خلال الجلسة الأولى لندوة (نصف قرن على حرب حزيران/ يونيو 1967) في يومها الثاني، وقد ترأسها ميشيل كيلو، تحدث حازم نهار عن سياسات النظام تجاه الجولان وسكانه، وقال إن الجولان كان غائبًا عن النقاش والسياسة طوال السنوات الماضية، لكنه كان حاضرًا وقابعًا في خلفية المشهد السوري، وفي صلب السياسات الدولية والإقليمية تجاه الثورة السورية والنظام السوري.

وأشار إلى أن الجولان هو في مركز السياسة الخارجية لنظام الأسد الوظيفي، وأن وجود سورية واستقرار النظام السياسي فيها كان قائمًا بشكل أساسي على الاستثمار في العلاقات الخارجية، ومن الضروري، للتعامل مع النظام السوري وسياساته وممارساته تجاه الثورة السورية، فهمُ موقع سورية والعلاقات الخارجية التي بناها خلال نصف قرن، والتي شكلت دعامة أساسية لاستمراره واستقراره، وينبغي أن يمرّ هدف إسقاط النظام السوري بمحطة تكوين صورة العلاقات الخارجية الجديدة في سورية المستقبل، وهو الأمر الذي لم يلق أي اهتمام جدي وحقيقي.

وشدد على أن رحيل النظام السوري يفترض إعادة بناء العلاقات الخارجية لسورية، والدور الوظيفي لسورية في المنطقة، وفي القلب من كل ذلك مسألة الجولان والقضية الفلسطينية. هذا الأمر كان مفهومًا من جانب الدول الإقليمية و”إسرائيل” وروسيا وأميركا، وهو ما حكم مسار تعاطي هذه الدول مع الثورة السورية؛ ما يعني أن الجولان الذي لم يكترث له السوريون، وكان منسيًا في حياتهم، قد حكم مسار ثورتهم ومستقبلهم.

وتحدّث عن الجولان وأهله في سياسات النظام السوري، موضحًا أن سياسة النظام السوري تجاه الجولان، طوال نصف قرن، استندت إلى أربعة أعمدة رئيسة: الظلم، التجهيل، التهجير، المتاجرة؛ كما نشر النظام التجهيل بقضية الجولان وأهلها، ومنع تشكّل مقاومة حقيقية من أهالي الجولان كله، وفعل واقعيًا كل ما يمكن أن يمنع تحريره، واستخدم القضية لابتزاز مجتمعه وخنقه، لتصبح مسألة احتلال الجولان في المآل أداة ضبط وسيطرة في الداخل، استعملت لتبرير موجات القمع المتلاحقة.

ودعا إلى إعادة بناء الخطاب الوطني، لأن النظام السوري تعامل مع مفهوم “الممانعة” بوصفه دجاجة تبيض مالًا ومصالحَ ومساعداتٍ وعلاقاتٍ ومقايضاتٍ، بينما حركات “المقاومة” التي شُكِّلت برعاية النظام السوري، فلم تكن في الحقيقة أكثر من مذهبيات مغرقة في انغلاقها وطاردة أو نافية لأي مشروع سياسي ديمقراطي لبناء الدولة، وهي في العمق مشروعُ تفتيتٍ للهويات الوطنية، أما “اليسار” المشوَّه فقد جعل الانتصارَ على الإمبريالية والصهيونية مهمته الأعلى، من دون ربطها بما تتطلبه من استحقاقات على مستوى البنية الداخلية.

وختم بأنه لا توجد قضية وطنية سورية من دون وجود الدولة الوطنية السورية، الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة واحترام حقوق الإنسان؛ ولن تكون هناك خطوة حقيقية في اتجاه الجولان وفلسطين ما لم نقم بإعادة بناء الوعي بالقضية الوطنية، وما لم نسر بشكل حثيث نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.

إلى ذلك تحدث نزار أيوب بإسهاب عن السياسات التي تنتهجها سلطة الاحتلال في الجولان منذ خمسين عامًا، مستعرضًا المستوطنات الإسرائيلية التي أُقيمت في قرى وبلدات جولانية، أو على أنقاض هذه القرى والبلدات، مشيرًا إلى أن مياه الجولان كانت واحدة من المصادر التي سعت “إسرائيل” لسرقتها والسيطرة عليها، وكيف سعى الإسرائيليون للتنقيب عن النفط في هذه الأراضي السورية المغتصبة.

وقدّم عرضًا للحياة الاقتصادية للسوريين المقيمين في الجولان المحتل، والمشاريع الاقتصادية التي أحدثها الإسرائيليون في المستوطنات المقامة على الأراضي السورية المحتلة، والتي يدعو أبناء الجولان لمقاطعتها.

وأشار إلى التمييز الفاقع الذي يتعرض له أبناء الجولان من قبل الإسرائيليين، وإلى الإضرابات التي يقوم بها أبناء المنطقة بالتضامن مع الفلسطينيين، ورفض أبناء الجولان الحصول على الجنسية الإسرائيلية، مشيرًا إلى ضرورة أن تقوم مؤسسات سورية بتوحيد المعلومات والأرقام حول الجولان ومساحة الأراضي المغتصبة وحدودها وعدد السكان السوريين الذين ما زالوا مقيمين في الأراضي المحتلة حتى اليوم.

