وحدة مراجعات الكتب

مراجعة: محمد نور النمر

الكتاب: عاشقات الشهادة (تشّكلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية)

تأليف: محمد أبو رمان وحسن أبو هنية

الناشر: مؤسسة فريدريش آبيرت

مكان النشر: عمان/ الأردن

تاريخ النشر: 2017

 

نشر الكاتبان الأردنيان محمد أبو رمان وحسن أبو هنية كتابهما الرئيس في مشروع فهم المنظومة الجهادية ([1]) في عام 2015 وهو: الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية، وذلك بعد عام واحد على بروز الطفرة الداعشية التي تمثلت في إعلان خلافتها عام 2014.

يأتي كتاب عاشقات الشهادة (تشكلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية) الصادر قبل أيام عن مؤسسة فريدريش آيبرت في عمان، ليكون لبنة إضافية حقيقية إلى النسق الفكري الذي يشتغل عليه المختصان بالقضايا الأصولية الإسلامية، وتحديدًا الجهادية الإسلامية المعاصرة منذ نشأتها وحتى الآن.

يتألف الكتاب من مقدمة، وتسعة فصول على قسمين، اختصت الفصول الأربعة الأُوَل في القسم الأول منه بالجانب النظري الذي يتحدث عن التشكلات التاريخية والأيديولوجية للجهادية النسوية، بينما احتوى القسم الثاني خمسة فصول، كان محورها نماذج من الجهادية النسوية العالمية، إضافة إلى الخاتمة مع شرح لقائمة الثبت التعريفي بالمصطلحات.

في المقدمة يحدد الباحثان الظاهرة التي يريدان درسها؛ النسائية (الجهادية) بعد استبعاد العناوين الإعلامية البراقة، من مثل (عرائس الجهاد) أو (جهاد النكاح) أو (عشيقات البغدادي)، محاولة لفهم واقع الظاهرة، وحجمها، وشروطها الفعلية بعد أن شابها كثير من الضبابية والغموض.

وحدد الباحثان زاويتين لتحقيق هذا الهدف أولاهما: انتقال دور المرأة الجهادية من الدور المعتاد، المتمثل بربة البيت، وتربية الأولاد إلى المرأة المهاجرة، ونفير النساء، ثم كيفية تخطي المعضلات الفقهية لهذا التحول. وثانيتهما: ترتبط بمعرفة الأسباب التي تدفعهن إلى الانتماء إلى تنظيم (الدولة الإسلامية)، والتضحية بالأشياء كلها من أجل هذا الهدف، إضافة إلى تعارض الطبيعة المتطرفة والدموية مع الطبيعة العاطفية للمرأة عمومًا.

من هنا كان هدف الكتاب _كما يقول الباحثان_ الاشتباك مع الرؤية الاختزالية للظاهرة (الجهادية) والنسائية منها على الخصوص؛ لأن الدراسات الحالية إما أيديولوجية، أو استشراقية وثقافوية مختزلة تعاني سوء القصد، وصعوبة الفهم، واللبس. هذا الاشتباك كان من خلال التصدي لأسباب انخراط النساء في هذا التنظيم، وسعيهنّ للهرب إلى أراضي هذه الدولة، إضافة إلى ربط هذه الظاهرة بمتغيرات التعليم، والحالة الاقتصادية، والمكونات الأسرية وغيرها.

ولتحقيق هذه الأهداف انقسم الكتاب إلى قسمين، الأول اختص بالجانب النظري لظاهرة تطور (الجهادية) النسائية تاريخيًا في المرحلة الحديثة والمعاصرة، أما القسم الثاني عُدّ دراسة حالة من خلال التعمق في حالات نسائية جهادية منتقاة؛ وذلك لمعرفة الأسباب والعوامل السيكولوجية والسوسيولوجية المحيطات بهذه الظاهرة، من مثل: لماذا أصبحن جهاديات؟ وكيف؟ كل هذا وفق محددين أساسين هما: أن المرأة (الجهادية) هي تلك المرأة التي تؤمن بأيديولوجية السلفية الجهادية مع الإيمان بالعمل المسلح العنيف، إضافة إلى ضرورة التمييز بين خطاب النسوية الجهادية عن خطابات النسوية الإسلامية، والنسوية العالمية.

