المحتويات

مقدّمة

أولًا: صعود الصين

ثانيًا: الصين في عالم متداخل ومتشابك

1- اللحاق بالعالم المتقدّم

2- التشابك الصيني- الأميركي

3- التشابك الصيني- الروسي

4- الصين والمسألة الكورية

ثالثًا: الصين والمسألة السورية

خاتمة

 

 

مقدّمة

في 1992، أي قبل ربع قرن من الآن، قام الزعيم الصيني في ذلك الوقت _دينغ شياو بينغ، مؤسّس النهضة الصينية المعاصرة_ برحلته الشهيرة إلى جنوب الصين، كي يُعاين من هناك الفرص المتاحة أمام الصين لولوج مسار التقدّم والانطلاق نحو نهضة شاملة.

جاءت هذه الرحلة في عقب المتغيّرات الكبرى التي أخذ العالم يشهدها، إثر انهيار “المنظومة الاشتراكية” في أوروبا الشرقية عام 1989، وتفكّك الاتحاد السوفياتي عام 1990، بعد محاولات لإصلاح الأمور باءت بالفشل. لكنها جاءت أيضًا بعد ثلاث سنوات من الاعتصام الشهير الذي نظّمه الطلاب الصينيون صيف عام 1989 في ميدان (تيان آن مين) مطالبين بالديمقراطية بتأثير المتغيّرات الكبرى آنفة الذكر. هذا الاعتصام الذي كاد يعصف ببرنامج الإصلاح الذي اعتُمد في أواخر سبعينيات القرن الماضي، لولا تدخّل الجيش الذي فضّه بالقوة.

ألقى شياو بينغ في هذه الرحلة مجموعة من الخطب عدّها الصينيون في ما بعد “وصيّته” للأمة. في وصيّته تلك، وجّه شياو بينغ الانتباه إلى مسألة التربية، وأعطاها اهتمامًا خاصًا، وركّز على ضرورة أن يتحلّى من يُرشَّحون لتقلّد المناصب القيادية بالكفاية والنضج السياسي، وأن يكونوا ثوارًا وشبانًا مدرّبين تدريبًا جيدًا وذوي كفاية حرفية.

لقد أكد شياو بينغ في رحلته هذه استمرار (مشروع الصين النهضوي) القائم على ما توافق الصينيون على تسميته (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية).

وعليه، يُمكن القول إن الرئيس الصيني الحالي، تشي جين بينغ، واحد من هؤلاء الذين وضعهم دينغ شياو بينغ على سلّم المناصب القيادية قبل رحيله في تطبيق عمليّ لـ (وصيّته) للأمة، وهو يبدو مختلفًا عن سلفيه اللذين خلفاه: الرئيس جيانغ زيمين (1993 – 2002) والرئيس هويس جينتاو (2003 – 2012) لجهة الكاريزما والطموحات. إنه بحقّ الخليفة الحقيقي لدينغ شياو بينغ.

 

أولًا: صعود الصين

كانت الصين منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1949 لاعبًا إقليميًا في المقام الأول على مسرح السياسة الدولية، لكنها كانت لاعبًا فاعلًا ومؤثرًا.

في المستوى العالمي، بعد الدور الصيني في الحرب الكورية، أطلّت بيجين على مؤتمر الدول الأفرو – آسيوية الذي استضافته إندونيسيا في مدينة باندونغ عام 1955 ممثلة برئيس وزرائها يومذاك شو إن لاي.

في بادونغ بدا الانفتاح الصيني واقعيًا على دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية. غير أن موقع الصين في المستوى العالمي تعزّز أكثر عندما غدت عمقًا لفيتنام الشمالية إبّان حروب الهند الصينية الثلاث في فيتنام ولاوس وكمبوديا. وغدت لاعبًا دوليًا مهمًا يتعذّر تجاهله في الأزمات العالمية الكبرى، ولا سيّما في آسيا.

عندما قرّر الجمهوريون الأميركيون برئاسة ريتشارد نيكسون الخروج من المستنقع الفيتنامي الذي تورّطت فيه طويلًا الإدارتان الديمقراطيتان للرئيسين جون كنيدي وليندون جونسون، كان لا بدّ لواشنطن من الاعتراف ببيجين، والإقرار بمكانتها آسيويًا ودوليًا. وبفضل ما عُرف بـ “دبلوماسية البينغ بونغ (كرة الطاولة)”، نجح هنري كيسنجر في “هندسة” الانفتاح على الصين ودعوتها إلى أعلى مواقع المنتدى الدولي. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1971 تأكدت حقيقة الصين بوصفها “قوة عالمية كبرى” عندما أخذت مقعد الصين الوطنية (تايوان) في الأمم المتحدة وأصبحت إحدى الدول الأعضاء الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

أسّس دينغ هسياو بينغ الاشتراكية ذات الخصائص الصينية التي استخدمت بعض آليات اقتصاد السوق، وفق منهج براغماتي، وضعت القيادة الصينية في ضوئه خطّة عمل استراتيجية مقسّمة إلى ثلاث مراحل: هدفت الأولى إلى حلّ مشكلة الغذاء والكساء بين عامي 1981 و1990، وهدفت الثانية إلى تحسين مستوى المعيشة وتحقيق حياة الرفاهية بين عامي 1990 و2000. وتهدف الثالثة التي تمتدّ حتى عام 2049، إلى الوصول بالصين إلى مستوى الدول المتقدّمة، على أن تُنفّذ خطة العمل من خلال عمليات تحديث في أربعة مجالات رئيسة: الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا، والقوات المسلّحة.

تختلف الصين اليوم، بوصفها عملاقًا اقتصاديًا عالميًا، كثيرًا عن الصين الراديكالية أسيرة الروح التقشفية التي حكمت “الثورة الثقافية” (1966- 1976)، وانتهت عمليًا بسقوط ما عُرف بـ “عصابة الأربعة”، وبدء مرحلة الانفتاح التي قادها دينغ هسياو بينغ.

