لا تناقش هذه المقالة الناحية الأخلاقية أو القانونية أو الوطنية المتعلّقة بالتدخل العسكري الأميركي المباشر، أو التدخل السياسي القوي في سورية، الذي بنى عليه الكثيرون آمالًا وحسابات، هو جائز أم ضروري أم ممنوع؟ إنّ هذه النقاشات تشكّل ترفًا تجادليًّا، لا يؤثر في قرارات الدول الكبرى المسيطرة، والمتصارعة على مراكز القوة والنفوذ والمال؛ السؤال -إذن- هل تاريخ المأساة السورية، وتاريخ الصراع الدولي، وواقع التوازنات في السوق العالمي، سار -أو يسير- باتجاه تدخل عسكري، أو سياسي حاسم وثقيل، من قبل الولايات المتحدة الأميركية في سورية أم لا؟

لنتفق -بداية- على أنّ الأسباب الأخلاقية والإنسانية لم تكن يومًا محركًا حقيقيًّا للقرارات الكبرى الاستراتيجية على المستوى الدولي، لا من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ولا من قبل أيّ دولة أخرى؛ فالمحركات الحقيقية للسياسة الدولية هي المصالح، ولا شيء غير المصالح، وإنِ استعرضنا -تاريخيًّا- تحركات الولايات المتحدة عسكريًّا، بشكل فاعل وحاسم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لوجدنا الآتي من الأحداث الكبرى:

  • حرب كوريا (من 1950 إلى 1953)، ضد السوفيات والصين الماويّة، من خلال الحرب على الشيوعيين الكوريين.
  • حرب فيتنام (من 1964إلى 1975)، أيضًا ضد السوفيات والصينيين؛ من خلال الحرب على الشيوعيين الفيتناميين.
  • حرب الخليج الأولى (من 1990 إلى 1991)، التي عُرفت بـ “حرب تحرير الكويت”، بعد اجتياح صدام حسين للكويت.
  • حرب يوغسلافيا السابقة (من 1990 إلى 1999)، لإنهاء الحرب الأهلية هناك، وهي الحرب الأهلية الأوربية الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.
  • حرب أفغانستان (من 2001 إلى يومنا هذا)، في إطار ما سُمّيَ بالحرب على الإرهاب “الإسلامي”.
  • حرب العراق الثانية (من 2003 إلى يومنا هذا)، وجاءت -أيضًا- ضمن ما وُصِف بالحرب على الإرهاب “الإسلامي”، أو كما سمّاها بوش “حرب نشر الديمقراطية”.
  • إضافة إلى سلسلة طويلة من الحروب مع المكسيك ودول أمريكا الجنوبية، منذ أوائل القرن 19، وانتهاء بالحرب على هاييتي 1995، علاوةً على الحربين العالميتين، وحروب الفليبين، والتدخلات المحدودة في لبنان.

بغض النظر عن الاختلاف في تقييم حسابات الربح والخسارة، والمبرّرات الأخلاقية والقانونية لتلك الحروب؛ فهل الرؤية المصلحية واضحة وبسيطة في تلك الحروب؟  لقد قدمت الدعاية الأميركية أجوبة بسيطة للشارع الأميركي، مثل: “إنها حرب لنصرة الشعوب ضد الوحش الشيوعي”، أو لمواجهة “الإرهاب الإسلامي المرعب”، ثم تطورت الدعاية لتصبح حروبًا “للحفاظ على الأمن القومي الأميركي”، وهو أمن يتسع نطاقه ليشمل الكرة الأرضية برمّتها، ونقلت وسائل بث الدعاية هذا الجواب إلى الشعوب الأخرى في العالم؛ بينما قدم خصوم الولايات المتحدة إجابات -أيضًا بسيطة- لشعوبهم ومؤيديهم، من قبيل: “إنها حروب الشيطان الأميركي الإمبريالي ضد آمال وحقوق الشعوب”. لقد انتقلت هذه الإجابات التبسيطية إلى بلادنا، فصُبغت بمواقف وتحالفات حكومة كل بلد، كإضافة شعار قومي عربي ممانع إليها، أو شعار إسلامي مجاهد.

وللوصول إلى إجابة مُرضية، نسأل السؤال الثاني، المهمل في السياق التحليلي للسياسة الأميركية: لماذا لم تتدخل أميركا عسكريًّا، أو سياسيًّا، بشكل حاسم في مناطق ظاهرها يوحي بأهمية استراتيجية، مثل المناطق السابقة التي عددناها، أو التي تحمل محرّضًا أخلاقيًّا صارخًا؟

  • لماذا توقفت عند كوريا الشمالية، مع كل الخطر الذي تشكله على اليابان وكوريا الجنوبية الحليفين الأهم للولايات المتحدة الأميركية في شرق آسيا؟
  • لماذا استمر نظام فيدل كاسترو في كوبا، وبقي في خاصرة الولايات المتحدة، خلال أشد فترات الصراع مع السوفيات توتّرًا؟
  • لماذا لم تكترث لمقتل ما يربو على 600 ألف إنسان، معظمهم قتل ذبحًا، في رواندا خلال ستة أشهر؟
  • لماذا احتاج تحركها العسكري الحاسم، في يوغسلافيا السابقة، إلى ما يقرب من ثماني سنوات؟
  • لماذا توقفت قواتها العسكرية في جنوب العراق، بعد تحرير الكويت، ولم تتابع إلى بغداد، وانتظرت 12 سنة لتقوم بذلك؟
  • لماذا تركت الحكم السوداني يتابع مجازره -بهدوء- بحق أهالي دارفور، والتي أدت إلى مقتل نحو 200 ألف إنسان؟
  • لماذا تركت جورجيا وحيدة تواجه روسيا؟
  • لماذا تناور بهدوء، بين كر وفر، حول أوكرانيا، وهي تمثل أهم شرايين تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي، وتقف على أسوار أوروبا، الحليف الأهم للولايات المتحدة؟
  • أخيرًا، السؤال حول سورية شبيه بما سبق: لماذا لا تتدخل أميركا -بقوة وثقل- لإنهاء المأساة السورية؟

