المحتويات

مقدمة

أولًا: حزب الله وقلق الاقتراب من نهاية الدور

ثانيًا: البادية السورية مسرحًا جديدًا لصراع ذي طابع استراتيجي

ثالثًا: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ترتيب النظام الإقليمي؟

رابعًا: خاتمة

 

مقدمة

لم تغيّر الإنجازات الروسية في حلب في نهاية العام الفائت تغييرًا نوعيًا في المعادلات الاستراتيجية للصراع متعدد الأطراف والمستويات الذي يدور على الأرض السورية منذ ستّ سنوات ونيّف، لكنها على ما يبدو، دفعت هذا الصراع عدّة خطوات نحو مرتسماته النهائية. فقد عجز الروس حتى الآن عن تسويق رؤيتهم لحلّ الصراع، ولم تسلّم الأطراف المعنية، محليًا أو إقليميًا، ولا دوليًا، لهم بهذا الإنجاز الذي كان سيكلّف أكثر كثيرًا، لولا الاستدارة التركية نحو موسكو قُبيل ذلك، وما رافقها من مقايضات وتوافقات تبدو حتى الآن عابرة، وتفتقر إلى أسس وحوافز ترقى بها إلى مستوى التحالفات الاستراتيجية.

المتغيّر الثاني، كان انتخاب إدارة أميركية جديدة، انقلبت كليًا أو تكاد، على نهج الإدارة السابقة وسياساتها التي اعتمدت سياسة الإدارة من الخلف، وما خلّفته من كوارث على الوضع المتفجّر في سورية وعموم الشرق الأوسط، عندما لم تكتف بعدم الفعل، بل منعت الآخرين قصدًا من الفعل. وعلى الرغم من أن الإدارة الجديدة لم تكشف – حتى الآن – عن استراتيجية متكاملة أو واضحة تجاه سورية والمنطقة، لكنها زادت من تدخلها المباشر في الصراع السوري، وانقلبت على سياسة التراخي وغضّ الطرف تجاه إيران وتدخلاتها في المنطقة، بل وعدّتها وأذرعها الميلشياوية العابرة للحدود راعية للإرهاب ومهدّدة لأمن واستقرار المنطقة، ولم تطاوع موسكو في خططها للتسوية، ولم تتعاطَ بجدية مع مسار آستانة، وتسعى جاهدة لإنعاش تحالفاتها التقليدية في المنطقة، وتسعى أيضًا لبناء تحالفات جديدة لمواجهة إرهاب داعش ومثيلاتها، وإرهاب إيران وتدخلاتها.

هذان المتغيّران المستجدان في الصراع الاستراتيجي المحتدم في المنطقة على الهيمنة والنفوذ، والتزاحم الدولي والإقليمي لملء الفراغ الاستراتيجي الذي تعاني منه بحكم ضعفها البنيوي، يُشيران إلى تبدّل كبير في أساليب الصراع وقواه وإيقاعه ومآله. ويبدو أن جنوب سورية يتحضّر لمعارك حاسمة ستترك بصماتها على مسار الصراع، وترسم الصورة التي سوف يرسو عليها، بما يُتيح فتح الباب أولّ مرّة أمام مفاوضات جادّة بين القوى المتدخلة لتوزيع حصص النفوذ في مستوييها الإقليمي والدولي.

 

أولًا: حزب الله وقلق الاقتراب من نهاية الدور

منذ أشهر، بات حزب الله – دورًا ووجودًا – تحت المجهر الدولي؛ فالولايات المتحدة تزيد عقوباتها الاقتصادية عليه وعلى داعميه، وهي ماضية بهمّة مع حلفاء آخرين كثر اجتمعوا مؤخرًا في كندا لملاحقة حركة أموال الحزب وتجارته بالمخدرات، لتجفيف منابع تمويله، ومحاصرة نشاطه في العالم. أما “إسرائيل”، فإن إعلامها يُكثر الحديث، إما عن تسليح حزب الله وتقدّم قدراته العسكرية وسلاحه الصاروخي وخطره المزعوم عليها، وإما عن التهديد بعمل عسكري واضح ضدّ الحزب. وهذا كله – من دون استبعاد الحرب النفسية -يأتي في سياق تحضير المجتمع الإسرائيلي لجولة جديدة من الحرب، يُرجّح أن يكون مسرحها لبنان، إن حصلت، لإنهاء وجوده في جنوب سورية، قبالة الحدود الإسرائيلية في الجولان على وجه التحديد. والتوجه نفسه قائم في الأردن ودول الخليج التي صنفته حركة إرهابية منذ عام 2016.

