم بين السياسي وما الاجتماعي؟

طرح الكاتب هذا السؤال، وسعى إلى الحصول على أدلة حسية من خلال المشهد التونسي ما بعد سقوط بن علي، ليصل إلى أن الإقبال الجماهيري على صناديق الاقتراع وحده لا يمثل أولًا نصرًا للنظرية الجماهيرية الثورية، ولا يدل على التمازج بين التيارين السياسي والاجتماعي، بل إن التغيير المجتمعي يحتاج إلى خطة ذات أمد طويل يتحد فيها السياسي والاجتماعي للوصول إلى حال من التقبل الداخلي لفكرة الديمقراطية، ما ينتج منه تحولًا وتغييرًا على الصعد كافة، ثم إنه لا بد من تحقيق مفهوم نفي النفي المعتمد في المادة الجدلية الذي يعني عمليًا في الواقع التونسي والعربي أيضًا «سياسة تستوعب المطالب الحسية المباشرة والفورية لمعنى الثورة عند أغلبية الجماهير»، إذًا لا بد لتحقيق الهدف المنشود الذي يتمثل في التغيير الديمقراطي من مراعاة التمايزات كلها بين الفرق جميعها لإنتاج حال تؤدي إلى الاستقرار النفسي الجماهيري، ليطمئنوا إلى أن ما أرادوه من المطالب المجتمعية سيتحقق من خلال مسار سياسي تقوده الأطراف النخبوية السياسية التي تقود دفة الحراك السياسي في ما بعد الثورة.

لذلك نجد أن أكثر الأحزاب السياسية حضورًا في المشهد التونسي بعد أول انتخابات تأسيسية بوصفها حركة النهضة والعريضة الشعبية، هي الأحزاب القادرة على تحقيق الدمج بين السياسي والاجتماعي، إذ طرحت هذه الأحزاب في أجندتها الانتخابية المطالب المجتمعية أساسًا للعمل السياسي للمجلس التأسيسي مع تحقيق المطلب الأبرز الذي يتمثل في إسقاط وإقصاء رموز السلطة السابقة البائدة كلها، وبذلك حققت هذه الأحزاب ما كانت ترنو إليه هذه الجماهير الثائرة، واستطاعت أن تحقق نتائج مفاجئة في الانتخابات الأولى بعد رحيل بن علي، ومن ثَمَّ فإن «الدمج الحسي المباشر في الخطاب السياسي كما في الخطاب الأيديولوجي كان عاملًا حاسمًا في هذه الانتخابات من حيث كثافة الإقبال عليها، ومن حيث النتائج التي أفرزتها» وعليها يمكننا أن نقول إن أي محاولة من النخب السياسية لتحقيق أهدافها التي ترى في الديمقراطية حلًا لمشكلة السلطة المستبدة وحدها، مع غض النظر عن المطالب المباشرة للجماهير الثائرة سيؤدي حتمًا -وبالتجربة الثورية العملية- إلى انهيار هذه الكيانات النخبوية، لابتعادها عن الحركة الجماهيرية التي ترى الأفق الديمقراطي من منظار مطالبها المجتمعية الأساسية، التي هي الدافع الأول لهذه الجماهير لتحقيق التغيير، وبالقدر الذي تتمكن هذه النخب من الدمج الحسي للمطالب المجتمعية المباشرة بما تعدّه مسارًا سياسيًا تحقق فيه النجاح والوصول إلى هدفها الذي ترنو إليه، إذًا فقد أبدع الكاتب في إيصال هذه الفكرة من خلال تحليله للانتخابات التونسية كأنموذج للتغيير الديمقراطي.

وفي الفصل الثالث رصد الكاتب تقدمًا دراماتيكيًا في الخطاب الذي تتبناه النخب التونسية -كأنموذج مدروس- من خطاب الآثار الثورية إلى خطاب يبحث عن خلق مجتمع راشد ليكون أساسًا للتغيير الديمقراطي، مما يفيد «بأن شروط الانتقال الديمقراطي في تونس تتجاوز حدود العملية السياسية التي يختار بوساطتها الناخبون حكامهم بكل حرية وشفافية، وبلا تزوير لما تحصله صناديق الاقتراع، فمشكلات هذا الانتقال الذي عبرت عن إرادته الثورة أصبحت غير كامنة في جهة التشريعات اللاديمقراطية والسلطة الفاسدة الظالمة وهياكلها التي تزور الإرادة الشعبية، بل غدت كامنة في جهة المجتمع نفسه والبنى الذهنية السائدة فيه».