لا يمكن الإجابة عن كل سؤال مذكور -هنا- في مقال واحد، لكن الغاية من ترتيب تلك الأحداث الكبرى في تاريخ السياسة الأميركية، هي المقارنة، وصولًا إلى نتائج تساعدنا في فهم السياسة الأميركية. وقبل الانتقال إلى النتائج لابد من توضيح بدهية أساسية، وهي: إنّ الولايات المتحدة الأميركية ليست إلهًا ممسكًا بكل خيوط الحركة على الأرض، فقد ارتكبت العديد من الأخطاء، وحققت الكثير من الانتصارات، لكن ميزة عصرنا الحالي هي أن التقدم العلمي والفكري الهائل للإنسانية، أتاح للولايات المتحدة فرصة ذهبية -للمرة الأولى في التاريخ البشري- أن تراكم خبراتها، بأخطائها وهفواتها وانتصاراتها، وتتقن كيفية معالجة الهزيمة والبناء عليها للتعويض لاحقًا. كما أن قراءة سياسات الدول لا يمكن أن تتم من خلال الاجتزاء زمنيًّا، بمعنى أن الاستراتيجيات لا تتغير كل أربع سنين، كما لا يمكن الادعاء أن دولة ما تستطيع وضع خطة لثلاثين أو خمسين عامًا، لا تتنازل عنها، وتحققها بحذافيرها. إن التمييز ما بين التبسيط لدرجة التسطيح في قراءة الحركة الجيوسياسية، وفق فواصل زمنية قصيرة، وبين التهويل -في هذه القراءة- بمنح دول، أو دولة، قدرة التخطيط الكوني لمئة عام، هي عملية حساسة ودقيقة، تحتاج الكثير من الضوابط التي نحاول ضمن هذه القراءة تحقيقها.

يمكن قراءة تاريخ السياسة الأميركية، منذ القرن الماضي، في إطار النظرة العامة لسياساتها الخارجية بعد الحرب العالمية الأولى، وفق ثلاث مراحل:

  • مرحلة ما بين الحربين العالميتين: كانت الولايات المتحدة الأميركية مشغولة بإعادة هيكلة نفسها كدولة غنية -جدًا- بالموارد الطبيعية، وأرض استقطاب لخبرات بشرية متنوعة، وبتجاوز كساد الثلاثينيّات الاقتصادي، والذي نتج أساسًا عن نوع من الفوضى في الدولة الشابة نسبيًّا؛ فكانت الولايات المتحدة تعيش في سياق ما يُسمّى بـ”سياسة الانعزال عن العالم isolationism”
  • مرحلة ما بين الحرب العالمية الثانية وانهيار الاتحاد السوفياتي نهاية الثمانينيّات؛ حيث انتقلت الولايات المتحدة الأميركية من سياسة الانعزال، إلى سياسة التدخل في العالم interventionism، بدءًا من قانونيّ: “ادفع وحمّل Cash and Carry”، وقانون “التأجير-الإعارة Lend-Lease”، اللذين منحا الرئيس روزفلت صلاحية تقديم دعم عسكري واقتصادي ضخم، وأساسي، للحلفاء في حربهم في أوروبا، وبعد الحرب كانت خطة مارشال Marshall Plan الخاصة بإعادة بناء أوروبا، قفزة استراتيجية ضخمة، أطلقت اليد الأميركية في العالم، وترافقت مع فتح جبهات الحرب الباردة ضد السوفيات، للحد ّ من انتشار الشيوعية، فكانت مرحلة مليئة بالحروب العسكرية المريرة بالنسبة للأميركيين في فيتنام وكوريا خاصة للحد من تمدد القوة السوفياتية. فغالبية الصراعات والتحالفات التي حدثت آنذاك كانت محكومة بالصراع الغربي السوفياتي أساسًا، بما في ذلك تحالفات وخصومات الأميركيين في منطقة الشرق الأوسط.

لقد عقدت الولايات المتحدة الأميركية، منذ 1945، حلفًا استراتيجيًّا مع السعودية، ولاحقًا مع دول الخليج، وحاولت -كذلك- عقد حلف مماثل مع مصر والعراق وسورية وبقية البلاد العربية، لكنها، لتحقيق هذا الهدف، دخلت في صراع طويل، امتد حتى تسعينيات القرن العشرين، مع مدّ اليد السوفياتية في المنطقة؛ أما إسرائيل، أهم قاعدة متقدمة في الشرق الأوسط، ورثتها الولايات المتحدة عن بريطانيا؛ فقد بقيت الحليف الأهم، والأكثر ثقة ومصداقية مع الأميركيين إلى يومنا هذا.

  • مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة إلى اليوم، ترافقت مع وضع حد لحرب العراق وإيران، وخروج السوفيات من أفغانستان، وانتصار الحلف الأميركي السعودي الباكستاني الطالباني هناك؛ تزامنت بداية هذه المرحلة مع أول انتصار عسكري أميركي كامل بأقل الخسائر في حرب تحرير الكويت 1991. وما تجدر ملاحظته في تلك الحرب، أنها كانت أوّل امتحان للشارع الأميركي المتحرر حديثًا من “بعبع” الخطر الشيوعي السوفياتي؛ فعندما أعلن الرئيس “بوش الأب”، في آب 1990، الأسباب الحقيقية وراء حرب تحرير الكويت، وهي حماية المصالح الأميركية في أغنى منطقة بالنفط؛ خرجت المظاهرات الرافضة لحرب “الدم مقابل النفط”، وحين أعلن الرئيس نفسه – بعد شهرين- أنه سيحارب صدام حسين، ووصفه بـ”هتلر العصر الجديد”؛ لمنعه من امتلاك السلاح النووي؛ تراجعت معارضة الحرب بما يكفي لشنّها، فكما يبدو أن الشارع لن يسير خلف أهداف “الأمن القومي والمصالح” وحدها، وأنه بحاجة الشعور بالخوف من خطر ما، قادم ومرعب.

