جدول المحتويات

مقدمة

الفصل الأول

الفصل الثاني

في الوقائع

الفصل الثالث

وظائف المدعي العام

في النتائج

المراجع

 

مقدمة

بعد فشل مجلس الأمن في وقف قتل الشعب السوري تارة، وفي عقب الفيتو الروسي السادس على التوالي تارة أخرى، هل نستطيع إيصال ملف الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري إلى محكمة الجنايات الدولية؟

هل يمكن للهيئات والمنظمات الإنسانية الدولية طمأنة الضحايا وأسرهم بأن العدالة سوف تطال المجرمين؟

هل هذا الطريق إلى العدالة ممكن، وخاضع للمساءلة؟ وكيف تتخذ الإجراءات الرادعة بحق مرتكبي هذه الجرائم؟ ربما يكون ذلك كله ممكنًا بمساعدة العالم المتمدن والدول المحبة للسلام، والوصول إلى وقف هذه الحرب المدمرة، ومحاسبة المجرمين، وتقديمهم للعدالة، ورد المظالم إلى أهلها. هذا جواب مقبول، نرجو ونتمنى من العالم المتحضر تقديم المساعدة لإيجاد السبل لبناء دولتنا الديمقراطية، لنكون جزءًا من العالم المتحضر.

إن ارتفاع هذه الأصوات هو تعبير حي عن تنامي الوعي البشري الإنساني والأخلاقي والقانوني بضرورة وقف هذه الجريمة الكبرى بحق البشرية عامة، والسوريين خاصة.

لقد تدخلت الأمم المتحدة في السابق، بهيئاتها المختصة في كثير من دول العالم، لوقف الجرائم التي حدثت في كوسوفو مثالًا وغيرها من المناطق الساخنة التي حدثت فيها ثورات وقلاقل وحروب وإبادات جماعية، تماشيًا مع مبادئ الإعلان العالمي للأمم المتحدة الصادر في 10/12/1948. وتدخل مجلس الأمن وفقًا للفصل السابع في كثير من المناطق الساخنة، ويجيز هذا الفصل استعمال القوة لوقف تلك المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين في البوسنة مثلًا. لذلك فقد بدأنا نشهد ارتفاع الأصوات المطالبة بضرورة التدخل في شؤون أي دولة مارقة تقوم بارتكاب أفظع الجرائم بحق شعبها.

وما يجري في سورية منذ ست سنوات يعد وفقًا للمعايير الحقوقية والقانونية والأخلاقية كلها، جرائم ضد الإنسانية. هذه الجرائم قد ارتكبت فعلًا في سورية، حيث أقدم ويقدم النظام يوميًا على ارتكاب أفظع الجرائم بحق الإنسانية جميعها. إن النظام يرتكب هذه الانتهاكات الفظيعة التي تؤكدها تقارير ومعلومات هيئات الأمم المتحدة، فضلًا على جهات حقوقية أخرى، حكومية وغير حكومية، وثقت ذلك بتقاريرها اليومية، مؤكّدةً أنها تُمارَس فعلًا.

واجب قانوني وأخلاقي وإنساني يُحَتّم على الأسرة الدولية وقف هذا الجنون الدموي بحق شعب سعى إلى نيل حريته فقط، ليكون له الحق في بناء نظامه الديمقراطي شأنه شأن شعوب العالم، مما يقتضي ضرورة تقديم رموز النظام ورأسه وكل من أصدر الأوامر بالقتل أو التهجير، والتجويع، والمحاصرة، والاعتقالات الجماعية، والخطف، والإخفاء القسري لمحكمة الجنايات الدولية، مستندة في ذلك إلى القوانين والأعراف الدولية، وإلى الولاية القضائية الدولية الممنوحة لها، بوصف ما يرتكبه النظام يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ووفقًا للإجراءات المتبعة في إحالة الملف على المحكمة الجنائية الدولية وفقًا لميثاق روما الأساسي، ووفقًا للبند السابع المستند إلى قرارات مجلس الأمن. يبدو هذا الفعل ضروريًا ومقبولًا ومعقولًا للعودة إلى المفهومات التي تأسست عليها مواثيق الأمم المتحدة المستندة إلى جملة من المفهومات والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، الهادفة إلى خلق بيئة مناسبة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، والرخاء لشعوب العالم. وبهذا المعنى كان قد استقر ما يعرف بمبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول، بوصفه أحد أهم روافع القانون الدولي، لتمكين الأمن والسلم على مستوى الكوكب، فالعالم أصبح قرية صغيرة.

وتؤكد الوقائع التي وثقها مراقبون دوليون تابعون لمنظمات الأمم المتحدة نفسها، وكذلك جهات حكومية معنية مستقلة؛ ارتكاب النظام السوري سلسلة طويلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. هذه الجرائم تبدأ من الاعتقال التعسفي لعشرات الآلاف من المواطنين، والإخفاء القسري لمئات الآلاف؛ ولا تنتهي باستعمال السلاح الكيماوي في الغوطة في 21/8/2013، حتى تصل إلى القتل العمد. وكذلك استعمال السلاح الكيماوي في قرية (حاس-ادلب) 2015 الذي يعد بفظاعته الجرمية أم الكبائر. وهي جريمة ارتكبها النظام بعد انضمامه إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. والمفترض أن النظام سلم المخزون من أسلحته الكيماوية في أيلول 2013، وفقًا للاتفاق الروسي الأميركي الموقع مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، مخالفًا بذلك ما تعهد به، وهذا يجعله مسؤولًا مباشرًا، ويُعدّ سببًا موجباً لإحالته على المحكمة الجنائية الدولية لخرقه بنود المعاهدة التي وقّع عليها، ومقرراتها التي لم يجف حبرها بعد؛ فضلًا عن استعماله كثيرًا من الأسلحة المحرمة ضد شعبه وفق قواعد القانون الدولي وضوابطه، وتجاوزه الخطوط الدولية الحمر كلها. علاوة على محاصرة المدن، وتجويع السكان، وقلع شعب آمن من مسكنه، ومنع دخول الإغاثة الدولية بمثل الدواء والغذاء والكساء، مّا تسبب في موت الآلاف، والدفع بهم إلى الهجرة القسرية، الأمر الذي من شأنه تدمير مدن على رؤوس قاطنيها. لكن المفارقة الكبرى لا بل الطامة الكبرى حين يغدو رفض التدخل لوقف هذه المجازر مسوغًا لإبادة شعب من الشعوب، ونعني هنا الحال السورية أنموذجًا لهذه الإبادة.

إن هذه الدراسة ربما تكون مدخلًا لفتح باب جديد، وطريقاً إلى المحكمة الجنائية الدولية، لتأخذ العدالة مجراها نحو محاكمة هؤلاء المجرمين، على الرغم من صعوبة الدرب، ووعورتها قانونيًا، والتوترات السياسية الدولية القائمة، وتأثر الإجراءات القضائية بالموقف السياسي.


 

الفصل الأول

تختص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الإبادة بمثل ما جاء في المادة الخامسة من قانون المحكمة، ونظامها الأساسي الذي تقتصر مواده على أشد الجرائم خطورة، وهي موضع اهتمام العالم بأسره.

وللمحكمة شخصية قانونية مستقلة، تتخذ من مدينة لاهاي في هولندا مقرًا لها.

الهدف من إنشائها ملاحقة مرتكبي الجرائم ومعاقبتهم، وفقًا لما نصت عليه مواد المحكمة من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة التي تشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ورسالة قانونية إلى الذين يظنون أنهم يمكن أن يفلتوا من العقاب على الرغم مما اقترفوه من جرائم.

لا خيار للسوريين الآن غير طريق القانون الدولي بهيئاته القضائية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية للجوء إليها للنظر في تلك الجرائم التي ارتكبت بحقهم من قبل النظام السوري والميليشيات التي جلبها لتكون مرتزقة.

لم يوصد الباب برأينا أمام تلك الهيئات المدنية الحقوقية والضحايا من ملاحقة المجرمين والمتهمين، وتقديمهم للعدالة عبر مؤسسات قضائية دولية. على الرغم من الفيتو الروسي المؤرخ في 22 أيار 2014 الذي اعترض على مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي يحيل الملف السوري والوضع الكارثي الإنساني إلى محكمة الجنايات الدولية بسبب ارتكاب النظام جرائم ضد الإنسانية.