يتألف القسم الأول من الكتاب الجهادية النسائية: التحولات التاريخية والتشكلات الأيديولوجية، من أربعة فصول، وهي:

الفصل الأول بعنوان التشكلات التاريخية للجهادية النسوية؛ رصد فيه الباحثان المرأة في المنظومة الجهادية في تطورها التاريخي، انطلاقًا من المنظومة الفقهية السنية بمذاهبها الأربعة التي تتطابق في الأحكام المتعلقة بجهاد المرأة، ثم سبر دور المرأة في نسختها الوهابية، وفي كتابات محمد بن عبد الوهاب تحديدًا؛ لأن وضع المرأة في الدولة الإسلامية يستند بصورة كبيرة إلى التراث الفقهيّ الوهابيّ. ثم يرصد هذا الفصل موقع المرأة في السلفية المعاصرة، بدءًا من كتابات (المودودي) التي تؤسس لهوية جهادية نسائية، وكتابات (حسن البنا) مؤسس حركة الإخوان المسلمين، وكتابات (سيد قطب) وصداها في الحركة النسائية الجهادية، وصولًا إلى دور المرأة في جماعات الجهاد المحليّين من مثل جماعة (التكفير والهجرة)، و(تنظيم شباب محمد)، والجماعات الجهادية الأخرى، إضافة إلى منزلة المرأة في الجهاد التضامنيّ الأفغانيّ.

يخلص الكاتبان إلى أن المنظومة الجهادية كانت ذكورية بامتياز، وفي مراحلها كلها، وكان دور المرأة فيها هامشيًّا، استُبعدت فيه من أي دور مركزي.

الفصل الثاني بعنوان نساء القاعدة والدولة الإسلامية، رُصد فيه تطور دور المرأة في المنظومة الجهادية في مرحلة القاعدة في أفغانستان، وهي المنظومة التي حرصت على المحافظة على الدور التقليدي لها في التربية، والدعم اللوجستيّ، والدعاية الإعلامية في التحريض على الجهاد، مع التأكيد على تجنب المشاركة في الأعمال القتالية، فحافظت القاعدة بذلك على الإرث (الوهابي والقطبي) التقليدي لدور المرأة في الجهاد.

يظن الباحثان أن مرحلة الدولة الإسلامية -على يد الزرقاوي تحديدًا- هي المرحلة التي شهدت ولادة المرأة (الجهادية)، خصوصًا في كلماتِ الأخير _أي الزرقاي_ المحرضة على نصرة المسلمات من الاغتصاب والتعذيب في السجون الأميركية والعراقية.

وتحت عنوان لافت، بدأ الفصل الثالث بعنوان نساء الخلافة؛ على الرغم من أن المرأة احتلت مراكز إدارية مهمة في (الدولة الإسلامية)، إلا أن الدور الأهم للنسوة (الجهادية) كان في مجال الدعاية والترويج لتلك الأيديولوجيا، فظهر نشاطها الأبرز في مجال الإعلام، وخصوصًا وسائل التواصل الاجتماعي أو دورها في المنابر الإعلامية التي أوجدها تنظيم (الدولة الإسلامية)، وشهد الجانب الإعلامي تقدمًا على صعيدي الشكل والمضمون، فلم تقتصر المشاركة الإعلامية على كتابة الأبحاث والمقالات الشرعية، إنما تعدّتها إلى صور أخرى من هذه البروغندا الأيديولوجية بمثل شاعرات الخلافة (أحلام نصر وسلاف النجدية)، إضافة إلى تأليف نساء داعش جيشًا ألكترونيًا بأسماء، وكنى حركية.

التقدّم الأبرز لنساء الخلافة هو تأسيس كتيبة الخنساء التي تشارك في الأعمال القتالية والاستخباراتية، ومتابعة قضايا التجسس لأول مرة في تاريخ الفكر (الجهادي)، إضافة إلى عمليات التفتيش، والتدقيق للنساء في الحواجز؛ من أجل حفظ الأمن، وذلك من خلال ديوان الحسبة.

الفصل الرابع من القسم الأول جاء بعنوان عاشقات الشهادة، ظاهرة الانتحاريات، يعيد فيه الكاتبان نشوء الانتحاريات إلى الحركات العلمانية قبل أن تنشأ في الوسط الديني، وخصوصًا الحزب القومي السوري، وحزب البعث في سياق العمليات ضد إسرائيل، ثم بدأت حركات إسلامية وطنية باستنساخ تلك الفكرة منها حركة حماس، والجهاد الإسلامي، خصوصًا أنها عُدّت عمليات استشهادية بقصد نكاية العدو، وبالتحديد في الكتابات الفقهية لعلماء المؤسسة الرسمية مثل البوطي، والقرضاوي، وأحمد حسون، ووهبة الزحيلي، ومحمد سيد الطنطاوي.

