عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية: Путин прописал американской элите таблетки от русофобии
اسم الكاتب بيتر أكوبوف
مصدر المادة الأصلي صحيفة فزغلياد
رابط المادة https://www.vz.ru/politics/2017/6/2/873056.html
تاريخ النشر 2 حزيران/ يونيو 2017
المترجم سمير رمان

 
01
 

الصورة: kremlin.ru

تحثُّ روسيا _دائمًا_ على التوقف عن نقل مشكلات الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة إلى ساحة العلاقات الدولية. ويوم الجمعة، سخر فلاديمير بوتين علنًا من (إثباتات التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية)، وتحدَّث عن غضب القادة الأوروبيين من واشنطن، وكان يبحث عن دواءٍ للصحافة الأميركية.

يكرَّسُ المنتدى الاقتصادي في سانت بطرسبرغ للقضايا الاقتصادية الخطرة، ويأتي إليه رؤساء كبريات الشركات العالمية، ورؤساء الدول والحكومات، والوزراء ورجال الأعمال. ويناقشون الموضوعات المختلفة الملحَّة والدائمةَ، وتجري فيه مفاوضات، وتبرم الاتفاقات، ويشارك الرئيس بوتين في أعماله دائمًا.

 

1. المشكلة ليست فينا، المشكلة في السياسة الأميركية

في إطار المنتدى، يقوم بوتين بنشاط متنوع، فهو يجري لقاءاتٍ مع المستثمرين، والمديرين التنفيذيين، وقادة وسائل الإعلام، ومع الوزراء ورؤساء الوزراء. عادةً ما تكون اجتماعات بوتين مغلقة، ولكن ليس بدرجةٍ كبيرةٍ جدًا. أمَّا الجمهور، فالحدث الرئيس الذي يهمُّهه هو _بطبيعة الحال_ الجلسة العامة بمشاركة بوتين، واهتمامه لا ينصبُّ على خطاب الرئيس بقدر ما ينصبُّ على المناقشة اللاحقة التي يجريها معه الصحافي المسؤول عن الحدث.

يتجدَّد الصحافيون في كل عام جديد، والشيء الوحيد المشترك هو نجوم وسائل الإعلام الأميركية؛ عادةً نجوم قنوات التلفزيون. وبفضل هذا التقليد، أصبح من الممكن التنبؤ بدقة، في أيِّ اتجاه ستتركّز إجابات بوتين معظمها يوم الجمعة.

بالتأكيد، ستتركز على (التدخل الروسي) في الانتخابات في الولايات المتحدة وحول دونالد ترامب.

لأنَ هذا هو ما يقلق الصحافة الأميركية بأكملها. ولن يكون بوسع أي مقدِّم برامج أميركي إلا أن يسأل الرئيس الروسي عن ترامب، وبخاصَّةً إن كانت (ميغين كيلي) من قناة NBS التي دُعيت هذه المرَّة، لتكون وسيط اجتماع المنتدى. بعد كل شيء، هي كيلي التي كانت تعمل لمصلحة قناة فوكس التي أصبحت مناوشاتها المباشرة، وفي المراسلات مع المرشح الرئاسي ترامب؛ واحدة من العلامات البارزات في حملة الانتخابات التمهيدية في السباق إلى رئاسة الولايات المتحدة.

وكيلي لم تخيب الآمال، وعلى الرغم من أنها سألت عن سورية، وعن الصين، ومع أنَّها توجَّهت إلى رئيس الوزراء مودي مرات عدة، فإنَّها تمكنت من بلوغ الهدف: استعراض ترامب مع بوتين. وبالمناسبة، لم ترجح أن يكون الرئيس الروسي هذه المرَّة في أحسن حالاته.

بوتين لم يبالغ في تملُّقها، على الرغم من أنَّه كان يمازحها، ويحاول إغاظتها كثيرًا، فإنَّه من الواضح أنّه يريد بالفعل أن ينقل إلى الجمهور الأميركي فكرة محددةً جدًا، فكرةً بسيطة مفادها أنَّ الهستيريا حول موضوع (التدخل الروسي) في الانتخابات الأميركية تمثل خطرًا على كلّ شيء، ويكفي أنَّها تنقل مشكلات السياسية الداخلية إلى الساحة الدولية، وهذا مضرٌّ جدًا بالوضع في العالم.