لم تكن حركة استعراضية فحسب، تلك الزيارة التي نظمها الحزب لكوادر صحافية إلى الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، والشروحات التي قدّمها مسؤول عسكري في الحزب عن الفعاليات الدفاعية الإسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود. فهي أول خرق يقوم به الحزب للقرار الأممي 1701/ 2006، الذي حظر وجود قوات حزب الله في جنوب الليطاني، الأمر الذي حدا برئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى زيارة الموقع ذاته في اليوم التالي، والتصريح بأن لبنان ملتزم بالقرار المذكور، وما كان للحريري أن يقوم بتلك الجولة لولا موافقة حزب الله، إن لم يكن بطلب منه، وهذا يعكس حالة الارتباك والقلق التي يعيشها الحزب الذي يبدو أنه يأخذ هذه التغيرات كلها على محمل الجدّ، بما فيها احتمال الحرب، في الوقت الذي هو غارق حتى أذنيه في المستنقع الدامي في سورية طولًا وعرضًا.

في آخر خطاب لحسن نصر الله قائد حزب الله في 11 أيار/ مايو الجاري، فاجأ حاضنته ومتابعيه بجملة من القرارات المتناقضة التي تمثل دليلًا إضافيًا على الحالة التي يعيشها الحزب، فقد أعلن سحب قواته من جرود القلمون والحدود الشرقية اللبنانية، وتسليم مواقعه هناك للجيش اللبناني كي يقوم بواجبه (في حماية الحدود)، مدعيًا (أن المهمة قد أنجزت هناك). صحيح أن هذا الإعلان جاء بعد اتفاق المدن الأربع وخروج  قوات المعارضة من الزبداني ومضايا وجوارهما واستقرار الحال لمصلحة قوات الحزب التي كانت تحاصر هذه المناطق منذ أربع سنوات، وارتكبت بحق أهلها جرائم حرب، وصحيح أيضًا أن هذا القرار لن يغيّر في الحالة اللبنانية، ولن يضيف إليها جديدًا، بما أن حزب الله يتحكم في الدولة اللبنانية وجيشها، وهذا القرار يجرّ الجيش اللبناني إلى المستنقع السوري، ويجعله جزءًا من المهمات الإقليمية المنوطة إيرانيًا بالحزب، الأمر الذي تعارضه وتتحاشاه أطراف لبنانية كثيرة، لكنها لا تملك القدرة على مواجهته، وسوف يعرض الجيش، الذي سيُناط به دور الحارس لخطوط إمداد الحزب، لخطر الغارات الإسرائيلية التي تلاحق شحنات السلاح المتجهة إليه وتعبر الأراضي السورية؛ لكن اللافت هو أن نصر الله الذي صرح بإنجاز المهمة، أعلن أيضًا أن قوات الحزب ستتابع مهماتها في سورية، حتى أنه دفع ألفًا من مقاتليه لتعزيز حشود النظام والميليشيات الموالية له في منطقة (السبع بيار) تحضيرًا لحرب البادية المقبلة.