ويلاحظ القارئ للحوادث في تونس بعد بن علي تغييرًا آخر في خطاب النخبة السياسية القائدة للحراك السياسي ما بعد سقوط السلطة البائدة من خطاب يقول: «إن الحراك الثوري أنقذ البلاد من الكارثة إلى القول إن هذا الحراك نفسه يسبب للبلاد كارثة».

ثم أشار الكاتب إلى تحول آخر في المشهد التونسي الذي أعقب سقوط بن علي والذي تمثل بـ «دعوة التونسيين إلى رفض وإدانة العنف المادي والمعنوي أيًا كان مصدره»، وبرزت دعوات مفاجئة من ساسة ونخب الشعب  التونسي المثقفة إلى الوحدة الوطنية، على الرغم من أن التونسيين من أصحاب اللون الواحد قوميًا ودينيًا ومذهبيًا، وهذا يثبت ما أراد الكاتب أن يستند إليه من خلال سوقه للحوادث التي أعقبت سقوط بن علي، وهو أن الديمقراطية والتحول باتجاهها يجب أن يكون إصلاحيًا مجتمعيًا شاملًا لا قائمًا على لحظة التحول الثوري التي قد ترغب بها الجماهير الثائرة، إذًا فإن نجاح الانتخابات التونسية للمجلس التأسيسي لم يكن معبرًا عن نجاح التحول نحو النهج الديمقراطي، وإلا لم يكن لدعوات الوحدة الوطنية أي مبرر في مجتمع ذي لون واحد.

لكن، أليس من الطبيعي بمكان أن تلجأ النخب السياسية والثقافية إلى التحول الديمقراطي في بلد حكم بالحديد والنار عقودًا خلت، وإلى حشد القوى الجماهيرية الثورية من خلال الدعوة إلى الوحدة الوطنية التي قد يكون المراد منها الوحدة الوطنية حول الهدف الموحد المتمثل في إنشاء نظام ديمقراطي يحترم الحريات في ظل محاولة الإيقاع بالقوى الثورية في فخ التشرذم والتفتت التي يقودها بعض أزلام السلطة البائدة، ومن ثَمَّ فإن نجاح الانتخابات في هذه المدة الوجيزة هو الركيزة الأولى في التحول الديمقراطي وإن لم يكن هو التحول الديمقراطي.

ينتقل المؤلف في تحليله إلى مشروع عزمي بشارة الذي طرحه في كتابه (المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي) الذي يميز طرح بشارة بأنه يحيلنا «على عنصريين أساسيين من عناصره البنيوية الفارقة من منظور مقارن بين ما هو متداول في فكرنا العربي الراهن من رؤى وتصورات في شأن ماهية الانتقال الديمقراطي عربيًا ومضمونه وكيفياته. وهذان العنصران هما: الكلية والتركيب». لقد أكد بشارة في هذا الكتاب أن الديمقراطية هي حل للمسألة العربية كلها على اختلاف ما تضمنته من أبعاد كالسيادة والهوية والوحدة والبنى المجتمعية وغير ذلك ليصل إلى قوله «إن الذي يعيق تكون الأمة العربية هو نفسه ما يعيق تحول الأقطار العربية إلى دولة ديمقراطية».