(هذا نقلٌ للخلافات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة إلى الساحة الدولية، إنَّها محاولةٌ لحلّ المشكلات السياسية الداخلية بأدوات السياسة الخارجية).

تطرق بوتين إلى هذا الموضوع في أثناء لقائه الذي استمرّ ساعتين -في وقت سابق- مع ممثلي مجتمع الأعمال الأميركي. وبذلك يكون بوتين قد ردَّ على الخطاب الأميركي الذي يقول إن التعاون في المجال الاقتصادي يعتمد على إقامة حوار سياسي بين روسيا والولايات المتحدة.

خاطب بوتين رجال الأعمال الأميركيين قائلًا:

«ساعدونا في استعادة الحوار السياسي العادي، أطلب ذلك منكم نيابة عن روسيا، وأتوجًّه إلى الجانب الأميركي بالقول: ساعدوا الرئيس المنتخب حديثًا، رئيس الإدارة الأميركية».

وفي طبيعة الحال، كان ذلك تذكيرًا بحقيقةِ أنَّهم لا يتركون ترامب يعمل، الأمر الذي تحدَّث عنه بوتين يوم الخميس مع مديري وكالات الأنباء الأجنبية. وفي الجلسة المغلقة من هذا اللقاء، قال بوتين (بعكس ترجمة بلومبرغ من قبل أ ف ب)، إن حالة هستيريا الروسيا- فوبيا المتواصلة في الولايات المتحدة الأميركية تهدف إلى «منع الرئيس الأميركي الحالي من العمل بصورة طبيعية».

وفي الوقت نفسه، أعرب بوتين عن أمله في أنَّه (عاجلًا أم آجلًا ستنتهي هذه الهستيريا)، ولكننا (شعبٌ صبور، نجيد الانتظار، ونحن ننتظر).

انتظارُ تقبُّلِ الخاسرين في الانتخابات الواقعَ الجديد، واعترافهم بترامب الذي أظهر له بوتين -يوم الخميس- في اجتماعه نفسه مع وكالات الأنباء، بعض المجاملة، لأنَّه بعد أنْ لمس أفعاله، يستطيع رئيس روسيا أنْ يعرب عمَّا يظنه بشأن نظيره الأميركي (قبل عام، رفض بوتين إعطاء تقويماتٍ حول شخصيَّة ترامب):

«إنه شخص مباشر وصادق، وأرى أنّ هذه مزية، لديه نظرةٌ جديدةٌ إلى الأمور، لا يمكن تصنيفه في خانة السياسيين العاديين».

هذا كله قاله بوتين يوم الخميس، وفي يوم الجمعة، سألته ميغين كيلي مرة أخرى عن التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وكانت تتحدَّث عن الأمر بوصفه حقيقة واقعة، مشيرةًّ إلى تقرير 18 وكالة استخباراتية أميركية يزعم بوجود أدلةٍ من مصادر مستقلة عن بصمة القراصنة الروس. كان ردُّ بوتين أنْ ضحك، وقال ببساطة:

«لقد قرأت هذه التقارير. حتى إنَّها لا تحتوي شيئًا ملموسًا، لا يوجد سوى افتراضات واستنتاجات مبنيةٌ على افتراضاتٍ، أنتِ تعرفين، إذا كان هناك شيء محدَّدٌ، عندها يكون لدينا موضوعٌ للمناقشة. الأمر يشبه الحال في منظمةٍ كنت أعمل فيها، إذ كانوا يقولون: هات العناوين، الأسماء، الوقائع. هيا، أين كلُّ هذا؟

أين هي بصمات الأصابع؟ آثار الحوافر، القرون، أين هي؟ ولمن هذه البصمات؟ يمكن اختراع البطاقات الشخصية، والعناوين. هل تعرف عددًا الخبراء المتخصصين الذين بإمكانهم أن يصوروا أطفالك يخرجون من منزلك، أطفالك الذين تقل أعمارهم عن ثلاث سنوات، ابنتك ذات الثلاث سنوات لتنفِّذ اعتداء ما. واليوم، هناك كثير من الخبراء في مجال التكنولوجيا في العالم، الذين يستطيعون أنْ ينصبوا لك أي فخّ تتخيَّله، ثم يتَّهمون من يشاؤون.