ومشروعات القرارات التي صوّت عليها بالفيتو الروسي 6 مرات متتالية هي:

  1. مشروع قرار يخص هدنة حلب، صاغته نيوزلندا وإسبانيا ومصر، الفيتو الروسي-الصيني في يوم الاثنين 5/12/2016.
  2. مشروع قرار عن الوضع في حلب، صاغته فرنسا وإسبانيا، وقد قوبل بالفيتو الروسي في يوم السبت في 8/11/2016.
  3. مشروع القرار الفرنسي فيما يخص إحالة نظام الأسد لمحكمة الجنايات الدولية، قوبل بنقض روسي صيني في 22/5/2014.
  4. مشروع قرار مصوغ من قبل فرنسا وألمانيا والبرتغال وبريطانيا وأميركا، بخصوص تطبيق النقط الست لمبعوث الأمم المتحدة كوفي عنان، وقوبل بفيتو روسي صيني في 19 تموز 2012.
  5. مشروع قرار مصوغ من قبل المغرب والبحرين وكولومبيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والأردن والكويت وأميركا وتركيا، وقد قوبل بفيتو روسي صيني يوم السبت 4 شباط 2012.
  6. مشروع مصاغ من قبل فرنسا وألمانيا والبرتغال وبريطانيا، ورفض أيضًا من قبل روسيا والصين عبر حق النقض/الفيتو في 4 أكتوبر2011.

 

شروط قبول الملف وكيفية تدخل المحكمة في الملف

ما الشروط؟ وكيف تمارس المحكمة صلاحياتها، وهذا هو محور البحث.

تتدخل المحكمة في الحالات الآتية:

أولًا

الدولة طرف في المحكمة، وعضو في نظام روما الأساسي، وقبلت مسبقًا بمبادئ وقانون المحكمة الجنائية، ووقعت ميثاقها المؤرخ في أيار عام 1998، ولما كانت سورية ليست طرفًا فيها ما يجعل هذا الباب مغلقًا وغير متوفر حاليًا. ويؤكّد ذلك نص المادة 13 من قانون المحكمة الذي ينصّ على أنّ المحكمة تمارس اختصاصها إذا كانت الدولة طرفًا في نظامها الأساسي في الحالات الآتية:

  • إذا أحالت دولة طرف في المحكمة على المدعي العام، وفقًا للمادة 14 من قانونها، «حالة يبدو فيها أن جريمة ما أو أكثر ارتكبت ضدها أو الشخص المتهم أو جهة الادعاء من أحد رعاياها».
  • يجوز لدولة طرف أن تحيل على المدعي العام لدى المحكمة الفعل الجرمي مشفوعًا بمستندات مؤيدة لتحريك الدعوى والاتهام وفقًا للمادة المذكورة أعلاه، وهذا يوضح أن قانون المحكمة يسري على الدولة التي هي عضو فيها.

ولما كانت فرنسا وبريطانيا طرفين في نظام روما الأساسي، وعضوين في مجلس الأمن، فإنّه يحق لهما الطلب رسميًا من النائب العام لدى المحكمة إحالة الملف السوري إليه.

ومثال حي وواقعي ومقبول قصف قافلة الإغاثة الدولية، وقتل موظفي الأمم المتحدة الذين هم موظفون عموميون لديها، ولهم حصانة. ووفقًا للمادة الثامنة منه يعطي بريطانيا وفرنسا مسوغًا قانونيًا تستطيعان من خلاله تقديم طلب إلى النائب العام لتحريك الدعوى بحق النظام السوري. ولما كانت فرنسا عضوًا في مجلس الأمن الدولي أيضًا، ووفقًا لامتداد القانون الوطني، وبموجب الولاية القضائية الدولية الممنوحة لها دوليًا، تستطيع أن تحيل الملف السوري إلى النائب العام. وفعلًا بدأت اتصالات بهذا الخصوص مع المحكمة الجنائية لتمكين النائب العام من وضع يده على الملف عبر مؤسسة الأمم المتحدة والبت بالملف المحال إليه قانونًا عبرها بوصفها دولة عضوًا في مجلس الأمن، وعضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، بشرط أن تحول عبر الأمين العام للأمم المتحدة. وثمة حالات ووقائع بمثل الجرائم المرتكبة في حافلات أو سفن أو طائرات، أو دولة وقع عليها اعتداء أو سلوك مخالف للقانون الدولي. ولما كانت عائدية هذه القافلة لمنظمة من منظمات الأمم المتحدة، وطاقمها، وأفرادها أيضًا تابعين لهيئة الأمم المتحدة، ففي هذه الحالة تدخل ضمن هذا البند المشار إليه أي دولة طرف في المحكمة وعضو في مجلس الأمن أي بحكم الدولة العضو في المحكمة الجنائية وما يمنحها هذا الأمر من قدرة على التحرك قانونيًا ضد جريمة قصف قافلة الإغاثة الأممية.

ثانيًا

  • دور مجلس الأمن الدولي

لمجلس الأمن صلاحيات تحت البند السابع بإحالة انتهاكات الدولة المارقة جميعها على المحكمة الجنائية الدولية وفقًا لبند القوة «الفصل السابع»، وهذا ما نصت عليه المادة 40 من النظام الأساسي للمحكمة، وهذه الحالة الآن معطلة بسبب الفيتو الروسي. وهنا فحسب يمكن أن تحل الجمعية العمومية محل مجلس الأمن -حسب مبدأ الحلول- وللأسف القرارات غير ملزمة حاليًا بمثل مشروع القرار الكندي المقدم للجمعية العمومية.

ثالثًا: النائب العام في المحكمة «المكتب التمهيدي»

هو طريق يفرض إذا توافرت الإرادة السياسية الدولية، وبموجب المادة 13 من نظام المحكمة يضع النائب العام يده على الملف:

– إذا كان المدعي العام مباشرة قام بالبدء بإجراءات التحقيق في ما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفق المادة 15 التي تنص على ما يأتي: «يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة عند تطابق الأفعال المرتكبة المقدمة إليه مع نصوص القانون المجرّم لها وثبوت الأدلة».

السؤال الذي يطرح الآن ما هي الخيارات؟ وهل لدى السوريين بدائل ممكنة سوى طريق المحكمة الجنائية ذاتها؟ وهل هذا ممكن؟ هل ثمة بدائل أخرى سوى طريق النائب العام لدى المحكمة الجنائية؟ هذه الدراسة تطرح هذا الخيار من خلال:

  • طريق الدولة العضو والطرف في نظام روما الأساسي مغلق لكون سورية ليست طرفًا في هذه المحكمة.
  • طريق مجلس الأمن مغلق أيضًا بسبب الفيتو الروسي «حق النقض».

لذلك فإن الخيار المتوافر للسوريين لعرض جرائم النظام أمام المحكمة الجنائية الدولية حاليًا هو ما جاء في قرار 377 لعام 1950، أو ما يعرف بـ «الاتحاد من أجل السلام».

هذا الخيار طرحه بعض الخبراء في القانون الدولي. ولكن هل هذا الطريق سالك قانونيًا؟ نحن المحامين نراه حلًا وطريقًا قانونيًا سالكًا، ويمكن اللجوء إليه، ولقد استعمل هذا القرار سابقًا، ونفذ ضد كوريا الشمالية (الحرب الكورية) بعد أن هددت كوريا الشمالية الأمن والسلم الدوليين، وعجز مجلس الأمن عن القيام باتخاذ أي إجراء ضد كوريا، والقيام بمسؤوليته نتيجة استخدام الفيتو من قبل الاتحاد السوفياتي آنذاك، والوقوف ضد كل القرارات التي طالت كوريا الشمالية من قبل مجلس الأمن آنذاك، وهي حال قريبة من الوضع السوري الآن، ولذلك لجأ العالم إلى هذا القرار للحد من استخدام حق الفيتو بغير وجه حق وتعطيل صدور قرارات من مجلس الأمن في حالات مماثلة.

 

هل يمكن تفعيل القرار 377 لعام 1950 وما آلية عمله؟

بعد فشل مجلس الأمن في التوصل إلى صيغ مقبولة قانونيًا بين أعضائه لوضع حد للمأساة السورية إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، وتقديم المجرمين إلى العدالة، وإحالة ملف الانتهاكات على المحكمة الجنائية الدولية، واستعمال الروس حق النقض (الفيتو) في مواجهة المشروع الفرنسي الأخير الذي أيدته تسع دول أعضاء في مجلس الأمن في مقابل رفض روسيا مع الفيتو، وفنزويلا، وامتناع أربع دول عن التصويت، بعد ذلك كله هل يُمكن إيجاد حلول مقبولة للوضع السوري؟

فهذا القرار 377 عبر آلية العمل به يتم من خلاله نقل المشروع الفرنسي الأخير من مجلس الأمن إلى الجمعية العمومية التي تحل محله بالتوافق مع الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك عندما يتبناه ثلثا الدول الأعضاء في الجمعية العمومية. والآن ثمة مشروع كندي لطرحه على الجمعية العمومية تجنبًا للفيتو الروسي في مجلس الأمن من قبل سبع دول أعضاء في مجلس الأمن حاليًا من مجموع ثلثي الأعضاء في الجمعية العمومية، وهنا أي دولة بما فيها روسيا تشارك بالاقتراع بالجمعية العمومية، بوصفها ناخبًا عاديًا مماثلًا لباقي أعضاء الجمعية العمومية، مع 7 دول أعضاء في مجلس الأمن من مجموع الثلثين للدول التي تشارك في الاقتراع، البالغ عددهم 193 دولة.