ترافق انتهاج بيجين سياسةً عالميةً أكثر جرأةً مع صعود تشي جين بينغ إلى سدّة الحكم، وهو الذي خرجت الصين بقيادته من براثن الأزمة المالية العالمية قويةً وواثقةً بنفسها، وأطلقت مشروعات طموحة لنشر النفوذ الصيني حول العالم. وكان مشروع (الحزام للربط البري) عبر آسيا والشرق الأوسط إلى أوروبا أشدّها طموحًا.

تمتدّ خطة الصين الاستراتيجية على المدى الطويل حتى منتصف القرن الحالي. قبل ذلك تستمرّ الصين في عدِّ نفسها دولة نامية تسعى لتحقيق التقدّم والحداثة، ويندرج في هذه الرؤية مشروع الرئيس الحالي (الحلم الصيني)، الذي يمتدّ حتى عام 2020. فمن المتوقع أن تُساهم الأسواق الجديدة التي تحاول الصين دخولها، بدفع الاقتصاد الصيني إلى الأمام، لا سيّما أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.

في بداية عهده، طرح الرئيس تشي جين بينغ، في سبتمبر/ أيلول 2013، مبادرة (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير) و(طريق الحرير البحري) للقرن الـ 21، بوصفهما أهمّ خططه لعلاقة الصين بالعالم، ولدور الصين في عالم المستقبل، وهو يُمثل ردًا كلاسيكيًا من قوةٍ بريةٍ على هيمنة القوة البحرية الكبرى (الولايات المتحدة) على المحيطات والبحار في العالم.

تشمل مبادرة (الحزام والطريق) الصينية، كما اصطُلح على تسميتها، حزامًا أرضيًا يمتدّ من الصين مرورًا بآسيا الوسطى وروسيا وصولًا إلى أوروبا، وطريقًا بحريًا يمرّ عبر مضيق ملقا في جنوب شرقي آسيا إلى الهند والشرق الأوسط وشرق أفريقيا، وهذا ما يجعل المنطقة العربية محورية ومهمة في هذه الخطة الصينية، خصوصًا أنها تشمل توجهات تنموية مثل بناء خطوط الأنابيب، والبنية التحتية للتنقيب عن المعادن، ومرافق النقل والاتصالات، هذا فضلًا عن انكبابها على إنشاء البنى التحتية وإقامة المشروعات الضخمة والعملاقة، على غرار مشروع القناة في نيكاراغوا وخطّ السكك الحديد للربط السريع بين بيجين وموسكو، وتعزيز وجودها في أماكن استراتيجية من العالم تستطيع فيها الوصول إلى المواد الأولية.

وقد بلغ حجم الاستثمارات المباشرة للشركات الصينية في الدول الواقعة على (الحزام والطريق) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2015، نحو 12.03 مليار دولار أميركي، بزيادة قدرها 66.2 في المئة عن المدة المماثلة من العام الذي سبقه 2014، ويُعادل ذلك الرقم نحو 15.3 في المئة من إجمالي الاستثمارات الصينية المباشرة غير المالية خارج الصين.

تبدو خطط تشي جين بينغ هذه نقلة نوعية في استراتيجية الصين النهضوية التي أطلقها دينغ هسياو بينغ العام 1978، إذ تتحول بالصين من التفكير بالاقتصاد المحلّي إلى التفكير بالعلاقة مع العالم، ومكانتها فيه، عقب النجاح الاقتصادي المُبهر الذي حققته خلال العقود الأخيرة. لكن الخطة لا تبدو مفاجئة، ولا تُعدّ تغييرًا في استراتيجية الصين، بل تطويرًا منطقيًا لها، واستكمالًا لنهج الإصلاح والانفتاح الذي تريد الصين أن تُتوّجه في مئوية الجمهورية الشيوعية، العام 2049، أي أن تكون الدولة الأقوى اقتصاديًا في العالم.

لكن ما تشي به خطط الصين وتوجهّاتها في عهد الرئيس تشي جين بينغ، أن طموحها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى الوضع السياسي، خصوصًا أن للصين مطالب في منطقتها الجغرافية، أهمها استعادة جزيرة تايوان، لتكون جزءًا من الوطن الأم؛ ومع جيرانها، مثل خلافاتها الحدودية مع الفيليبين، لا يمكن تحقيقها قبل أن يصير للصين “مكانٌ تحت الشمس” في دنيا القرار السياسي والعسكري في العالم.

لذلك، تعمل الصين لفرض وجهة نظرها على خصومها الإقليميين المدعومين من واشنطن في ما يتعلق بالنزاعات الإقليمية في بحريّ الصين الجنوبي والشرقي. وما يزال الصراع الاستراتيجي على هذا البحر مشتعلًا. بيدَ أن الصعود السلمي للصين يُنظر إليه بكثير من الارتياب والتوجّس من هؤلاء الخصوم، تمامًا على غرار مطالباتها بالسيادة على عدد من الجزر والشُعب المرجانية في بحر الصين.

من جهة أخرى، في الداخل الصيني، نجح تشي جين بينغ في تعزيز سلطته، سواء أمام العسكريين أم داخل جهاز الحزب الشيوعي. وعلى الرغم من بعض الاحتجاجات، إلا أنه يبدو صاحب شرعية في أعين شعبه مادام النظام ناجحًا في المجالات الاقتصادية والتنموية. ومما لا شك فيه أن ثمة مثقفين يطعنون في شرعيته ويطالبون بمزيد من الحريات، إلا أن هؤلاء يظلّون، نسبيًا، قلة قليلة في واقع الأمر. ثم إن شرعيتهم أكبر في الخارج منها داخل الصين.

نستطيع القول اليوم إن علاقات الصين بدول العالم لا يحكمها منطق الثورة، بل منطق الدولة، وهي لا تسير بموجب الشعارات الراديكالية، بل بواقعية المصالح المشتركة.