هذا ليس برهانًا، هذه محاولةٌ لنقل مشكلةٍ يعانيها رجلٌ مريض إلى آخر سليم».

الرجل المريض، هم الديمقراطيون، وأوسع من ذلك هم النخبة الأميركية فوق الحزبية، قال بوتين مؤخرًا في مقابلة مع صحيفة (لو فيجارو) الفرنسية، ويوم الجمعة طوَّر الرئيس الروسي هذا الموضوع عندما قال:

«المشكلة ليست فينا، المشكلة في السياسة الأميركية. أثبت فريق ترامب انَّه كان أكثر فاعلية في أثناء الحملة الانتخابية. أنا نفسي أفكِّر أحيانًا: الرجل يبالغ، أقولها بصراحة، ولكن اتضح أنه كان على حق، وأنه وجد طريقًا للوصول إلى تلك الجماعات، تلك الفئات من الناخبين، التي راهن عليها. وقد جاءت وصوّتت لمصلحته. وقد أخطأ الفريق الآخر.  ولا يريدون الاعتراف بهذا الخطأ، وجدوا أنَّ الأسهل عليهم القول لا ذنب لهم، واللوم على الروس.

عمومًا يذكّرني هذا بمعاداة السامية _اليهود هم السبب في المصائب كلها. يقولون إنّه معتوه، لذلك لا نستطيع أنْ نفعل أيّ شيء_ اليهود هم السبب. ولكننا نعرف عواقب مثل هذه المشاعر فهي لا تكون جيدة أبدًا.

ببساطة، يجب عليهم العمل ببساطة، يلزمهم التفكير، والبحث في كيفية تصحيح أخطائهم».

في الوقت الراهن، لا تريد النخبة في الولايات المتحدة معالجة الأخطاء. وبدلًا من ذلك، لا تفقد الأمل في تبديل ترامب (أي حمله على تغيير سياسته وهو أمرٌ لن يحدث)، أو في عرقلة عمله. في الوقت نفسه، يدرك الجميع أن الإبقاء على موضوعٍ مفبركٍ بالكامل بمثل (التدخل الروسي) على رأس الأخبار أمرٌ مستحيل.  فضيحة القرصنة تستعر منذ الخريف الماضي، وموضوع فلين منذ كانون الثاني/ يناير. الأدلة لا تتوافر في أيٍّ من الحالتين.

يوم الجمعة، سخر بوتين من الاتهامات بحقّ فلين وسفيرنا في واشنطن كيسلياك، وقال ردًا على سؤال حول ما نشرته وسائل الإعلام من أنَّ إدارة ترامب كانت عازمةً، في الأيام الأولى بعد تنصيب الرئيس، على تخفيف العقوبات ضد روسيا:

«لا، لم تكن هناك اتفاقات.  حسنًا، هذا هراء. ومن أين جاء أولئك الناس الذين ينشرون هذه المعلومات. هذه كارثة: سفيرنا التقى أحدًا ما. وماذا بعد؟ إنها وظيفته، ويحصل على أموال مقابل ذلك. عليه القيام بشيء ما، مقابلة الناس ومناقشة القضايا الراهنة، والتفاوض. هل عليه زيارة أماكن سيطرد من وظيفته لقيامه بزيارتها؟ لا. إنها وظيفته. ويتهمونه بمقابلة شخص ما. حسنًا، هذا هو الجنون بعينه، أم ماذا؟ إنَّه عمل السلك الدبلوماسي.