ولقد نص القرار 377 على ما يأتي: «تقرر أنه في حال فشل مجلس الأمن بسبب فقدان إجماع الأعضاء الخمسة الدائمين في ممارسة مسؤوليته الرئيسية في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. أو في كل حالة يظهر فيها تهديد للأمن والسلم أو خرق له أو أي عمل عدائي فإن الجمعية العمومية تنظر في الموضوع فورًا بعد اتخاذ التوصيات المناسبة ومن أجل صون السلم والأمن الدوليين وإعادة الأمور إلى نصابها وذلك عبر الدعوة إلى جلسة عادية للجمعية العمومية أو طارئة» بحسب ما جاء في تصريح السفيرة الأميركية في مجلس الأمن سامنثا باور.

وربما كان الوضع السوري مطابقًا ومشابهًا تمامًا إذا أخدنا القياس عرفًا، وبمبدأ العدل، وكيفية إحلال الجمعية العمومية محل مجلس الأمن في اتخاذ قرارات مصيرية كهذه لدولة ما.

فإذا انعقد اجتماع الجمعية العمومية في أثناء دورتها العادية، وفي حال لم يكتمل النصاب، تدعو إلى جلسة طارئة خلال 24 ساعة لهذه الغاية ثم تتخذ الجمعية العمومية قراراتها بأغلبية ثلثي أعضائها. وهذا القرار المصوت عليه تتبناه سبع دول أعضاء حاليين في مجلس الأمن، وهي الدول التي أيدت المشروع الكندي المقدم إلى الجمعية العمومية، وهي فرنسا وبريطانيا وكندا وإسبانيا وأميركا ونيوزلندا ومصر.

وأظن أنه أصبح واضحًا كيف نتلافى الاصطدام بالفيتو الروسي.

كيف تتم حالة تحريك الدعوى عبر النائب العام أمام المحكمة؟ وكيف تنظم العلاقة بين المحكمة وهيئة الأمم المتحدة؟ هذه الإجراءات المعقدة تتم عبر آليات ومن خلالها تتم إحالة الملف للنظر فيه على النائب العام، بوصفه بوابة المحكمة الجنائية الدولية، وجزءًا مكملًا لها، وذلك لمحاكمة الأفراد والأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في إطار القانون الدولي، ومساءلتهم من جهة. ولما كانت الولاية القضائية الدولية متوافرة في الأفعال الجرمية المرتكبة من جهة أخرى، وذلك بسلوك النظام المتمثل في قصف المدنيين، والقصف الجوي على سيارات الإغاثة الإنسانية، والمستشفيات والمدارس. ولما كانت هذه الأهداف الإنسانية أهدافًا أممية لها حصانة دولية إنسانية وقضائية ودبلوماسية، والتعدي عليها يعد خرقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وللأعراف الدولية، ولقرارات المحكمة ذات الصلة.

 

صلاحيات النائب العام

بموجب الصلاحيات الممنوحة للنائب العام يستطيع إخضاع هذه الأفعال للتحقيق، وعدها جرائم ترقى إلى جرائم حرب أو يعلن عدم اختصاصه وحفظ الملف.

ويتصرف بموجب الصلاحيات الممنوحة له وبمبادرة منه ويكون الفعل الجرمي أحيل له عبر الجهة المعتدى عليها وهي الأمم المتحدة ممثلة بهيئاتها ذات الصلة بالواقعة المراد التحقيق بها، وإثبات صحة الدعوى، وما نُسب إلى المتهمين بارتكابها.

وتستطيع دول من مثل فرنسا وبريطانيا أيضاً بوصفهما دولتين عضوين في مجلس الأمن، وعبر الأمين العام، إحالة الملف على النائب العام، وبطلب منه شخصيًا بوصفه ممثلًا لأعلى هيئة دولية في العالم.

ثمة وقائع تاريخية ومعاصرة أيضًا، ومن الأمثلة على ذلك تدخل الأمم المتحدة لمحاكمة قراصنة قاموا بخطف سفن أو طائرات؛ ويحاكمون وفق القوانين الدولية والقوانين الوطنية للدولة المعتدى عليها، أي صلاحيتها ذات مرجعية وطنية أممية خاصة بتلك الأفعال.

السؤال: لماذا لا تُقاس الحال السورية على هذه الحال فرضًا بوصف سيارات الإغاثة التي قصفت في أورم الكبرى في حلب عائدة للأمم المتحدة، ومن ثم قصفها تعدٍّ واضح على منظمات إنسانية عائدة للأمم المتحدة، ويُعد جريمة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. حيث يعد هذا الاعتداء واقعًا على المنظمات الدولية، وهي مسألة جوهرية شاملة يطالها القانون الدولي والوطني. فدولة بمثل فرنسا معتدى عليها بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، ولتبعية الجهة المعتدى عليها بحكم التبعية قانونًا، «بحسب نظرية التابع والمتبوع». ولما كانت غاية المشرع الدولي من إنشاء هذه المحكمة هي حماية حياة الإنسان وحريته وكرامته، أي محاكمة مجرمي الحرب «القتل العمد والاعتداء على الممتلكات وجرائم ضد الإنسانية التي منها جرائم قلع الناس من أماكن سكناهم وحرمان المدنيين من العيش الكريم، وقطع الإمداد الغذائي والطبي عنهم». كما يحدث حاليًا في حلب.

وبما أن القصف الروسي وقصف النظام الجوي لمدينة حلب تمّ وصفه من قبل ممثل الأمين العام للشؤون الإنسانية ستيف أوبراين والمسؤولين الأوروبيين بأنه عمل يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولوح هؤلاء المسؤولون بإحالة الملف على المحكمة الجنائية الدولية. وما جرى من أعمال وحشية تشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين هي جرائم حرب بحسب وصف جون كيري، وربما تهدف روسيا من هذه الأعمال كما هو واضح إلى التمسك برأس النظام السوري والمحافظة عليه، وهذا يُشكل تحديًا للعالم المتمدن؛ وعد هؤلاء المسؤولون الأوروبيون أيضًا روسيا دولة مارقة معزولة في نظر المجتمع الدولي، ومرتكبة لجرائم الحرب.

 

لماذا يعد طريق النائب العام ممكنًا؟

نرى أن هذه الجرائم هي جرائم عدوانية داخلة في اختصاص المحكمة الدولية، كونها تعد من جرائم الحرب، ولكي نتجنب الفيتو الروسي نرى:

أن مكتب المدعي العام للمحكمة بحكم وظيفته مخول بأن يضع يده على بعض الجرائم المرتكبة في سورية، لوجود أدلة كافية لعدها جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب.

وبما أن الادعاء العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، يضع يده بمبادرة منه على الملف، بعد التأكد من أدلته، ووثائقه، ومدى صحتها، وأن الفعل الجرمي قد ارتكب حقًا، والشخص المتهم معروف ومعلوم من قبله، وهذا الملف مشفوع من دولة عضو في المحكمة -فرنسا أو بريطانيا- بشرط أن يطالها الفعل الجرمي حقيقة. وبموجب الولاية القضائية الدولية، وكذلك ممثل السيد بان كي مون، حمّلوا جميعًا النظام السوري مسؤولية القصف الجوي على قافلة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، وأن أفراد النظام السوري وعناصره وضباطه مسؤولون عن تلك الجريمة، وآثارها الفظيعة الواقعة على المدنيين والنساء والأطفال والشيوخ، وقد تم ذكر أسماء هؤلاء المجرمين «اللواء جميل حسن، و13 ضابطًا معروفة أسماؤهم» وهي قرائن دامغة لا تقبل الشك. وبموجبها يستطيع المدعي العام أن يجري تحقيقًا في الجرائم التي يزعم أنها ارتكبت في سورية عبر الأمين العام للأمم المتحدة أو بعض أعضائها الذين هم أعضاء في المحكمة الجنائية، حيث يتقدمون بوثائق وأدلة وقرائن، ويُطلب من النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في تلك الجرائم، وإثبات صحتها.

والخلاصة: إن التحقيق ممكن من الناحية العملية، إذا كانت هناك إرادة لدى بعض الدول المتضررة فعليًا، وآثار الجريمة قد طالتها بوصفها دولة أو عبر المنظمات أو الهيئات والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة التي وقع عليها الضرر، بمثل عناصر الصليب الأحمر الذين قتلوا في الغارة الجوية في أورم الكبرى–حلب.

