المحتويات

مقدمة

أولًا: مظاهر العطالة

ثانيًا: أسباب العطالة

ثالثًا: نتائج العطالة

رابعًا: تعاطي النظام الإقليمي العربي مع الكارثة السورية

خامسًا: كيفيات تفعيل النظام الإقليمي العربي

خاتمة

 

 

مقدمة

خلقت العولمة واقعًا جديدًا تجسّد على الخصوص في امتداد مستوى التنافسـية، بحيث لم تعد الكيانات القطرية قادرة لوحدها على التعاطي المجدي مع الرهانات التي يفرضها التنافس بين الدول، وهو ما أدى إلى إنشاء تجمّعات إقليمية كبرى كقوة فاعلة في العلاقات الدولية عامة، والعلاقات الاقتصادية خاصة. في حين أنّ النظام الإقليمي العربي يمرّ في لحظة بالغة الدقة: تمزّق وتنافر، خلافات بينية، ضعف وترهّل بلغ في بعض دوله حدّ الإنهاك وفي أخرى حدّ الدول الفاشلة، على الرغم من انتظام عقد القمة العربية العادية بشكل دوري منذ العام 2000.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول طبيعة النظام الإقليمي العربي: شكل هذا النظام ومكوناته؟ ثم ما المعايير التي تصلح للرجوع إليها لإصدار أحكام في شأن فعالية مثل هذا النظام؟ وكذلك مدى مشروعية هذا النظام تاريخيًا، وأيضًا في الواقع الراهن؟

ويبقى السؤال: كيف نعيد بناء النظام الإقليمي العربي من حيث هو نموذج عقلاني للحكم والإدارة والإنتاج داخل كل قطر عربي، ومن حيث هو منظومة تعاون وتكتل وتضامن بين الحكومات والمجتمعات العربية جميعها؟

 

أولًا: مظاهر العطالة

تميّزت الجغرافيا السياسية العربية بوجود أربعة أقاليم أساسية، تعاونت وتنافست وتناحرت في ما بينها، لتنتج التوازنات التي حكمت النظام الإقليمي العربي منذ عقود وهي: المغرب العربي، وادي النيل، المشرق العربي، والخليج العربي. ضمن الأقاليم الأربعة كان هناك تنافس بنيوي في المشرق العربي بين سورية والعراق، ومثله في المغرب العربي بين المغرب والجزائر، وتنافسات ذات حدّة أقل بين الدول في كل من الأقاليم الأربعة.

وفي الواقع، منذ سبعينيات القرن الماضي، ظهر الاتجاه الذي يركّز على المنهج الوظيفي في التعامل مع النظام الإقليمي العربي، بما ينطوي عليه ذلك من أنّ لكل إقليم من الأقاليم العربية دورًا محدّدًا لا يمكن أن تستقيم الحياة العربية المشتركة إلا بقيامه به. ومع اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 وتراجع أدوار جامعة الدول العربية والتهديد الذي تخوّفت منه الدول العربية الخليجية، فقد تأسس (مجلس التعاون الخليجي) في العام 1981 كمنظمة إقليمية فرعية. وفي 17 شباط/ فبراير 1989 وقّع رؤساء دول المغرب العربي على معاهدة إنشاء (اتحاد المغرب العربي). أما الاتحادات العربية الفرعية الأخرى التي شهدناها، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فقد كانت موقّتة، تعبّر عن صراع المحاور العربية.

ومع مرور الوقت مال ميزان القوى- أكثر فأكثر- إلى التكتل الخليجي، بالتوازي مع تراجع أدوار مصر، وتحييد العراق بعد هزيمته في الكويت في العام 1991، وضعف سورية التي لجأت إلى لعبة التوازن بين الأقاليم والقوى السياسية المختلفة للحفاظ على موقع على طاولة اللاعبين الإقليميين. ومع احتلال العراق في عام 2003 انهار ركن من أركان التوازن العربي، ثم انتقلت المبادرة- مرحليًا- إلى مصر ودول الربيع العربي عند اندلاع الثورات 2010- 2011، ولكنّ الربيع سرعان ما أصابته نكسة لأسباب متباينة، لتتقدّم السعودية وتُطبِق عليه وتطوّقه فتنتزع المبادرة مرّة أخرى.

وفي الوقت الذي حقّقت فيه مجموعة من الدول إنجازات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية كبرى، في كلّ من أوروبا (الاتحاد الأوروبي) وأميركا (الآنديز) وآسيا (النمور الآسيوية)، فإنّ الدول العربية، على الرغم من الإمكانات البشرية والاقتصادية المتاحة، فشلت في بناء نظام إقليمي قادر على رفع التحديات الداخلية والخارجية، مما جعلها ضمن أكثر الأنظمة الإقليمية عرضة للتأثر السلبي بالتحولات الدولية الحاصلة.