على الرغم من تأخر جواز ظاهرة العمليات (الاستشهادية) عند أسامة بن لادن والظواهري في السلفية (الجهادية)، فقد كان أبو عبد الله المهاجر هو أول من كتب بحثًا بجوازها في كتابه فقه الجهاد، وقد كان (يوسف العييري) أول من دافع عن مشاركة المرأة في الأعمال الجهادية، وخصوصًا مدحه العمليات (الاستشهادية) النسائية، ثم تبعه على نحو أكبر مؤسس تنظيم (الدولة الإسلامية) (أبو مصعب الزرقاوي) الذي أسس أول كتيبة (جهادية) نسائية، وجاءت انتحاريات الخلافة صورة أخيرة لهذا النموذج عندما ظهرت انتحاريات ضمن خلايا وشبكات و(ذئاب منفردة) تتبع أواصر تنظيم الدولة في عدد من بلدان العالم باسم عمليات انغماسية.

جاء القسم الثاني من الكتاب (المهاجرات: لماذا؟ وكيف؟ أصبحن جهاديات) بفصوله الخمسة بوصفها دراسة عملية تطبيقية معمقة للقسم الأول الذي تعلق بالجانب النظري لظاهرة الجهادية النسائية.

في الفصل الأول – نماذج نسائية عربية – يكشف الباحثان زيف ظاهرة (جهاد النكاح) بعدِّها صناعة إعلامية هادفة من جانب النظام السوري، ثم ينتقي الباحثان قصص نماذج نسوية جهادية التحقن بـ (الدولة الإسلامية)، وذلك بحسب الدولة التي تملك جنسيتها، أولاها (الأردنية العائدة)، عمرها 25 عامًا، ومجازة في علم النفس، ومن فلسطين (إيمان كنجو) طالبة دكتوراه في الشريعة الإسلامية 48 عامًا، ونساء سِرت في ليبيا، ثم السودانيات الاثنتا عشرة اللواتي يدرسن أغلبهن الطب في جامعة (محمود حميدة) في السودان، بعدّ الأخريات من وسط اجتماعي غني ومتعلم، ومعظمهن من حاملات الجنسية الغربية.

آخر نموذج عربيّ، وأهمه كان من المغرب (فتحية المجاطي) بعدّها الأم الروحية للجهاديات المغاربة، وقصتها الأسطورية في التحول من امرأة متحررة غير متدينة إلى الالتحاق بالقاعدة، ثم السجن مع ابنها في السعودية، ومقتل زوجها فيها، ثم ولديها في سورية، ثم الالتحاق بأرض الأحلام، وصولًا إلى الزواج بالرجل الثاني في تنظيم داعش أبو علي الأنباري، والأزمات الاقتصادية التي رافقتها في مراحل هذه الدراما المؤلمة.

كان الهدف من الفصل الثاني الذي جاء بعنوان (تراجيديا النسائية الجهادية السعودية)، محاولة الوصول إلى فهم الأسباب، والشروط الذاتية والموضوعية التي أدت إلى هذه الظاهرة، ودراسة متغيرات الظاهرة مثل المكونات الاجتماعية، ومستوى التعليم والحالة الاقتصادية، ولما تحتلّه عاشقات الشهادة _السعوديات_ من منزلة بارزة في هذه الظاهرة، فقد ّركّز الباحثان على انضمام 21 عاشقة للقاعدة وداعش، منهن أيقونة (الجهاديات) هيلة القصير، ووفاء الشهري، وندى القحطاني، وأروى البغدادي، مرورًا بنساء البريدة، ريما الجريش، وصولًا إلى مي الطلق التي دفعها عشقها إلى الزواج من حبيبها المعتقل في داخل السجن، وإنجابها منه طفلين، وهو في داخل معتقله، ثم الهرب إلى اليمن ثم إلى السجن مرة أخرى، وأيضًا أم ويس، وهند عبد الله القرشي، وأم عاتكة نماذج من الجهادية النسوية السعودية، إذ كان لتعامل السلطات السعودية القاسي مع قضية المعتقلين من أقارب، أو أزواج، أو كل ما يرتبط بهؤلاء النسوة؛ الدور الكبير في تحولهنّ إلى جهاديات.