 

كيف يتلقى المدعي العام المعلومات والوثائق؟

تتعهد الأمم المتحدة بتقديم المعلومات إلى المدعي العام لاستكمال تحقيقاته، وتكوين نظرة أولية عن الملف لقبوله شكلًا.

ويكون ذلك بموجب الاتفاق التفاوضي بين الأمم المتحدة والمحكمة بالتعاون مع المدعي العام الذي يتولى مهمتي التحقيق والاتهام أمام المحكمة، وهي تتفق معه بما يلزم من ترتيبات أو اتفاقات بحسب الاقتضاء، لتسهيل هذا التعاون، ولا سيما عندما يمارس واجباته وسلطاته بوصفه نائبًا عامًّا لإجراء كافة التحقيقات اللازمة والضرورية كافة.

إن الأمم المتحدة تتعهد بالتعاون مع المدعي العام، حيث تُقدّم له معلومات إضافية من هيئاتها وفقًا للفقرة 2 من المادة 15 من النظام الأساسي للمحكمة، أي يقوم المدعي العام بالبدء بالتحقيقات التي يباشر بها من تلقاء نفسه، وبتحليل جدية المعلومات التي وصلته من هيئات الأمم المتحدة، وصدقيتها.

وهنا يجب على المدعي العام توجيه طلب للحصول على تلك المعلومات إلى الأمين العام، ثم يحيل بدوره الطلب إلى رئيس الهيئة المعنية، بمثل تحويل المسألة الإنسانية المتعلقة بالإغاثة إلى نائبه ستيف أوبراين، ليقوم بتلك المهمة، وعد تقاريره صادقة وحقيقية، وقد قام السيد أوبراين فعلًا بعرضها وتقديمها إلى مجلس الأمن، وكذلك شأن تقارير هذه الهيئات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، بوصفها قطعية، ويوثق أدلته وقرائنه بحسب ما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية.

تتفق الأمم المتحدة والنائب العام على تقديم الوثائق والمعلومات والمستندات المطلوبة إليه بطريق قنوات خاصة، بشرط المحافظة على سريتها، ولغرض محدد، هو استقاء أدلة جديدة خاصة به.

 

الإجراءات التي اتبعتها الأمم المتحدة بعد استهداف قافلة الإغاثة

لمعرفة الجهة المسؤولة عن هذا الاعتداء، والتحقق من أنّ قصفًا جويًا طال هذه القافلة، وقتل عناصر من الصليب الأحمر، وأن الذي يملك الطيران طبعًا هم الروس والنظام، ولأنها جرائم مرتكبة ضد موظفي الأمم المتحدة، وعائدية تلك القوافل لها وفقًا للمادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة التي تنص «إن محكمة الجنايات الدولية تختص في الجرائم المذكورة في حال ارتكابها ضد العاملين في المهام الإنسانية أو حفظ السلام واعتبارها جرائم حرب واعتداء على هيئة الأمم المتحدة نفسها».

لما كان مجلس الأمن هو صاحب المسؤولية الرئيسية في المحافظة على السلم والأمن الدوليين، وهذا ما دعا إليه بان كي مون بتاريخ 20/9/2016 بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ووصف ما يجري في حلب بالمذابح، وأن الانتهاكات التي يرتكبها النظام في سورية كلها تشكل تهديدًا للسلام والأمن الدوليين.

وثمة أمثلة على ذلك، وكان للأمم المتحدة دور فيها، أبرزها النزاع في البوسنة والهرسك الذي تصدى له مجلس الأمن، وحاكم مجرمي الحرب بحسب الفصل السابع من ميثاقها، وتمت معاقبة مرتكبي الجرائم وفق مبدأ (العدالة الناقصة أفضل من اللا عدالة)، بعد أن تم إثبات الأدلة من قبل لجان خاصة، تلاه مباشرة إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات في البوسنة والهرسك.

 

ما الخطوات والإجراءات المتبعة في رفع الشكوى؟

ترفع الشكوى من قبل أي دولة عبر مرجعية الأمم المتحدة التي لديها سلطة في تعيين مراقب، وهذا المراقب لديه صلاحيات لفرض الالتزامات الدولية بموجب الولاية القضائية الدولية للجهة المخالفة للقانون، والمهددة للسلم والأمن الدوليين. وفعلًا تشكلت لجان دولية بخصوص المسألة السورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص، تدرس مسألة انتهاكات حقوق الإنسان، وتحدد الأشخاص المسؤولين عن هذه الأفعال التي ترقى إلى جرائم حرب، وهذه اللجنة هي واحدة من لجان خاصة لجمع المعلومات والأدلة والقرائن، وتقديمها إلى النائب العام.

 

أمثلة

أولًا- لجان عدة شكلت لهذه الغاية، وقدمت تقاريرها

أ- تقرير أوبراين ممثل الأمين العام للشؤون الإنسانية، وقد حدد هذا التقرير هوية الجهة المهاجمة لسيارات الإغاثة بالقصف جوي، وهي جريمة حرب، وكذلك تقرير منظمة الصحة العالمية.

ب- تقرير اللجنة الخاصة بالهجمات الكيماوية في حلب وإدلب، وتبينت هذه اللجنة أن النظام السوري انتهك بنود معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي أبرمها مع المنظمة الدولية لمكافحة الأسلحة الكيماوية، وخلصت اللجنة إلى أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في حلب وإدلب، ويتعين على المجتمع الدولي إيجاد آلية تحقيق مشتركة بين مجلس الأمن ومنظمة حظر السلاح الكيماوي، للمحافظة على قوة القانون الدولي، وشرعيته في مواجهة الاستخدامات المؤكدة للأسلحة الكيماوية من قبل دولة طرف في ذلك الاتفاق، وسورية عضو في هذا الاتفاق.

لقد استُخدم السلاح الكيماوي في سورية ثلاث مرات بين عامي 2014 و2015، وهذا ما صرح به مسؤولون في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وتم توثيق ذلك بأدلة قاطعة لا تقبل الشك.

ج- نائب الأمين العام للأمم المتحدّة أفاد في بيان بأنه «سوف نتخذ قرارًا ضد الهجمات البربرية، وهي رسالة همجية قام بها النظام السوري، أدت إلى مقتل 13 فردًا عاملًا في الهلال الأحمر، وعدم سماح النظام السوري للأمم المتحدة بإدخال مساعدات الإغاثة إلى المحاصرين في حلب».

د- تقارير لجان حقوق الإنسان التي وثقت الانتهاكات الخطيرة من قتل وتعذيب وخطف وإخفاء قسري وتهجير وتغيير ديمغرافي في تركيبة وتكوين الشعب السوري، بمثل ما حدث في داريا ومناطق عدة أخرى في دمشق وحمص والقصير.

وهذه كلها أدلة ووثائق يقينية ترفق مع الشكوى إلى النائب العام، لتحريك الدعوى بعد الحصول عليها من مكاتب الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، وثمة أمثلة على التدخل الدولي في حال مشابهة في رواندا، وهي دولة ذات سيادة، حدثت فيها انتهاكات خطرة، وصدرت بشأنها توصيات دولية -لم تكن ملزمة- بحق أفراد مارسوا انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية، لكن يد العدالة الدولية قد طالتهم.

ولما كنا بوصفنا منظمات حقوقية سورية وأجنبية نعرف الخطوات المتبعة في إقامة الدعوى في مواجهة نظام مارق خارج السياق الدولي، فإنه يجب على هيئة الائتلاف السوري تبنّي جهة الادعاء بصفة جهة مدعية رسمية تمثل المعارضة، ويحق لها تقديم الادعاء إلى الجمعية العمومية التي أقرت بأن الائتلاف هيئة معترف بها، ما يجعل من الائتلاف جاهزًا لتقديم الشكوى، كونه جهة متضررة من تلك الجرائم، وممثلًا للضحايا بميثاق الشرف الموثق مع الأمم المتحدة، والمتعلق بإحالة ملفات الجرائم المرتكبة في سورية على المحكمة الجنائية الدولية لوقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هـ- قافلة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في حلب بموجب الولاية القضائية الدولية بمثل ما سنشرحه بالتفصيل في اعتماد القرار 377 لعام 1950.

و- استخدام سلاح كيماوي ضد المدنيين في سورية ثلاث مرات، وفي أمكنة مختلفات بعد توقيع اتفاق نزع السلاح الكيماوي مع النظام السوري.

ز- العمل في إطار منظمة حظر الأسلحة الكيماوية كون النظام السوري قد وقّع تلك المعاهدة، وانضم إليها في عام 2013، وارتكب تلك الجرائم،فاستعمل السلاح الكيماوي بعد التوقيع والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، ما يجعله مسؤولًا مباشرًا عن هذا الجرم.

 

موضوع الشكوى 

يجب أن تستند الشكوى إلى توضيح الانتهاكات التي تشكل الركن المادي للجرم.