لقد أصبحت السياسات العربية عبارة عن ردّات أفعال، تفتقد الخطط الاستراتيجية وتعتمد على الارتجال، وتظهر مشتتة ومتخبطة، وتفتقر إلى التخطيط وتطغى عليها الفردية، وتعجّ بالخلافات وتضارب الرؤى. وظهر ذلك واضحًا منذ انهيار النظام العربي في حزيران/ يونيو 1967، عندما احتلّت إسرائيل أراضي أربع دول عربية، مصر وسورية والأردن وفلسطين، ونجحت في إفراغ العالم العربي من أيّ قطب مركزي يمكن أن يتمحور حوله.

واليوم، يظهر انهيار النظام العربي عبر تدمير ركنيّ المشرق العربي، العراق وسورية، الذي بدأ باحتلال بغداد عام 2003، واكتمل خلال الأعوام الستة الماضية بقوة قرار اتخذته سلطة آل الأسد بتدمير سورية، لاعتقادها أنّ تحقيق هذه الأمنية الإسرائيلية سيحميها أميركيًا من السقوط.

إنّ تاريخ الفشل في بناء نظام إقليمي عربي هو تاريخ تراجعات مستمرة، ففي الثمانينيات من القرن الماضي وقّع رؤساء الدول العربية على بروتوكولات الوحدة الجمركية، ومن ثم السوق العربية المشتركة، من أجل إقامة كتلة اقتصادية متماسكة. لكن بعد مرور أكثر من ثلث قرن لم ينفّذ أي من تلك القرارات، وظلّت التجارة بين الدول العربية لا تزيد نسبتها على 11 في المئة، وظلّت أحلام المشاريع الاقتصادية المشتركة على الورق تراوح مكانها.

كما تُعدّ حرب الخليج الثانية مؤشرًا مهمًا من مؤشرات انهيار النظام الإقليمي العربي، فالمؤسسات العربية عجزت عن حلّ الخلاف بين دولتين عربيتين، أي الكويت والعراق، ما أدّى إلى تكوين تحالف دولي- عربي بقيادة أميركا لمحاربة العراق. إنّ هذه الحرب كانت عملية نسف لبقايا النظام الإقليمي العربي الذي ضرب عرض الحائط مبادئ التعاون، وأصبح غير قادر على إدارة الأزمات وإيجاد الحلول لها من دون تدخّل أجنبي. ويمكن الاستشهاد هنا بما أسفرت عنه من إزاحة تدريجية للعراق من توازنات القوى الإقليمية، ما مهّد لاحتلاله عام 2003.

وفي الواقع، ثمة إشكاليات عديدة تكمن في تعريف النظام العربي لذاته، مقارنة بالنظم الإقليمية الأخرى، التي تتأسّس على معايير عدة، أهمها: أولًا، عدّ الوحدات السياسية (الدول) المنخرطة في منظومة إقليمية معينة في منزلة وحدات سياسية ناجزة، وشرعية، وسيدة على مصيرها. ثانيًا، إنّ النظم الإقليمية تنشأ على أساس استثمار علاقات الجوار، لتعظيم المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة بين أطرافها. ثالثًا، تركّز النظم الإقليمية على تطوير علاقات التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل بين الوحدات المشكلة لها، وإزاء المنظومات الإقليمية والدولية الأخرى، وربما تصل إلى قناعة بضرورة خلق أعلى درجة من الاندماج داخلها (تجربة الاتحاد الأوروبي مثلًا)، ولو أدّى الأمر إلى الانتقاص من بعض جوانب السيادة فيها.

هكذا يمكننا ملاحظة أنّ النظام العربي لا يتمتع بمعايير النظم الإقليمية من ناحية فعلية، فالوحدات السياسية المشكّلة له ما زالت غير ناجزة تمامًا، وهي تعاني من مشكلات الشرعية والسيادة إزاء ذاتها، وإزاء الوحدات الأخرى. وها نحن نشهد أنّ ثمة تعثّرًا في انبثاق الدولة، في معظم البلدان العربية، بوصفها دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار متساويّ الحقوق والواجبات، بواقع هيمنة النظام السلطوي على الدولة والمجتمع، وبواقع ترسّخ الانتماءات ما قبل الوطنية (القبلية والطائفية والمذهبية والإثنية)، التي تؤخر إدراك الشعب لذاته، بوصفه شعبًا.

وفي ما يتعلق بالمعيار الثاني، يمكننا ملاحظة أنّ قاعدة العلاقات البينية بين البلدان العربية ضئيلة جدًّا، فإضافة إلى تواضع حجم التبادل التجاري، فإنّ الأمر ينطبق على التعاون في مشاريع البنى التحتية، والمواصلات، والتعليم، والعلوم والتكنولوجيا. ويُستنتج من ذلك أنّ النظام الإقليمي العربي لا يستثمر، إلى الدرجة المطلوبة، ميّزات الجوار، ولا يعمل على تنمية قاعدة المنافع والمصالح المشتركة.