ثانيًا: الصين في عالم متداخل ومتشابك

1- اللحاق بالعالم المتقدّم

في 2016، استأثر كل من فلاديمير بوتين وباراك أوباما ودونالد ترامب بأكبر قدر من الاهتمام والتعليقات في الصحافة وفي الإعلام الدولي عامة، ويبدو أن رجل العام 2017  قد يكون الرئيس الصيني تشي جين بينغ، الذي نال قسطًا ملحوظًا من تسليط الضوء عليه خلال الأشهر الأخيرة. فهو على رأس بلد لم يُقدِم على مغامرات خارجية غير موفقة عمومًا. وإذا كان صحيحًا أن النموّ الاقتصادي لبلاده بات أقلّ قوة مما كان عليه خلال السنوات الأخيرة، إلا أن معظم البلدان الأخرى ما زالت تغبط الصين على معدّل نموّها الاقتصادي على الرغم من تراجعه، وعلاوة على ذلك، فإن الأزمة الموعودة التي توقّع كثيرون أن تصيب الصين لم تحدث. وإذا كانت الاقتصادات الناشئة واقتصادات بلدان (كتلة البريكس)، التي تضمّ إلى جانب الصين (البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا)، تُعاني من أوقات اقتصادية ومالية عصيبة، فإن ذلك ليس هو الحال بالنسبة إلى الصين التي تواصل صعودها وتعمل على تدارك تأخرها الاقتصادي عن الولايات المتحدة.

غير أن دبلوماسية الصين، بالمقابل، ليست على درجة كبيرة من الاقتحام، ووزنها الاستراتيجي الدولي يُعدّ أقلّ من وزنها الاقتصادي؛ ذلك أنها، عمومًا، تميل إلى الإحجام عن التدخل في القضايا الدولية، وتحرص، بالمقابل، على تحديد مصالحها في المدى الطويل، وهي مطمئنة إلى ذلك. فهي لم تشارك منذ بداية القرن الحالي في أي تدخل عسكري خارجي، خلافًا لروسيا والولايات المتحدة الأميركية، وبهذه الطريقة، حمت الصين اقتصادها وشعبيتها، وآثرت الاستثمار في التنمية على الانخراط في مغامرات عسكرية مُكلفة وغير مأمونة العواقب.

وجدير بالذكر أن سياسة عدم التدخل هذه، تعود في جوهرها إلى عام 1953 من القرن الماضي، عندما وضع رئيس الوزراء، في ذلك الوقت، شو إن لاي (مبادئ الصين الخمسة للتعايش السلمي) التي ستلتزم بها الصين، والقائمة على:

  • الاحترام المتبادل للسيادة وسلامة الأراضي.
  • عدم الاعتداء المتبادل.
  • عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
  • المساواة والمنفعة المتبادلة.
  • التعايش السلمي.

وقد نمت هذه المبادئ خلال المسار التاريخي للصين لأنها دولة نامية ترنّحت أكثر من مئة عام تحت نير الإمبريالية والاستعمار. وقد حققت هذه السياسة النجاح المطلوب، إلى جانب نوعية المساعدة التي تُقدمها الصين، ولا تعتمد على المال فحسب، بل أيضًا على تنفيذ مشروعات حيوية متنوعة.

لكن، من دون أن ننسى أن “سياسة عدم التدخل” هذه، لم تمنع بيجين من إجراء صفقات أسلحة مع أنظمة تخضع للعقوبات الغربية، مثل أنظمة إيران وسورية والسودان، والسعي لعقد صفقات تجارية مُربحة مع مثل هذه الأنظمة، على الرغم من رعاية شركائها التجاريين للتطرّف العنيف، والمشاركة في الإبادة الجماعية، أو استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في بلدانهم. وقد دانت وسائل الإعلام الغربية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان الصين لاتخاذها مثل هذه القرارات، ولكن من دون جدوى. وردًا على تلك الإدانات، يؤكد الخبراء الصينيون سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، أو يُشيرون إلى “المعايير المزدوجة” للولايات المتحدة الأميركية في شراكتها مع أنظمة مثل المملكة العربية السعودية، وإلى تعذيب المتهمين بالإرهاب في خليج غوانتانامو وأماكن أخرى، وهندسة الانقلابات غير الديمقراطية.

ولم يكن ممكنًا لـ “سياسة عدم التدخل” هذه أن لا تتأثر بالتبدّلات التي طرأت على الاستراتيجيات الدولية الكبرى، أو أن تنأى بالصين عن التشابك مع هذه التبدّلات.

 

2- التشابك الصيني- الأميركي

بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية عام 2001، كان جلّ اهتمام الولايات المتحدة الأميركية منصبًّا على العالم الإسلامي والحرب في أفغانستان والعراق. وكانت الصين تؤدي دور القوّة الصاعدة، فيما اتجهت الولايات المتحدة نحو تعزيز علاقاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية والفليبين، وأقامت شراكات جديدة مع فيتنام والهند وميانمار.

في عام 2002، بعد أن اعترفت كوريا الشمالية بأنها امتلكت قنبلة نووية، طالب الرئيس جورج بوش، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، الرئيس الصيني في ذلك الوقت، جيانغ زيمين، أن يستخدم نفوذه لإنهاء البرنامج النووي لكوريا الشمالية. لكن زيمين أعلن أن كوريا الشمالية ليست مشكلة الصين، بل مشكلة بوش. وفي كانون الثاني/ يناير 2003 حاول بوش مرّة أخرى، لكن زيمين لم يحرّك ساكنًا، ثم حذّر بوش الصينَ من أن الولايات المتحدة تفكر في ضرب كوريا الشمالية. وهنا التفتت الصين وأخذت الأمر على محمل الجدّ. ففي آب/ أغسطس 2003، وبضغط من بيجين، وافقت كوريا الشمالية على الانضمام إلى الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا في محادثات سداسية الأطراف. صحيح أن المحادثات السداسية انهارت في نهاية المطاف، لكن الاستنتاج الذي توصّل إليه الأميركيون هو أن النظام في بيجين يردّ ردًّا جيدًا عندما يرى أن الأمر خَطِر وجادّ. لم يعد ممكنًا بعدها إصرار الصين على الامتناع عن اتخاذ مواقف حاسمة في قضايا السياسة الخارجية الصعبة، ثم إن تجنّب المشكلات المستعصية والمعقدة أصبح أمرًا صعب المنال. ومنذ ذلك الوقت احتلّت المسالة الكورية مكانًا بارزًا في استراتيجية الصين الدولية.