1- انتهاك مبدأ السلم والأمن الدوليين، وارتكاب جرائم بحق المدنيين السوريين، وكان ضحاياها من قتلى وجرحى ومعتقلين ومهجرين بالملايين -مع ذكر بعض التفاصيل- وهذه تشكل جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتدخل ضمن اختصاص المحكمة وفقًا للمادة 5 من نظامها، «وتشمل وسائل التعذيب والخطف والاعتقال والإخفاء القسري». كذلك ذكر موجز عن الجرائم وفقًا للمادتين 7و8 من النظام الأساسي للمحكمة، وهي جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية. والاستناد إلى تقارير المنظمات الدولية التي وثقت هذه الجرائم لأنها تعد أدلة صادرة عن مراقبين دوليين، وتتبناها الأمم المتحدة بوصفها أدلة ووثائق رسمية، وكذلك منظمات حقوقية سورية وهيئات المجتمع المدني تقوم بدورها بالتوثيق، وتقديم هذه الأدلة في ملف إلى النائب العام الذي يحيلها بدوره بعد التدقيق بها على المحكمة الجنائية الدولية بطريق الأمين العام للأمم المتحدة، بحسب ما نصت عليه قوانينها الصادرة في هذا الخصوص، ويُمكن إرفاقها بالطلب.

والمثال على ذلك، القرارات الدولية 2118، 2254، 2168، 2165 المتعلقة بالنزاع السوري التي يجب الاستناد إليها كونها قرارات صادرة عن الأمم المتحدة.

لما كانت الأمم المتحدة غير عاجزة عن إحالة الملف إلى الجهة المختصة، بوصفها تمثل القيم الإنسانية العليا للعالم المتمدن، ولكونها أعلى هيئة دولية معنية بالأمن والسلم العالميين.

وأيضا تستطيع تقديم تلك الوثائق والأدلة إلى النائب العام على سبيل المثال لا الحصر تقرير أوبراين، وكذلك تقرير المكتب الطبي في دوما الذي وثق مجزرة الكيماوي في الغوطة بتاريخ 21/8/2013، مجزرة كان ضحاياها 1500 شخص، وظهرت هذه الجريمة الموثقة إلى العالم بتقارير طبية أيدتها تقارير لجان الأمم المتحدة في ما يتعلق بهجوم كيماوي على مدرسة ابتدائية في قرية حاس في إدلب.

يضاف إليها تقرير منظمة الصحة العالمية بخصوص انتهاكات النظام بقصف المشافي وحرمان المدنيين من الرعاية الصحية، وتقارير هيومان رايتس واتش حول الانتهاكات في سورية، وتقارير منظمات الإغاثة.

 

طريق الجمعية العمومية أو مبدأ الحلول

بعد استعمال روسيا والصين حق النقض الفيتو لتعطيل أي قرار يدين أو يحرك الدعوى ضد الجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري -آخرها مشروع القرار عن هدنة في حلب مصاغ من قبل نيوزلندا وكندا ومصر وإسبانيا الذي اعترضت عليه روسيا والصين نقضًا- تستطيع دولة مثل فرنسا أو كندا أو نيوزلندا أن تتقدم بمشروع حول وقف القصف على المدنيين، مماثل لذاك الذي رفضته روسيا عبر الفيتو، حيث تدعو سبع دول إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، كي تقدم مشروعها الذي رفضته روسيا عبر الفيتو، ويصوت الآن على القرار الكندي 21/9/2016، وكذلك موضوع الهدنة في مناطق حلب الشرقية.

 

كيف تعقد الجمعية العمومية اجتماعها الدوري أو الاستثنائي؟

تنعقد الجمعية العمومية للأمم المتحدة:

1- بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة عن طريق سبع دول أعضاء في مجلس الأمن في حال إخفاق الأخير في اتخاذ قرار أو تعطّل بسبب الفيتو. علمًا بأن قراراتها غير ملزمة.

2- في حال عدم توافر إجماع بين أعضاء مجلس الأمن وعددهم 15 نلجأ إلى الجمعية العمومية.

3- في حال استحالة تحقيق العدالة الدولية بطريق مجلس الأمن بسبب الفيتو تحل الجمعية العمومية محل مجلس الأمن لتحقيق سير العدالة الدولية، وتصدر قرارات نيابة عن مجلس الأمن، تلك القرارات تتمتع بصفة الإلزام، وتتيح استخدام القوة ضد الدولة المعنية إذا دعمها الفعل السياسي الصادق.

بعد فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار حول المشروع الفرنسي ومشروع القرار النيوزلندي المصري الإسباني، يمكن للائتلاف والدول الصديقة للشعب السوري، ومنها فرنسا وبريطانيا وكندا وإسبانيا ونيوزلندا نقل مشروع القرار من مجلس الأمن إلى الجمعية العمومية عندما يتعطل بسبب الفيتو، والدعوة إلى جلسة طارئة مستندين إلى قرار سابق للجمعية العمومية، وهو القرار 377 لعام 1950 بعنوان الاتحاد من أجل السلام الذي صدر بحق كوريا الشمالية.

وبموجبه يمكن لثلثي أعضاء الجمعية العمومية التصويت، بحيث يكون القرار ملزمًا، وهذا في حال عد الأمن والسلم الدوليين مهددين، وهذا في حال صدور قرار يعد الأمن والسلم العالميين مهددين بخطر محدق. اتخذ القرار في مواجهة كوريا الشمالية على الرغم من الفيتو السوفياتي آنذاك.

في العودة إلى قرار الاتحاد من أجل السلام، يلاحظ أنه صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1950 بناء على طلب أميركي، ومنح الجمعية العامة للأمم المتحدة حق الحلول محل مجلس الأمن إذا لم يتمكن الأخير من التصدي لمسؤوليته الأخلاقية، بسبب استخدام أحد أعضائه حق النقض الفيتو من دون وجه حق، وبموجبه يحال الموضوع إلى المحكمة الجنائية لتمارس دورها من دون إذن أو تفويض من مجلس الأمن، وبذلك لا يغلق باب صلاحيات المحكمة القضائية بوجه مشروع  أي قرار جديد، ما يمهد الطريق إلى محاكمة مرتكبي جرائم الحرب، بتفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذا يعني قدرة المحكمة الجنائية على ممارسة صلاحياتها في الحال المعروضة عليها أصولًا.

 

كيف تضع المحكمة يدها على الملف؟

– بعد صدور قرار الجمعية العمومية بثلثي أعضائها بإحالة الملف على المحكمة الجنائية الدولية بطريق المكتب التمهيدي للمدعي العام، وفقًا للمادة 13 من قانون المحكمة الأساسي، لكي تباشر إجراءاتها التحقيقية والقانونية، وتهيئة ملف الاتهام للمحكمة مشفوعًا بالوثائق والأدلة.

 

كيفية تحريك الدعوة العامة بحق الأفراد والجماعات من مرتكبي تلك الجرائم

تضع المحكمة يدها مستندة إلى الحالات التي جاء ذكرها في نظامها الأساسي:

  • إذا لجأت دولة طرف إلى المدعي العام وفق المادة 14 من النظام الأساسي لقانون المحكمة، وتنص على أن جريمة ما أو حالة يبدو فيها أن جريمة قد ارتكبت هنا، تستطيع دول مثل أميركا إسبانيا فرنسا القيام بهذا الإجراء لأنها دولة عضو في المحكمة، وحدث اعتداء عليها بوصفها قافلة إغاثة أممية، وتحمل شعار الصليب الأحمر الدولي، وهي معنية بهذا الاعتداء ومتضررة كجهة معتدى عليها، وعضو في مجلس الأمن، لهذا كله تستطيع أن تحرك الدعوى لوقوع ضرر خاص وعام عليها.

 

 لماذا نستعين بدول من مثل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وأميركا لتحريك الدعوى العامة؟

كونها دولة عضو في المحكمة، وتستطيع تحريك الدعوى أمام النائب العام، فسورية ليست طرفًا في المحكمة بحسب نظام روما الأساسي، هذا يجعلنا نلجأ إليها بصفة الطرف المتضرر وصاحب المصلحة في تحريك الدعوى، أي يكون من المحال الطلب إلى النائب العام أن يحرك الدعوى العامة بحق الأفراد عبر دولة ليست طرفًا في هذه المحكمة.

إذا أحال مجلس الأمن متصرفًا بموجب الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة حالة ما إلى المدعي العام، يبدو فيها أن جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب قد ارتكبت، وهذا الباب مغلق أيضًا بسبب الفيتو الروسي المؤرخ في 27/9/2016 ضد مشروع القرار الفرنسي، وضد مشروع قرار مصاغ من قبل نيوزلندا وإسبانيا مؤرخ في 5/12/2016 أيضًا.

