لقد أنهض انتقال الروس، والسيد “ديمستورا” إلى الحديث عن دستور سوري جديد، كمدخل لحل الأزمة السورية، موجة من النشاط والاهتمام بالشأن الدستوري؛ فدارت النقاشات، وكُتبت المقالات، وعقدت الندوات والمؤتمرات، وكأنها موضة جديدة، ومن واجب الجميع، مختصين وغير مختصين، الخوض فيها.

لا شك في أن المسألة مهمة، وواجبة العناية والبحث والنقاش، وتستحق بذل الجهد والاهتمام، لكن ليس كموضة موقتة، ولا ك”هبّة عربان” كما يقول العامة، بل كعمل وطني فائق الأهمية والحساسية، ينبغي تناوله بما يستحق من إظهار للمسؤولية ومعالجة منهجية وحرفية؛ حتى تتحقق الفائدة.

والمسألة مطروحة في وقتها حقًّا، على الرغم من المشهد الدامي المظلم الذي تعيشه البلاد، وعلى الرغم مما يبدو من انسداد في الأفق، وغياب لفرص الحل؛ فذات يوم، اقترب أو ابتعد، ستضع الحرب أوزارها، وسيجد السوريون أنفسهم أمام استحقاق تأسيس دولتهم، والبداية تكون دائمًا بالمنظومة القانونية، وعلى رأسها الدستور؛ حيث تجري عملية البناء على هديه، وبالتوافق معه؛ ومن الأهمية بمكان أن نصل إلى تلك المرحلة، ونحن على درجة من التحضير والتوافق والاستعداد؛ لتسهيل الانطلاق، وتجنب التخبط والضياع، وتوفير أوقات ثمينة على شعب منهك، بلغ منه التعب كل مبلغ.

تعترضنا، في مسعانا هذا نحو عملية دستورية صحيحة ذات قيمة وجدوى، عقبات كأداء جمة؛ ناجمة بشكل رئيس عن هذا الإرث الثقيل من الجهل والخواء المعرفي والثقافي والسياسي والفكري والقانوني والحضاري، الذي خلّفته عقود الاستبداد الفريد، استبداد “مافيا” اللصوص وقطاع الطرق، والذي تَوج عهده بحرب وحشية على شعبه، دمر بها البشر والحجر، والقيم والروابط المجتمعية، وأسس التعايش بين المكونات، وقد نال أبناء المكون الديني الأكبر، السُنّة، نصيب الأسد من هذه الوحشية؛ ما رفع حدة الاستقطاب والأحقاد إلى أعلى المستويات، وجعل إمكانية التفاهم وإجراء التسويات القانونية والسياسية بين أبناء البلد، والعملية الدستورية على رأسها، على درجة عالية من الصعوبة.

من تلك العقبات الخاصة بالعملية الدستورية، صعوبة تقبل فكرة المبادئ فوق الدستورية، وتمريرها، وصعوبة التوافق على مراحل العملية الدستورية، وصعوبة التوافق على الهيئة التأسيسية التي سيناط بها وضع الدستور، وصعوبة تضمين الدستور الكثير من المبادئ التي تميز الدولة الوطنية الحديثة، وسينحصر اهتمام مقالتنا هذه بالمبادئ فوق الدستورية، المقالة التي ستكون فاتحة سلسلة من المقالات، والأبحاث والندوات، المتعلقة بمجمل الشأن الدستوري.

ما المبادئ فوق الدستورية؟ ومن يضعها؟ وما مضمونها؟ وما حاجتنا إليها في نظامنا المقبل؟ ولماذا هي مسألة خلافية صعبة الحل؟

المبادئ فوق الدستورية، تعريفًا، هي مجموعة من القواعد والأحكام، يتم رفعها إلى مرتبة أعلى من مرتبة الأحكام الدستورية نفسها، فتكون مطلقة ثابتة سامية، محصَّنة ضد الإلغاء والتعديل، عند تعديل الدستور، أو تغييره، أو حتى تعطيله، وتصبح فوق الدستور وحدّاً عليه، ولا تجوز مخالفتها بمواد دستورية أخرى، وتكون المحكمة الدستورية ملزمة بمراعاتها وتطبيقها، حتى لو لم تكن مُتضمّنة في الدستور (تأتي أحيانًا بوثيقة مستقلة).