أما في ما يتعلق بمعيار الترابط والتكامل والاعتماد المتبادل، فنجد أنّ النظام العربي يشتغل في اتجاه التفكك والتنابذ والتفارق، لا يشتغل بوصفه منظومة واحدة تجمعها رؤى ومصالح مشتركة إزاء التحديات التي تفرضها الوحدات السياسية الدولية والإقليمية الأخرى، ما يجعل الطرف العربي في موقع الحلقة الأضعف، مقارنة بالقوى الإقليمية الأخرى، مثل تركيا وإيران وإسرائيل، التي تتمتع كدول مركزية قوية باستراتيجيات قابلة للتنفيذ.

وهكذا يبدو واضحًا أنّ النظام الإقليمي العربي مهدّد بأنظمة إقليمية بديلة، ذات أنماط من الديبلوماسية المتعددة الأطراف، تندرج في أطر تعاونية متعدّدة وذات مستويات مختلفة من المأسسة. وفي ظلّ هذه السمة الدولية الناشطة والديناميكية، يبدو النظام العربي وكأنه خارج هذا السياق، إذ إنّ فراغ القوة الذي يعيشه هذا النظام، والانفصام الحادّ بين الخطاب العربي من جهة والممارسة من جهة أخرى، جعله جاذبًا بقوة لهذه التدخلات المتنافسة والمتنازعة حينًا، والمتقاطعة أحيانًا في المصالح في ما بينها وفي ما بين كلّ منها وبعض النظام العربي هنا وهناك.

لقد أصبح للقوى الإقليمية، كإيران وتركيا وحتى إسرائيل، وعلى المستوى الدولي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وجود مباشر بطرق متعددة في المنطقة، وتجدّد الحديث عن إحياء خرائط قديمة لإعادة تقسيم المنطقة وتفكيكها على أسس ومعايير مذهبية وإثنية.

وها هو النظام نفسه يقف عاجزًا إزاء الزلزال الذي أحدثته التدخلات الكارثية لإيران في أوضاعه الداخلية، من لبنان وصولًا إلى اليمن مرورًا بالعراق وسورية، وكذلك إسقاط قضية فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي من جدول أعمال السياسات العربية.

وجاءت قمة البحر الميت الأخيرة في آذار/ مارس 2017 لتمثل صورة جديدة من النسخة الأصلية المحفوظة في أضابير الجامعة، ومجالسها المتخصصة، وفي وزارات الخارجية والسفارات والدواوين الرئاسية في العالم العربي.

 

ثانيًا: أسباب العطالة

أثّرت مجموعة عوامل في إضعاف أداء جامعة الدول العربية، من أهمّها: عدم وجود آلية لمتابعة مدى التزام الدول قرارات الجامعة، والتمسك بقاعدة الإجماع في القرارات، وعدم الأخذ بالمنهج الوظيفي لتحقيق الأهداف المشتركة المقرّة في إطارها، إضافة إلى غياب التمثيل الشعبي في أجهزتها ومؤسساتها.

إنّ الجامعة هي جامعة حكومات عربية، وليست جامعة دول ناجزة، وهي انعكاس صادق لأحوال هذه الحكومات وسياساتها، وبما أنّ جوهرها يقوم على الفساد والمحسوبية و”أهل الولاء” ومصادرة الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان، فإنّ النظام الإقليمي العربي القائم منذ العام 1945 تقاومه المصالح وتعطّله الامتيازات والعادات والمجاملات و”كوتا” الحكومات في مؤسّساته وهياكله، بل تُحبطه ثقافة سياسية امتهنت التسويف، إذ تخشى نخبة “الكوتا” فيه التصريح بما هو حقيقي، مسايرة لحكوماتها التي أغدقت عليها امتيازات مؤسسات العمل العربي المشترك.

ومن الجليِّ اليوم أنّ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 وتداعيات ربيع الثورات العربية في عام 2011، قد ولّدت بؤرة المأزق الإقليمي، حين أدّت إلى انهيار بنية الدولة القطرية في العراق وسورية وليبيا واليمن، الأمر الذي طرح بقوة الإشكال المعقّد المتعلّق بثلاثية البناء الوطني والديمقراطية التعددية والتدخل الخارجي. وكذلك اختلال التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، في إثر بروز أطراف فاعلة غير عربية في عمق هذه المنظومة، مثل تركيا وإيران وإسرائيل، وهي أطراف غدا تأثيرها أهم من القوى الإقليمية العربية الرئيسية.

ولا شك أنّ افتقار العالم العربي، منذ هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967 ووفاة جمال عبد الناصر في أيلول/ سبتمبر 1970، إلى دولة أو محور أو كتلة يمكن أن تجمع أطرافه وتحدّ من خلافاتها وتناقضاتها، وأن تبلور مصالح مشتركة أو متقاربة ملزمة لها، كان أحد أسباب عطالة النظام الإقليمي العربي.