ترافقت المرحلة -أيضًا- مع تغييرات ضخمة، تقنية عالمية، سُميت “ثورة الاتصالات”، وانطلاق عهد الإنترنت، والتحول الحتمي للعالم إلى قرية صغيرة. وبعد انتهاء الحرب الباردة، وصراع المضاربات الاقتصادية، كان لا بد للرساميل العالمية من أن تتحرر من قيود الحدود الدولية؛ هذه التحولات كانت تتم بتأثير وتأثر الولايات المتحدة الأميركية، وتضعها على رأس مسار نظام العولمة الجديد؛ لتحقيق الهدف الأهم، وهو أن يكون القرن الـ 21 قرنًا أميركيا، بمعنى أن تقود الولايات المتحدة السوق العالمي الجديد من خلال السيطرة على اتفاقيات تحرير التجارة، وفتح الحدود أمام الرأسمال عالميًّا.

لقد انتقل الصراع الدولي من مرحلة الحروب المباشرة العسكرية والأيديولوجية، بين الدول الكبرى، أو المضاربات والمقاطعات الاقتصادية، إلى مرحلة الصراع على وضع القواعد والقوانين الحاكمة للسوق العالمي، وحركة الاستثمارات والأموال عبر الحدود؛ بحيث باتت قوة العدو تُقاس بقوته الاقتصادية والتقنية قبل قوته العسكرية. ضمن هذه التغيرات الكبرى كانت الصين ودول جنوب شرق آسيا تعمل بصمت؛ لتحقق انطلاقتها الاقتصادية والتقنية السريعة، ولتتموضع الصين على مقعد القطب العالمي الثاني اقتصاديًّا؛ لذلك نشأ سلاح ردع غير السلاح النووي الذي كان بين الغرب والسوفيات، إنه سلاح الردع الاقتصادي؛ فعلى الرغم من التنافس الكبير، في السوق، بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، إلا أن الاقتصادين كليهما محكومان بعافية وبقاء الآخر. لكنّ تفاقم أهمية الميزان الاقتصادي في العلاقات الدولية لم يلغ أهمية القوة العسكرية؛ إذ ما زالت إحدى أهم أسس الصراع وأدواته، وهو ما يفسر عودة روسيا، القوة العسكرية الثانية عالميًّا، للعب في المشهد الدولي مع بدايات القرن 21، إلا أنها لم تكن قادرة، بسبب سوء أحوالها الاقتصادية والسياسية، على التحرّك بحرية مثلما تفعل الولايات المتحدة الأميركية التي استغلت الفرصة في حربي أفغانستان والعراق.

إنّ إحدى صعوبات التحكم بالصراع الاقتصادي ضمن السوق، هي صعوبة التحكم بالرأي العام، والشعور الشعبي، في القرن الـ 21؛ فهذا الصراع لا يشعر الإنسان العادي سريعًا بنتائجه؛ وإقناع الشارع بمنحى الصراع، وما تفرضه السوق، عملية صعبة، لا يتقبلها المواطن العادي الذي لن يكون -بأي حال- أكبر الرابحين، وبحكم الطبيعة البشرية؛ فإنّ وجود عدو خارجي مخيف ضرورة، حتى في الدول الديمقراطية؛ وذلك للتحكم بمزاج الشارع؛ كي لا يُصدم بالسياسات الاستراتيجية الكبرى، المرتهنة لآليات عمل السوق، وليس لأخلاقيات ومشاعر الشارع. لذا بُنيت نظرية هنتنغتون حول الصراع بين الغرب والإسلام، هذا الصراع المزعوم، على مخزون تاريخي -عند الطرفين- من العلاقات المتوترة والعدائية في مراحل كثيرة، وعلى استعداد نفسي عام لتقبل المطروح من الشارعين: الغربي والإسلامي، على الرغم من أنّ الدول الإسلامية كافّة لا تشكل خطرًا حقيقيًّا، في السوق العالمية، على الأقطاب الكبرى، ولا تشكل خطرًا عسكريًّا كذلك. لقد أصبحت منطقة الشرق الأوسط، ووسط آسيا، أهم ساحات الصراع، والحروب بالوكالة، بين أقطاب السوق، وبما أن للدين وجود قويّ في هذه المنطقة؛ فلا أنسب من تصعيد صراع أيديولوجي موجود أصلًا بين “الإسلامية” والحداثة، واستخدامه -بحسب الحالة والموازين- كلاعب احتياط؛ فكانت كلمة “الجهاد”، في الثمانينيات والتسعينيات، كلمة جذابة في الخطاب السياسي الأمريكي؛ لمحاربتها الشيوعية، ثم صارت مرادفة للإرهاب والرعب منذ بداية القرن الـ 21، ومبررًا لاختراق أميركا ساحة وسط آسيا التي تشكل نقطة ضعف خصميها الأساسيين: الصين وروسيا.

بإعادة ربط ما سبق من أحداث تاريخية كبرى، مع كل تشابكاتها، يمكن الخروج بنتائج عدّة، والتدليل عليها من خلال الحالة العراقية كمثال، بوصف العراق شهد أكبر تحرك عسكري أميركي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين.

  • مؤشّر الأخطاء الكبيرة للسياسة الأميركية في تناقص مستمر، خاصة منذ بداية الثمانينيات. قد يجادل بعضهم في أن حرب العراق كانت خسارة كبرى للولايات المتحدة، لكن السؤال: ما مقياس الخسارة المعتمد؟ وهل من المنطق تصديق أن الإدارة الأميركية أرادت -فعلًا- بناء عراق جديد، حرّ مستقل مستقر وديمقراطي؟ بالطبع لا؛ فأميركا التي تورطت -في الستينيات- في حرب فيتنام، ليست أميركا في 2003، إنها ثلاثة عقود من تراكم الخبرة، وبهذه الخبرات والقدرات الهائلة لا يمكنها أن تجهل كيفية مساعدة دولة ما على النهوض؛ خاصة مع غياب الخصم اللدود (الاتحاد السوفياتي). لقد نجحت في مساعدة اليابان وكوريا الجنوبية، ودعمت أوروبا الغربية؛ للنهوض كدول مستقرة متطورة، فالولايات المتحدة لم تنقصها الخبرة والدراية؛ لتضع بلدًا منهارًا على السكة الصحيحة. وبالتأكيد أن مَن حاربها في العراق لا يملك خبراتها ولا إمكاناتها، نعني إيران، ولا يملك قدرات السوفيات في الحقبة التي كانوا فيها يواجهون السياسة الأميركية حول العالم.