أما سلام الكواكبي، فقد تناول موضوع الصمت الدولي والدور العربي في تبرير هذا الصمت، ودعا إلى التمييز بين موقف الحكومات والشعوب من قضية الجولان والاحتلال، مُعرجًا على مواقف الدول الأوروبية تجاه قضية الاحتلال، مشيرًا إلى أن أوروبا تعتقد أن “إسرائيل” ديمقراطية مثلها، وكيف وقفت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية مع “إسرائيل” من هذا المنطلق، مؤكدًا على تقصير الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا، وقد حملت معها إلى أوروبا عبر أجيال ثقافةَ المصدر الذي أتت منه، مقابل جاليات أخرى تحظى بدور سياسي واقتصادي مهم في أوروبا.

وفي الجلسة الثانية من الندوة، وقد ترأسها بدر الدين عرودكي، تحدث نزيه بريك عن مساعي “إسرائيل” لإدامة الاحتلال، ومشروعاتها لقضم أراضي الجولان والضفة الغربية والقدس وطمس الهوية العربية، وأسهب في توصيف وظيفة المستوطنات التي أقامها الإسرائيليون في الأراضي العربية المحتلة، وكيف أنها كانت مكملة للاحتلال العسكري، وهدفها تفريغ الأرض من السكان الأصليين، سوريين وفلسطينيين، وإحلال يهود بدلًا عنهم.

وقال: إن “إسرائيل” تمارس، من خلال القوانين الإسرائيلية، تطبيق نظام تخطيطي، ولمنح شرعية لهذه السياسة سنّت قوانين على مراحل بحيث تخدم المصلحة اليهودية في الوجود في الأراضي المحتلة، ونبّه من أن المؤسسات التخطيطية في “إسرائيل” تقوم على ثلاث مؤسسات ممولة من الدولة العبرية، وبداخلها ممثلون من وزارات الأمن والبناء والإسكان والصناعة، بالإضافة للصندوق القومي لـ “إسرائيل”.

أما محمود يزبك، فقدّم رؤيته عن هزيمة 1967 وإسقاطاتها على الوضع الفلسطيني بين عامي 67 و2000، وقال إن قوى الصهيونية أرادت تطبيق الفكر الصهيوني من خلال إيجاد دولة يهودية عرقية، وتدّعي اليوم “إسرائيل” أنها كذلك، لكن ها لم تنجح بذلك بسبب تشدد السوريين والفلسطينيين برفضهم الذوبان في هذه الدولة.

وتحدث عن تجربة الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكيف أن هزيمة 67 كسرت حاجز الخوف الفلسطيني من المجتمع الإسرائيلي، وكيف سعى الفلسطينيون لتشكيل مؤسساتهم الأهلية والمدنية الخاصة بجهود ذاتية، وتشبثهم أكثر مما مضى بالهوية الفلسطينية والعربية، مشيرًا إلى أن نحو 30 بالمئة، ممن يدرس في الجامعات الإسرائيلية، هم من الفلسطينيين، ولديهم هوية قوية ومتجذرة لا خوف عليها.

إلى ذلك، تحدّث سمير سعيفان عن التكاليف الاقتصادية للصراع العربي-الإسرائيلي، وكمثال سورية، وقسّم التكاليف إلى عدة أقسام: الإنفاق المالي على الجيوش، استهلاك القوة البشرية، والمناخ الطارد للاستثمارات، والتدمير الذي يحدث نتيجة الصراع المباشر.

وأشار إلى أن الإنفاق على الدفاع والأمن في سورية، وفق موازنات تقديرية، نحو ضعف الإنفاق على التعليم، وأن ما يُنفق للجيش يُنفق بكامله، بينما النفقات الخدمية لا يُنفق نصفها، فضلًا عن استجرار المؤسسة العسكرية لموارد من مؤسسات الدولة دون أن تسدد أثمانها ماليًا، ووفق أرقام البنك الدولي لعام 2010، فإن الإنفاق العسكري من الموازنة العامة يبلغ نحو الثلث، ونحو 7.9 بالمئة من الناتج المحلي، وهو من أعلى النسب في العالم، وكيف أن الخدمة العسكرية تشكل كابوسًا على كاهل كل شاب سوري.

وشدد على أن الحروب تطرد الاستثمارات، ومنذ قيام “إسرائيل”، وأن هذا التهديد قائم دائمًا، وأوضح كيف حرص النظام السوري على إبراز هذا التهديد لما له من فائدة ومصلحة له. وحذّر من الواجهات الاستثمارية التي يضعها النظام السوري لإدارة استثمار الفساد، كما حذر من عسكرة المجتمع، وعدم شفافية التشريعات، وغياب سيادة القانون، وتعسف كل أجهزة الدولة، وضعف المعلومات، والتعسف ضد المستثمرين، والفساد الكبير.

وختم بالتشديد على أن التكلفة الاقتصادية لقيام “إسرائيل” في المنطقة العربية كبيرة جدًا، سواء من الخسائر المباشرة أو من خلال خلق أنظمة عسكرية، خلقت مناخًا طاردًا للاستثمارات ومدمرًا للاقتصاد.