تحليل سياسي

اجتماعات أستانة: نجاح ميداني وفشل سياسي

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: استعراض مباحثات أستانة

ثالثًا: النشأة والمواقف

رابعًا: العلاقات البينية لأطراف التحالف الثلاثي

خامسًا: مأزق الحل السياسي الروسي

سادسًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

تحوّلت مطالب السوريين المحقة للتخلص من نير الاستبداد إلى سلسلة من أحداثٍ مأسوية بدأت أولى حلقاتها بمواجهة النظام للمتظاهرين بالقمع المنفلت، ما قاد إلى ردات فعل عنيفة وأفسح المجال لتدخل العديد من الدول، مباشرةً أو بالوكالة، وحوّل المشهد إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، دفع فيها السوريون ثمنًا باهظًا من دمائهم وممتلكاتهم. وعلى الرغم من الجهود الدولية وانعقاد الكثير من اللقاءات والمؤتمرات، لم يحصل أي تقدم ملموس على طريق حلّ المأساة السورية الشائكة حتى الآن.

من بين المؤتمرات المكرّسة للمسألة السورية كانت محادثات أستانة، التي بدأت كمسار عسكري بين النظام والمعارضة المسلحة في بداية العام 2017 برعاية روسية – تركية بداية قبل انضمام إيران إليهما في مرحلة لاحقة، تلك المحادثات التي تميّزت باستمرار انعقادها وتحقيقها لنتائج ميدانية، لكنها أخفقت في الوصول إلى نتائج ذات أهمية بخصوص الحل السياسي، نظرًا لتعارضها، كليًا أو جزئيًا، مع متطلبات مؤتمر جنيف والإرادة الدولية التي تتبناه من أجل اجتراح حلّ للمسألة السورية، عماده تجاوز مرحلة الاستبداد.

 

ثانيًا: استعراض مباحثات أستانة

  • أستانة كمؤتمر لحوار المعارضة

جاءت مساهمة دولة كازخستان في لعب دور الوسيط لإيجاد حل للمسألة السورية، بسبب عدم التوصّل إلى أية توافقات ذات شأن في مؤتمري موسكو 1 و2 للحوار بين النظام والمعارضة برعايةٍ روسية ربيع العام 2015. وكان محسوبون على المعارضة السورية قد وجهوا في ختام مؤتمر موسكو 2، نداءً إلى الرئيس الكازاخي، نور سلطان نزارباييف، للوساطة من أجل عقد لقاء للمعارضة في العاصمة الكازاخية، مُروّجين بأن كازاخستان دولة حيادية، وعلاقاتها متوازنة مع الأطراف الإقليمية المتدخِّلة في الشأن السوري، مع أنه من الصعب إغفال أنها إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابق، وتربطها بموسكو علاقات وطيدة.

انعقد مؤتمر أستانة 1 في 27 أيار/ مايو 2015، بحضور 30 شخصية من أطياف المعارضة السورية “المعتدلة”، بما أطلق عليه الحوار السوري – السوري. انتقد بعض المعارضين، الذين انسحبوا من مؤتمر موسكو 2، مؤتمر أستانة 1 باعتبار أنّ سقف مطالبه منخفض، كما رفض “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، حضور المؤتمر، فيما انتقده ممثل النظام السوري في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، وقال بأن سورية لم تُدع إليه. ثم انعقد مؤتمر أستانة 2 في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وأصدر بيانه الختامي بغالبية 28 صوتًا من أصل 37 عضوًا مشاركًا، وتضمن البيان مبادرةً سياسية لوقف الصراع وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين لدى كلّ من النظام والمعارضة المسلحة.

 

  • أستانة كمؤتمر لرعاية المفاوضات بين النظام والمعارضة

حصلت الانطلاقة الفعلية لمؤتمرات أستانة، كمفاوضات بين النظام السوري والمعارضة المسلحة برعاية روسية – تركية – إيرانية، في اللقاء الأول المنعقد بتاريخ 23 – 24 كانون الثاني/ يناير 2017، والذي صدرت في بيانه الختامي تأكيدات بأن لا حلّ عسكريًا للمسألة السورية، مع التأكيد على الالتزام بسيادة واستقلال سورية ووحدة أراضيها، وبكونها “دولة متعددة الأعراق والأديان وغير طائفية وديمقراطية”.

لم يسفر مؤتمر أستانة 2، منتصف شباط/ فبراير 2017، عن نتائج ذات شأن، باستثناء تشكيل لجنة عمل ثلاثية، روسية – تركية – إيرانية، لمراقبة وقف إطلاق النار، ووعود روسية للمعارضة بتثبيت الهدنة المتّفق عليها بين قوات النظام والمعارضة برعاية روسية – تركية نهاية العام 2016. ثم انعقد مؤتمر أستانة 3 منتصف آذار/ مارس 2017 بغياب وفد المعارضة، احتجاجًا على عدم التزام النظام بوقف إطلاق النار، وحضور ممثلي كل من الولايات المتحدة والأردن، علاوة على الدول الثلاث الراعية. وفي هذه الجولة أعلن رئيس الوفد الروسي، ألكسندر لافرنتييف، عن انضمام إيران إلى كلّ من روسيا وتركيا كدولة ضامنة للهدنة، ووضع خرائط مفصّلة للفصل بين مجموعات المعارضة المسلحة والفصائل الإرهابية.