وهكذا أثّرت مجموعة عوامل في إضعاف أداء الجامعة، ومن أهمها:

– تفجّر الصراعات بين عديدٍ من الدول العربية حول الكثير من القضايا، إذ اتسم النظام العربي بتمزقاته بين المحاور والتكتلات السياسية والإقليمية والدولية، ما عقّد قدرة الجامعة على مواجهة الخلافات بين الأقطار العربية.

– تفجّر ظاهرة الصراع الدولي في المنطقة وانكشاف مدى عمق الاختراق الأجنبي للنظم العربية.

– غياب القدرة والقرار عند الشعوب العربية تجاه حكوماتها الاستبدادية الممثلة في الجامعة، وتاليًا في أجهزتها ومؤسساتها.

– عدم وجود آلية لمتابعة مدى التزام الدول قرارات الجامعة، والتمسّك بقاعدة الإجماع في القرارات، وعدم الأخذ بالمنهج الوظيفي لتحقيق الأهداف المشتركة المقرّة في إطارها.

– عدم وجود محكمة عدل عربية لتسوية النزاعات بين الأقطار العربية بالطرق السلمية، على الرغم من إقرار مجلس الجامعة تأسيسها منذ سنة 1950.

إنّ بروز الدور الإيراني غيّر موازين القوى في الإقليم. فقد أسفرت إيران عن ملامح مشروع تأسيس دولة تصبح هي القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة، ما من شأنه أن يقلب كل الموازين القائمة. كما أنّ تركيا استطاعت، في عقد من الزمن، أن تنهض نهضة اقتصادية كبرى، وأن يصبح لها دور واضح في التأثير على السياسة العربية.

 

ثالثًا: نتائج العطالة

النظام الإقليمي العربي يواجه اليوم تحديات جسيمة تستوجب إدراكها، والعمل الجدي للتقليل من آثارها السلبية، وكذلك الاستفادة مما يمكن أن تنطوي عليه من فرص لتوليد استجابة عربية إيجابية تجاه التطور الحاصل في النظم الإقليمية وفي العلاقات الدولية. إنّ عدم وجود استراتيجية عربية واحدة تتعامل مع التهديدات التي تتعرض لها الدول العربية، وترك الساحة العربية في حال من الفراغ الاستراتيجي، سهّلا على القوى الأخرى أن تتقدم وتضع أقدامها تحقيقًا لمصالحها.

إنّ التغيّرات الدولية التي تحدث في العالم، تؤثر في النظام العربي وقضاياه، وذلك بسبب وقوع الوطن العربي في قلب العالم، واتسامه بسمات جغرافية واقتصادية وثروات استراتيجية، وما يعانيه من فراغ استراتيجي مزمن، يجعله من أكثر مناطق العالم حساسية تجاه السياسات الدولية، وجاذبًا لاهتماماتها ولتدخلاتها، ولا سيّما في ظل وجود عددٍ من القضايا الإقليمية من دون حلّ، في وقت تتراجع فيه فعالية النظام الإقليمي العربي، مما أدّى إلى مزيد من التدويل للقضايا العربية، وجعل اختراق القوى الدولية للمجال السياسي العربي والقفز فوقه أمرًا ميسورًا ومعتادًا، حين لم تتمكن الدول العربية من تحقيق أمن العالم العربي وتقدمه، كما لم تبلغ حدّ بناء الدولة المؤسسية الحديثة، ما أدّى أيضًا إلى تراجع الوزن النسبي للدول العربية، ومن ثمّ، الوزن النسبي للجامعة على مدى العقود الأربعة الأخيرة، وتَقدّم تأثير العوامل الخارجية وتحوّلها إلى فاعل داخلي في المعادلة الإقليمية. وهكذا أصبحت الصورة على النحو الآتي: نظام عربي يتداعى أمام نظام إقليمي أوسع، قيد التشكّل، قادر على استيعابه وتذويبه داخله، خاصة بعد أن عجّل الربيع بتهميش جامعة الدول العربية وجعلها غير قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوضع العربي، وأظهر لاعبين جددًا من التنظيمات “الجهادية” المتطرفة من تفرعات حركة “الإخوان المسلمون” في عديد البلدان العربية.

وهكذا بات الدور المرسوم للمنطقة العربية يأتي من العامل الخارجي، بغضّ النظر عن توافق هذا العامل مع مصالح العرب أم لا. فالمصالح الاستراتيجية العليا للدول الكبرى هي الراسم والمقرّر والمنفّذ في النهاية.

لقد كان إقليم الشرق الأوسط في مقدمة الأقاليم التي شهدت تنامي دور القوى الإقليمية الصاعدة داخله، خاصة إسرائيل وإيران وتركيا من ناحية، وازدياد حدة التنافس على الزعامة الإقليمية بين هذه القوى الثلاث التي أخذت تشكل محور أو قلب هذا النظام من ناحية أخرى، وازدياد توجه قوى دولية بعينها لمزيد من الانغماس في شؤونه وإعادة ترتيبه بما يحقق مصالحها، عبر مشروعات إقليمية عديدة، مثل مشروع الشرق الأوسط الجديد، ومشروع المتوسطية والحوار المتوسطي اللذين استطاعا أن يحقِّقا بعض التقدم والحوار مع أطراف عربية.