حفلت السنوات الثماني الماضية بتحولاتٍ عالمية كبرى، فمنذ أن تسلّم الرئيس باراك أوباما السلطة في واشنطن عام 2009، طرأت تغييرات عدة على الوضع الجيوستراتيجي العالمي ومواقع القوى الكبرى على الخريطة الدولية.

خلال عهد أوباما الذي استمرّ دورتين متتاليتين 2009- 2017، انكفأت واشنطن وخفّفت وجودها العسكري في مناطق عدة. اتّبعت إدارة أوباما هذا الخيار في سبيل احتواء نتائج سياسات إدارتي جورج دبليو بوش التي أفرطت في التوسّع الاستراتيجي والعسكري، وأدخلت الولايات المتحدة في الأزمة المالية عام 2008. في المقابل، عادت روسيا بصخب إلى المسرح الدولي، بينما طرحت بيجين سلسلة من المشروعات الإقليمية والدولية، مبرزةً صعودها على سلّم القوة العالمية. أما أوروبا فتعرّضت لامتحاناتٍ صعبة كما هو معروف.

واستعدادًا للصراع الاستراتيجي المتوقع مع الصين، أطلقت إدارة أوباما الأولى مبكّرًا مفهوم “محور آسيا” الذي يعني أن الدور الأميركي ومصير السياسة العالمية سيتحدّدان في جنوب شرق آسيا. وفي إشارةٍ رمزيةٍ إلى هذه السياسة، كسرت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، في حينه، تقليدًا عريقًا جرى عليه أسلافها وزراء الخارجية الأميركيون منذ جورج مارشال، بأن تكون أول زيارة خارجية لهم بعد تعيينهم إلى القارة الأوروبية. واستعاضت كلينتون عن ذلك بجولة في جنوب شرق آسيا.

وإذا كان أوباما قد وضع، خلال السنوات الثماني الماضية، الأسس الاستراتيجية لتأهيل القيادة الأميركية للنظام الدولي، متّخذًا من تهدئة التوترات الدولية سبيلًا إلى ذلك، فإن بوتين وتشي جين بينغ عملا على تحسين موقعي بلديهما مستغلّين الانكفاء الأميركي، ورتّبا الأوضاع لصراع قد يزداد حدّةً بعد أوباما، بغضّ النظر عمّن يكون الرئيس الأميركي المقبل.

جعلت الصين من نفسها حاملة راية التبادل الحرّ في مواجهة أميركا. وتنوي بطريقتها إعادة رسم التجارة في القرن الحادي والعشرين، بعد أن كانت أكبر الرابحين من العولمة في القرن العشرين. وأعلن الرئيس الصيني، تشي جين بينغ، في تشرين الثاني/ نوفمبر بعد انتخاب ترامب “لن نغلق الباب على العالم وإنما سنوسّعه”. وفي مؤتمر دافوس الاقتصادي 2016 الذي شارك فيه للمرّة الأولى، دافع الرئيس الصيني عن رؤيته التي تدعو إلى “عولمة تتّسم بمزيد من الشمولية” وتشجّع على “إعادة وضع العولمة في منظورها الصحيح”. وفي هذا الطرح، استهدف الرئيسَ الأميركي، دونالد ترامب، الذي وعد بالتخلّي عن اتفاق التبادل الحرّ عبر الأطلسي، وبإقامة حواجز جمركية مع جيرانه ومع الصين، وانتقد منظمة التجارة العالمية.

لقد كان واضحًا، قبل بداية ولاية رئاسة ترامب، أن العلاقات الأميركية – الصينية تواجه مشكلة على درجة كبيرة من التعقيد. فالاختلاف والتوتر بين الدولتين يتفاقم بسرعة حول كثير من القضايا والملفّات، خصوصًا ما يتعلق منها بالتجارة والعلاقة مع تايوان والنزاعات الإقليمية والتحرّكات العسكرية في بحر الصين الجنوبي، وكلّها من القضايا الشائكة التي يصعب الوصول فيها إلى حلول مُرضية. وأغلب الظنّ أن العالم بعد أوباما، سوف يشهد أشكالًا من الصراع الاستراتيجي أشدَّ ضراوةً مما سبق أن شهدته المنافسات الجيوسياسية ما بين الدول الكبرى في الأعوام التي تلت نهاية الحرب الباردة.

ليس من شكّ في أن أميركا كانت على قدْرِ التحدّي في معارك سيطرتها على العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى سنوات قريبة مضت، ونقلت معارك سيطرتها هذه إلى ما وراء المحيط. غير أن تزحزح بؤرة القوة في النظام الدولي الراهن من جرّاء الصعود المتوقع لقوى دولية أخرى خلال العقدين المقبلين مثل الصين، من شأنه أن يهدّد هذه السيطرة، وصولًا إلى مقاسمة واشنطن نفوذَها العالمي في المدى المتوسط؛ وهو أمر لا يبدو أن دونالد ترامب سيستطيع معالجته بسـهولة.

فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى، لها مصالح متشعّبة في بحر الصين الجنوبي وترتبط بالدول المتجاورة على شاطئ هذا البحر. ويمكن تلخيص هذه المصالح، ذات الطبيعة الاستراتيجية، بضمان استمرارالتفوق العسكري بتكثيف الوجود، والتصدي لتمدّد القوة الصينية التي تمثل المنافس الدولي الأول لها، والمحافظة على حرية الملاحة لأساطيلها وأساطيل حلفائها ورصد التطورات الخاصة بتوسّع عمل القوات الصينية خارج محيطها الإقليمي، فضلًا عن البوادر الخاصة بالسعي الصيني لإقامة قواعد عسكرية في الخارج.