وهي مبادئ يتم التوافق عليها مسبقًا، وقبل المباشرة في كتابة الدستور، من قبل جميع القوى والمكونات المجتمعية الموجودة، دون استثناء، بغض النظر عن حجمها، وموقعها، ونسبة تمثيلها، والغرض منها إلزام السلطات القادمة، والمتعاقبة، مهما كانت أغلبيتها البرلمانية، وقدرتها على التفرد بالسلطة، بالحدود الدنيا المشتركة بين مختلف مكونات المجتمع، وعدم تمكينها من تعديل الدستور بحسب رغباتها، واستصدار قوانين تهدد الحريات العامة، وحقوق بعض المكونات الضعيفة.

مضمون هذه المبادئ -عمومًا- هو الحريات العامة، والكرامة الإنسانية، وحقوق الإنسان الأساسية، وعدم التمييز بين المواطنين، والتي يكتسبها الإنسان لمجرد كونه إنسانًا، وقد أصبحت حقوقًا عالمية، وواجبة الاحترام والتطبيق بعد تبنيها من قبل الأمم المتحدة، وتضمينها في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، الصادر عن المنظمة الأممية، في العام 1948، ثم في “العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العام 1966،  وكثيرًا ما أصبحت تضاف إلى الدساتير الوطنية، وتعطى صفة السمو والثبات، يضاف إليها -كذلك- مبادئ أخرى، تفرضها أحوال البلد وهمومه؛ فمشكلات تمثيل الولايات حضرت، كمبدأ فوق دستوري، في دستور الولايات المتحدة بعد الاستقلال، وتثبيت النظام الجمهوري فرض نفسه على الدستور الفرنسي كمبدأ أعلى ، ومآسي ألمانيا، بعد حربين عالميتين مدمرتين، فرضت نفسها على دستور العام 1948، عبر مبادئ سامية، تقطع الطريق على عودة التطرف والديكتاتورية، من خلال اللعبة الديمقراطية (نظرية تحصين الديمقراطية)، ويمكن الحديث بالطريقة نفسها عن حاجة جنوب أفريقيا إلى تصفية آثار نظام التمييز العنصري، وتعزيز المصالحة.

تصبح الحاجة ماسّة إلى هذه المبادئ، ويرتفع الطلب عليها بشكل خاص في البلاد التي تحتاج إلى بناء نظامها السياسي والقانوني الجديد، بعد المرور بفترة نزاعات عنيفة وحروب أهلية، تؤدي إلى تحطم الروابط المجتمعية والوطنية، وأسس التعايش بين أبناء البلد الواحد، وتقسم الناس على أسس ما قبل الوطنية: طائفية ومذهبية وعرقية وعشائرية وعائلية؛ الأمر الذي يعني سيادة أجواء الريبة والتوجس والشك بين المكونات، وخوف المكونات الأصغر، والأكثر ضعفًا، من نوايا الأغلبية، فيما لو وصلت إلى السلطة.

وفي حالتنا السورية، تبدو هذه الهواجس محقة، وثمة مؤشرات كثيرة تدعمها، فالأغلبية السنية، بحكم غياب الحياة السياسية، والقوى السياسية الفاعلة، من حياة السوريين، وبحكم ما تعرضت له هذه الأغلبية من تمييز وتعنيف وإذلال، من قبل نظام الطغمة وحلفائه؛ ستسعى للاستفراد بالسلطة في أي عملية سياسية قادمة، وترتيب النظام السياسي والقانوني، بما يلائم مصالحها وثقافتها وهواجسها وتجربتها المريرة؛ ما قد يهدد حقوق الآخرين، ويهدد منظومة الحريات العامة، وحقوق الإنسان بشكل عام؛ فلا بدّ -إذن- من قطع الطريق على احتمالات من هذا النوع، عبر التوافق على مبادئ فوق دستورية، غير قابلة للتجاوز أو التعديل، تضمن الحقوق والحريات العامة والأساسية للجميع.