لقد تغيّر النظام الإقليمي العربي، ولعلّه بدأ بالفعل يخطو خطوات جادّة نحو الانصهار في نظام آخر. يجري هذا الانصهار بقرارات أحادية من الدول العربية، التي اختارت، كل على حدة، الانفكاك عنه والدخول في علاقات ثنائية مع تكتلات دولية وإقليمية أخرى، ثم هي تختار الآن المشاركة فعليًا في بناء نظام إقليمي غير عربي.

فخلال فترة الضغط لتمرير عددٍ من مشاريع إقليمية شرق أوسطية، كانت تتغير مواقع القوة والنفوذ داخل النظام العربي، حيث كانت العناصر “فوق الإقليم العربي” تزداد قوة ونفوذًا في توجيه سياسات دول المنطقة، وفي الوقت نفسه كانت العناصر التي هي تحت الدولة كالقبلية والطائفية تزداد نفوذًا. هذه العناصر مجتمعة دعمت عملية انفكاك الدولة العربية عن نظامها الإقليمي، وفتحت الباب واسعًا لرياح عاصفة هبّت من جميع الاتجاهات وأطاحت بكثيرٍ مما بدا مستقرًا. ولو صحّ هذا التحليل، يكون قد تأكد أنّ تغييرًا جذريًا حدث في النظام الإقليمي العربي أشبه ما يكون بالتغيير الجذري الذي حدث للنظام الدولي.

نحن الآن على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، تقتضي عربيًا فتح جميع الملفّات، ورسم سياسات جديدة، لا تجعلنا صدى واهنًا في المعادلة الدولية، سياسات تجعلنا في القلب من حركة التاريخ، وليس على هامشه أو حوافّه.

 

رابعًا: تعاطي النظام الإقليمي العربي مع الكارثة السورية

لم يعد يخفى على أحد أنّ ثورة الشعب السوري، منذ ما يزيد على ستّ سنوات، قد تحوّلت من صراع داخل سورية على تغيير قواعد الحكم ونظام السيطرة السياسية، إلى حرب على سورية لتقرير مصير الهيمنة الإقليمية، وأنّ السمة الأبرز لهذا الصراع هو الغياب الكبير للفعل العربي. في حين لا نرى على الأرض السورية، التي كانت قلب العروبة النابض، سوى آثار الاحتلالات الأجنبية والمليشيات الدولية والإقليمية، تزرع الموت والدمار، بينما لا يكفّ دور العرب فيها عن التراجع.

مثّلت سورية تحديًا أكبر من الحالتين الليبية واليمنية، لأنّ الثورة السورية تميّزت بسلميّتها وعدم اللجوء إلى السلاح في الأشهر الستة الأولى كما حدث في الحالة الليبية وبدرجة أقل اليمنية. فقد تأثر الموقف العربي تجاه الثورة السورية بمجموعة من المحدّدات الخاصة بتوجّهات كل دولة، لذلك لم يلاحَظ تنسيق عربي مشترك، بما في ذلك الزيارة التي قام بها الأمين العام للجامعة، نبيل العربي، في 15 تموز/ يوليو 2011، حيث طالب رأس النظام بإيقاف الحلّ الأمني لمواجهة مطالب الشعب السوري والبدء في إصلاحات سياسية شاملة. ونتيجة للتعاطي السلبي مع جهد الأمانة العامة، بدأت مجموعة من المواقف العربية المتقدمة تظهر، كان لها أثر في تبنّي الجامعة لقرار تعليق عضوية سورية في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011.

ومن الواضح أنّ سلطة آل الأسد أدركت تمامًا أنّ قرار الجامعة هو مقدمة لتفاعلات إقليمية ودولية تفتح الباب لسلسلة من التدابير ضدّها أقلّها زيادة عزلتها، وأقصاها تدخل عسكري يحسم الأمر نهائيًا. وتمثّل ردّها في مناورة تكتيكية للالتفاف على القرار، من خلال التظاهر بالقبول به وإعلان الرغبة في تنفيذ بنود المبادرة العربية ودعوة الجامعة إلى إرسال مراقبين عرب لزيارة سورية، وطلب عقد قمة طارئة لحلفي الإطار العربي.