لا شك في أن ضمان الادعاء الأولي أمام المحكمة الجنائية الدولية يتطلب إحالة ملف الفعل الجرمي إلى المدعي العام، لقبول الطلب شكلًا وفق المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة، وهنا يحق لدول بمثل فرنسا أو بريطانيا أو إسبانيا إحالة الملف بموجب الولاية القضائية الدولية، والولاية الوطنية، وكونها جهات متضررة من الأفعال والجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري ورجالاته.

وتعد قافلة الإغاثة الأممية في حلب نموذجًا، وهجمات السلاح الكيماوي، وتقرير منظمة الصحة العالمية، وتقارير منظمات حقوق الإنسان.

يقدم الملف إلى المدعي العام بمكتبه الخاص الذي يحرك الدعوى العامة بحق الأشخاص المتهمين، ويتلقى الشكاوى جميعها، ويكون المسؤول الأول عن قبول الحالات التي يراها تشكل جرائم تدخل ضمن اختصاصه أو اختصاص المحكمة، وهو يعمل بصفة مستقلة كونه بوابة الأعمال الإجرائية والتحقيقية وتحضير الملف للمحكمة أصولًا.

 

الفصل الثاني

في الوقائع

اجتماع مجلس حقوق الإنسان المنعقد في جنيف بتاريخ 21/10/2016 -جلسة خاصة- وهو مجلس تابع للأمم المتحدة، وأعلى هيئة رسمية لحقوق الإنسان في منظومة الأمم المتحدة، وقد ناقش المجتمعون فيها مشروع قرار تقدمت به بريطانيا مع حلفاء غربيين وعرب، تعبيرًا عن استياء تلك الدول من تزايد الضحايا المدنيين نتيجة الغارات الجوية الروسية والسورية في حلب، وقد تبنى المجلس توصياته. وهذا المجلس مؤلف من 47 دولة، ويصدر قراراته بالأكثرية، والقرار الأخير كانت نتائجه على الشكل الآتي: موافقة 24 دولة و7 دول ضد منها روسيا والصين و16 دولة امتنعت عن التصويت.

طلب المجلس من لجنة التحقيقات الدولية التابعة للأمم المتحدة فتح تحقيق شامل وخاص ومستقل في الأحداث التي تجري في، وفي عموم سورية، وكان من المفترض أن يكون مدخلًا لإحالة الملف السوري على المحكمة الجنائية.

تبنى المجلس قراراً بفتح تحقيق بحادثة الهجوم الكيماوي على قرية حاس في ريف إدلب بواسطة طائرات هيلوكبتر، وكذلك قصف المستشفيات والمدارس الذي وثقته تقارير أممية لها صدقية بوصفه حالة إنسانية تستوجب التدخل الفوري.

رصد ذلك كله بطريق هيئات ذات صدقية وموثوقة وتقاريرها لها قوة إثبات تحمل النظام مسؤولية الانتهاكات المرتكبة من قصف جوي على قافلة المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في أورم الكبرى في ريف حلب هي أساس ارتكاز تبنى عليه القضية، ويصلح أساسًا لتحريك الدعوى العامة.

صحيح أن هذه القرارات غير ملزمة قانونيًا، وتقتصر على توصيات مقدمة للجمعية العمومية ومجلس الأمن علمًا أخلاقيًا يتناقض مع حقيقة أن حقوق الإنسان هي قواعد ثابتة ومستقرة، نرجو أن لا تحول الرؤى السياسية دون تنفيذ تلك القرارات والتوصيات، وإفراغها من مضمونها، وطغيان السياسة على المعايير القانونية والأخلاقية.

مثال: هذه الواقعة «أورم الكبرى في، حلب» حيث تعرضت 31 شاحنة لقصف جوي متعمّد بتاريخ 19/9/2016 في أثناء قيامها بتسليم الدعم، المنفذ الوحيد للعيش والحياة، وعلى إثرها قرر الأمين العام بان كي مون وأمام مجلس الأمن في التاريخ ذاته تشكيل لجنة تحقيق دولية للبحث عن الحقائق لهذه الحادثة ثم تقديم تقرير هذه اللجنة الدولية إلى الأمم المتحد،ة والطلب من الأطراف كلها التعاون مع هذه اللجنة للوصول إلى أدلة تصل إلى حد اليقين عن الجهة مرتكبة هذه الجريمة البشعة. ويمكن في هذه الحال بعد انتهاء التقرير الذي سوف يصدر عن اللجنة، وبإمكان إحدى دول مجلس الأمن إحالة التقرير الذي أعدته اللجنة إلى النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية بموجب الولاية القضائية الدولية أمميًا من جهة، ولكون تلك الدول أطرافًا في المحكمة ومتضررين من الفعل المرتكب من جهة أخرى، ولكون فعل الاعتداء قد ارتكب ضد سيارات الإغاثة بموجب عائديتها للأمم المتحدة التي هي شخصية مؤثرة وقانونية مرتبطة بالأمين العام، وهو بذلك يعد تهديدًا واضحًا للأمن والسلم العالميين.

بالعودة إلى حديث المسؤول الدبلوماسي السياسي في الحكومة الفرنسية الذي طالب بمحاسبة الدول المتورطة في هذه الجريمة، وعد محاصرة المدن، وتدمير البنى التحتية جرائم حرب وترقى لها. وحيث إن أركان الفعل الجرمي متوفرة في حادثة قصف قافلة الإغاثة المذكورة، ما يوجب على المؤسسة القضائية الدولية المختصة ملاحقة المجرمين الفاعلين والمحرضين، وكل جهة تثبت علاقتها بتلك الجريمة النكراء.

وعلينا الإقرار بأنه في الأزمة السورية تعرضت منظمات ومكاتب تابعة للأمم المتحدة في سورية لانتهاكات وصلت حتى القصف، وحدثت أيضًا مواقف مخجلة ومذلة، منها سرقة المواد الطبية والمساعدات الإنسانية، بحسب ما جاء في تقرير البروفيسورة سبارو، وتسخيرها لصالح جيش النظام السوري، المثال والدليل على ذلك «واقعة بنك الدم».


دور المنظمات الحقوقية والهيئات السورية المعنية بحقوق الإنسان

من المفترض أن تكون لدى هذه المنظمات تقارير وأدلة على الانتهاكات، وينبغي عليها تقديم المعلومات والوثائق والأدلة للمدعي العام عن طريق الأمين العام أو الهيئات التابعة له، مشفوعة بوقائع على ارتكاب الفاعل-الجاني الجرائم المنسوبة إليه.

ولما كان النظام السوري ومن يعاونه كأفراد وهيئات وعناصر وميليشيات إيرانية – لبنانية – أفغانية – عراقية – أو روسية؛ ارتكبت هذه الجرائم، فمن المفروض إحالته على المحكمة الجنائية الدولية «نظام روما الأساسي» بوصف المذكورين جهة متهمة فعلًا بارتكاب تلك الجرائم المنصوص عليها في المادتين 7 و8 من نظام المحكمة الأساسي.

وهذه الأدلة والمعلومات والوثائق والقرائن تسلم إلى النائب العام بطريق دولة صديقة متضررة، ولها صفة ومصلحة بمثل فرنسا أو بريطانيا أو كندا أو أي هيئة أو مؤسسة أو منظمة دولية ممثلة بالأمين العام للأمم المتحدة، وترتبط بأحد مكاتبه.

يقوم النائب العام بالتدقيق والتمحيص بهذه الوقائع، وإذا احتاج إلى معلومات إضافية يطلب توضيحًا من هيئات الأمم المتحدة بطريق الأمين العام نفسه.

 

كيف تثبت تلك الوقائع؟

تقدم الإثباتات للمدعي العام بصورة أدلة يقينية، وتقارير صادرة عن جهات مخولة وظيفيًا ومهنيًا، ومكلفة قانونًا. وتُؤكّد أن هذه الجرائم قد ارتكبت فعلًا من قبل أفراد لدى النظام السوري أو غيره من مرتكبي الانتهاكات على الأرض السورية، ومن هذه الأدلة التي يستند إليها:

  • الصحافة والإعلام (فيديوهات مسجلة، وثائق رسمية صادرة عن الجهة المتهمة، شهادات شهود العيان، سيزر) وتحديد الأشخاص مرتكبي الجرم إن أمكن، وهل هم فعلًا من الأفراد التابعين للنظام؟ وهل ارتكبوا الأفعال المنسوبة إليهم قصدًا؟ والقصد هنا أن تصل الأدلة إلى حد اليقين، بمثل جرائم الاعتقال، وجرائم القتل تحت التعذيب، وممارسات الأجهزة الأمنية وأقبيتها.

-ضرب البنى التحتية، مواقع إلكترونية، منظمات حقوقية، المرصد السوري لحقوق الإنسان.