وقد أقدمت الصين إبّان عهد أوباما على تنفيذ خطط لإقامة جزر صناعية جديدة في مياه أعلنت سيادتها عليها، على الرغم من ادعاءات أخرى بأنها تقع تحت سيادة حلفاء لأميركا مثل الفليبين التي تتخوّف _إضافة إلى كوريا الجنوبية وفيتنام واليابان_ من ادّعاءات الصين المتلاحقة بالسيادة على القطاعات المائية التي تمثّل الشريان الاقتصادي الحيوي لهذه الدول. وقد اتجهت إدارة أوباما، في حينه، نحو تشجيع الفليبين على معالجة الخلاف حول الجزر الصناعية مع الصين بطريقتها الخاصة، على الرغم من إعلان البيت الأبيض تأييده الحكمَ الصادر عن المحكمة الدولية في لاهاي في شهر تموز/ يوليو من العام الماضي، الذي يعارض ادّعاءات الصين بسيادتها على المناطق المتنازع عليها.

ثم إن العمل الذي حاولت إدارة أوباما الأولى إنجازه لبناء التحالف الآسيوي، ما يزال أمامه كثير من الإجراءات المكمّلة حتى يتحوّل إلى سياسة فاعلة قادرة على ردع الصين. وقد اتضحت هذه الحقيقة خلال انعقاد قمة مجموعة العشرين في أوائل أيلول/ سبتمبر 2016 في مدينة (هانجزهاو) الصينية، عندما اكتُشِفت القوارب الصينية وهي تقوم بدورياتها في المياه الضحلة الفليبينية المسمّاة (سكاربورو شول) التي سبق للولايات المتحدة أن حذّرت الصين من إقامة مزيد من الجزر الصناعية فيها.

خلال هذه المدة، أشار المرشح الرئاسي، دونالد ترامب، إلى اتخاذ موقف أكثر تشدّدًا تجاه ما وصفها بـ “الصين السيئة”، حتى قبل فوزه بالانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، وفي بيان حملته الرسمي، كتب ترامب قائلًا “هناك بعض الأشخاص الذين يتمنّون لو أنني لا أُشير إلى الصين بوصفها عدوًا لنا. ولكن، هذا هو توصيفهم بالفعل”.

لم يتوقف ترامب بعد تسلّمه مقاليد الأمور في البيت الأبيض عن الإدلاء بتصريحاته تجاه الصين عبر شاشات التلفزة ومن خلال (تويتر)، إذ اتهمها بنشر قواتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي، والتلاعب بعملتها، وعرقلة محاولات كَبْح جماح الدكتاتور الكوري، كيم جونغ أون، وقد أَغضب ترامب بيجين أيضًا، بعد تلميحه باحتمال زيادة الاعتراف السياسي بتايوان، وهي جزيرة قائمة على الحكم الديمقراطي، تعدّها الصين جزءًا من أراضيها.

في أثناء ذلك، حذّر إيفان ميديروس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، الرئيسَ الجمهوري من محاولة تحدّي بيجين على صعيد هذه المجموعة الواسعة والمتنوعة من القضايا، وقال “لا يمكنك القيام بكلّ شيء في الوقت ذاته، ولا يمكنك افتعال اشتباك مع الصين حول تايوان، والتجارة، وكوريا الشمالية، وبحر الصين الجنوبي في الوقت نفسه. بكل بساطة، لن ينجح الأمر بتلك الطريقة، وسينتهي بك الحال في نهاية المطاف، بالوقوع في معركة كبيرة مع الصين، ولن تعود تلك المعركة بأي نفع على الولايات المتحدة الأميركية”.

في إثر التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي المعيّن، ركس تيلرسون، خلال جلسة استجوابه أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي، دعا فيها إلى “ضرورة منع السفن الصينية من الوصول إلى جزر (سبراتلي) المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، خرجت الصحيفة الصينية “تشاينا دايلي”، الناطقة باسم الإدارة الرسمية في بيجين، بعناوين عريضة تطلب من تيلرسون وواشنطن تهيئة أنفسهم لـ “مواجهة مدمّرة مع الصين” في حال قرّروا تطبيق الكلام الذي تفوّه به وزير الخارجية المحتمل.

كان لافتًا إصدار وزارة الخارجية الصينية تحذيرًا رسميًا لـ ترامب في 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، أي بعد أيام من تسلّمه مقاليد السلطة، بأن “يبقى بعيدًا عن الخلافات في بحر الصين الجنوبي”، وقالت الناطقة باسم الوزارة، هوا شونيينغ، إن “الولايات المتحدة ليست طرفًا في الخلاف الدائر في بحر الصين الجنوبي، ولذا نحن نحثّها على احترام هذه الحقيقة، وأن تتكلّم وتتصرّف بأدب لكي لا تضرّ بالسلام والاستقرار في بحر الصين الجنوبي”، وحذّرت الصين أيضًا الولايات المتحدة من أنها تزعزع الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بعد تعهّد وزير الدفاع الأميركي الجديد، جيمس ماتيس، بأن بلاده ستدعم اليابان في أيّ مواجهة عسكرية مع بيجين حول جزر متنازع عليها.

ما يُثير قلق الصينيين حقًا، ليس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه فحسب، بل أيضًا الإسهاب في الحديث في وسائل الإعلام الغربية عن خطّة مدروسة وضعتها الإدارة الأميركية الجديدة للتفرقة بين بيجين وموسكو مقابل التقارب بين الأميركيين والروسيين.

وفي تقرير لمجموعة من الخبراء والمتخصّصين البارزين بشؤون الصين _وبعضهم تعامل مع بيجين لأكثر من خمسين عامًا_ سُلِّم للبيت الأبيض في مطلع شباط/ فبراير الماضي ونُشر في العاصمة واشنطن في السابع من الشهر نفسه، جرى التشديد على أن العلاقات بين البلدين المُسلّحين نوويًا، أميركا والصين، يُمكن أن تتدهور سريعًا، الأمر الذي سوف يؤدّي إلى حدوث مواجهات اقتصادية،وربما عسكرية، إذا لم يجرِ التوصُّل إلى تسوية بشأن القضايا المُختلف عليها ومن ضمنها التجارة، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي.

