عنوان المادة الأصلي باللغة الروسية: После химии и ракет. Как меняются позиции России и США по Сирии
اسم الكاتب ليونيد إيساييف ونيكولاي كوجانوف
مصدر المادة الأصلي موقع كارنيغي في موسكو
رابط المادة http://carnegie.ru/commentary/?fa=69815
تاريخ النشر 2 أيار/ مايو 2017
المترجم سمير رمان

 

 

المحتويات

مقدِّمة

مَنْ القاتلُ؛ أهوَ البوَّاب؟

من دون هستيريا

الخلاصة

 

مقدِّمة

بلا شكَّ، أثارت ضربة الصواريخ الأميركية على قاعدة الشعيرات في سورية تساؤلاتٍ حول إمكانات روسيا في الدفاع عن حلفائها. وخصوصًا أنَّها نسجت، في أثناء وجودها في سورية أسطورةً حول العجز عن المساس بمن تحميهم.

عندما وقعت حادثة الكيماوي في محافظة إدلب بداية شهر نيسان/ أبريل التي ردَّت عليها واشنطن بقصفٍ صاروخي على قاعدة الشعيرات، قال الخبراء معظمهم، إنَّ الوجود الروسي في سورية أصبح في مرحلة تحوُّلٍ فاصلة. ولكن في حقيقة الأمر، لم يكن هناك إجماعٌ حول طبيعة هذا التحوُّل.

عدَّ بعضهم ًاأن موقع موسكو قد حُدِّدَ أخيرًا، وأنَّ عليها، الآن، الاعتراف بانقضاء عهد باراك أوباما “المتردِّد”. بينما قال آخرون، إنَّ الضربة على الشعيرات تذكِّر موسكو من جديد أنَّه ليس بمقدورها حلِّ الأزمة السورية منفردةً، ولذا يجب عليها البحث عن لغةٍ مشتركة مع غيرها من الدول (الولايات المتحدة بالدرجة الأولى). وأخيرًا وُجِد بين القَدَريين من يقول إنَّ دورةً جديدةً من العنف قد تندلع في سورية لتضع العالم على حافَّة صراعٍ بين دولتين، لأنَّ روسيا لن تتنازل للولايات المتحدة في سورية، بل ستزيد تسليح الأسد وتبدأ مواجهةً مفتوحةً مع واشنطن، متجاهلةً آفاق التفاعل الحالي الروسي- الأميركي.

وبالمناسبة، لم يتحقق أيٌّ من هذين المسارين على الرغم من وجود خطورةٍ جديَّةٍ لتصاعد المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وتراجعت العلاقات بينهما بقوَّةٍ أكبر ممَّا كانت عليه في عهد أوباما، بحسب كلام الرئيس بوتين.

 

مَنْ القاتلُ؛ أهوَ البوَّاب؟

في برود العلاقات الروسية- الأميركية في سورية وغيرها من المناطق مصلحة لكثيرين، ولهذا من الصعوبة بمكان التأكُّد من هوية الطرف الذي رتَّب هجوم الكيماوي في خان شيخون.

تُظهر التصريحات الصادرة عن الحكومة السورية أنَّها لا ترغب في إيجاد حلٍّ وسط مع المعارضة، وتهدَّد باستعادة السيطرة على البلاد كلها عسكريًا. إلا أنَّه ليس بمقدور الحكومة السورية تنفيذ تهديداتها من دون مساعدة حلفائها، وفي مقدِّمتهم روسيا. وتعلم موسكو جيدًا أنَّ طموحات البعثيين لا تستند إلى قدراتٍ فعلية، وأنَّ تحقيق هذه الطموحات يتطلَّب وجودًا روسيًا أكبر، الأمر الذي يحمل مخاطر سياسية غير مسوغة.

إضافةً إلى ذلك، قد تكون مشاركة روسيا في حملاتٍ عسكريةٍ جديدة خطرةً بالنسبة إلى القيادة الروسية تلك المشاركة قد تفقد نهائيًا المكاسب التي حصلت عليها من خلال سورية بشقِّ النفس. وهذا كلُّه يجبر موسكو على تجنب زيادة وجودها العسكري في سورية، وعلى محاولة تسويق منجزات السياسة الخارجية الروسية التي تمتلكها الآن.