من الواضح أنها نجحت في تدمير العراق، بوصفه قوة إقليمية منافسة، وحولته إلى بؤرة توتر مستمرة، تستنزف الدول المحيطة به، وخاصة إيران ، وفي الوقت نفسه ثبتت نفسها كقوة عسكرية وحيدة، وقادرة على حماية أمن الخليج العربي، وهو أغنى منطقة بالنفط والغاز الطبيعي؛ كذلك فإنّ وجود تهديد دائم في العراق المتوتر سيؤدي -حكمًا- إلى تصاعد العداء والخوف بين إيران ودول الخليج العربية. أما ما يُقال عن مصاريف الحرب، فلا ننسَ أن الجيش الأميركي، بموارده البشرية وأسلحته، كان زبونًا احتكاريًّا لدى الشركات الأميركية، بدءًا من عبوة ماء الشرب وانتهاء بصواريخ التوماهوك، فالمواطن الأميركي دفع التكلفة، لكن السوق الأميركية هي التي جنت الأرباح.

  • قراءة المصالح الأميركية من منطلق تبسيطي، يتمظهر في: (أميركا تحب وتكره، تصادق وتعادي، تريد النفط والغاز)، أو من منطلق جيوسياسي ظاهري للمنطقة المتأزمة، كـ (أعداء أميركا يتقدمون، حلفاؤها يتراجعون) لا يكفي للحكم على ما تراه أميركا مصلحتها الحيوية. فالمصالح الأميركية تمثل الشكل الأكثر تعقيدًا للنظام العالمي المعقد أصلًا إلى حد كبير، وقوة أي دولة في العصر الحديث تكمن في قدرتها على استكشاف وفهم هذا النظام، وقدرتها على تحقيق بعض التحكم ببعض أجزائه.

تُعدّ الولايات المتحدة الأميركية أقل الدول الصناعية الكبرى حاجة، أو اعتمادًا على نفط الخليج العربي؛ فلم تتجاوز حصة النفط المستورد من الخليج العربي نسبة إلى  كلّ النفط المستورد في الولايات المتحدة الأميركية 25 في المئة منذ العام 2000، بينما لم تهبط هذه النسبة خلال الفترة نفسها في شرق وجنوب شرق آسيا عن 50 في المئة، في حين أن نسبة اليابان كانت دائمًا أعلى من 70 في المئة، وفي الصين ارتفعت إلى 50 في المئة¹؛ فأمن الإمداد النفطي من الخليج العربي ليس أولوية أمن قومي مباشر للولايات المتحدة الأميركية، وفق حسابات أمن الطاقة الوطني؛ وإذا كان النفط يمسك الاقتصاد الصيني والياباني من رقبته، وبدرجة أقل الاقتصاد الأوروبي؛² فمن المصلحة الأميركية -استراتيجيًّا-أن تكون هي المتحكم بأمن الإمداد النفطي لأهم أقطاب السوق العالمية. من ناحية ثانية فإن آليات عمل السوق العالمية بحاجة دائمة إلى بؤر توتر ساخنة، فالشرق الأوسط، والعراق على وجه الخصوص، سيمثل نقطة التوتر المثلى التي من خلالها تستطيع الولايات المتحدة التحكم بسير سياسات الدول العربية الخليجية وإيران، والتأثير على روسيا والصين.

  • العامل الأهم في هذه الحروب هو ميزان القوى الدولية؛ فحتى التسعينيات كان هذا الميزان محكومًا بحلفيّ الناتو ووارسو، وقد شكّل السوفيات خصمًا عنيدًا قويًّا، استطاع تبادل الهزائم والانتصارات مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن ومنذ التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب الباردة، انتقلت مؤسسات صنع القرار الأميركي إلى صوغ استراتيجية القرن الأميركي (القرن 21)؛ وذلك من خلال حقيقة موضوعية تقول: إنّ العالم لا يتحمل المضاربات الاقتصادية التي أنتجتها الحرب الباردة، ومع تسارع وتيرة التقدم التكنولوجي، وانطلاق ثورة الاتصالات والمواصلات، وتحول العالم إلى قرية صغيرة؛ فإنّ من يضع قوانين التجارة والاستثمارات العالمية سيكون الأقوى في العالم؛ لذا انطلقت منظمة التجارة العالمية في التسعينيات؛ لتعيد رسم قوانين التجارة العالمية وفق الرؤية الأميركية، لكن مع تراجع حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية، من 12 في المئة وسطيًّا، خلال الفترة من 1970 إلى 1999، إلى 9 في المئة خلال الفترة الواقعة ما بين 2000 و2015، وارتفاع الحصة الصينية من 2 في المئة إلى 9في المئة، والهند من 0.5 في المئة إلى 1 في المئة، في الفترتين نفسيهما، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية، ومع بوادر عودة روسيا إلى الساحة العالمية، بدايات القرن 21، ووصول بوتين إلى السلطة، وسعيه الحثيث إلى إنشاء حلف اقتصادي عسكري مع الصين، ومع الدول الصاعدة اقتصاديًّا، ودول وسط آسيا، وانطلاق الاتحاد الأوروبي كوحدة اقتصادية، وتراجع السيطرة الأميركية على دول أميركا الجنوبية اقتصاديًّا؛ بات واضحًا لصنّاع القرار الأميركي، وهم خليط من أرباب الشركات الكبرى واللوبيات ومراكز الأبحاث والسياسيين، أن الخصم الحقيقي الذي قد يشكل خطرًا مستقبليًّا على هيمنة الولايات المتحدة على العالم هو الصين وروسيا والدول الصاعدة اقتصاديًّا، ومن الضرورة بمكان الانتقال إلى استراتيجية جديدة في هذا الصراع،  تعتمد على قوانين السوق العالمية، وعلى الحروب بالوكالة، أو المتحكم بها عن بعد Proxy War؛ فحرب العراق كانت آخر الحروب الكبرى التي تريد الولايات المتحدة خوضها بشكل مباشر.