ثمَّ سُرّح مساعد الرئيس ترامب، الذي اتُّهم بأنَّه التقى شخصًا وتحدَّث معه حول أمرٍ ما.  أقول لكم إنني لم أكن على علمٍ بالأمر، وأعرف أنَّ أولئك الذين يتخذون موقفا مختلفًا لن يصدقونني. بمن التقوا، عن ماذا تحدثوا؟ نعم، لم يتحدثوا إلا بكلماتٍ عامَّة عن الحاجة إلى التفكير في كيفية بناء العلاقات.  فهل علينا ألا نتحدّث حول كيفية بناء العلاقات؟ شيء مذهلٌ في الحقيقة».

ما قاله بوتين في ما بعد؛ قاله عامدًا، لكي يستطيع المرء أن يظنَّ أنَّه لم يقصد الولايات المتحدة فحسب، ولكن أيضًا كيلي بعينها التي استمرت بإصرارٍ مهنيّ على الحديث عن النقطة نفسها، هذا بطبيعة الحال كان ما أراده بوتين:

«إنَّها نوع من الهستيريا، التي تتوقف لسببٍ ما. هل يلزمك حبوبٌ أو شيءٌ من هذا القبيل، هل لدى أحدكم حبوبٌ ما؟ أعطوهم بعض الأقراص».

يوم الجمعة، كرَّر بوتين على الأغلب موقفه مما يحدث في الولايات المتحدة، ولكنّه فعل ذلك مجازًا وبقسوة، متقرّبًا من ترامب، وعلى هذا تتعلّق الآن العلاقات الروسية الأميركية – ضرباتٍ منتظمة يقوم بها الرئيسان، وكلٌّ من جانبه، ضدَّ القوى التي تحاول إعاقة الرئيس الأكثر غرابة في تاريخ الولايات المتحدة. وتتعلق العلاقات بين البلدين بمدى قدرة بوتين على مساعدة ترامب في صدّ ضربات الخاسرين.

في الوقت الذي تثير أفعال ترامب تعاطف بوتين معه، فإنَّ بعض الزعماء الأوروبيين يشعرون بالقلق، إن لم يكن بالغضب. ومع ذلك، يميل بوتين لاستيضاح المواقف الأوروبية -على سبيل المثال- موقف ميركل من ترامب ليس من خلال تصريحات الرئيس الأميركي الجديد. ولهذا علق بوتين على البيان العلني الأخير الصادر عن المستشارة الألمانية، الذي يقول إنّ على ألمانيا وأوروبا أن تتوليان الآن مصيرهما بيديهما:

أنا لا أريد الإساءة إلى أي شخص، ولكن هذا هو ما قالت السيدة ميركل، وهذا أمر أملاه الاستياء المتراكم منذ مدة طويلة (أؤكد لكم ذلك، بغضّ النظر عمَّا ستقوله السيدة ميركل في ما بعد) من محدوديّة السيادة، في إطار الأحلاف العسكرية والسياسية تقيَّد السيادة رسميًا، فهناك مكتوب ما هو ممكن وما هو ليس كذلك. ولكنْ على أرض الواقع، الأمر أكثر صرامة: لا شيء ممنوع باستثناء ما يسمحون به. ومن الذي يسمح؟ القيادة؟. وأين القيادة؟ استعرض بوتين لألمانيا البلدان التي تقرر مصيرها بنفسها:
«ليس هناك كثير من الدول التي لديها امتياز السيادة. الهند مثلًا، والصين أيضًا. لن أعدِّ الآن هذه القائمة، لكنها قليلة، روسيا تعتز بشدَّةٍ بسيادتها. ولكن ليس كلعبة. السيادة ضروريةٌ لحماية مصالح الأمَّة وتنميتها».
أي سيادة تُمتَلَك وتحمى بالصراع ليس بالضرورة دائمًا بالحرب، ولكن دائمًا في معركة الإرادة وفي المعركة الجيو- سياسية. في عصر العولمة، هذه مسألة ملحَّة، ليس بالنسبة إلى الألمان أو الأوروبيين فحسب، ولكن أيضا بالنسبة إلى الأميركيين. وترامب رفع راية معركة السيادة القومية للولايات المتحدة، ولهذا يحظى بتعاطف بوتين.