هذا الأمر لا يلائم دمشق التي تحاول محاولة متكررة _تحسد عليها_ عرقلة جهود السلام الروسية، بقيامها بصور الاستفزاز كلها. وبعد كلِّ فشلٍ يلحق بالمباحثات السلمية، تمارس موسكو _عادةً_ ضغوطاتٍ شديدةٍ على خصوم الأسد، وتنخرط في الأعمال العسكرية انخراطًا أكبر. فإذا كان الأسد هو من نفذ هجوم الكيماوي على خان شيحون، فهو قد عبّر عن إرادته القطعية في دفن عملية السلام التي انطلقت في جنيف والأستانة بإشعاله حلقةً جديدةً من الصراع في مدينة إدلب هذه المرَّة. المدينة التي وضعها النظام نصب عينيه بعد الاستيلاء على حلب.

وبفضل الدعم الروسي، أصبح بإمكان الأسد القيام بعملياتٍ هجومية، وربما أنه قد قرّر، بصورة نهائيٍّة، التعويل على حلِّ النزاع عسكريًا، لكن بأيدي حلفائه غالبًا. وعدم رغبة دمشق بالانتقال إلى الحوار السياسي مفهومة، فالبعثيون يخاطرون في هذه الحالة بفقدان هيمنتهم نهائيًا، وسيكون عليهم تقاسمها مع خصومهم القُدامى. ولهذا يحاول النظام إدخال العلاقات الروسية- الأميركية في أزمةٍ عميقة تمنع روسيا من المشاركة، مستقبلًا، في المباحثات المقبلة، وستحاول حلَّ المسألة السورية باستخدام القوة العسكرية حصريًا إلى جانب دمشق. وسيكون الأمر مشابهًا لما حصل في حلب في الخريف الماضي، فبعد انهيار اتفاقات لوزان بين لافروف وكيري، بدأت القوات السورية، مدعومةً بضربات القوات الجوية الروسية، بقصف مدينة حلب.

بالنسبة إلى البعثيين لا يأتِي الخطر الرئيس، من داعش وجبهة فتح الشام (النصرة سابقًا)، بل من المعارضة السورية، وقبل كلِّ شيءٍ، من جناحها المسلَّح الذي يسيطر على مواقع “على الأرض” ويشارك في مباحثات جنيف. وهذه المعارضة بالتحديد، إضافةً إلى الأكراد – هي المطالبة بمكانٍ لها في هيئة الحكم الانتقالي، التي أقرَّها مجلس أمن الأمم المتحدة بقراره 2254، وهي المناصِرة الفعَّالة للدستور الجديد الذي سيضمن توزِّيع صلاحيات السلطة بين المركز والمناطق، والقوى السياسية كافة.

يمكن أن يكون للإيرانيين مصلحةٌ في الهجوم الكيماوي. وبحسب بعض الخبراء فإنَّ علاقات الإيرانيين بالقوات الجوية السورية_ وخصوصًا علاقاتهم القوية بخط المخابرات الجوية_ ربما قد أدت إلى اتفاق على إلقاء قنبلة تحتوي على مواد كيماوية في خان شيخون على أمل إحداث شرخٍ في العلاقات الروسية- الأميركية.

شهدت العلاقات الروسية – الإيرانية حالةَ لا استقرار طوال العقدين الماضيين، إذ كانت موسكو وطهران تبيعان بعضهما بيعًا متكرِرًا في سبيل تحسين العلاقات مع دول أُخرى. خَلقَ هذا الواقع عند الإيرانيين شعورًا قويًا بعدم الثقة تجاه الروسيين. وفي نتيجة الأمر، يتخوَّف الإيرانيون باستمرار _في أثناء تعاونهم مع موسكو في سورية_ من تخلِّي روسيا عنهم من أجل تطبيع علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية أو مع تركيا.

كانت روسيا بالتحديد، وخلافًا لرغبة الإيرانيين قد أصرَّت على مشاركة الأميركيين بصفة مراقبٍ في مباحثات الأستانة. وعلى التوازي، شهدت الساحة السورية نوعًا من التعاون الناجح بين موسكو وواشنطن في مدينة منبج، إذ تمكَّن الروسيون والأميركيون بجهودٍ مشتركةٍ من إفشال المخططات التركية للتقدُّم في داخل العمق السوري. أسهمت هذه المعطيات كلها في زيادة المخاوف الإيرانية. إلا أنَّ الضربة الكيماوية على خان شيخون والضربة الصاروخية الأميركية التي أعقبتها تسببتا في خلق اختلاف الآراء في حوار موسكو وواشنطن، ممَّا نفى _في مفهوم الإيرانيين_ وجود خيانة من جانب موسكو لحلفائها- دمشق وطهران.