خُصص الفصل الثالث الذي جاء بعنوان إيمان البغا، التنظير الأيديولوجي والفقهي، للحديث عن الجوانب الاجتماعية والأسرية للأكاديمية السورية إيمان البغا، من حيث كونها سليلة أسرة شامية عرفت بأنها من أشهر وعاظ ومشايخ الشام، ووالدها أشهر علماء هذه الأسرة الذي عرف بتأييده لنظام بشار الأسد، إضافة إلى عملها الأخير في السعودية أستاذة لمدة 15 عامًا في جامعة الدمام، ثم هجرتها إلى أرض الخلافة في الموصل لتصبح إحدى الأسماء النسائية الإعلامية البارزة في صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى وجود ابنتها أحلام نصر التي عرفت بأنها شاعرة الخلافة.

استهدف الفصل الرابع  الذي كان بعنوان الأوروبيات المهاجرات إلى أرض الجهاد، بعدّها ظاهرة جديدة نالت _550 فتاة أوروبية_ اهتمام الباحثين الغربيين، ومراكز الدراسات حول دافع الفتيات الأوروبيات الجامعيات إلى ترك حياتهن الأوروبية الحديثة، والهجرة إلى أراضي (الدولة الإسلامية) ليعشن حياة بدائية لا تقارن ماديًا بالغرب، من هنا اختار الكتاب ثلاثة نماذج أوروبية، أولها البريطانيات المهاجرات من خديجة سلطان وشقيقات داوود، وغيرهن ممن التحقن بـ (الدولة الإسلامية)، وأقصى محمود أو أم الليث مثل ما تسمى في كتيبة الخنساء الداعشية في الرقة، وثانيها الجهاديات الفرانكفونيات: بلجيكا وفرنسا، بعّدّهن الأخطر في الجهادية النسوية الأوروبية؛ نظرًا إلى حجم مشاركتهن الأكبر، وقد تناول البحث الحياة الاجتماعية، والتعليمية، والاقتصادية، لعدد منهن (مليكة العرود) أو أميرة القاعدة في أوروبا و(حياة بومدين)، و(حسناء آية بولحسن) وغيرهن.

تناول الفصل الأخير الداعشيات الأميركيات.. إرهاب السوشيال ميديا، من خلال التركيز على دور الإنترنت في تحول كثيرات من النساء الأميركيات إلى الجهادية الداعشية، والهجرة إلى أراضيها، ذلك كله مكّن من كشف شبكة العلاقات الافتراضية، أو الواقعية، والاجتماعية، ودور الصدمات الدينية والعاطفية في هذا التحول، ابتداء بـ (تاشفين مالك) ذات الأصول الباكستانية، والمقيمة في أميركا، إلى أريل برادلي المسيحية الأميركية، وتحولها إلى الإسلام، ثم الهجرة إلى أراضي (الدولة الإسلامية)، وصولًا إلى (هدى محمد مثنى) الطالبة الأميركية ذات الأصول اليمنية، وهجرتها إلى الدولة الإسلامية، وانتهاء بـ (جابلين يونغ) التي أوقعتها الاستخبارات في فخ التواصل مع (الدولة الإسلامية)، ومن ثَمّ القبض عليها في المطار، والحكم عليها بتهمة التآمر لتقديم دعم مادي لتنظيم (الدولة الإسلامية).

الخاتمة بعنوان نتائج ومؤشرات عامة، توصل فيها الباحثان إلى دور تطور الأدوات الإعلامية والدعائية لتنظيم (الدولة الإسلامية) في تجنيد النساء من خلال التركيز على يوتوبيا الخلافة، وكذلك على الدور الرئيس لها في المنظومة الإدارية والتعليمية والصحية، وحتى القتالية وصولًا إلى الانتحارية، إضافة إلى أن داعش تملك مشروعًا سياسيًا بديلًا تمثّل في دولة قائمة واقعيًا، وعرفت كيف تستغل العاطفة الأنثوية في تجنيدها؛ لتكون عاملًا فاعلًا في النسوية (الجهادية) التي تحولت بعد الطفرة الداعشية إلى ما يشبه العائلات الجهادية، أو المجتمع الجنينيّ الجهاديّ.

إن الطبيعة المشكلة لموضوع (الجهادية) عمومًا، والنسوية منها خصوصًا، هو ما يجعل أي بحث حقيقي في هذا الموضوع مشكلًا بالضرورة، وهو ما طبع مفاصل الكتاب _الذي بين أيدينا_ بهذه السمة المشكلة المحمودة، من عنوانه إلى الفصول التي يتكون منها، وصولًا إلى الخاتمة، إضافة إلى المشكلات الرئيسة التي طرحها حول تساؤل مهم هل هن _أي عاشقات الشهادة_ ضحايا أم شريكات في هذا الفكر المتطرف، ومن صُنّاعه؟.