إن ما طرحه بشارة هو ما سعى مؤلفنا  للوصول إليه، والاستدلال عليه، إذ يكمن ذلك في أن بشارة عد الديمقراطية مفهومًا شاملًا لا لحظة ثورية فحسب، قد يعقبها كثير من الأزمات من خلال الارتدادات المجتمعية التي قد تؤدي إلى عكس ما ترنو إليه الجماهير الثورية من التغيير الديمقراطي، وذلك أن طرح بشارة يظهر قوته من خلال جعل الديمقراطية مفهومًا شاملًا عامًا للمسألة العربية جملة واحدة على الرغم من التباينات المجتمعية والثقافية والاقتصادية التي يشملها مفهوم المسألة العربية، ولعل بشارة حقق سبقًا ثقافيًا يحسب له، بإدراكه أن التغيير الديمقراطي هو مفهوم شامل يحتاج إلى أمد طويل ليتحقق على الرغم من أنه لم يمارس السلطة مثل غيره من النخب الثقافية والسياسية العربية التي أدركت ذلك مؤخرًا بعد أن وصلت إلى مراكز السلطة.

إن ما طرحه بشارة نظريًا هو ما مارسته النخب المثقفة القائدة للحراك الجماهيري نفسه في البلدان التي شهدت حوادث ثورية وتحولات ديمقراطية، مع فارق أن هذه النخب قد حاولت الاستفادة من اللحظة الثورية بوصفها لحظة فاصلة تعيد بعدها ترتيب ما اختلط من أوراق، لتتمكن بعد ذلك من وضع خطة تغيير مجتمعي شامل للقطاعات والفئات المجتمعية كلها لتحقيق التحول الديمقراطي الشامل، بينما تعتمد خطة بشارة على التحول المجتمعي الشامل للوصول إلى اللحظة الثورية، ومن ثَمَّ فإن الخلاف بين ما أراده بشارة في كتابه، وما مارسته القوى الثورية المثقفة على أرض الواقع ليس خلافًا في ذروة التحول الديمقراطي، إنما هو خلاف في تكتيكية واستراتيجية هذا التحول بين رؤيتين، إحداهما ما تبناه بشارة وما تبناه المؤلف من أن التحول الديمقراطي إنما هو خطة شاملة لجوانب المجتمع كلها، وثانيهما ما أرادت القوى والنخب الثورية أن تستغله لا أن تتبناه منهجًا يتمثل في اللحظة الثورية الدافعة إلى التغيير، وعليه فطرح مشروع بشارة أساسًا لانتقاد المناهج الثورية الأخرى لم يكن طرحًا موفقًا من الكاتب لما بيناه من أن هذا اختلاف طرائق لا اختلاف غايات ومقاصد.

ثم انتقل الكاتب إلى معالجة الأزمة التي يعيشها الفكر الأيديولوجي التونسي المعاصر مثالًا لدراسة التحول الديمقراطي، وذلك برصد المؤلف لتصريحين أحدهما للغنوشي الذي هو زعيم التيار الإسلامي ومنظره في تونس، والآخر لعدنان الحاجي وهو رادكالي يساري، إذ أوحت هذه التصريحات بتغيير كبير في التفكير الأيديولوجي لهذين القائدين للحراك الثوري، أحدهما من أقصى اليمين والآخر من أقصى اليسار، بحيث دعا الأول إلى احترام الدولة بوصفها كيانًا محافظًا على المجتمع، والآخر وقف مع الحكومة ضد حراك القوى العاملة مما يعني تغييرًا في الثوابت الأيديولوجية عند المثقفين التونسيين -أنموذجًا ثوريًّا- القائدين للحراك الثوري بعد انتصار الثورة التونسية، ما يعني توافقًا ضمنيًا بين الإسلامي والرادكالي، الأمر الذي يثير الريبة والتساؤلات، ويحاول الكاتب رصد هذا التقارب بين الفريقين باختلاف أيديولوجياتهما وأفكارهما وطرائق تعاملهما ونظرتهما المستقبلية من خلال سرد تاريخي للصراع بين الدولة والقوى المعارضة لها منذ ما بعد الاستقلال، لكنني هنا أطرح تساؤلًا وهو: أليس من الغريب أن يعد المؤلف هذين التصريحين تغييرًا في الفكر الأيديولوجي للتيارين، وأن هذا يوحي بنوع من التقارب والاتفاق بين الأخوين الخصمين؟.