في هذه الأجواء، انعقدت القمة التي جمعت الرئيسين الأميركي، دونالد ترامب، والصيني، تشي جين بينغ، يوميّ السادس والسابع من نيسان/ أبريل الماضي في (منتجع مارالاغو) الذي يملكه الرئيس الأميركي في فلوريدا. لقد كان لهذه القمة وقع المفاجأة، إذ بدا الموقف الدبلوماسي الأميركي تجاه الصين وكأنه انقلب رأسًا على عقب.

احتلّت قضية كوريا الشمالية محور الاهتمام في هذه القمّة التي لم يتسرّب عنها الشيء الكثير، عدا أن الرئيس الصيني قد أُبلغ بأن ترامب قد ألغى فكرة شنّ حرب تجارية على الصين من برنامجه، وأن ترامب صرّح للرئيس الصيني في أثناء الاجتماع معه يوم السادس من نيسان/ أبريل بأنه أمر بضرب قاعدة جوية سورية بعد هجوم بالغازات السامة على مدنيين سوريين. وقد رأى بعضهم أن الصين قد استجابت للموقف الدبلوماسي الأميركي، بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، يوم الخميس 13 نيسان/ أبريل، على مشروع قرار غربي يدين استخدام بشار الأسد الأسلحةَ الكيماوية، بينما استخدمت حليفتها روسيا حق الفيتو لإيقاف هذا المشروع الذي نصّ على ضرورة موافقة بشار الأسد على فتح قواعده الجوية أمام لجنة التحقيق الدولية وتمكينها من التحقيق مع كبار الضباط السوريين بشأن الهجوم.

بعد القمة بين الزعيمين، في 11 نيسان/ أبريل، اتصل الرئيس الصيني بالرئيس الأميركي، وأبلغه أن الصين تريد حلًا سلميًا للأزمة في شبه الجزيرة الكورية. وفي اليوم التالي، أشارت صحيفة “جلوبال تايمز” إلى أن الهجوم على سورية جعل من الصعب استبعاد إمكان أن تضرب الولايات المتحدة كوريا الشمالية. وأشارت الصحيفة إلى أن “فريق ترامب عازم على حل المشكلة النووية لكوريا الشمالية”. وكي يُظهر ترامب رغبته بالتفاوض، صرّح بأنه إذا تعاونت الصين في ملفّ كوريا الشمالية، فإن الولايات المتحدة ستراعي المصالح الصينية في التجارة معها.

فهل يعني هذا أن المسألة أخذت تندرج في مسار مختلف؟ كثيرون يُشكّكون في مثل هذا الأمر، وبخاصة أن وزير خارجية الصين، وانغ يي، صرّح يوم 13 نيسان/ أبريل، محذّرًا من إمكان “نشوب الحرب في أي وقت”، داعيًا الأطراف جميعًا إلى التوقف قبل الوصول إلى مرحلة “لا رجعة فيها ولا يمكن السيطرة عليها”.

 

3- التشابك الصيني- الروسي

يُدرك القادة الصينيون التناقضات التاريخية التي تحوط بعلاقات بلادهم مع جارتهم “الأرض الجائعة” (الاسم الذي يطلقه الصينيون على روسيا). وتتجلّى هذه التناقضات باستمرار في سياسات البلدين كليهما. فكما عملت روسيا على تنويع علاقاتها في آسيا، عملت الصين على تنويع علاقاتها في أوروبا، وخصوصًا الشرقية منها، إذ يمسّ التعاون الصيني- الأوكراني جوانب حسّاسة بالنسبة إلى روسيا، مثل الاستثمار الصيني في البنية التحتية للصناعات الأوكرانية العسكرية الاستراتيجية؛ وتُحسِّن بيجين علاقاتها مع اليونان وتشيكيا وصربيا.

صحيح أن “الشراكة الاستراتيجية” مع موسكو في الوقت الحالي هي أولوية بالنسبة إلى الصين، لكن سبب هذه “الشراكة الاستراتيجية”، كما يُشير خبراء ومحلّلون، يكمن في حاجة الصين الشديدة إلى الحصول على موارد الطاقة الروسية، إضافة إلى المصالح المشتركة في آسيا الوسطى.

أما  من جهة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فمنذ اللحظة التي صارت فيها سورية المسرح الملائم لإطلاق استراتيجيته الجديدة، تطلّع مباشرة نحو الصين. وقد رأينا في شباط/ فبراير 2012، كيف أن صورة مندوبي روسيا والصين الدائمين لدى الأمم المتحدة، وهما يصوّتان في مجلس الأمن، تصويتًا مشتركًا، بالفيتو ضد مشروع قرار عربي مدعوم غربيًا بشأن سورية، هزّت الأوساط الدبلوماسية والإعلامية العالمية.

عبّر الصينيون، في مناسبات عدة، عن رفضهم وصفَ موقفهم حيال المسألة السورية بأنه يتماهى مع الموقف الروسي. وقد يكون الموقف الذي اتخذوه بالامتناع عن التصويت في  جلسة مجلس الأمن في 13 نيسان/ أبريل الماضي، على مشروع قرار غربي يدين استخدام بشار الأسد السلاحَ الكيماوي، بينما استخدم حليفهم الروسي حقّ (الفيتو) لإيقافه، إشارة إلى ذلك.

يُشير خبراء أيضًا إلى أن الرئيس الروسي قد يعمد إلى العمل على زيادة حدّة التناقضات الأميركية – الصينية بشأن بحر الصين الجنوبي، لما لذلك من فائدةٍ في تشتيت القدرات الصينية والأميركية عن المسرح الأوروبي، وزيادة مرونة الدبلوماسية الروسية ما بين القوى الكبرى؛ في الوقت الذي يعبّر الصينيون عن قلقهم بخصوص تقارير دبلوماسية وإعلامية تُشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على زيادة حدّة التناقضات الصينية – الروسية.