يثير عنوان الكتاب الرئيس (عاشقات الشهادة) مشكلة جدية وتساؤلاتٍ عدة، فما أصل هذا المفهوم (العشق – الشهادة – النساء)، ولماذا استخدم عنوانًا رئيسًا؟ فهل يرتبط بالحقل الصوفي، وخصوصًا النسوية الصوفية، وشهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية تحديدًا؟ أم إن الأمر له ارتباط بأدبيات السلفية (الجهادية) من مثل نصيحة عبد الله عزام للنساء بحياة الزهد، والابتعاد عن الترف، والاكتفاء بكسرة خبز، وجرعات من الشاي، وهي نفسها وصية أسامة بن لادن لزوجاته «كنتنّ زاهدات في الحياة معي فازددن فيها زهدًا من بعدي»، أو الهجرة إلى أرض (الدولة الإسلامية)، وترك بلاد الغرب بما فيها من ملذات، خصوصًا أن أغلبيتهنّ من النساء ذوات المستوى الاقتصادي الجيد جدًا.

لم يرد هذا العنوان الحركيّ اللافت _عاشقات الشهادة_ في كتابات الجهاديين أو الجهاديات، فهل للأمر علاقة بالترويج الإعلامي للكتاب، خصوصًا؛ لأنه يصدر من مؤسسة فريدريش آبيرت، ويمثّل بذلك مشروعًا مضادًا للمشروع الذي تتبناه تلك العاشقات، هذا المشروع يتجسد في تعزيز المشاركة السياسية، وتحسين العملية الديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين.

لا يضيف الفصل الأول الذي يحمل العنوان ذاته للقسم الأول أي التشكلات التاريخية للجهادية النسوية جديدًا لدراسة الظاهرة المثيرة؛ لأن ما جاء فيه يُعد من الأمور المعروفة حول موقف الجماعات الإسلامية من المرأة، مثلًا ما جاء في كتاب لأحد الكاتبين _حسن أبو هنية_ في بحثه عن المرأة والسياسة من منظور الجماعات الإسلامية في الأردن المخصص لدراسة هذا الموقف([2])، وعليه لم يكن هذا الفصل إلا تكرارًا للمواقف المتفق عليها وخصوصًا الفقهية منها، ولم يحمل بعدًا مشكلة جديدة في الرأي حوله، هذا مع تأكيد الفصل ذاته على أن دور المرأة في الجماعات الجهادية قبل بروز تنظيم القاعدة وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر2001 كان هامشيًّا (ص 84).

قدّم الفصل الثاني من الكتاب معلومات قيمة وفهمًا متميزًا للمشكلة المرتبطة بتطور الظاهرة (الجهادية) النسوية من نساء القاعدة و(الدولة الإسلامية)، والتحول الكبير الذي طرأ في منزلة المرأة في مرحلة (الدولة الإسلامية) في عهد الزرقاوي عن مرحلة القاعدة الكلاسيكية في عهد بن لادن والظواهري. وعلى الرغم من العنوان اللافت والجديد للفصل الثالث نساء الخلافة، إلا أنه لم يكن تكملة لما في الفصل الثاني، ولم يضف جديدًا، خصوصًا أن تنظيم القاعدة في العراق بزعامة الزرقاوي بدأ يفكر بإدخال النساء في العمليات القتالية، وخصوصًا الانتحارية، وخطابه الشهير (أينقص الدين وأنا حي؟)([3]) ، من هنا نتساءل، ما التحول الذي طرأ على دور (الجهادية) النسوية بين القاعدة في عهد الزرقاوي وعهد نساء الخلافة؟ ما نقصده أنه لم يطرأ أي تطور أو تغيير فهذا ما يؤكده فصل نساء الخلافة الذي اقتصر فيه الحديث على دورهنّ في مجال الإعلام، والدعوة والترويج لأيديولوجيا تنظيم (الدولة الإسلامية)، وكتيبة الخنساء، والمرأة المحتسبة، فالأولى أصبحت جزءًا من ديوان الحسبة، فباتت بمثابة وزارة شؤون المرأة الإسلامية فهي تعمل في مجالات الإعلام والتعليم والمساجد والأمن والشرطة والحدود والتحقيقات وإقامة الحدود (ص151).