لكنّ مبادرة جامعة الدول العربية، بما فيها بعثة المراقبة التابعة لها، فشلت بسبب تسويف أهل السلطة السورية في 28 كانون الثاني/ يناير 2012، وبذلك وصل جهد الجامعة إلى طريق مسدود. ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا، تبيّن أنّ جامعة الدول العربية لم تقطع علاقاتها مع سلطة آل الأسد عندما علَّقت عضوية سورية فيها فحسب، بل قطعتها مع الشعب السوري نفسه، حين تقاعست عن تقديم العون له في دول اللجوء التي لجأ إليها. ولم يُسمَع للجامعة صوت حين أوقفت أغلبية دول العالم منح السوريين تأشيرات دخول إلى أراضيها. أما من قُدِّر له النزوح إلى المدن والبلدات السورية الأخرى، أو اللجوء إلى الدول المجاورة، فقد تركته الجامعة يلاقي الذلّ والعوز والموت بردًا أو جوعًا أو مرضًا. كما لم تهتم جامعة الدول العربية بأجيال كاملة، حُرمت من التعليم الذي يقيها التخلّف والفقر، وحُرمت من امتهان الحِرَف التي تمنعها من أن تصبح فريسة للبطالة وآثارها مستقبلًا. ولعلّ اعتماد الجامعة، في 25 آذار/ مارس الماضي، مشروع القرار الأردني بشأن اللاجئين، وتضمينها إياه في بيان قمّتها الختامي، والذي نصّ على “بحث وضع آلية محدّدة لمساعدة الدول العربية المستضيفة للاجئين”، من أجل إعادة تأهيلهم للإسهام في إعادة إعمار بلدهم، هو اعتراف بذلك الدور الغائب في هذا المجال، على الرغم من أنّ وضع تلك الآلية قد يجد طريقه إلى التنفيذ، وغالبًا ما لا يجد، على غرار قرارات كثيرة للقمم العربية.

وفي الواقع، يتعذر على قمة اليوم الوحيد أن تؤسّس لدور مفقود للعرب في سورية، فمع جردة حساب لمواقف العرب، خلال ما يزيد على السنوات الستّ، وتضخُّم مأساة الشعب السوري، ليس من الصعب التأكد أنّ دورًا، من قبيل الذي دعا الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، العرب إلى الاضطلاع به في سورية، سيكون قاصرًا، وربما مؤديًا إلى عكس المرجوّ منه، نظرًا إلى كثرة الفاعلين على الساحة السورية، والذين سبقوا العرب في التجذر في تربة الكارثة السورية، واقتسام الأرض والشعب السوريين فيما بينهم. كذلك لا مستند لدعوة الأمين العام هذه، كون العرب ألفوا الغياب عن جميع قضاياهم التي سبقت القضية السورية أو رافقتها، بل وأدمنوه.

الآن، ومع انتهاء القمة العربية في آذار/ مارس الماضي، لم يلحظ بيانها الختامي آلية العمل من أجل إنهاء الكارثة السورية، بحسب ما نصَّ أحد بنود هذا البيان الذي تضمن “تكثيفنا العمل على إيجاد حلّ سلمي ينهي الأزمة السورية، بما يحقق طموحات الشعب السوري”.

وإذا كان العجز العربي عن إنقاذ سورية عسكريًا يجد له بعض المبررات في كون التدخل محكومًا بسياسات الدول الكبرى، فإنّ التلكؤ عن الدعم المادي للشعب السوري ليس له المبررات نفسها.

إنّ ما يجرى في سورية سيترك أثره البعيد، سلبًا، في مجمل الوطن العربي، فسورية بوابة الاستقرار وبوابة الفوضى في الآن نفسه. وهي مصدر قوة للعالم العربي عندما تكون مستقرة ومتماسكة، ومصدر ضعف له عندما تسودها الفوضى، هذا هو تاريخ سورية منذ استقلالها. وسيكتشف العرب سريعًا النتائج السلبية لانهيار الموقع السوري في معادلة التضامن العربي، كما لن يكون بعيدًا انعكاس التفتت السوري، الجغرافي والبشري والاجتماعي، على مجمل الأقطار العربية، غير المحصّنة من انتقال العدوى السورية إلى مجتمعاتها.

 

خامسًا: كيفيات تفعيل النظام الإقليمي العربي

لم يطرأ على جامعة الدول العربية، منذ إنشائها قبل عقود، أيّ تغييرات أو تعديلات جذرية تتعلق بهيكلتها أو صلاحيتها ومهمّاتها ومرجعياتها وميثاقها ولوائحها وأساليب عملها، وظلّت في وضعها التقليدي لا تخرج عن كونها إطارًا شكليًا للنظام الرسمي العربي، يعتمد على أمانة عامة، في منزلة السكرتارية، وترتبط بها بعض الهيئات ذات الاختصاصات المحدّدة. وقد أفرز ربيع الثورات العربية وضعًا جديدًا، ظهرت فيه تحديات كثيرة أمام الجامعة التي لم تتمكن من مواكبة هذا الوضع الجديد، وأداء دور فاعل ملموس على صعيده.

لقد جرت محاولات عديدة لإصلاح هيكلية الجامعة وتفعيل دورها في الماضي، وأصبح هذا الإصلاح اليوم أكثر إلحاحًا وأهمية. ويبدو أنّ الإصلاح المنشود يثير مجموعة من الأسئلة والفرضيات حول: تقويم عمل الجامعة وهيكلتها، وطبيعة التغيّرات التي ينبغي إدخالها لتحسين الأداء بهدف الاستجابة للتحديات.