يوجد العديد من الإجابات لكل حادثة تاريخية، مما ورد سابقا، إجابات تغرق في التفاصيل، وفي الجدل حول “حيثيات اللحظة”؛ ففي نقاش طويل مع سفير أميركي سابق، كانت خلاصة رؤيته لتاريخ الصراع الدولي، بما يخصّ الولايات المتحدة، تقوم على أن قرارات الإدارة الأميركية كانت دائمًا ردّات فعلٍ لأفعالٍ خطرة قام بها الآخرون؛ فمثلًا: الضربة النووية لليابان وقعت لمنع قتل مليون إنسان إن استمرت اليابان في الحرب، وحربا كوريا وفيتنام كانتا لحماية المصالح الأميركية، ومساعدة الشعوب أمام تغوّل التوسع الشيوعي؛ و دعم إسرائيل لمنع العرب من إبادة اليهود، وحرب العراق لنشر الديمقراطية، ومنع صدام من تصدير السلاح الكيماوي.

الاستراتيجية الأميركية في القرن 21

الواضح من أرقام السوق العالمية أن المنافس الحقيقي للولايات المتحدة الأميركية هو الصين، كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، ثم روسيا كثاني أكبر قوة عسكرية، فالولايات المتحدة أعلنت رسميًّا -منذ 2011- استراتيجيتها في شرق، وجنوب، آسيا التي سمتها المحور الباسيفيكي Pacific Pivot، والتي تضمنت إعلان البنتاغون عن خطة لنقل 60 في المئة من القوة البحرية الأميركية إلى المحيط الهادئ، كذلك الاهتمام المتزايد للإدارة الأميركية بزيادة نفوذها في وسط آسيا بما يوازي الجهد الصينيّ الكبير لاحتواء تلك المنطقة، والتوجه الرّوسي الواضح، والحثيث أيضًا، نحوها.

وفي المقابل شهدت السنوات العشر الأخيرة إنشاء العديد من التحالفات العالمية الاقتصادية خارج المظلة الأميركية، قادتها بشكل أساسي الصين وروسيا، كاتحاد دول البريكس (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا)، ومنظمة شنغهاي للتعاون، بالإضافة إلى تزايد التعاون العسكري والأمني بين روسيا والصين، وقد أتى إعلان الصين الأخير، في 2015، عن إنشاء بنك آسيا؛ للاستثمار في البنية التحتية AIIB ، كآخر التحديات لسيطرة الولايات المتحدة الأميركية على البنك وصندوق النقد الدوليين؛ فالبنك العملاق الجديد يضم، في عضويته، أغلب دول العالم عدا الولايات المتحدة الأميركية.

إنّ القرن الواحد والعشرين، بما هو عليه من تقدم علمي وتقني هائل، وبالقوى العسكرية المرعبة للدول الكبرى، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، فرض على الأقطاب العالمية قانونًا جديدًا للصراع، إنّه الصراع الناعم عبر السوق، وتجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة؛ فالاستراتيجية الأميركية لم تكن وليدة أفكار أوباما وفريقه فحسب، وإنما ضرورة فرضها الواقع؛ ففي العام 2003 لم يكن الروس، ولا الصينيون جاهزين لمواجهة القرار الأميركي، القاضي بالتدخل العسكري الحاسم في العراق، كما أن مصالح الصين الحيوية لم تكن مهددة،  مادامت الولايات المتحدة لا تتلاعب بإمدادات الطاقة من الخليج العربي، وروسيا كانت في مرحلة الخروج من القمقم الذي وضعها فيه انهيار الاتحاد السوفياتي؛ لذا كانت حرب العراق آخر الحروب الأميركية الكبرى.

السياسة الأميركية حول سورية

لقد حافظ بشار الأسد على إرث أبيه في العلاقات الدولية، وحاول صيانة التوازن الدقيق في علاقة النظام السوري مع الغرب والروس، مع الخليج العربي ومع إيران وتركيا، والأهم في علاقته مع إسرائيل، لكنه ارتكب خطأً كبيرًا في لبنان، بتحديه النفوذ السعودي عبر تصفيته الراحل رفيق الحريري، لكنه استطاع تدريجيًّا، وبإشراف إيراني، استعادة بعض الدفء في علاقته مع السعودية، وطور علاقاته مع أردوغان لدرجة متقدمة جدًا، توازت مع تحسن علاقات إيران بتركيا؛ بالمحصلة كانت سياسة النظام السوري تسير – حتى منتصف العام 2011- بشكل متوازن دوليًّا؛ فلا يغضب أيًّا من الدول الإقليمية أو الدول الكبرى، لكن هذا التوازن الديبلوماسي لم ينعكس ليؤسس توازنا داخل سورية نفسها، على صعيد العدالة الاجتماعية والحرية والمواطنة، فكرّس بشار الأسد الجدران الحديدية؛ لتَحول دون أي معارضة سياسية داخلية حقيقية، ولم يحرك العالم ساكنًا منذ وأده ربيع دمشق في 2002، حتى أن ألد أعدائه (الإخوان المسلمون) قدموا له،  في 2009، ما يشبه الاعتذار الرسمي مقابل السماح لهم بالعودة إلى سورية.

وفي صيف 2011 تبين لكثيرين أن النظام السوري، على الرغم من نجاحه النسبي على الصعيد الديبلوماسي الخارجي، إلا أنه ما زال النظام الحاكم نفسه الذي أباد واعتقل عشرات الآلاف من السوريين في الثمانينيات، العقلية الأمنية العسكرية القمعية نفسها، والتي يستحيل أن تقبل أي مشاركة في السيطرة على سورية.  فيئست بعض حكومات الإقليم من التأثير في سياسة النظام السوري تجاه المطالب الشعبية المحقة، وكان لزاما عليها اتخاذ المواقف الملائمة لمصالحها؛ فكان قرار الحكومة الإيرانية بتقديم الدعم المطلق للنظام السوري؛ ما أقلق بقية الدول المحيطة بسورية؛ لأن ذلك يعني انتقال العلاقة السورية الإيرانية، من علاقة تحالف إلى تسلط إيراني كامل على سورية؛ فكان قرار بقية الدول الإقليمية قلب العلاقة مع النظام السوري، ودعم معارضيه، بشرط السيطرة على هذه المعارضة، خاصة المسلحة منها؛ لضمان مصالح تلك الدول في سورية. كذلك كان القرار الروسي، ومعه الصيني، بدعم الموقف الإيراني، خاصة أن الروس والصينيين لا يتقنان لعبة تغيير الأنظمة الحليفة لهما إتقان الولايات المتحدة الأميركية.