لا ينفي أحدٌ نفيًا جادًا إمكان تورط المعارضة السورية. فبعد هزيمتها في حلب، أصبحت المعارضة في موقفٍ ضعيفٍ مقارنةً بموقف دمشق. أعطى وصول دونالد ترامب إلى كرسيِّ رئاسة الولايات المتحدة الأميركية بعض الأمل: فقد صرَّح ترامب علنًا، أنَّ المشاكل الداخلية السورية يحلُّها السوريون أنفسهم، وأنَّ على أميركا التركيز على محاربة الإرهاب، متخلِّيًا بذلك عن فكرة تغيير نظام دمشق. هذا الواقع، وضع المعارضة السورية أمام خيارين؛ إمًّا الانخراط _بتسهيلٍ من موسكو_ في النظام القائم حاليًا (في دمشق)، أو أنْ تتعرَّض عاجلًا أو آجلًا للفناء.

في ضوء هذه المعطيات كان على المعارضة تغيير نظرة الإدارة الأميركية الجديدة إلى النظام السوري بأيِّ ثمن. وكان من الصعب التفكير بطريقة أفضل من هجومٍ كيماويّ، سيسارع المجتمع الدولي _على الأرجح_ إلى إلقاء اللوم فيه على دمشق. ومن اللافت، أنَّ رئيس لجنة المفاوضات العليا المعارضة (مجموعة الرياض) رياض حجاب، كان قد وصل إلى واشنطن، قبل وقوع الهجوم الكيماوي على خان شيخون بيومٍ واحدٍ. وقام حجاب بالتعليق على الحادثة، محاولًا دفع موسكو وواشنطن إلى الصدام في ما بينهما.

وأخيرًا، نجد قوَّة أُخرى تستفيد من الهجوم الكيماوي- وهي هيئة تحرير الشام. فمع دخول نظام التهدئة ووقف إطلاق النار على الأرض السورية، بدأ هذا التنظيم يفقد سمعته، فقد تبيَّن عجزه عن أداء مهمات الإدارة المدنية في الأوقات الهادئة نسبيًا. وبالأخذ في الحسبان أنَّ كثيرًا من خصومه هرب من حلب إلى إدلب، بدأ نفوذ “بنت القاعدة” يتقلَّص في صفوف المعارضة. وفي لحظة وقوع الهجوم الكيماوي كانت جبهة النصرة بحاجةٍ ماسَّة إلى تعطيل نظام وقف إطلاق النار بأيِّ ثمن. وكان يمكن لحادث خان شيخون أنْ يدفن العملية السلمية وينقل ضامني التهدئة الرئيسيين إلى حالة الصدام.

 

من دون هستيريا

بذلك غدت روسيا الطرف غير المستفيد الوحيد _باستثناء الغرب الذي لا يمكنه أنْ يكون مستفيدًا من الهجوم الكيماوي في إدلب_ فبالنسبة إلى روسيا أصبح إطلاق العملية السياسية هو إمكان الخروج بكرامةٍ من النزاع السوري. لأنَّ بقية الاحتمالات الأُخرى تحمل مخاطر كبيرة، وستسبِّبُ ارتفاعًا في تكلفة وجود موسكو في سورية، مع احتمال خسارةٍ لاحقة.

إضافةً إلى ذلك، فإن روسيا الآن مهتمَّةٌ أكثر من غيرها بالتوصُّل إلى حلٍّ سياسيّ للنزاع السوري، لأنَّ انهيار مسار جنيف والأستانة سيكون بالنسبة إليها محمَّلًا بخسائر جديَّةٍ تمسُّ بسمعتها. ففي عام 2016، وبعد انهيار المبادرة السلمية التي أُطلقت في إطار مجموعة دعم سورية برئاسة روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية، انتهزت روسيا المرحلة الانتقالية في القيادة الأميركية لاستلام زمام المبادرة وفرض قواعد اللعبة على الساحة السورية. وهذا هو الهدف الذي سعت له المبادرة الثلاثية التي أطلقتها روسيا، إيران وتركيا في كانون الثاني/ يناير من عام 2016 وما تبعها من عمليات تفاوضية في الأستانة وجنيف.