أمّا الفصل الأخير من القسم الأول الذي يفترض أن يمثّل جوهر الكتاب ويعبر عن أهميته؛ لأن عنوانه هو عنوان الكتاب نفسه (عاشقات الشهادة)، فلم يكن على المستوى المأمول منه؛ لأن معلوماته المتعلقة بدور المرأة الانتحارية في المنظومة (الجهادية) الخاص بالقاعدة وداعش، لم تكن مكررة في أكثر من مكان في البحث فحسب، إنما أيضًا؛ لأن  أغلبه يتحدث عن نشأة الظاهرة تاريخيًا مع العودة إلى الجدالات بشأن منزلتها ودورها، وصولًا إلى موقف زعيم القاعدة في جزيرة العرب (يوسف العييري) الذي عدّ أول من دافع عن مشاركة المرأة في الأعمال (الجهادية)، إضافة إلى موقف الزرقاوي في هذا المجال، إلا أننا نلاحظ جوهر الفصل المتعلق بظاهرة انتحاريات الخلافة، أو عاشقات الشهادة لم تأخذ أكثر من أربع صفحات فحسب.

وقد مثّل القسم الثاني من الكتاب مشكلة منهجية يرتبط بدرس 47 حالة تقريبًا من اللواتي هاجرن إلى أرض داعش، وكان المنهج المتبع في دراسة هذه الحالات هو منهج دراسة الحالة بتصنيفها أفراد أو مجموعات، وفي عدد من بلدان العالم العربية، والأوروبية، وأميركا؛ وذلك لدراسة الأسباب الذاتية، والموضوعية، أو النفسية، والاجتماعية التي دفعتهنّ إلى تبني هذا الفكر، إلا أن الانطباع الذي يخرج به قارىء هذه الحالات، هو التركيز على الجانب الشخصيّ في هذه النماذج، إضافة إلى التشديد ليس على اختلاف الأحوال والأسباب التي دعت الأميركيات إلى الالتحاق بداعش، واختلاف حال الأوروبيات عن سابقتها، وحال الأخيرات عن السودانيات أو السعوديات فحسب، وإنما على اختلاف هذه الأسباب والأوضاع بين داعشيات البلد الواحد من مثل اختلاف وفاء الشهري عن أم الرباب في السعودية، واختلاف تاشفين مالك عن جابلين يونغ، ولذلك لا نستطيع -وفق هذا المنهج- الوصول إلى تفسير علمي دقيق، ومحدد لهذه الظاهرة الخطرة؛ لذلك لا يمكننا تعميم نتائج هذه الدراسة على حالات أخرى جديدة، إضافة إلى أن هذا القسم تبنى التفسيرات الذاتية، والموضوعية، والشخصية كلها، والوضع العام، والحالة السياسية، والوضع الاقتصاديّ، والتربية الأسرية، وغيرها، ذلك كله، وفقًا لكلّ حالة من الحالات الـ47 المستهدفة، من هنا يمكن القول: إن هذا التبني لهذه التفسيرات كلها يَحُوْل التعمق في دراسة الظاهرة، بل يجعلها في تدور في إطار عام، لا إطار تفسير علمي دقيق.

أمر لافت، وبخلاف النماذج الأخرى من الحالات المدروسة اللواتي سُمي الفصل المهمتم بهنّ باسم بلادهنّ، مثلًا الفصل المعني بالسعودية سمي بـ «تراجيديا النسائية الجهادية في السعودية»، والفصل المعني بأوروبا سمي بـ «الأوروبيات المهاجرات إلى أرض الجهاد»، أما إيمان البغا فهي الوحيدة التي أُفرد لها فصل خاص «إيمان البغا؛ التنظير الأيديولوجي والفقهي». فلماذا لم تُلحق بالفصل الخاص بعاشقات الشهادة السعوديات بما أنها عاشت أعوامها الأخيرة – بعد عام 2001 – مدرسّةً في الجامعات السعودية؟ فهل الأمر _أي إفراد فصل خاص بها_ يرتبط بحياتها الاجتماعية، أو النفسية الأسطورية؟ علمًا أنها تعيش حياة أسطورية على غرار حياة فتحية المجاطي، أم إن الأمر يتعلق بمكانتها في الدولة الإسلامية، أو تسميتها بأم داعش الفقهية، وهي التسمية التي أطلقها الباحث إبراهيم الجبين في مقالته الشهيرة التي كانت بعنوان: «إيمان البغا أم داعش الفقهية في الموصل ووالدها يدعو لبشار الأسد في دمشق»، مع العلم أنه ليس ثمة ما يشير إلى هذه المنزلة المميزة لها في منظومة (الدولة الإسلامية) على غرار صاحب فقه الجهاد أبو عبد الله المهاجر، أو غيره من فقهاء القاعدة أو (الدولة الإسلامية).