كانت الولايات المتحدة تراقب -بهدوء ورضى- سياسات حلفائها في المنطقة (دول الخليج العربي وتركيا وإسرائيل) حتى منتصف 2012، بعدئذٍ وجدت أن الأداء السياسي لحلفائها من خلال المعارضة، وخاصة المجلس الوطني منها، لم يكن كافيًا؛ فقررت التدخل لدفع وتشجيع السعودية على الانخراط أكثر سياسيًّا في لعبة الصراع مع الإيرانيين والروس، وترافق الموقف الأميركي مع تصريحات سياسية متفاوتة الشدة حول “شرعية النظام السوري”، لكنّ كل تلك التصريحات لم تكن -في واقع الحال- لتقول: إنّ الإدارة الأميركية بصدد التدخل الحاسم عسكريًّا، أو سياسيًّا، في سورية؛ فتصريحاتها السياسية حيال كوريا الشمالية وكوبا، خلال العقود الطويلة الماضية، كانت أشد، ولم يقع ما يغيّر الأوضاع -هناك- كتدخل أميركي حاسم.

إنّ عدم التدخل الأميركي -مباشرة وبحسم- في سورية لا يعني أن سورية مجرد قرار هامشي في الحسبان الأميركي، بل العكس؛ فسورية كانت -ومازالت- قرارًا استراتيجيًّا أميركيًّا؛ لأهميتها الجيوسياسية، سواء في منطقة الشرق الأوسط، شمالَ إسرائيل وقرب منابع الطاقة في الخليج، أم كحليف حيويّ   لنظام إيراني، يملك أوراقًا كثيرة في وسط آسيا، وحلفًا استراتيجيًّا مع الصين وروسيا. والسؤال البدهي المطروح عند قراءة السياسة الأميركية من منظور أميركي: هل هناك أخطاء أو ضعف من حلفائنا الأساسيين في المنطقة في إدارة الأزمة السورية؟ وهل يشكل استمرار الأزمة السورية خطرًا حقيقيًّا على مصالحنا الاستراتيجية، أو مصالح حلفائنا؟

الإجابة عن هذين السؤالين، تستدعي الإجابة عن السؤال الأساسي الآتي قبلهما: هل من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية زوال النظام السوري أم بقاؤه؟ تتلخص الإجابة في نقاط عدة:

  • المصلحة الإسرائيلية، وتقع ضمن أولويات السياسة الأميركية في المنطقة، لن نتطرق -هنا- إلى تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي، لكنْ علينا الإقرار -بداية- بحقيقةِ أنّ “وجود عدو خارجي ضرورة وجودية لإسرائيل كما هي”. وبحقيقة أن لا دولة في المنطقة تشكل تهديدًا حقيقيًّا لإسرائيل، لا عسكريًّا ولا اقتصاديًّا ولا سياسيًّا؛ فالدولة التي تمتلك حوالي 200 رأس نووي، وتتمتع بحماية عسكرية مطلقة من الغرب، وبأفضلية في العلاقات الاقتصادية والسياسية، لن تخشى دولًا يحكمها ديكتاتوريون، عربًا كانوا أم إيرانيين. وفي الواقع يتلازم وجود النظام السوري، بسبب طبيعته الاستبدادية وضعفه الداخلي الذي تجلى بعد 2011؛ مع وجود إسرائيل، ليتذرّع بها كفزاعة ومسمار جحا في سيطرته على السوريين. أما حكاية خوف إسرائيل من حزب الله، أو من الفصائل الإسلامية المتطرفة، كالقاعدة والنصرة وغيرهما، فهي أيضًا، ضمن المقارنة التاريخية، لم تكن أكثر من ذريعة، ترسّخ بها إسرائيل الخوف في الشارع الإسرائيلي؛ فتضمن -بذلك- وحدته في الدولة المُصنَّعة التي وجد نفسه فيها.
  • مصلحة دول الخليج العربي، بوصفها الحليف الأهم -بعد إسرائيل- للولايات المتحدة الأميركية منذ خمسينيات القرن الماضي، فلن تتوانى الولايات المتحدة عن دعم حلفائها الخليجيين وفق متطلبات المرحلة التي لا تقتضي تدخلًا حاسمًا مثيرًا للمشكلات، كتدخلها في حرب تحرير الكويت، خاصة أنّ دول الخليج العربي – بالتعاون مع تركيا – تستطيع التعامل مع الأزمة السورية باقتدار، وهذا ما ثبت خلال السنوات الأخيرة. ما أرادت الولايات المتحدة الأميركية ضمانه هو حصر الأزمة السورية ضمن الحدود السورية فقدّمت -بالفعل- الدعم الكافي لدول الخليج العربي، والأردن، وتركيا، عسكريًّا وماليًّا وأمنيًّا، ولعل هذا من أوضح إخفاقات النظام السوري الذي هدد بتصدير الأزمة إلى الإقليم والعالم.
  • المصلحة التركية، ما زالت تركيا الحليف العسكري الأهم للولايات المتحدة الأميركية في إطار حلف الناتو؛ فقد كانت الجبهة المتقدمة على حدود السوفيات أثناء الحرب الباردة، وما زالت الخط المتقدم أمام روسيا الصاعدة، وكذلك؛ فإن تركيا منافس قوي لتوسع النفوذ الصيني وسطَ آسيا، ومثل دول الخليج العربي؛ فقد قررت تركيا التدخل -بقوة- في سورية؛ لتكون النتائج في مصلحتها، لكن وضعها أكثر حَرجًا؛ فهي تعتمد -بدرجة كبيرة- في علاقاتها الاقتصادية على إيران وروسيا، وبشكل شبه كلي تعتمد في تأمين حاجتها من الطاقة على هذين البلدين، وقد ازدادت خطورة المشي على هذا الحبل الرفيع بين روسيا وبين سورية، خاصة بعد التأزم المفاجئ لعلاقاتها مع روسيا نهاية العام 2015، لكنها ما زالت تمارس لعبة شد الحبل مع روسيا، مستندة إلى حرج الحالة الروسية نفسها، وإلى حاجة إيران لها بقدر حاجتها لإيران. ولا بدّ -في هذا السياق- من أخذ المشكلة الكردية في الحسبان؛ إذ ما زالت هي المفتاح الأهم في رؤية المصالح التركية، والتي ما زالت بين شد وجذب بين تركيا والغرب، وحاليًّا مع الروس. هذه الأوضاع المحيطة بتركيا، إضافة إلى تأرجح سياستها الخارجية بين مبدأ “المشاكل الصفرية” على الصعيد الدولي، وممارسة دورها كأقوى دولة في المنطقة اقتصاديًّا وعسكريًّا، مع بعض الارتجال الذي صاحب تلك السياسة، أفضى إلى توريطها في متاهة معقدة من التوازنات، انعكست أساسا على معالجتها للملف الكردي، الذي استطاع الأميركيون -مرة ثانية- سحبه للتداول في سورية، وتقدم نحوه الطرف الروسي كذلك.