في مستوى آخر، وفي الخطاب ذاته، قال: إن ذهابه إلى سورية كان لمساعدة الرئيس السوري في مواجهة القوى التكفيرية، وأن ليس له مطلب آخر هناك، وأنه يلتزم ما يقرره الرئيس السوري وبخاصة بشأن وقف إطلاق النار. هذا الكلام، الذي أُريدَ منه الإيحاء  للبنانيين بأنه صاحب قرار وليس أداة بيد المشروع الإيراني – بحسب ما اعترف به هو في أكثر من مناسبة – يثير كثيرًا من الأسئلة والتكهنات حول مأزق الحزب الذي يتعمّق يومًا بعد آخر، ويُدخله في دوّامات لن يستطيع النجاة منها ولا تجنّبها لأنه ببساطة، وبعكس كثير من الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، لا يملك قراره، بغضّ النظر عن التصريحات التي يُتحف مستمعيه ومؤيديه بها في كل حين، فمأزقه لم يعد محصورًا بالخسائر البشرية الكبيرة في عناصره وقياداته التي تكبّدها في الحرب السورية، بل إن هذا المأزق يتجلّى تجليًا أوضح في عجزه عن التوفيق بين المهمة الإيرانية الموكلة إليه في سورية وقدرته على ضبط الارتدادات اللبنانية لهذه المهمة. لقد كثر أعداؤه في لبنان، كما في خارجه، بعد انكشاف دوره الحقيقي الذي طالما غطّى عليه بيافطة المقاومة، وأخذ لبنان وأهله رهينة لتلك اليافطة، ولا شكّ في أن كثيرًا من هذه الأطراف يتحيّن وهنه عند أحد التغيرات المواتية إقليميًا أو دوليًا للانقضاض عليه. لقد استطاع بعد سنوات من الحرب في القلمون، والخسائر التي مُني بها هناك، أن يسيطر على تلك المنطقة ويهجّر سكانها، لكنه وقع في مصيدة الديموغرافيا من حيث لا يحتسب، فأهالي القلمون الذين هُجّروا بفعل حربه عليهم، اجتاحوا بيئته الشيعية في البقاع وغيّروا في توازناتها الاجتماعية لغير مصلحته، لذلك يحاول إعادتهم إلى مناطقهم بعنوان المصالحات التي يرعاها من دون نتائج حتى الآن.

تنتشر ميليشيا حزب الله في الجنوب السوري من القنيطرة حتى درعا، وكانت إيران تهدف من وراء هذا الوجود – على مقربة من الحدود الشمالية لإسرائيل، بدعوى المقاومة – إلى فتح باب المساومة مع “إسرائيل” حول النفوذ في سورية ولبنان، هذا الأمر الذي يبدو أن “إسرائيل” ليست مضطرة إليه، بحكم توازن القوى القائم والمائل لمصلحتها، وهو أحد أسباب الخلاف بين بوتين ونيتنياهو في آخر زيارة له إلى موسكو إذ طلب حينها من بوتين أن يعمل على مغادرة ميليشيا الحزب والميليشيات الأخرى التابعة لإيران تلك المنطقة، لكن بوتين رفض أو أنه تلكأ كعادته بالمراوغة.

قد يكون من الصعب التكهّن بما ستؤول إليه أمور حزب الله، لأنها ستكون من ضمن استراتيجية إيران في مواجهة التغيرات الجديدة؛ فهل سيكون أمام حالة إعادة تموضع جديدة، ينكمش بموجبها داخل الحدود اللبنانية لمواجهة احتمال حرب إسرائيلية جديدة، على أن تُخرج هذه الحالة كأنها جاءت بناءً على طلب النظام السوري لانتفاء الحاجة إلى وجوده في سورية، هذا الاحتمال سيكون واردًا في حال واحدة فقط، هي أن تخضع إيران، وبعيدًا عن صخبها الإعلامي، إلى منطق الدولة، وتُلملم أذرع ميليشياتها المنتشرة في المنطقة، وتغادر مغامرات تصدير الثورة، وتبحث عن تسويات تُبّرد الهجمة الدولية التي تستهدفها؛ عندها سيكون دور حزب الله واحدًا من الأثمان التي يترتب على إيران دفعها؛ أو أنها ستختار المواجهة بتشجيع روسي في حال عجز الروس عن إبرام صفقة مُرضية مع الأميركان؟ عندئذ ليس أمام حزب الله سوى مزيد من الانخراط في الحروب الإيرانية، وأن يقاسمها مكرهًا نتائج هذه الحروب. براغماتية النظام الإيراني والتحولات الجارية في بنيته وتموضعات مراكز القوى فيه، تُرجح الخيار الثاني، حتى لو لجأت إلى المناورة وخوض معارك جسّ النبض هنا أو هناك.