وقد سُرّبت إلى وسائل الإعلام صور حديثة ملتقطة لعمليات نقل صواريخ بالستية صينية نووية إلى حدود الصين الشمالية الشرقية مع روسيا، في نقطة استراتيجية مهمة تُمكّن الجيش الصيني من مهاجمة العاصمتين الأميركية والروسية، واشنطن وموسكو. ويُعتقد أن الصينيين هم من يقف وراء هذا التسريب.

ووفق معلومات وصور نشرتها صحف في هونغ كونغ وبريطانيا وروسيا، فإن وزارة الدفاع الصينية بدأت بإرسال صواريخ بالستية نووية من طراز (دونغ فينغ ــ 41) إلى مقاطعة هيلونغ يانغ في أقصى الشمال الشرقي من الصين قرب الحدود مع روسيا، وهي نقطة استراتيجية يستطيع من خلالها الجيش الصيني، في حال حصول أيّ حرب، أن يضرب بصواريخه العابرة للقارات (التي يصل مداها إلى خمسة عشر ألف كيلومتر)، واشنطن وموسكو على السواء.

 

4- الصين والمسألة الكورية

يبدو أن هناك اعتقادًا يسود في واشنطن يقوم على رؤية فحواها أنه إذا تعاونت الصين مع الولايات المتحدة في المسألة الكورية، فمن المؤكد أن كوريا الشمالية سوف تتوقف عن تجاربها لتحسّن صواريخها البالستية، وتُعيد النظر في برنامجها النووي، كما يرى أصحاب هذا الاعتقاد. وتستند هذه الرؤية إلى ركيزتين اثنتين: في الأولى، تهدد الولايات المتحدة باستخدام القوّة العسكرية، بينما تهدد الصين، في الثانية بقطع إمداد الطاقة والغذاء. وقد أكد الرئيس الأميركي في مقابلة أجراها مع صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في أوائل شهر نيسان/ أبريل الماضي، أيّ قبل أيام من لقائه الرئيسَ الصيني، أنه “إذا لم تكن الصين في وارد حلّ مشكلة كوريا الشمالية، فسنفعل، هذا ما سأقوله كله”. فهل من المؤكد أن كوريا الشمالية سوف تتراجع في سياق مثل هذا السيناريو، حتى لو اتسم بالجدية الصارمة؟

يعلم الصينيون أن رئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، ليس دمية يسهل التأثير فيها، ثم إن الرئيس الصيني، تشي جين بينغ، ينظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، فهو يرى أن الحرب في شبه الجزيرة الكورية سوف تؤدي إلى عواقب وخيمة، تؤثر في الصين وفي حلفاء الولايات المتحدة أيضًا، وبخاصة كوريا الجنوبية واليابان، بتوريطها في هذه الحرب التي سوف تتسبّب بنزوح طوفان هائل من اللاجئين، ثم إن مصالح الصين في شبه الجزيرة الكورية أكثر تعقيدًا كثيرًا من الكيفية التي يجري تصويرها عادة في الغرب، فكوريا الشمالية بالنسبة إلى الصين أكبر من مشكلة في السياسة الخارجية فحسب، إنها مجموعة من القضايا متعدّدة الأوجه تؤثر في الجدل الداخلي الحاصل في الصين، بينما تقوم برسم مسارها نحو المستقبل.

ثم إن وسائل الضغط المتاحة للصين على كوريا الشمالية، عدا الغذاء والطاقة، محدودة للغاية كما يقول القادة الصينيون أنفسهم، وسياسة كيم جونغ أون تضايقهم، بالطبع، لأنها تسمح للولايات المتحدة بزيادة حضورها العسكري في المنطقة، ونشر منظومة دفاع صاروخي في كوريا الجنوبية.

الحقيقة أن الصينيين يملكون القدرة على ممارسة ضغوط كبيرة على كوريا الشمالية، فهم يستطيعون الكفّ عن شراء الفحم منها، أو خنقها اقتصاديًا. ولكن حتى إن كانوا مستائين من سلوك كيم جونغ أون، فهم يخشَون أيضًا انهيارًا عارمًا لنظامه، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات هائلة عليهم. ويتوجّسون أيضًا من أي تداعيات استراتيجية أخرى لا يمكن توقّع عواقبها، كنشر قوات أميركية على حدودهم في حال وحدة الكوريتين.

يُدرك الصينيون في قرارة أنفسهم أن القادة الكوريين الشماليين لن يتخلَّوا أبدًا عن أسلحتهم النووية، فهي بوليصة التأمين على الحياة الوحيدة بالنسبة إليهم. ولذا، فإن أقصى هدف للصينيين هو الوصول بسلوك كيم إلى حدّ قابل للتوقع، وهم يخشَون حقًا من دفعه إلى ما لا يمكن توقعه كله. وحتى إذا زاد الرئيس الصيني من الضغوط إلى حدّ ما _وهذا أمر مرجّح_ فإن قليلين يتوقعون أن يتخلّى كيم جونج أون عن أسلحته النووية. ففي تسعينيات القرن الماضي، كانت كوريا الشمالية مستمرة في برنامجها النووي بينما كانت المجاعة تحصد أرواح 10 في المئة من سكانها.

والأمر الذي قد يكون أكثر عقلانية، أن الصينيين، ربما، يعملون بهدوء، مع آخرين، بحسب ما تُشير بعض المعطيات، لإيجاد بديل لقيادة كيم جونغ أون الذي يقوم، بدوره، بتصفية كلّ من يتبيّن أنه على علاقة وطيدة بالعاصمة بيجين، حتى إنه أعدم عمّه تشانغ سونغ ثايك، وصفَّى المرشحين المحتملين، ومنهم أخوه غير الشقيق، الذي اغتالته فرقة قتل خاصة من كوريا الشمالية بغاز الأعصاب “بي إكس” في مطار ماليزي، في شباط/ فبراير الماضي.