إنّ إعادة هيكلة جامعة الدول العربية قد تنعكس إيجابيًا على العرب اليوم فيما إذا اتجهت نحو: استكمال سياسة الإصلاح الهيكلي ودمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية العربية في كل قطر عربي، والعمل المؤسساتي من أجل نجاح الإصلاح في واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي عربي متأخر، وإعادة صوغ العمل العربي المشترك وفقًا لمنظومات عربية وظيفية مرنة: أمنية واقتصادية وثقافية وسياسية، والتوازن في العلاقات مع الأطراف الدولية والإقليمية المختلفة.

وهكذا، يتضح أنّ النظام الإقليمي العربي لا بدَّ أن يستند إلى أنظمة سياسية عربية تنهي الاستبداد، وتجعل من الشعب وحده مصدرًا للشرعية عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية، وتفرض التداول السلمي على السلطة، وتضمن الحريات الفردية والعامة، وتحرّم التعذيب، وتحرّر سجناء الرأي والضمير، وتُرسي استقلالية القضاء، وتقبل بالتعددية الفكرية والسياسية، وتُطلق حرية الإبداع. فالمطلوب أولًا أن تتجاوب أنظمة الحكم العربية مع مطالب الإصلاح الداخلية، وتُعيد ترتيب بيتها على أسس ديمقراطية سليمة، إذ تبدو الحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة النظام الإقليمي العربي بما يتوافق مع الأوضاع الجديدة التي فرضتها المعادلات الجيو- استراتيجية في المنطقة والعالم، ويستند إلى دول عربية عصرية تقوم على أسس الحقّ والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدرك عناصر القوة الكامنة لدى الدول العربية ويُفعّلها لما يخدم الأهداف المشتركة.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية التي تواجه العالم العربي اليوم بـ: إيجاد صيغة لنوع من السيادة الجماعية في بعض المجالات من دون التفريط بجوهر السيادة الوطنية لكل دولة عربية. إذ يبدو أنّ الأمر يتعلق بضرورة إعطاء الجامعة سلطة “ما فوق وطنية” مُقابل تنازل الدول الأعضاء عن جزء من سيادتها، كما أنّ تحوّلًا سلوكيًا في اتجاه التوافق بين الدول الأعضاء على الحلول الوسط يبدو ضروريًا أيضًا.

وهنا تبرز أهمية المجتمع المدني العربي، من خلال صيرورة الجامعة “حزام نقل” في الاتجاهين بين القرار العربي الرسمي من جهة والهيئات والمنظمات غير الحكومية من جهة أخرى، بما يفتح في المجال للقيم السياسية الحديثة، وبما يعزز البعد العربي للجامعة ويوفر الآليات لمشاركة هيئات المجتمع المدني العربي كافة في صوغ القرارات العربية المشتركة. ولعلّ تحقيق هذا التواصل يتطلب تطعيم أجهزة الجامعة بالخبرات العربية من خارج “الكوتا” الرسمية، كما يتطلب تعديل وتفعيل “الميثاق العربي لحقوق الإنسان”، وإحداث سلطة برلمانية شعبية عربية تُمثل الدول الأعضاء عن طريق الانتخابات المباشرة، الحرّة والنزيهة.

ويبدو أنّ جوهر تلك العملية يعني محاولة التكيّف مع التغيّرات العالمية، إن لم تكن الاستفادة منها. وهنا تبرز أيضًا أهمية “الدوائر المتقاطعة” المفتوحة، والدائمة التحرك بمرونة، إذ تحقق هذه الاستراتيجية لكل دولة عربية استقلالًا عن الأخرى، في جزء من دائرتها الفرعية؛ وفي الوقت نفسه، تتقاطع مع دائرة أو دوائر أخرى، حول مصالح مشتركة، تضيق أو تتسع بحسب الظـروف، ولكنها لا تستقل أو تنعزل تمامًا، وتنشأ نتيجة لذلك نماذج لنظم مختلفة من الأمن والتعاون، في حدود تقاطع الدوائر. وقد حدّدها الكاتب المصري محمد سيد أحمد كما يلي: دائرة البلد العربي الواحد، دائرة النظام العربي، دوائر المجموعات الإقليمية المحدودة، دوائر البلدان الشرق أوسطية، وأخيرا الدائرة المتوسطية.