ربما يتعلق الأمر بصفتها الأكاديمية؛ كونها حازت شهادة الدكتوراه في الفقه من جامعة دمشق، لكن هذا اللقب لا يمنحنا الحق بالقول بـ «فقيهة الدولة الإسلامية»، خصوصًا أن مصادر الكتابين هم صفحة فيس بوك، أو مقالة صغيرة لها (أنا داعشية قبل داعش)، ولم يجرِ التطرق إلى كتاباتها، أو حتى رسالة الماجستير والدكتوراه، أو حتى بحثها حول «ولاية المرأة» في أثناء عملها في السعودية.

أم إن تسمية هذا الفصل باسمها ([4]) يعود إلى منزلة عائلتها في تراتبية المشيخة الدمشقية، وهو ما أسهب الباحثان في الحديث عنه، من مثل منزلة وعلم (مصطفى البغا) في مشيخة الشام، إضافة إلى زوجاته، وأسرته، وأولاده وعائلاتهم، وموقفهم من النظام وغيرها، هذا كله اعتمادًا على مراقبة صفحات الفيس بوك الخاصة بأسرتها!

وعلى الرغم من اعتماد الباحثان منهجية كرة الثلج أو Snow BALL، التي استخدمت في مراقبة صفحات الفيس بوك وتويتر، ليس فقط في مراقبة (ص 191) الشخصية المستهدفة فقط، إنما أيضًا مراقبة صفحات أسرتها، وصديقاتها، وعلاقات المصاهرة التي تربطها؛ إلا أن ذلك يدعونا إلى تساؤل مهم هو: هل يمكن الاعتماد على مراقبة مواقع افتراضية مثل الفيس بوك وتوتير في بناء بحث علمي؟ وهل تعد هذه المصادر موثوقة علميًّا في مسألة في غاية الأهمية مثل التي يناقشها هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟.

أخيرًا أشار الباحثان في مواضع عدة إلى مشكلة المصادر والمراجع الموثوقة التي تعد من أهم الصعوبات التي واجهت البحث، خصوصًا ارتباطها بأجندة أيديولوجية سواء تعلق الأمر بأجندات تنظيم الدولة الإسلامية أم بأجندات خصومه، والأهم ندرة المصادر المتعلقة بهذه الظاهرة، ومع ذلك نجد هذه المصادر والمراجع قد نالت عدد صفحات بنسبة كبيرة تصل إلى 14 في المئة من عدد صفحات الكتاب، أي إنها كانت 71 صفحة، من المجموع الكليّ لصفحات الكتاب (512)، التي توزعت إلى المصادر والمراجع، والمراجع الإنكليزية، والرسائل، والكلمات، والأبحاث، والمقالات الصحفية، والأخبار والتقارير الصحفية، والوثائق والبيانات والمرئيات والأشرطة.

 

([1]) وللكاتبين عدد من الكتب في هذا المجال كلها من إصدار مؤسسة فريدريش آيبرت في الأردن ومنها: كتاب الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية 2015، وكتاب السلفية الجهادية في الأردن بعد مقتل الزرقاوي، مقاربة الهوية – أزمة القيادة – ضبابية الرؤية) عام 2009، وكتاب الحل الإسلامي (الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن في الأردن) عام 2012، وكتاب السلفية المحافظة استراتيجية “أسلمة المجتمع” وسؤال العلاقة الملتبسة مع الدولة عام 2010، وكتاب أنا سلفي  بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين لمحمد أبو رمان عام 2014، وكتاب المرأة والسياسة من منظور الحركات الإسلامية في الأردن عام 2008، وكتاب الطرق الصوفية دروب الله الروحية التكيف والتجديد في سياق التحديث عام 2011 لحسن أبو هنية.