 

ثانيًا: البادية السورية مسرحًا جديدًا لصراع ذي طابع استراتيجي

تشهد البادية السورية في هذه الأيام تحضيرات سريعة من الأطراف السورية كافة، لحرب يبدو أنها ستمتدّ إلى جنوب سورية، وربما بالتزامن، إلى جنوب لبنان. هذه التحضيرات ليست وليدة ساعتها، فكما هو معروف أن قوات التحالف دَرّبت في مدى سنوات فصائل كثيرة في الأردن، منها أسود الشرقية ومغاوير الثورة وجيش العشائر وبعض فصائل الجيش الحر والضباط المنشقين في الجبهة الجنوبية، بدعم لوجستي أردني، وتنسيق وتمويل من غرفة الموك المنبثقة – وشقيقتها الموم في تركيا – من النواة الصلبة من مجموعة أصدقاء الشعب السوري.

يمتلك الأردن – أكثر من أيّ جوار سوري – آخر علاقات مؤثرة في البيئة الاجتماعية العشائرية في الجنوب السوري، وهناك عشائر وعائلات كبيرة ممتدة بين الدولتين؛ ويمتلك حساسية خاصة تجاه التفاعلات والصراعات التي شهدها الجنوب ويشهدها بحكم هشاشة وضعه البنيوي، أو بحكم دوره الوظيفي بوصفه عازلًا جغرافيًا على امتداد الخاصرة الشرقية الطويلة لإسرائيل، وبخاصة لجهة التنظيمات الجهادية المتطرفة أو الميليشيات الشيعية التي تتكاثر قريبًا من حدوده. وقد تمكّن الأردن من ضبط الجبهة الجنوبية، وأسكتها لأكثر من عام في ذروة المعارك التي كان يشهدها الشمال السوري.

حاول الأردن، الذي استقبل – على قلّة موارده – أكثر من مليوني لاجئ سوري، ألا ينفعل بالصراع الدائر في سورية، بل ساير أطرافه كلها بما فيها النظام، واستقبل أكثر من مرّة مسؤولين كبارًا في الاستخبارات السورية، ولم يُمانع من التنسيق المحدود أمنيًا مع النظام في المستوى الاستخباري، أو مع الروس بعد تدخلهم العسكري في 30 أيلول/ سبتمبر 2015 لتنظيم قواعد الاشتباك، في الوقت ذاته الذي ينسق فيه مع البريطانيين والسعوديين والأميركان من خلال غرفة الموك؛ ويوجد على أراضيه سبعة آلاف جندي من القوات الخاصة البريطانية وبضع مئات من الجنود الأميركيين.

لقد أبلغ الأردن الروس على لسان وزير خارجيته أيمن الصفدي في آخر اتصال له مع وزير الخارجية الروسي (أن الأردن لا يقبل بوجود ميليشيات طائفية على حدوده). هذا الموقف جاء على خلفية التغيرات التي تشهدها المنطقة الجنوبية والبادية السورية وتحضيرات الحرب، فالنظام السوري رفع من لهجته شبه العدائية تجاه الأردن سواء على لسان رأس النظام، الذي اتهم الأردن بأنه دولة تابعة لا تملك قرارها، أو وزير خارجيته، الذي هدد بـ (أن أي تدخل عسكري أردني في الأراضي السورية من دون تنسيق مع النظام السوري سيعدّه عدوانًا)، وقبل ذلك بأكثر من شهرين، شنّت قوات النظام وداعموها معركة المنشية للسيطرة على معبر درعا مع الأردن، وتأمين خط دمشق درعا الحيوي، لكنها لم تُحرز أي نتائج. فما هي الدوافع التي تنقل المعارك إلى الجنوب السوري والبادية السورية التي كانت منسية تسرح فيها داعش أكثر من سنتين؟ هل تأتي في سياق رسم خطوط القوى والسيطرة بين الأطراف المتصارعة على الأرض؟ أم في سياق صراع أكبر بين القوتين الرئيستين المقررتين في سورية (الروس والأميركان) بعد زيادة الانخراط الأميركي في الملفّ السوري؟ أم أنها محض تَدافع على تركة داعش المتقهقرة؟