إنّ إحياء دور النظام الإقليمي العربي يتطلب التعامل بنجاح مع عدّة تحديات: أولها، تطبيع مفهوم الدولة الوطنية في الفكر القومي. وثانيها، تجديد البناء المؤسسي وتكييفه مع التحديات السياسية والوظيفية الجديدة ليستطيع التعامل معها بفعالية (تطوير وظيفة الديبلوماسية الوقائية، وتفعيل ميثاق الشرف للأمن والتعاون العربي الذي أُنجز منذ سنة 1995، وإحداث محكمة العدل العربية). وثالثها، تطعيم أجهزة الجامعة بالخبرات العربية من خارج “الكوتا” الرسمية، وإحداث سلطة برلمانية شعبية عربية تمثل الدول الأعضاء عن طريق الانتخابات المباشرة، الحرة والنزيهة. ورابعها، صوغ العلاقات العربية مع دول الجوار ذات التأثير في التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وخامسها، إعادة صوغ علاقات النظام العربي على الصعيد الدولي انطلاقًا من المتغيّرات الدولية، وذلك من خلال إجراء تقويم بشأن كل علاقة ثنائية مع قوى العالم الجديد.

وإذا ما تم كلّ ذلك، يمكن القول إنّ جامعة الدول العربية منظمة إقليمية لها أهدافها ورؤيتها، وتمتلك آليات تنفيذ قراراتها، وتتمكن من إيجاد توازن من نوع جديد بين العالم العربي ومحيطها الإقليمي والدولي.

ويبدو أنّ الامر يتطلّب صوغ استراتيجية عربية موحّدة، تأخذ في الحسبان الخصائص القطرية، تتجه بالعالم العربي نحو التعاون المجدي مع نفسه أولًا، ومع جواره الإقليمي ثانيًا، ومع العالم ثالثًا.

 

خاتمة

بات ضروريًا إعادة النظر في ميثاق جامعة الدول العربية، وفي نظامها القانوني، وتعديل ميثاقها على نحو يكفل لها القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة من أجل تدعيم أجهزتها ومؤسّساتها لكي يتلاءم دورها مع التطورات الحادثة على الساحتين العربية والدولية، وهي تحولات تُنذر بفيضٍ من التفاعلات التي من شأنها التأثير في المنطقة العربية بما يتطلّب أن نتحسّب لها.

لذلك، تغدو الحاجة إلى تغيير النظام السياسي العربي مصيرية، وهي مسألة حياة أو موت، إذا ما فكّرنا في التحديات الإقليمية الرئيسية التي تواجه الإقليم العربي، وأولها، بكل تأكيد، إعادة الأمن والاستقرار ونهاية خطر الإرهاب، وضمان الانتقال الديمقراطي في بلدان ربيع الثورات العربية، وبناء نظام إقليمي عربي يعكس الطموحات الكبرى للمواطنين.

إننا نعيش مرحلة انتقالية منفتحة على مختلف الاحتمالات، خاصة في ضوء مآلات ربيع الثورات العربية وتداعيات الحرب الدولية ضدّ “الإرهاب”، ولن يكون لنا ما نريد سوى بالتخطيط والعمل الاستراتيجي، في المديين القريب والبعيد، والتضامن العربي، واستمرار الاحتضان العربي الرسمي والشعبي لانشغالات الشعوب العربية.

وحتى لا تجرفنا غبطة بيانات الإصلاح بعيدًا من أرض الواقع، تجدر الإشارة إلى ضرورة إحداث تغييرات حقيقية، وليس مجرّد ديكورات شكلية، إذ إنّ الوصاية على شعوبنا والنظر إلى التغيير بوصفه منّة أو هبة يمنحها الحاكم لرعاياه جعلت من التغيير ضربًا من الخيال، مما يتطلب ضرورة الانعتاق من هذا النهج السلطوي حتى يصبح للإصلاح معنى وقيمة‏.‏

إنّ المرحلة المقبلة تقتضي من دون شك شحذ الوعي الاستراتيجي العربي بمفاهيم وأساليب وآليات جديدة للتعامل مع أزمات غير مسبوقة، وتحوّلات نوعية متسارعة، وتحديات غير مألوفة، ذلك أنّ الأمر لا يتعلق بترميم نظام متداعٍ، وإنما بالاستعداد للانتقال المتأخّر من مناخ المعادلة الدولية المندثرة إلى آفاق معادلة دولية أخرى قيد التكوين.

سيبقى واقع حال جامعة الدول العربية على وضعه الراهن طالما أنّ الجامعة هي جامعة حكومات وليست فعلًا “جامعة دول” بما هو عليه مفهوم الدولة من تكامل بين عناصر الشعب والأرض والسلطة الحاكمة. ومن دون إيجاد حلّ لوجود المجتمعات العربية المدنية في النظام الإقليمي العربي، سيظلّ ذلك النظام كسيحًا غير قادرٍ على إطفاء أي حريق، كما نراه أمامنا إزاء الكارثة السورية.

وتبقى الأسئلة: هل ينجح العرب في صوغ رؤية متجانسة، أو حتى توافقية، لمستقبل النظام الإقليمي بما يُحقق الحد الأدنى المشترك من مصالحهم؟ أم يتركون الساحة للأطراف الإقليمية الأخرى والأطراف الخارجية لتُملي ما يلبي مطامحها وتتوصّل إلى تفاهمات في ما بينها، قد تكون على حساب المصالح العربية؟