([2]) المرأة والسياسة من منظور الحركات الإسلامية في الأردن، حسن أبو هنية، مؤسسة فريدريش آبيرت، عمان، 2008. وقد احتوى الكتاب على فصلين، الأول بعنوان: الإسلام والسياسة والمرأة خارج السياقات الديمقراطية، وقد ناقش فيه موقف حزب التحرير، والسلفية التقليدية، والسلفية الجهادية، والتبليغ والدعوة. أما الفصل الثاني فجاء بعنوان: الإسلام والسياسة والمرأة داخل السياقات الديمقراطية وناقش فيه موقف الإخوان المسلمين، وجبهة العمل الإسلامي، حزب الوسط الإسلامي، وحزب دعاء.

([3]) عاشقات الشهادة، ص119.

([4]) ردت إيمان البغا على هذا الكتاب (عاشقات الشهادة – تشكلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى الدولة الاسلامية) وعلى هذا الفصل تحديدًا في 14 نيسان/ أبريل 2017، أي بعد يوم واحد من صدور الكتاب بصيغة pdf على الإنترنت في 13 نيسان/ أبريل 2017. تقول إيمان البغا:  تواصل معي البعض لعدة مرات يريدون معلومات شخصية وحديثاً يتعلق بهجرتي إلى أرض الخلافة , بعضهم من أجل إعداد كتاب عما يسمونه بالجهاديات, وبعضهم من أجل أبحاث تتعلق بالمرأة في الدولة الإسلامية, ولكني تجاهلت تماماً طلباتهم لسبب واحد أظنكم أيها الإخوة والأخوات تعرفونه ..
ثم أرسلت لي باحثة منهم رابطاً للكتاب، وفيه حديث مطول عن الجهاديات، ورغم أني لم أجد من هذه الباحثة إلا الذوق والأدب وحسن التعامل ولكن لم أرد عليها بكلمة لنفس السبب إياه ..
تجاوز الكتاب الـ 5000 صفحة يتحدث عن هجرة من هاجرت من النساء إلى الدولة، ودراسة الأسباب الإيدلوجية والفيزلوجية والتعبوية والنفسية والاجتماعية و و و و و و , وطُرح في الكتاب سؤالاً عن وجه التوافق بين فتاة أوربية في العشرين من عمرها تهاجر من بريطانيا إلى الدولة وبين أكاديمية عربية تهاجر من الجزيرة العربية إلى الدولة الإسلامية , وذكر أسماء الكثيرات بعضهن من جزيرة العرب وأخريات من فرنسا والسودان و و و ..
وأتعب المؤلفون أنفسهم في البحث عن حياة كل واحدة منا، والأسباب المحيطة بها والتي دفعتها إلى الهجرة ..
ووقفوا طويلاً عند نشأتي ونفسيتي وطبيعتي وحياتي وحزنت لأجلهم لأنهم لم يجدوا عن حياتي الخاصة إلا معلومات شحيحة جداً، وحتى ما ذكروه كان غير صحيح في أغلبه ..
ضحكت كثيراً لكل ما كتبوه عني فيما تجاوز الأربعين صفحة تقريباً.. ضحكت بألم .. وأرجو منكم إخوتي وأخواتي أن لا تفقدوا صبركم وتشعروا بالملل.. فالزبدة قادمة …
الزبدة أيها الكرام والكريمات.. أنهم حاولوا ان يكتبوا عني وعن المهاجرات كل ما استطاعوا معرفته ولو كلمة كتبتها وهن هنا أو هناك ولكنهم لم يأتوا بكلمة عن الحقيقة ..
حقيقة أمتنا التي تُذبح يومياً على أيدي الكفرة.. وحقوقنا التي تستباح.. وشعوبنا التي تُشرد.. وحرماتنا التي تداس ..
هذا هو السبب الذي جعلني أبخل عليهم بكلمة.. أعرف أنهم يحولون الأمر إلى قضية أشخاص، ويتناسون أنها قضية أمة ..
لم يمتلكوا معلومات عن حبي للأزياء والزينة والنزهات وإعداد الموائد والاستقبالات والثرثرة مع النساء وأنا أشرب القهوة.. كنت أود أن أقرأ عن ذلك أيضاً ..
يتكلمون.. ويتباحثون.. ويتناقشون.. ثم يشكرون جهود بعضهم.. ثم.. ثم ..
ويخدرون أنفسهم ليتناسوا بأنهم من أمة تسقى المذلة والقهر بسبب قعودهم ووهن أنفسهم.

#إيمان_مصطفى_البغاتواصل معي البعض لعدة مرات يريدون معلومات شخصية وحديثاً يتعلق بهجرتي إلى أرض الخلافة , بعضهم من أجل إع…

Posted by ‎د.إيمان مصطفى البغا‎ on Friday, April 14, 2017