يضع التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي تقوده الولايات المتحدة، في حسبانه أن فلول داعش المنسحبة من الموصل التي تشارف معاركها على الانتهاء، أو من الرقة التي توشك معاركها على الانطلاق، قد تتسرب إلى الباديتين السورية والعراقية الواسعتين لإعادة تجميع قواتها تَحيّنًا لوضع أفضل، أوقد تَعبر إلى الأردن، وهو ما يثير مخاوفه، ويأخذ التحالف هذه المخاوف على محمل الجد، وسيحاول قطع الطريق عليها، ويعتمد في ذلك على فصائل الجيش الحرّ التي دربها في الأردن للسيطرة على البادية السورية والتحكّم فيها؛ هذه الفصائل احتلّت مناطق واسعة من باديتي السويداء وريف دمشق  والحماد السوري بعامة، من دون أن تواجه مقاومة جادّة من داعش، إلا أن داعش أوقفتها عند جبل المحسا الاستراتيجي الفاصل بين باديتي ريف دمشق وحمص، ولم تستطع السيطرة عليه بعد.

ثم إن التحالف الدولي، والولايات المتحدة التي أخذت على عاتقها ترتيب الأدوار والمعارك والنتائج في المنطقة الشرقية، يريد لفصائل الجيش الحرّ في المنطقة الجنوبية، وبخاصة مغاوير الثورة، احتلال القسم الأكبر من البادية في طريقها إلى دير الزور لتأمين خطوط إمداداتها عندما تبدأ معركة دير الزور، إذ تُعوّل عليها بالهجوم على الجبهة الغربية للدير. أما بقية فصائل الجيش الحرّ في المنطقة، فتحاول السيطرة على أكبر قدر من هذه المساحة وفكّ طوق الحصار عن القلمون الشرقي والغوطة الشرقية، لكن إمكاناتها أضعف من أن تستطيع إنجاز هدفها بسهولة، إلا إذا تلقّت دعمًا إضافيًا لهذه المهمة. واللافت أيضًا أن بعض فصائل المعارضة في الشمال، وحركة أحرار الشام على وجه التحديد، تشهد تدفقًا لقواتها نحو الجنوب لتعزيز وجودها هناك.

ولعلّ الطارئ والأكثر أهمية في الاستراتيجية الأميركية في عهد الإدارة الجديدة، في مواجهتها الدورَ الإيراني، أنها تريد قطع الطريق الذي تسعى له إيران ويصل طهران بالبحر المتوسط من ضمن استراتيجيتها التوسعية، ربما لإدراكها أن مكسر المشروع الإيراني هو في سورية وليس في أي مكان آخر. لذلك سارعت إلى احتلال معبر التنف الحدودي مع العراق، وجعلت منه قاعدة تحكّم وإسناد، الأمر ذاته يُتوقّع أن يحصل في البوكمال قريبًا. وعندما حاولت الميليشيات الإيرانية الداعمة لقوات النظام التقدّم من (السبع بيار) باتجاه التنف في 17 أيار/ مايو الفائت دمرتها قوات التحالف، وكأنها بذلك ترسم خطًا أحمر يمنع الاقتراب من الحدود السورية – الأردنية.

في الجانب الآخر، فإن النظام يريد من معارك البادية التي انتبه إليها مؤخرًا أن يضمن طريق دمشق- تدمر، والوصول بقواته إلى دير الزور لفرض مشاركته في محاربة داعش على قوى التحالف، وبخاصة أن جيوبًا في المدينة ما زالت له، من بينها مطار دير الزور، مع العلم أن محاولته للمشاركةَ في معركة الرقة قُطعت عندما سارع التحالف بإنزال جوي لقوات سورية الديمقراطية (قسد) في مطار كويرس، الأمر الذي سهّل احتلال الطبقة لاحقًا.

ويريد، وحلفاؤه الإيرانيون، السيطرة على معبر التنف الحيوي لضمان استمرار تدفق إمدادات السلاح الإيراني له ولحزب الله وبقية الميليشيات التابعة، وجاء قصف التحالف للرتل المتوجّه نحو التنف في منطقة الشحيمة إنذارًا ذا معنى قد تفهمه إيران، في حين علّقت عليه الخارجية الروسية بـ (أنه اعتداء على السيادة الوطنية السورية وعمل غير مقبول، ولا يخدم العملية السياسية).