  • يجب أن تكون قواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة الدولية والمقدمة لها مقبولة قانونًا، وذات صدقية، وليست قولًا مرسلًا.
  • تقارير موظفي الأمم المتحدة الذين يتمتعون بصدقية وحصانة، وذوي ثقة بتقاريرهم المقدمة للأمم المتحدة وفقًا لاتفاق 1946، المتعلقة بامتيازات موظفي الأمم المتحدة وحصانتها، وهي من أهم أوجه التعاون الإجرائي ما بين المحكمة والأمم المتحدة، وكذلك ما يتعلق منها بتزويد المحكمة بالمعلومات التي تحتاجها لاستكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة.
  • تثبيت الوقائع وتوثيقها عبر النائب العام لدى المحكمة، وتزويده بالوثائق والمعلومات الواضحة للاتهام بحيث لا تحمل الخطأ الإجرائي إلى الملفات المقدمة من الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات التابعة له.

 

الفصل الثالث

وظائف المدعي العام

تتحدد وظائف المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بـ:

  • إثبات أنّ الشخص المتهم أو المدعى عليه مذنب، بمثل اعترافات بشار الأسد في وسائل الإعلام، وتصريحاته لبعض الصحف الأجنبية، مقرًا بأنه يقصف المدن بالبراميل المتفجرة، وهي قرينة قانونية على ارتكابه الفعل الجرمي لكون الاعتراف سيد الأدلة، وأيضًا الوثائق والقرارات الأممية الصادرة عن جهات رسمية، وكذلك شهادة القيصر «سيزر» المنشق عن النظام السوري، وتصريحات بعض المسؤولين المحسوبين على النظام.
  • وهذه الحال تقتضي قبولها قرينة لا تقبل الشك، وتقديمها دليلًا أمام المحكمة الجنائية الدولية.
  • إذا استنتج المدعي العام في أثناء التحقيق مشفوعًا بأدلة معينة، يجمعها بشخصه أو من يمثله. ويجوز هنا للجهة المجني عليها تقديم وإجراء مرافعات لدى الدائرة التمهيدية في مكتب النائب العام بعد دراسة الطلب، والنص القانوني المثبت لادعائه أو تزويد المكتب التمهيدي بمعلومات تفيد الملف.
  • بعد دراسة الطلب شكلًا، يقرر النائب العام قبوله أو رفضه. هل الدعوى تدخل في اختصاص المحكمة؟ وهل الدعوى مقبولة شكلًا وموضوعًا واختصاصًا؟ والبحث في الطلبات اللاحقة التي تستند إلى أدلة مؤيدة ووقائع جديدة ولو تم رفضها بداية، وهذا لا يحول دون قيام المدعي العام بقبول طلبات لاحقة عبر أدلة عن أفعال أشخاص متهمين ارتكبوا أفعالًا مشينة لاحقًا للدعوى.

 

كيف تقبل الدعوى وفقًا للمادة 18 من نظام روما الأساسي؟

إذا أحيلت إلى المحكمة دعوى عملًا بالمادة 13 وفقرة 1، وقرر المدعي العام أن هناك أسسًا في الملف مقبولة قانونًا ومنطقية للبدء في التحقيق، أو قد باشر المدعي العام بالتحقيق بعد أن يرى أساسًا معقولًا للشروع بإجراءات التحقيق، عملًا بنص المادة 13 والفقرة ج، وكذلك المادة 15 التي تنص على أنّه إذا باشر المدعي العام بالتحقيق في ما يتعلق بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، يقوم بإشعار الأطراف جميعها والدول التي يرى في ضوء الأدلة المتوفرة لديه أن يبلغها تلك الأدلة، أو لكي تمارس ولايتها على الجرائم موضوع الملف وبسرية تامة.

ويجوز له عدم إعطاء أي معلومة عن الأشخاص أو الوثائق التي بحوزته، وتبقى سرية لضرورات التحقيق أو مصدر المعلومات أو التماس معلومات إضافية من الدول والهيئات أو عبر أجهزة حكومية أو منظمات الأمم المتحدة.

إن المدعي العام يستطيع أن يبدأ التحقيق من بأمر ذاتي، على أساس المعلومات الواردة إليه أو المتوافرة والمتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة.

 

توافر أركان الفعل الجرمي

وفي هذه الحالة تقوم الجهة بتحليل جدية المعلومات التي تقدمت بها الجهة الشاكية.

يباشر النائب العام بعد توفر القصد الجرمي والعلم والإرادة بإحالة الملف على المحكمة عبر مكتبه التمهيدي. وهنا تقوم المحكمة بالتدقيق في القصد الجرمي، بعد أن تضع يدها على الملف حيث لها صلاحية اتهام أي شخص، وتوقيفه على جريمته، إذا توفر في ملفه القصد الجرمي، ثم تستعين المحكمة بأركان الجرائم في تفسير وتطبيق المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي.

ما أركان الجرم؟

– تستعين المحكمة بأركان الجرم في تطبيق نصوص المادتين 7 و8 من نظامها الأساسي.

  • الركن المادي للجريمة وهو الفعل الذي يقوم به الفاعل ويحدث فعله هذا ضررًا للآخرين ويشكل جريمة جنائية مع الأداة الجرمية.
  • الركن المعنوي: النية الجرمية، أي الفعل العمد وفق المادة 30 لتستدل المحكمة على النية الجرمية عبر السلوك الممارس لحمل السلاح أو القناص الذي يقنص المارة، والطيار الذي يرمي البراميل دون توجيه، وكذلك قيام الفاعل بهذا الفعل بكامل قواه العقلية وبإرادته الحرة، ويعلم أن هذا السلاح سوف يقتل المدنيين، وهو قاتل بطبيعته.
  • يجوز للدول الأعضاء الأطراف في المحكمة والقضاة والمدعي العام اقتراح تعديلات على أركان الجرم.
  • أداة الجريمة: وهو السلاح المستخدم الذي يحدث ضررًا أو يدمر منزلًا آهلًا بالسكان أو تهجيرهم أو حرمانهم من الغذاء والدواء.

ومن حيث النتيجة: أن يدرك الفاعل بأنه يرتكب فعلًا مخالفًا للقانون الدولي والوطني والإنساني وبأنه يرتكب فعلًا يشكل جرمًا كإزهاق روح إنسان، وهو فعل جنائي الوصف يدخل ضمن اختصاص المحكمة، وأيضًا المحرض الذي أعطى تلك الأوامر بالقتل، لمواجهة الأشخاص المتهمين بارتكاب الجريمة.

  • نصت المادة 29 من قانون المحكمة الجنائية بعدم سقوط الجرائم التي تختص بها بالتقادم «لا تسقط الجرائم التي تدخل اختصاص المحكمة بالتقادم أيًا كانت أحكامها».


نطاق اختصاص المحكمة

ما دام هذا الشخص المتهم أو الفاعل قد ارتكب الجرم وقد توفر في فعله ركن أساسي من أركان الجرم أي أنّه عالم بنتيجة فعله وعن سابق إصرار وتصميم، وقصده الجرمي الواعي وهذا يستنتج من وقائع وملف الدعوى.

يُستنتج العمل والقصد الجرمي من وثائق الملف والظروف والمكان والزمان ذات الصلة، فالقصف الجوي وإلقاء البراميل من طائرة حربية وقصف المدارس والمشافي بصواريخ موجهة هي أفعال تنم عن علم الطيار بأن الهدف هو مؤسسة إنسانية وبفعله يقتل مدنيين، وفقًا للمادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المشافي المدنية ودور التعليم من أي هجوم “لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المعدة لتقديم الرعاية الطبية للمرضى والجرحى والعجزة والنساء وعلى أطراف النزاع حمايتها” ويعد استهدافها جريمة حرب لأنها خارج نطاق أي عمل مسلح حسب القانون الدولي.

وهناك أمثلة حددتها المادة 7 من قانون المحكمة لجهة الجرائم ضد الإنسانية نذكر منها “جرائم التشريد وتهجير السكان عن مكان سكناهم عن علم ودراية وإحلال بدل عنهم” (ميليشيات طائفية من خارج سوريا).

الحصار والتجويع، الاعتقال، الخطف، القتل، التعذيب الخ. تعد هذه الأفعال جرمية الوصف وتقدم كملفات للنائب العام مرفقة بوثائق لكل هذه الأفعال الجرمية المرتكبة عن سابق إصرار وتصميم مثل ما حدث في حي الوعر في حمص وفي منطقتي الزبداني وداريا وكثير من المناطق الأخرى المنكوبة وتهجير المدنيين وما ينجم عنه من تغيير ديموغرافي على الأرض. يعتبر هذا الفعل جنائي الوصف، وداخلًا ضمن اختصاص المحكمة الجنائية وهو جزء من عمل ممنهج من الهجوم الموجه ضد السكان المدنيين. ونعتقد أن الهيئات المدنية غير الحكومية الدولية أو السورية التي برزت خلال الثورة ورصدت تلك الأفعال عمومًا لديها ما يكفي من أدلة وقرائن بالأسماء والشهود والأفعال الجرمية وهي موثقة أصولًا.