استُؤنِفت المفاوضات حول سورية بشقِّ النفس، وكانت موسكو من أكثر المهتمين بنجاحها، لأنَّها لا تستطيع إلقاء اللوم في فشل هذه المفاوضات على الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء الخارجيين، رهان موسكو على جنيف عالٍ جدًَّا. وكالسابق، لا يمكن توقُّع النتائج، ممَّا يعني أنَّ موسكو مهتمَّةٌ بتخفيف التصعيد في النزاع السوري، وكذلك في خلق الأوضاع الملائمة لإضفاء طابعٍ بنَّاءٍ على اللقاء المقبل على أقلِّ تقدير.

أيًا كان منفذ هجوم الكيماوي على خان شيخون، فإنَّه كان يعوِّل على أنَّ موسكو لا تستطيع إظهار برودة الأعصاب والصبر، وأنَّها ستردُّ بانفعالٍ على التصرُّف الانتقامي الأميركي الذي أعقب الهجوم الكيماوي ممَّا سيرفع التوتر في سورية إلى مرتبةٍ أعلى. كان هذا التعويل مبرَّرًا: فموسكو غالبًا ما تقلق بشأن الشكليات، وكيف ستبدو في نظر المجتمع الدولي. بلا شكَّ أثارت الضربة التي قامت بها الصواريخ الأميركية على قاعدة الشعيرات في سورية تساؤلاتٍ حول قدرة روسيا على الدفاع عن حلفائها. وخصوصًا أنَّها بَنَت في أثناء وجودها في سورية أسطورةً حول العجز عن المساس بمن تحميهم.

في خريف عام 2016، قصفت القوات الجوية الأميركية بطريق الخطأ مواقع للجيش السوري في دير الزور. أعلنت وزارة الدفاع الروسية حينئذٍ أنَّها أرسلت إلى سورية بمنظومة С-300، وأضافت توضيحًا ذا معنى بأنَّ ” قطر تأثير منظومات صواريخ إس- 300 و إس- 400 قد يشكِّل مفاجأةً لأيِّ هدفٍ طائرٍ مجهول الهويّة”، وقالت الوزارة إنَّه بحسب الحسابات العسكرية لأنظمة الدفاع الجويّ الروسية” قد لا يكون هناك إمكانيةٌ متاحة، عبر خطوط التواصل المباشرة، تحديد خطِّ تحليق الصواريخ وعائدية الأهداف، ولَّدَ هذا البيان انطباعًا بأنَّ موسكو تضمن لحليفها دفاعًا كاملًا ضد الهجمات الحربية التي قد تشنها قوى خارجية وخصوصًا من جانب الدول الأعضاء في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد الإرهاب.

إضافة إلى ذلك، وفي أكثر من مرَّةٍ، أظهرت موسكو انفعالًا زائدًا واستعدادًا لاتخاذ خطواتٍ عنيفة، غير مدروسةٍ، وبطريقة غير مسوغة، في حالاتٍ شعرت فيها أنَّ الأمور لا تسير بحسب خططها، أو عندما كانت تشعر أنَّه ليس بإمكانها التغاضي.

تحاول القيادة الروسية بعد وقوع حدث ما التفكير بعمقٍ في ما جرى كله. يزداد الوضع سوءًا اليوم، إذ يضاف إلى صعوبة توقع تصرفات روسيا صعوبة توقُّع تصرفات واشنطن، التي اعتدنا منها حلولًا براغماتية مدروسة.

وبالمناسبة، لم نر هذه المرَّة ردات فعلٍ هستيرية. ففي اليوم التالي للهجوم على مطار الشعيرات، وبحسب الظواهر كلها، كانت موسكو قد بدأت بتحضير ردٍّ غير مماثل ضدَّ الولايات المتحدة الأميركية، فأوقفت العمل بالآليات التي تسمح لروسيا وللولايات المتحدة بتجنُّب وقوع صدامات بطريق الصدفة في الأجواء السورية، ونُقل جزءٌ من القوات الجوية السورية إلى قاعدة حميميم، وتعالت في موسكو أصواتٌ تدعو إلى تعزيز عمل أنظمة الدفاع الجويَّ السورية والروسية. ولكن سرعان ما بدأت حدَّة التصريحات بالتراجع.