لا يقتصر التحرك الإيراني على الجانب السوري من الحدود، بل هو أكثر نشاطًا في الجانب العراقي بحكم قوة ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لها، وتُسيطر على الأرض. لقد احتلت هذه الميليشيات الثغور الاستراتيجية في طريقها إلى القائم المقابلة للبوكمال السورية، وتحاول السيطرة على الرطبة المقابلة للتنف السورية.

وقد نقلت صحيفة الغارديان البريطانية خبرًا يفيد (أن إيران غيّرت في مسار الطريق البرّي الذي تسعى له بغية الوصول الى المتوسط بحيث أنزلته جنوبًا مسافة 200 كم، وكأنها تنوي احتلال البوكمال). وبغضّ النظر عن مدى النجاح الذي تتوقعه إيران فإن الأمر يُشير إلى ضراوة المعارك التي تنتظر البادية السورية.

ثالثًا: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ترتيب النظام الإقليمي؟

تُمثل زيارة ترامب السعودية يوميّ 20 و 21 أيار/ مايو الفائت، في أول جولة له خارج أميركا بعد انتخابه، والصخب الإعلامي الذي رافقها، محطة مهمة في علاقات المنطقة ومستقبلها، إذ عقد خلالها ثلاث قمم، سعودية – أميركية، خليجية- أميركية، وعربية إسلامية – أميركية، صدرت عنها بيانات واتفاقات تؤسس نقلة نوعية في العلاقات السعودية الأميركية التي كان أوباما قد أدخلها ضمن سياسته في إعادة التموضع الأميركي، في حال برود مقلقة للخليجيين ودول أخرى معنية، في مرحلة كانت تتطلّع فيها إلى دور أميركي أكبر بسبب الاضطراب الذي عمّ المنطقة، والتدخل الإيراني المدمّر فيها.

لا شك في أن علاقات أميركا مع المملكة العربية السعودية وثيقة وتقليدية وليست طارئة، وتعود إلى ثمانية عقود خلت، عندما آل النفوذ الإنكليزي في السعودية إلى مصلحة الولايات المتحدة من ضمن توزيع مناطق النفوذ بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ولم تشهد هذه العلاقات هزّات عميقة سوى في منعطفين، أحدهما عندما اتخذ الملك فيصل قرارًا بحظر تصدير النفط إبّان حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وهذه الأزمة انتهت برحيله اغتيالًا على يد ابن أخيه؛ وثانيهما في مرحلة إدارة أوباما التي بدا فيها أنها تُحابي إيران وتدخلاتها في مناطق الصراع على حساب المصالح العربية، ومن الواضح أن الإدارة الجديدة تريد أن تتجاوز هذه الحالة وتُعيد العلاقات الخليجية – الأميركية إلى سابق عهدها، لكن ضمن منظور وترتيبات جديدة.

متابعة البيانات الثلاثة التي صدرت عن القمم، والصفقات والاتفاقات التي أُبرمت فيها، تُشير إلى مسار مختلف تشهده علاقات الولايات المتحدة مع المنطقة، الأمر الذي يطرح السؤال حول الترتيبات التالية التي سيُفضي إليها هذا المسار. لقد كان الاتفاق واضحًا حول مجموعة من القضايا المهمة، ومنها مكافحة الإرهاب وآليات التعاون المشترك لهزيمته، ومواجهة التهديدات التي تزعزع استقرار المنطقة، وعدّ إيران سببًا في حال عدم الاستقرار فيها من خلال تدخلاتها ودعمها الإرهابَ والمنظمات الإرهابية، والدعوة إلى عزلها، والعنصر الرابع هو معالجة الملفّات المتفجرة في سورية واليمن.