 

ثالثًا: الصين والمسألة السورية

اتخذت الصين منذ البداية موقفًا متحفظًا وسلبيًا تجاه ثورات الربيع العربي. وفي حال سورية، وقفت مع روسيا في مواجهة ثورة السوريين التي هدفت إلى التخلّص من نظام آل الأسد، وحتى في المستوى الأكاديمي، امتنع الباحثون الصينيون معظمهم، عن استعمال مصطلحات (الثورة) و(الربيع العربي)، واعتمدوا عوضًا عنها مصطلحات أخرى كـ (الاضطرابات) و(التغييرات).

يتضح ذلك من النشاط الكبير لوسائل الإعلام الصينية في تصوير الأحداث التي وقعت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية بصورة سلبية للغاية منذ البداية. هذا الأمر يُمكن تفسيره بالمخاوف الصينية من وقوع ثورات مماثلة في أراضيهم أولًا، وبالمخاوف المرتبطة بفتح الباب أمام التدخّل الخارجي في الصين مستقبلًا، في ظلّ اتهامات بعض الحكومات الغربية وكثير من جماعات حقوق الإنسان لقادة الصين بقمع المعارضين في الداخل ثانيًا.

ومن المعروف أن الصين، في علاقاتها التاريخية مع البلدان العربية، كانت تُقدّم دعمها للمبادرات كلها التي تصدر عن الجامعة العربية، وكانت تُؤكد أن دعمها لما يقرّره العرب بأنفسهم كله هو أمر مشروع أكثر. غير أنها، باستخدامها الفيتو في مجلس الأمن، للمرّة الثانية، حين سعت الجامعة العربية للحصول على موافقة على خطة عملها حيال المسألة السورية في أوائل شباط/ فبراير 2012، وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع الإجماع العربي.

تسبّب الفيتو الصيني هذا، في حينه، بردّات فعل متباينة في أوساط دبلوماسية وسياسية واسعة، رأت فيه تحدّيًا لإرادة المجتمع الدولي، متمثلًا في إجماع أعضاء مجلس الأمن (ما عدا روسيا) على ضرورة إدانة نظام الأسد الدكتاتوري والقمعي، ومن ثم، فإن الموقف الصيني يُمثّل مهزلة وصدمة مروّعة، بل جريمة بوصفه مشاركة من جانب الصينيين (والروسيين) في قتل الشعب السوري. لكن الصينيين يقولون إن استخدامهم حقّ الفيتو، مع روسيا، لا يعني تأييدًا لنظام بشار الأسد، وإنما هو محاولة للتوصّل إلي حلّ وسط بين النظام الحاكم وقوى المعارضة لتجنيب الشعب السوري ويلات العنف ولهيب الحرب الأهلية.

لكن الصين لم تتوقف، حتى الآن، عن إمداد النظام بأسلحة وتجهيزات ومعدّات أخرى؛ وهي، على مدار السنوات الست الماضية، لم يكن لها دور عملي ملموس أو مؤثّر، سوى أنها استقبلت ممثلين عن النظام وعن أطراف من المعارضة، من دون التوصّل إلى أيّ نتائج تُذكر؛ واكتفت بإصدار ما عُرف ببيان النقاط الست، الذي دعت فيه إلى وقف إطلاق النار، وتسوية الأزمة عبر الحوار الداخلي.

ما يجري تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية والغربية، هو أن الصين التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على منطقة الشرق الأوسط لتأمين حاجتها من النفط، لم تتدخّل بالقدر الكافي في المشكلات التي تعصف بالمنطقة، وأن دورها تجاه المسألة السورية اقتصر على استخدام حقّ الفيتو في مجلس الأمن أربع مرات لإسقاط مشروعات قرارات تتعلق بالتعامل مع هذه المسألة.

غير أن هناك من يربط الفيتو الصيني أيضًا، بتنامي عدم الثقة بين القيادة الصينية وإدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، منذ صفقة الأسلحة الأميركية إلى تايوان في 2010، التي بلغت قيمتها أكثر من 6.4 بليون دولار، وهي الصفقة التي صبّت الزيت على النار المشتعلة بخصوص عدد من الملفات الساخنة بين البلدين.

لكن، بعد إقدام الصين على اتخاذ موقفها الجديد في مجلس الأمن، يوم الخميس 13 نيسان/ أبريل الماضي، بالامتناع عن التصويت على مشروع قرار غربي يدين استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، بينما استخدمت حليفتها روسيا حق الفيتو لإيقاف هذا المشروع، هل سنشهد في الأيام المقبلة تبدّلًا ما في الموقف الصيني من المسألة السورية؟

 

خاتمة

آل التصعيد الكلامي بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى حالة من التوتر أثارت قلق العالم وقلق دول الجوار، كوريا الجنوبية واليابان خصوصًا، خوفًا من انزلاق الوضع إلى أعمال عسكرية يُمكن أن تتحوّل إلى حرب فعلية قد تُستخدم فيها أسلحة دمار شامل.

وبيّنت صور الأقمار الصناعية الملتقطة للجزر الصناعية التي بنتها الصين في محيط جزر سبراتلي المُتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بطاريات دفاعية صينية متقدّمة قادرة على إسقاط طائرات سلاح الجوّ الأميركي التي قد تُغير من القواعد الجوية في شمالي أستراليا.

وطرحت وكالة (سبوتنيك) الروسية، مؤخّرًا، تساؤلًا مثيرًا عمّن سينتصر في حال وقعت حرب بين أعظم قوى العالم؛ الولايات المتحدة، روسيا، والصين.

لقد تمكنت القوى الدولية الكبرى، في حالات مماثلة، من تجنّب نشوب حرب واسعة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وسعت لتحقيق مصالحها بوسائل أخرى، كان من أهمّها (الحرب بالوكالة) التي نشبت في مناطق مختلفة من العالم.

الآن، في زماننا هذا، أصبحت حروب الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا أدوات فاعلة في الصراع الدولي، فهل يكون لهذا التغيّر الهائل في العالم دور في استبعاد احتمال نشوب حرب عالمية كبرى؟ أم إنه يُضعفه ولا يلغيه؟