تواصلت روسيا مع دمشق وطهران، وطمأنت الشريكين أنَّها لا تنوي التخلِّي عنهما مقابل علاقاتٍ أفضل مع الولايات المتحدة (وربما قد وجهت لهما التوبيخ بسبب تصعيدهما العنف في سورية)، وأجرت اتصالاتٍ مع حكومات دولٍ في المنطقة _تركيا ودول الخليج_ لإقناعهم بالمحافظة على مسار الأستانة وجنيف. وفي الوقت نفسه، حاولت موسكو أن تضع رقابتها للتحقيق الدولي في الهجوم الكيماوي في خان شيخون. وخلال زيارة بكس تيليرسون إلى موسكو أرسل سيرغي لافروف وفلاديمير بوتين إشارةً مضمونها: أنَّ القيادة الروسية منفتحة على تبادل الآراء بشأن الحادثة، إنْ لم تكن نتائجها واضحةً تمامًا.

 

أحجمت روسيا عن اتخاذ خطواتٍ عنيفة لسببين:

من جهةٍ، أدركوا في موسكو أن الأميركيين قاموا بالضربة على الشعيرات تحت تأثير اللحظة، بهدف أن يُظهروا لناخبيهم أنَّه لم يكن بمقدور الرئيس الجديد عدم إعطاء الأمر بشنِّ الهجوم بعد أنْ توصَّل الرأي العام الأميركي إلى قناعةٍ بمسؤولية البعثيين عن الهجوم الكيماوي. وفي حال امتناع ترامب عن الضربة كانت الانتقادات بحقِّه من جانب زملائه من الحزب الديمقراطي ستزداد أكثر. كان تصرف ترامب وليد الحادثة على الأرجح- إذ أثبت الهدوء اللاحق أنّ واشنطن لا تمتلك استراتيجية واضحة في سورية. عدا ذلك، لا يريد الأميركيون هدر مزيد من القوى لإسقاط الأسد، وفضَّلوا أنْ يوجهوا القصف الصاروخي بحيث يكون إشارة تحذيرٍ لنظام البعث،وليس مقدِّمةً لعملية تدخُّلٍ بريَّة. وهذا يعني، أنَّ موسكو تبقى، كالسابق، أحد العوامل الرئيسة التي تحدَّد الوضع “على الأرض”.

ومن جهةٍ أُخرى، أدّت الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية الأميركية إلى موسكو دورًا مساعدًا.وعدّت موسكو الزيارة دلالةً على أنَّ الإدارة الأميركية الجديدة ما تزال تعد موسكو قوَّةً جديَّةً، وأنَها مستعدَّة للحديث معها، والضربة على الشعيرات لم تكن تهدف إلى إذلال الكرملين أو إظهار عجزه عن حماية حلفائه. وفي النهاية، وعلى الرغم من تصرًّف ترامب المفاجئ فإنَّه اتَّخذ الخطوات المنتظرة في مثل هذه المواقف. مع مراعاة الشكليات كافة.

إضافة إلى ذلك،أدى امتناع وزير الخارجية البريطانية بوريس جونسون عن زيارة روسيا دورًا عفويًا في إحجام موسكو عن اتخاذ قراراتٍ متعجِّلة. وعلى هذه الخلفية، نُظِرَ إلى زيارة بكس تيليرسون المتواضعة النتائج بوصفها تعبيرًا عن الاحترام لروسيا. وتحمَّل البريطانيون على عاتقهم، دور موانع الصواعق، الجزء الأكبر من التوتر الروسي الذي سببه هجوم خان شيخون ومطار الشعيرات. وجاءت العبارة الشهيرة التي وجهها نائب المندوب الروسي الدائم في مجلس الأمن في الأمم المتحدة إلى المندوب البريطاني” لاتشحْ بنظرك” موجَّهة للبريطانيين بالتحديد لا للأميركيين.

 

الخلاصة

لم تحمل حادثة الشعيرات العرضية تغيُّراتٍ ذات قيمة على استراتيجية روسيا أو الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط. فالكرملين ينتظر سياسةً واضحةً من الولايات المتحدة في الموضوع السوري، ولكنَّ نقص الملاك في وزارة الخارجية الأميركية لا يسمح للأميركيين بالانتقال من الشعارات إلى الأفعال العملية. ومادام الأمر على هذا النحو، فليس عند موسكو ما تردُّ عليه. وبما أنَّ روسيا لا ترى تغيُّرًا من الجانب الآخر للمحيط، فإنَّها ستبقي على خطَّها الاستراتيجي، الموجَّه لإطلاق عملية التسوية السلمية في سورية بالإشراف الروسي وفي إطار المؤسسات التفاوضية التي أسست لهذا الغرض.