كان لافتًا في هذه الجولة، مع الاتفاقات التي أُبرمت خلالها، الحجم الهائل للأموال التي رُصدت لها والتي تجاوزت الأربعمئة مليار دولار، منها مئة وعشرة مليارات لشراء منظومات تسليحية متقدّمة متعددة الوظائف والأغراض، مع إشارة ترامب في خطابه إلى أنه ستتبعها اتفاقات مماثلة مع دول أخرى في المنطقة، والمعني هنا الخليجيون. هذا الكم التسليحي يُشير إلى أن التوجّه الأميركي الجديد هو تقوية المنطقة، لكن على نفقتها، خلافًا للنهج السابق، وإعادة توازن القوى بين إيران والعرب. وأضيفَ إلى هذا الاتفاق إنشاء قوة عربية – إسلامية قوامها أربعة وثلاثون ألفًا، لكن يُرجّح أن تضمّ قوات من مصر والأردن والسعودية والإمارات في هذه المرحلة فحسب، تتكفّل السعودية بتسليحها وقيادتها، بمسمّى تحالف الشرق الأوسط، ومهمتها محاربة القوى المتطرفة في المنطقة حيث يكون ضروريًا.

بالترافق مع هذا التغير في العلاقات العربية الأميركية، تعلو مجددًا نغمة حلّ القضية الفلسطينية، التي تراجعت في المستويين الدولي والإقليمي بحكم المآسي التي خلّفتها الصراعات الدائرة في المنطقة (سورية – العراق – اليمن) خصوصًا، هذا الأمر أكده ترامب في خطابه أمام القمة العربية الإسلامية – الأميركية، ثم أعاد تأكيده في مؤتمره الصحافي مع نتنياهو في القدس، محطته الثانية في جولته، إذ قال: (لقد سمعت من قادة العرب كلامًا طيبًا تجاه إسرائيل، وهناك إجماع على أن إيران خطر مشترك، وهناك فرصة نادرة للسلام يجب أن نستغلّها، وهي لا تتحقق إلا بالعمل المشترك).

تجربة العرب مع الإدارات الأميركية، جمهورية كانت أم ديمقراطية، منذ حرب عام 1973، تشير إلى أنه كلما تحضرت أميركا لعمل كبير في المنطقة، وضعت القضية الفلسطينية والسلام العربي- الإسرائيلي على الطاولة؛ وفي تلك التجارب السابقة كلها لم يُنجز أي إنجاز ذي معنى يُحقّق السلام المنشود، الأمر الذي يجعل التخوّف من أن تكون القضية الفلسطينية ضحية، مرة أخرى، للتوازنات الدولية والإقليمية أمرًا مشروعًا. وبعيدًا عن (الكلام العربي الطيب) تجاه إسرائيل، وعن التحليلات التي تذهب إلى الترويج لتحالف عربي- إسرائيلي لمواجهة إيران، فإنه من الصعب على الولايات المتحدة أو الدول العربية _وإن رغبت_ تسويق مثل هذا التحالف قبل إنجاز سلام فلسطيني- إسرائيلي على أساس حلّ الدولتين، والقرارات الدولية ذات الصلة. ولا يبدو أن إسرائيل مستعدة له بعد. وأقصى ما يُمكن أن يصل إليه أيّ تعاون عربي- إسرائيلي قبل ذلك، لن يتعدّى بعض العلاقات والمبادلات التجارية التي كانت تجري بالسرّ أو عبر طرف ثالث.