ما هي التدابير المتخدة حيال استخدام الأسلحة الكيماوية؟

إن الهيئات الدولية والمنظمات ذات الصلة في الأمم المتحدة والمرتبطة بها عليها تقديم الأدلة والتقارير والوثائق والمعلومات عن كافة الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري، منها (تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية) التي لديها أدلة قاطعة أن النظام السوري قد ارتكب جرم إلقاء مواد وأسلحة كيماوية على السكان، وهذا ثابت في تقارير الأمم المتحدة، في مناطق سورية منها قرية حاس (مدرسة ابتدائية) في ريف إدلب بعد توقيعه وانضمامه إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لعام 2013.

– نصت اتفاقية إطار العمل لإزالة الأسلحة الكيماوية السورية التي توصل إليها وزيرا الخارجية الأميركي والروسي كيري-لافروف في جنيف في 14/9/2013 على التزام السلطات السورية بتطبيقها والتزامها بأحكام المعاهدة ودخولها حيز التنفيذ نصًا وروحًا. بموجب هذا الاتفاق اتفقت أميركا وروسيا على أن يتضمن قرار مجلس الأمن إجراء مراجعة دورية على أساس منتظم حول تنفيذ النظام السوري لقرار المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وفي حال عدم امتثاله لبنود الاتفاق يتعين على مجلس الأمن الدولي فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك يدعم القرار المشترك بين أميركا وروسيا ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، بتطبيق المادة الثامنة من معاهدة حظر تلك الأسلحة التي تنص، في حالة عدم امتثال النظام للقرار وخرقه بنود المعاهدة، على إحالته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن. وبموجب هذا الإطار تم إرسال المراقبين الدوليين المفوضين التابعين لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية للأمم المتحدة، لتقديم تقريرهم بشأن الخروقات المنسوبة للنظام. وفعلًا بعد إجراء التحقيقات التي أجراها المراقبون عبر تقاريرهم المقدمة إلى الأمين العام ثبت أنّ النظام قد أنتج وألقى واستعمل المواد الكيماوية المحظورة دوليًا بعد انضمامه إلى المنظمة التي مركزها في هولندا -ذاهاج- مخالفًا بنود الاتفاقية، مما يجعله مسؤولًا لمخالفته قصدًا لبنود الاتفاقية وارتكابه الجرم المنسوب إليه وهو استعمال السلاح الكيماوي وقصف مناطق عدة في سورية. وهو قد قام بهذا الفعل بعد توقيعه للاتفاق مما يجعل أحكام المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي تطاله لارتكابه جرائم القتل العمد ونهجه سلوكًا ممنهجًا في القتل موجهًا ضد المدنيين السوريين وبوسائل مختلفة ومحرمة دوليًا تؤدي إلى القتل بصورة مباشر أو غير مباشر، ويقصد بالوسائل الأداة التي ارتكب الفاعل جريمته عبرها. نقلًا عن رويترز «منظمة الأسلحة الكيماوية تدين استخدام نظام الأسد وداعش لأسلحة محظورة» أثبتت التقارير الصادرة عنها استعماله للسلاح الكيماوي لأكثر من ثلاث مرات.

 

في النتائج

إذا تحققت أركان الفعل الجرمي من إيذاء وقتل وعاهات عبر استخدام السلاح الكيماوي وآثارها واضحة، يحق لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية عبر ممثليها ومجلسها التنفيذي أن تكون جهة مدعية عبر الأمين العام للأمم المتحدة كونها جهة متضررة، ولها مصلحة وبصفتها أعلى هيئة، واستنادًا إلى العقد الموثق مع النظام السوري (العقد شريعة المتعاقدين)، ولكون آثار الضرر قد طالتها مما يجعل لها الحقّ في محاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية لمخالفتهم بنود الاتفاق الموقع بين النظام والمنظمة وبحضور الراعيين أميركا وروسيا لهذا الميثاق وتقديمهم للعدالة.

في الإحالة: يحال الملف إلى المدعي العام بعرض الانتهاكات الموثقة على مكتب المدعي العام والأمم المتحدة، ويحقّ لأعضاء منظمة حظر تلك الأسلحة، وهم 41 عضوًا، يحق لثلثي أعضائها إحالة الملف على الأمين العام الذي بدوره يحيله على النائب العام للتحقيق وتجهيز الملف إجرائيًا للمحكمة. أو بإحلال الجمعية العمومية محل مجلس الأمن بعد فشله في المحافظة على السلم والأمن الدوليين بجلسة عادية أو استثنائية استنادًا إلى قرار سابق لهذه الجمعية العمومية هو القرار 377 لعام 1950 مشفوعًا بتأييد سبع دول بينها أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي (طبق في الحرب الكورية).

هل الإحالة ممكنة؟ الإجابة «نعم» في تأدية وظيفتها، ولفرض هيبتها الدولية:

  • في حال عدم امتثال النظام لهذه الأدلة والتقارير كلها، يحق لمجلس الأمن أو الجمعية العمومية فرض تدابير بموجب الفصل السابع. وقد تمّ التوافق على القرار الكندي أمام الجمعية العمومية بموافقة 122 دولة لصالح القرار واعتراض 13 دولة، وينص على إنهاء الأعمال القتالية، وحماية المدنيين من قبل الأمم المتحدة وتنفيذ القرار 2254، وتنفيذ فقرتيه 12 و13 ومنع أنشطة وأعمال التهجير القسرية، وما ينشأ عنها من تغيير ديمغرافي، وإدخال المساعدات الغذائية والطبية بصورة عاجلة لإنقاذ المدنيين.
  • منظمة حظر الأسلحة الكيماوية مرتبطة بالأمم المتحدة، ومكاتبها جزء من هيئات الأمم المتحدة، ويحق لها إحالة الملف على الأمم المتحدة.
  • بموجبها يكون اتهام أشخاص من النظام السوري ممكنًا أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولقد تم ذكر اسم جنرالين مسؤولين عن إلقاء الغازات الكيماوية في حلب وإدلب، ويمكن في هذه الحال رفع دعوى أمام جهة ادعاء دولية بحق هؤلاء المتهمين لما يشكله هذا الإجراء من أثر إيجابي في سلوك السوريين وضحايا الانتهاكات المروعة التي ارتكبت بحقهم، ولعودة الثقة في ما بينهم بوصفهم بشرًا وبين العالم المتمدن الحر.

السوريون يحترمون ويقدرون من يحقق لهم السلام ويعيد لهم الأمان، ويساعدهم في حل قضيتهم، وإزاحة نظام الأسد وإرهابه بوصفه نظامًا خطرًا على العالم المتمدن.

إن السوريين لا يؤيدون من يشعل الحروب، ويهدر كرامتهم ويقتلهم ويقف مع المستبد المجرم الذي يحرمهم حقهم في العيش بحرية وكرامة بل هم مع يحقق لهم العدالة، لا من يقف في مصاف الدكتاتورية والاستبداد والإرهاب.

 

المراجع

  • المحكمة الجنائية الدولية المواءمات الدستورية والتشريعية، إعداد المستشار شريف علتم، المنسق الإقليمي لقسم الخدمات الاستشارية للجنة الدولية للصليب الأحمر، طبعة خامسة 2008.
  • الملامح الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية، الدكتور أحمد أبو الوفا.
  • خطوة نحو العدالة، خيارات المساءلة الحالية للجرائم المرتكبة في سورية في إطار القانون الدولي، مارك لات يامر، شابنا مجتهدي، ليانا تاغر. الصادر عن المركز السوري للعدالة والمساءلة.
  • نص اتفاقية إطار العمل لإزالة الأسلحة الكيماوية – اتفاق كيري-لافروف 14/9/2013.
  • القرار 377 يلغي الفيتو الروسي ويسمح بالتدخل الدولي.
  • المركز السوري للعدالة والمساءلة – أسئلة حول المحكمة الجنائية الدولية.
  • علاقة المحكمة الجنائية الدولية بهيئة الأمم المتحدة.
  • الدكتور خالد الشرقاوي السموني، شرح قانون المحكمة الدولية.
  • معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، نظامها.
  • قال عن العلاقة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية منشور في جريدة الواشنطن بوست.
  • قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي صوت على مشروع القرار الكندي وينص على الوقف الفوري لإطلاق النار في سورية، صوت لصالح القرار 122 دولة ورفضته 13 دولة وامتنعت 36 دولة عن التصويت، ويتضمن جرائم وانتهاكات القانون الدولي في سورية.