من الثابت استراتيجيًّا أن الإدارة الأميركية لن تنتصر -بالمحصلة النهائية- للأكراد، لكنها تمارس -أيضًا- لعبة شد وجذب الملف الكردي مع الحكومة التركية منذ سنين، ولاسيّما في ظل الوضع الراهن الذي تعيشه سورية؛ فالورقة الكردية ورقة أساسية فيما تمت تسميته بـ”الحرب على الإرهاب القاعدي” في سورية. كما أن الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من ملف اللاجئين المتدفقين نحو أوروبا عبر تركيا، وتركتها مشكلة معلقة بين حلفائها الأوروبيين وبين الحكومة التركية، هذا الملف الذي سيكون له تداعياته القريبة في تعديل بعض أوجه اللعبة في سورية، لكنه لن يقدم انتصارًا حقيقيًّا للأهداف التركية الطامحة إلى دخول الاتحاد الأوروبي.

  • المصلحة الإيرانية، ما زالت إيران مصنفة كدولة عدو، أو غير ودود، في السياسة الأميركية؛ لكن الأزمة السورية سارعت في توصّل الأميركيين والإيرانيين إلى اتفاق نووي، منح الأميركيين خطوة متقدمة؛ لاحتواء إيران في الشرق الأوسط ووسط آسيا، كما أنّ استمرار الأزمة السورية يشكل استنزافًا هائلًا لموارد الحكومة الإيرانية، مضافًا إلى الاستنزاف الكبير في العراق.
  • خطر القاعدة والتطرف الإسلامي، لم يكن التنبؤ بظهور الفصائل والفكر الجهادي الإسلامي منذ بدايات العام 2012، يتطلّب خبراء محنكين، وهذا -بالتأكيد- ما لم تغفل عنه مراكز صنع القرار الأميركي؛ فمن جهة، كان النظام السوري يدفع لفتح الباب للفصائل الإسلامية المتطرفة، التي ستقوم -تلقائيًا- بمحاربة الحراك المدني الديمقراطي؛ ما يعطي النظام فسحة من الوقت؛ فيرص صفوفه، ويُخرج سوريين كثر من مساحة الفعل ضده، وفي الوقت نفسه يمنحه -على الصعيد الدولي الإعلامي- سمعة المناضل ضد الإرهاب. ومن جهة ثانية اختارت الحكومات، الحليفة للولايات المتحدة، دعم التيار الإسلامي المتطرّف في العمل المسلح؛ لسببين أساسيين: الأول أن التعامل مع هذه التيارات وقت الضرورة أسهل بكثير في النهاية ، على الرغم من خطورتها، والسبب الثاني أن تلك الفصائل تمثل الرد الأقوى على الدور الإيراني، القائم -أساسًا- على استغلال العامل الديني الشيعي في سياسته.

لم يظهر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بين ليلة وضحاها في سورية؛ فقد بدأ بالتكون والتوسع أمام أعين ورقابة الجميع، داخل سورية وخارجها، فالتحرك الأميركي الذي ظهر إعلاميًّا، كنفير عام مفاجئ لمحاربة القاعدة، لم يكن سوى لعب ورقة إضافية على الساحة السورية، وهو في الوقت عينه مبررٌ أخلاقيّ مهم، يقنع الشارع الأميركي والغربي بأن التدخل لإسقاط النظام السوري، سيفضي إلى ظهور “الدولة الإسلامية القاعدية”، ذات الصورة السيئة في مخيلة الإنسان الغربي. إن التلاعب بالرؤية الشعبية الغربية، على هذا النحو، سيمنح الإدارة الأميركية الهدوء اللازم لمتابعة الملف السوري وفق مصالحها، دون إزعاجات من الرأي العام “المصدوم” بكمية الضحايا، والمعاناة الإنسانية في سورية، كما لا يمكننا إهمال فكرة أن خلق مساحة مغناطيسية، تجذب المجاهدين القاعديين من أنحاء العالم، يمثل مصلحة لحكومات كثير من الدول؛ للتخلص من عبء عشرات ألوف الشباب المتطرفين، وحصرهم في بقعة جغرافية متوترة؛ فإن لم يقتلوا بعضهم بعضًا؛ فإنّ التدخل العسكري الحاسم، في اللحظة التاريخية الملائمة، سيكون تخلّصًا نهائيًّا منهم.

إذًا، إنّ ما تشيعه الإدارة الأميركية عن الحاجة إلى معارضة مسلحة معتدلة، لا يمكن أن يعدو عن كونه دعاية إعلامية، تتعامل بمنطق “اللحظة”؛ فتراجع “المعارضة المسلحة المعتدلة” لم يكن مفاجئًا -بالتأكيد- لخبرات صانع قرار أقوى دولة في العالم، والاستعاضة عن الفصائل المعتدلة بالفصائل الكردية، في الرؤية الأميركية ليس سوى احتفاظ بالورقة “الملك” لحين الحاجة؛ للعب بها مع الحلفاء الأتراك، ومع الخصوم الروس، عند التوصل إلى ضرورة البدء بتهدئة الأزمة السورية، وكما يبدو أنها تحتاج لسنوات.