إن الناظر والمتفحص إلى تصريح الغنوشي الداعي إلى الجماعات الإسلامية المسلحة إلى احترام الدولة أو إلى تصريح الأستاذ عدنان الحاجي الذي كان يقف مع الحراك الجماهيري المعارض للدولة، والتصرفات الحكومية والمؤسساتية، ووقوفه ضد حراك هؤلاء العمال المطالبين بحقوقهم المشروعة لا يلحظ تغيرًا في الفكر الأيديولوجي للشخصيتين كلتيهما، وبخاصة إذا ما نظر إلى توقيت هذين التصريحين الذي جاء بعد مخاض الثورة التونسية التي أفضت إلى تكوين هيئة تأسيسية لإعادة صياغة الدستور والحياة السياسية التونسية، ما يسمح بإقامة حكومة جديدة بنظام ضامن للديمقراطية تتساوى فيه مكونات الشعب التونسي جميعها.

ولما كانت الثورة قد أنجبت _بعد مخاض الانتخابات_ هذه الحكومة التي ما فتئت تترنح نتيجة غياب نضج الفكر المجتمعي التونسي، وعدم هضمه لهذا التحول الديمقراطي، ما سمح لأعوان النظام المنحل بالتسلل في هذه المفاصل المجتمعية، لإثارة الفتن والقلاقل في مجتمع سياسي غض إلى حد ما، ما يعني قيام الثورة المضادة، لتعيد أركان النظام السابق أو على الأقل أسلوب حكمه.

في خضم هذا الهاجس من محاولة وضع العصي في عجلة التغيير الديمقراطي، برزت تيارات عدة مستغلة هذا الجو الديمقراطي الناشئ، وهامش الحريات الكبير، للقيام بأعمال و أفكار ما من شأنها تعميم هذه الأجواء، وتعميق الخلافات، وإنشاء الصراعات في جسد لم يتعافَ إلا منذ زمن قصير، وما زال يحاول نفض ثوب السقم عن نفسه، هذا الأمر احتاج إلى وقفة سياسية مفصلية في هذا التوقيت المفصلي الذي يحاول فيه الساسة تكوين المؤسسات الراعية والحامية لعملية التغيير، لذا كان لا بد من خطاب مرحلي يوقف هذه الأعمال اللامسؤولة ضد الدولة الناشئة، ويراد منها أن تكون حامية للديمقراطية وللتغيير الثوري، ومن هنا تبرز أهمية ما قاله الغنوشي والحاجي بوصفه خطابًا مرحليًّا يقرأ المرحلة الراهنة سياسيًا، ثم يحاول ضبط الإيقاع المجتمعي للوصول إلى الغاية المنشودة، ومن ثَمَّ لم تكن هذه التصريحات تغييرًا أيديولوجيًا استراتيجيًا بحال من الأحوال، وإنما تصريحًا مرحليًا يسعى إلى إقامة أجواء مجتمعية هادئة تسمح للساسة الجدد ببناء ما هدمه النظام المخلوع.

إن القارئ لهذين التصريحين إذا ما قرأهما بعيدًا عن قراءة المرحلة السياسية سيجد نفسه من دون أدنى ريب مائلًا إلى ما يرنو الكاتب إليه من كونه تحولًا وتغييرًا في الأيديولوجية، لكنه إذا ما قرأ ذلك في ظل قراءة سياسية شمولية للوضع المجتمعي التونسي في تلك اللحظة، سيجد أن ذلك علاج مرحلي يتطلب تضافر القوى الثورية جمعيعها باختلاف ثقافتها ورؤيتها في عملية البناء الديمقراطي للمؤسسات الحكومية، وعليه فهو خطاب مرحلي لا تغيير استراتيجيٌ، وبناء على ذلك لم يكن الكاتب موفقًا في طرح المشكلة، ولا في الحصول على المسوغات، إذ لا مشكلة أصلًا في هذين التصريحين إذا ما قرأا ضمن ما أشرت إليه.

وحاول كاتبنا أن يشير إلى بذور الثورة على دولة الاستقلال عند التيارين التونسيين كليهما، الرادكالي اليساري الذي ينظر إلى الدولة (بوصفه جهازًا لسيادة فئات اجتماعية على فئات أخرى) مما يعطيها مبررًا كونها حركة تحاول أن تنهي مظاهر هذا التسلط للثورة على مفهوم الدولة الناشئة المنظور إليها في هذا التوصيف.