هل هذا ديمقراطي؟ أي أن نفرض مبادئ حاكِمة، تصادر حق سلطة الأغلبية في اتخاذ إجراءات دستورية وقانونية مستندة إلى أغلبيتها؟ الجواب نعم، هو عمل ديمقراطي بامتياز؛ هذا إنْ سلّمنا بأن الديمقراطية لا يمكن اختزالها بحكم الأغلبية، بقدر ما هي احترام والتزام بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية، كانتقال السلطة مثلًا، وهذا موضوع مهم جدًا وإشكالي كذلك، ولا بد أن يُعطى حقه من البحث والنقاش، ومن يذكر حيثيات العملية القانونية التي جرت في مصر بُعيد الثورة، عامي 2011 – 2012، يدرك كم هي المسألة مهمة وواجبة النقاش.

إن فكرة المبادئ فوق الدستورية ليست بجديدة، بل تعود إلى مئات السنين، وإن كانت التسمية هي الحديثة ؛ إذ تُعدّ الوثيقة التي صدرت في بريطانيا، في العام 1100، باسم “ميثاق الحريات”، والتي وضعت حدًّا لاستبداد الملوك، باكورة هذه الطائفة من الوثائق التي تتضمن مبادئَ، تضع حدودًا للسلطات الحاكمة، وتمنعها من تجاوزها، ولعل من أهمها وثيقة حقوق الإنسان الأميركية، التي صدرت عقب الاستقلال عن بريطانيا عام 1776، ثم تلتها الوثيقة الأهم في هذا المجال: “ميثاق حقوق الإنسان والمواطن”، والتي صدرت في فرنسا عام 1789، بُعيد انطلاق الثورة، وحددت -بشكل نهائي- مجموعة الحقوق الطبيعية للأفراد والمجموعات، وفي العصر الحديث، يمكننا الإشارة إلى تجربة ألمانيا الرائدة، أو ما سُمي بـ”نظرية الديمقراطية المحصنة” التي وُضعت بُعيد الحرب العالمية الثانية، وهناك تجربة جنوب أفريقيا، وتجربة البوسنة والهرسك، وغيرها، ولكل منها أحوالها، وحيثياتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، لكنّ جميعَها جاء نتيجة فترات من الانتهاكات، والمظالم، والاعتداء على الحريات، وجميعها يهدف إلى وضع حد نهائي لتلك الانتهاكات.

أما في سورية، كما أشرنا، فستكون مسألة المبادئ الحاكمة للدستور مسألة خلافية ومعقدة؛ بسبب طبيعتها أولًا، والحالة الاستثنائية التي نحن عليها ثانيًا، لكن لا مناص من الخوض فبها، بوصفها المدخل الصحيح، الأساس، نحو تشييد منظومة قانونية سياسية سليمة متماسكة، تضع البلاد على سكة الخلاص.

يحتاج تفهم الناس قضية المبادئ فوق الدستورية، وإزالة الغموض والالتباس المحيط بها، وتأسيس وعي عام إيجابي بموضوعها، وتقليص فرص النزاعات المحتملة بشأنها، إلى جهد كبير مخلص، يبذله المهتمون بشأن بلدهم العام، والحريصون على خلاصه، سواء أكان هؤلاء جهاتٍ أم أفرادًا، وسيكون مركز حرمون للدراسات المعاصرة واحدًا من تلك الجهات المعنية، بل وفي طليعتها.