من الواضح أن الأزمة السورية، المتواصلة منذ خمس سنوات، قد تم احتواؤها ضمن حدود سورية، بما لا يشكّل تهديدًا مباشرًا للدول المجاورة، باستثناء لبنان، الذي ما زال مطروحًا على طاولة الصراع، كورقة ضغط بين الفرقاء المتصارعين. وما زالت الأزمة السورية فاعلة في المشكلة الكردية في تركيا، وتشكل -أيضًا- ورقة ضغط ما بين تركيا وروسيا، وكذلك السياسة الغربية.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما الضير من أن تتسلح الولايات المتحدة الأميركية بشعارات إنسانية وحقوقية، وتمارس قوتها للضغط وإسقاط النظام السوري، ووضع حل مستدام، يضمن مصلحة حلفائها، على الأقل، ويشكل ضربة لروسيا وإيران ومن خلفهما الصين؟ الإجابة عن هذا السؤال تتمحور حول نقطتين أساسيتين:

  • الموقف الإيراني والروسي، ومن خلفهما الصيني، متمسك -بشكل مطلق- ببقاء النظام السوري، ولا يعود ذلك إلى “عشقهم” النظام الحالي، أو ما يُقال حول صدقيتهم مع حلفائهم، بل لأن روسيا وإيران لا تملكان خبرات التعامل الديناميكي مع هذه الحالات، واجتراح البدائل والحلول السريعة مثل السياسة الغربية، وخاصة الأميركية منها، وهذا العجز الروسي لاحظناه -بوضوح- في أكرانيا وجورجيا ودول جنوب القوقاز، والآن في سورية. لقد أدركت الإدارة الأميركية أن إيران وروسيا مستعدتان للذهاب حتى النهاية، مهما كانت، دون التخلي عن النظام السوري كحليف حتمي لهما، وقد بينت السنوات الطويلة، وخاصة الأشهر الأخيرة من العام 2015، أن روسيا مستعدة لعمل أي شيء لضمان استمرار حلفها الثلاثي مع إيران وسورية؛ فمن الواضح أن الثمن الذي يجب أن تبذله الولايات المتحدة، لتحدّي التصميم الإيراني والروسي في سورية، لن يعود بمرابح تعوّض ما يجب أن تدفعه سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
  • استمرار الأزمة السورية استنزاف متصل لإيران وروسيا، وكذلك استنزاف لأصدقاء الولايات المتحدة في الخليج العربي وتركيا، واستنزاف الحليف بشكل غير مباشر يزيد قوة الحليف الأقوى؛ فالتحالف بين الدول المتقاربة في القوة هو تبادل مصالح، أما بين دول متفاوتة القوة؛ فيكون ، إضافة إلى تبادل المصالح، ترسيخَ حاجة الدولة الأضعف إلى الدولة الأقوى؛ لهذا السبب كان الغضب العربي والتركي من السياسة الأميركية مستمرًا منذ 2014، على الأقل، حيث أن القرار “الخليجي التركي” بات لا مجال للتراجع فيه عن إسقاط النظام السوري، وتأسيس الدولة السورية خارج السيطرة الإيرانية الروسية، لكن لم يكن، ولن يكون، بإمكانهم تنفيذ ذلك دون دعم أميركي حاسم وواضح.

إذًا؛ القرار الأميركي في سورية كان قرًار استراتيجيًّا واضحًا، منذ العام 2012، منخرطًا في الصراع الدولي الأوسع على السوق العالمية، بين الغرب واحتمال صعود حلف صيني روسي مقابل، مدعوم بإيران، في وسط آسيا، وبسورية في الشرق الأوسط؛ فالولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها امتلاك كل أوراق اللعبة، لكنها تمتلك وتتحكم بأكثرها، بشكل مباشر وغير مباشر عبر حلفائها. لقد كان القرار الأميركي، في بدايات العام 2012، هو أن سورية لا يجوز أن تعود بقوة إلى الحلف الروسي الصيني الإيراني، وهذا سيتكفل بمنعه دول الخليج العربي وتركيا، كما أن الولايات المتحدة الأميركية لا تجد ثمنًا كافيًا مقابلًا، يدفعها للضغط -بقوة- على روسيا وإيران، وتقديم غطاء حاسم سياسي وعسكري لحلفائها لانتزاع سورية من الأيدي الروسية الإيرانية بضربة واحدة؛ لذلك ترى أن استمرار الصراع على سورية، والتحكم فيه، دون بذل الكثير من المال والعسكر هو الخيار الأمثل للمصالح الأميركية. إن استمرار الصراع على سورية، بالإضافة إلى ما شكله من بؤرة استنزاف لروسيا وإيران ودول المنطقة، أضاف عامل ضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأميركية؛ ليعيدوا تشكيل علاقاتهم، ويخرجوا من صداماتهم التي شكلت عبئًا على السياسة الأميركية، فالخلافات السعودية القطرية، والسعودية التركية، ما كانت لتنتهي لولا تصاعد الصراع مع إيران وروسيا على سورية، والاتفاقية النووية الأميركية الإيرانية، فامتداد الأزمة السورية زمنيًّا لا يزعج -كما يبدو- السياسة الأميركية في المستقبل القريب، وتركها كبيضة القبان قد يكون مفيدًا أكثر للمصالح الأميركية في السنين القادمة، حتى على مستوى علاقاتها مع أوروبا التي بدأت تشتكي أكثر وأكثر بسبب مشكلة اللجوء.

إنّ عدم رؤية القرار الأميركي من وجهة نظر المصالح الأميركية، والإصرار على تناوله أخلاقيًّا وجدليًّا، ومن زاوية القانون والحقوق، من طرف المعارضة السورية، وربما بعض حكومات المنطقة، ووعي هذا القرار من قبل روسيا وإيران والنظام السوري، كان من أهم أسباب عطالة عمل المعارضة، وتشتيت الحراك الشعبي السوري، وتحوله إلى حرب مليشيات طائفية مستمرة في إكمال حرق ما تبقى من سورية، كما أعلن النظام منذ بداية الثورة السورية الشعبية في 2011، هذه الضبابية في رؤية المعارضة السورية، والقيادات الكردية، للاستراتيجية الأميركية، ساعدت بشكل كبير -من الناحية المعنوية على الأقل- في الإساءة إلى المصلحة السورية الوطنية، ومن ضمنها أساءت للقضية الكردية.