حجم التسليح المُعلن، والمعطيات الميدانية المستجدّة في كلّ من سورية والعراق، وإلى حدّ ما في اليمن، يُشيران إلى أمرين مهمّين يتعلقان بالمنطقة وآفاق استقراها؛ أولهما، الزيادة المتواترة في الانخراط الأميركي في صراعات المنطقة على عكس الإدارة السابقة، وهذا التوجّه لا بدّ وأن يصطدم بالوجود الإيراني الكثيف، وهو ما يكرّره صقور إدارة ترامب في كل مناسبة، ثم إنه لا بدّ وأن يصطدم، بطريقة ما، بالوجود الروسي الذي قلب موازين القوى لمصلحة النظام وإيران، ويزيد من حدّة الصراعات الدائرة  في الساحات المختلفة، لكنه سيسرّع أيضًا جهد حلّها، فالمراوحة التي تشكو منها جنيف، وحتى الآستانة، كان مردّها غياب الفاعلية الأميركية؛ وثانيهما، أن مآلات الصراع لا بدّ أن تُفضي إلى صوغ نظام إقليميّ جديد يؤمّن استقرارها ويضبط  متغيّراتها، طبعًا من منظور الدول الراعية والضامنة له. وبما أنه لا يُمكن لأيّ نظام إقليمي في المنطقة أن يستقرّ من دون أن يأخذ العرب في حساباته – وهم الأضعف في حلقة الدول الإقليمية التي تتقاسم النفوذ أو تتطلّع إلى تقاسمه – والمقصود هنا إيران و”إسرائيل” وتركيا، يُمكن بذلك تفسير التوجّه الأميركي الجديد بأنه يهدف إلى تقوية السعودية ودول الخليج، وزيادة اعتمادها على نفسها، ما دامت مصر ستبقى غارقة في أزماتها لزمن بعيد. وما تحالف المتوسط إلا أداة إضافية في المواجهة مع إيران ومع أذرعها الميليشياوية.

من المبكر رصد ردّات الفعل الإيرانية أو الروسية  بخصوص التغيرات التي ستترتب على زيارة ترامب للمنطقة، لأنها ستحتاج وقتًا لإعادة تقويم المواقف؛ فلم تصدر عن إيران ردّات فعل بعد، ما عدا كلام روحاني المكرور – لمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية – حول لزوم إيران إنهاء حالة الفوضى التي تعمّ المنطقة، وهو اعتراف ضمني بأن بلاده حاضرة في أساس هذه الفوضى؛ أما روسيا، فقد عبّرت وكالة نوفوستي القريبة من مركز القرار في الكرملين، في مقال لها تعقيبًا على مؤتمرات الرياض الثلاثة ونتائجها، عن انزعاج روسي، وتساءلت، مستنكرة عن هذا التسليح كله، ضدّ من سيستخدم؟  واتهمت الولايات المتحدة بأنها تُحضّر لحرب كبيرة في المنطقة، لكنها لم تُفصح عن إجراءات روسية لمواجهة ذلك، سوى دعوة القيادة الروسية لتعزيز أمن حدودها.

 

رابعًا: خاتمة

يبدو أن التغيرات في الصراع السوري تتسارع بوتيرة عالية، والمعادلات والقواعد التي حكمته أو تحكّمت به ستصبح من الماضي، وأشدّها سوءًا تلك التي حوّلته إلى محض استنزاف لأطرافه جميعًا، وكلّفت السوريين مئات آلاف الضحايا، وخرابًا عميمًا، ألا وهي قاعدة أوباما سيئة الصيت (أن لا حلّ عسكريًا للصراع). فالحشود العسكرية للأطراف كلها تتدفّق إلى البادية السورية وتتدافع لاحتلال المواقع الاستراتيجية فيها، وتتالى البيانات عن الفعاليات العسكرية هناك، وآخرها إطلاق فصائل الجيش الحرّ معركةَ بركان البادية لاسترجاع المواقع التي تقدّمت إليها قوات النظام والميليشيات الحليفة لها في الأيام الأخيرة؛ كذلك البيان السعودي – الأميركي المشترك عقب زيارة ترامب الذي تطرّق تطرقًا لافتًا إلى نيتهما في مساعدة لبنان والجيش اللبناني بحيث يكون الطرف الوحيد الذي يحقّ له امتلاك السلاح، في إشارة إلى سلاح حزب الله. وإذا صحّت التسريبات عن التحذير الذي نقله العاهل الأردني إلى مسؤولين لبنانيين بـ (أن الولايات المتحدة وحلفاءها ينوون توجيه ضربة خاطفة وواسعة لحزب الله)، وذلك من ضمن التوجّه الأميركي بتحجيم إيران ودورها في المنطقة، يصبح من المنطقي التكهّن بأن البادية السورية والجنوب السوري، وربما اللبناني، ستكون، وبالتزامن مع الحرب على داعش، مسرحًا لمعارك طاحنة يترتب عليها نتائج استراتيجية فاصلة في المستوىين المحلّي والإقليمي.