بينما لا نجد هذا المبرر عند الحركة الإسلامية والتيار السياسي الإسلامي، وبخاصة إذا ما نظرنا إلى «الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية السنية التي تحرم الخروج على السلطان تحريمًا يكاد يكون مطلقًا»، ما يعني تضييق هامش تحرك أصحاب الفكر الإسلامي المعادي للدولة والحكومة.

وأخيرًا، حاول الكاتب أن يقرأ علاقة المثقف بالثورة، وتساءل؛ هل المثقف الثوري هو التابع لحركة الجماهير المؤمن بكل ما تفعله؟، أ هو ذلك المفكر الحر الذي يقود حراك الجماهير في أفكار وأيديولوجيات محددة بعيدة عن مركزية السلطة وعشوائية الفكر الجماهيري الثوري؟، ومن ثَمَّ فإن المثقف الثوري بمثل ما يقول عزمي بشارة هو الذي «يحافظ على مسافة نقدية، ليس من النظام فحسب بل من الثورة أيضًا»، ومن ثَمّ فإن المثقف العربي لكي يكون أكثر فائدة في الحراك الشعبي الثوري يجب أن يكون متحررًا من عبودية التبعية الثورية، أو ما أستطيع أن أسميه الدكتاتورية الجماهيرية المحتكرة للفهم الثوري، وإلا كان واحدًا من غوغائيي الثورات الذين يكثر انحرافهم عن النهج المفروض أن يتبع، بل لا بد أن يبقى المثقف الثوري ممسكًا ببوصلة الحراك الثوري ضمن منهج واضح يقود إلى نتائج مدروسة ومرسومة أيديولوجيًا، وهذا مما لا شك في أهميته في ظل التخوين الجماهيري لكثير من المثقفين الثوريين باتهامهم بمخالفة وخيانة الأهداف الجماهيرية، ما دفع بكثير من المثقفين إلى أن يكونوا تابعين للحراك الجماهيري خوفًا على مكتسباتهم الثورية أو هربًا من الاتهام الجماهيري لهم بالخيانة الثورية والانحراف، بل تطرف بعض هؤلاء المثقفين في انخراط في الفكر الجماهيري إلى حد أنه أضحى منظرًا ومسوقًا للأخطاء الثورية الناجمة عن قيادة جموع الجماهير للحراك الثوري، من دون ترشيد لهذا الحراك من المثقفين الذين يضعون السياسات والخطوات الموصلة إلى تغيير ديمقراطي مستدام، لا تغيير آني قد يقود إليه الحراك الجماهيري العشوائي في هذه الثورات، لأن الجماهير لا تمتلك فكرة تغيير مع عزيمة ثورية فياضة ساعية إلى تحقيق ذلك، غير أن هذه الفكرة العامة لا يمكن أن تقود -في الأحيان معظمها- إلى تغيير ممنهج ومستدام يضمن إقامة نظام يعمل على حماية هذه المكتسبات الثورية، ويسعى إلى تكريسها، ما يلزم أن يكون المثقف الثوري قائدًا لهذه الجموع لا تابعًا لها.

لقد وضع هذا الكتاب دراسة جيدة إلى حد ما، قريبة من الواقع مع اختلافنا معه في التوصيف لبعض التفاصيل، إذ حاول مؤلفه أن يطرح قواعد حاكمة لما يجري بعد الثورة من حراك يقوده شقا الثورة الفاعلان فيها اللذان هما الجماهير الثورية والمثقف الثوري، مؤكدًا أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يكون آنيًا أو فعلًا جماهيريًا لحظيًا أو لحظة ثورية حاسمة، بل لا بد أن يسعى المثقف عبر قيادته لهذا الحراك للسير به نحو تحول مجتمعي طويل المدى لإقامة التغيير الشامل للمجتمع على اختلاف مفاصله الحياتية السياسية والثقافية والاقتصادية، ما يؤدي إلى استمرارية و استدامة في هذا الفعل الجماهيري الذي سيخبو بعد تحقيقه أول المكتسبات الثورية.