في الثالث من أيار/ مايو 2017 انطلقت الجولة الرابعة من المفاوضات، سبقها اجتماع خبراء من الدول الثلاث الضامنة، وتمخّضت هذه الجولة عن الاتفاق على إقامة 4 مناطق لخفض التصعيد، كتجربة لمدة 6 أشهر؛ في الغوطة الشرقية، وإدلب (وتضم أجزاءً من محافظتي حلب واللاذقية)، والمنطقة الوسطى (ريف حمص الشمالي)، والمنطقة الجنوبية (درعا والقنيطرة). في نهاية الاجتماع، انسحب بعض أعضاء وفد المعارضة احتجاجًا على توقيع إيران للاتفاق. وعقدت الجولة الخامسة من مباحثات أستانة في 4 – 5 تموز/ يوليو 2017، وتم فيها ترسيم حدود مناطق خفض التصعيد، والاتفاق على طريقة للإشراف والرقابة عليها. وتم الاتفاق في الجولة السادسة المنعقدة منتصف أيلول/ سبتمبر 2017، بحضور 24 ممثلًا عن المعارضة السورية المسلحة، على أن تقوم الدول الضامنة الثلاث بمراقبة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب، ولم يُحرز أي تقدم فيما يتعلق بموضوع الإفراج عن المعتقلين.

في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2017 عُقدت الجولة السابعة من المباحثات بحضور وفدي النظام والمعارضة المسلحة، وفيها تم التأكيد على وحدة الأراضي السورية وتثبيت وقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد ومكافحة الإرهاب، وبأن الحل السياسي يقوم على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254 وعبر مؤتمر جنيف. ولم تكن الجولة الثامنة من المحادثات التي عُقدت في 25 كانون الأول/ ديسمبر 2017، أكثر من محطة للانتقال إلى مؤتمر “الحوار الوطني السوري” في سوتشي، والذي تم الاتفاق على عقده في مكالمة هاتفية بين الرئيسين الروسي والتركي قبل انتهاء جولة المفاوضات هذه. مثّلت الخطوة الروسية في الانتقال إلى سوتشي أول محاولة لاستثمار النجاحات العسكرية على الأرض من أجل تحقيق اختراق يتمثل بفتح مسار آخر للحل السياسي في موازاة مؤتمر جنيف 2 أو كبديلٍ له.

لم تسفر الجولة التاسعة من محادثات أستانا، منتصف شهر أيار/ مايو 2018، عن نتائج تُذكر، وتم الاتفاق على عقد الجولة القادمة من المفاوضات في مدينة سوتشي الروسية، في تكريسٍ لمسارٍ سياسي جديد، والتشاور مع المبعوث الأممي، ستيفان دي مستورا، من أجل البدء بتشكيل اللجنة الدستورية، كتطبيق لأحد البنود الأربعة الواردة في مقررات مؤتمر جنيف 4 للحل السياسي المتعثر في سورية، شباط/ فبراير 2016، وهي الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب. لكنّ اللافت في هذا الجولة هو الغياب الأميركي، ربما بسبب التذمّر من الجلوس مع الوفد الإيراني، سيما وأن الرئيس دونالد ترامب كان قد وقّع قبلها بأيام على قرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.

عُقدت الجولة العاشرة في مدينة سوتشي، أواخر تموز/ يوليو 2018، بمشاركة ممثل عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمبعوث الدولي دي مستورا، وركّز البيان الختامي على العمل على “مساعدة السوريين في استعادة حياتهم الطبيعية وبدء المحادثات لعودة النازحين واللاجئين”. وفشلت الجولة الحادية عشرة التي عُقدت في العاصمة الكازاخية أستانة، أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، في التوصل إلى اتفاق نهائي حول اللجنة الدستورية.

تقرر إجراء الجولة الثانية عشرة من المباحثات في العاصمة الكازاخية نور سلطان (أستانة سابقًا)، 25 نيسان/ أبريل 2019، لمناقشة الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب والبحث في مسألة الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، بحضور المبعوث الأممي الجديد إلى سورية، غير بيدرسون، فيما أعلنت الولايات المتحدة عن استمرار حضورها بصفة مراقب. في هذا الصدد، قال الرئيس التركي أردوغان للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية العائدة من موسكو في 10 نيسان/ أبريل 2019، بأن “دولًا جديدة قد تشارك في جولة أستانة القادمة هذه، وهي الأردن والعراق ولبنان وألمانيا والصين، ما يعزز من أهمية القرارات التي سيتم الوصول إليها” وهو في الغالب يعني انضمامها لبحث فتح الحدود الدولية ما بين سورية والأردن والعراق، وهذه الدول إن حضرت فستحضر بصفة مراقب، تمامًا كما الحضور الأميركي في سلسلة أستانة.

 

ثالثًا: النشأة والمواقف

حين وافق الإيرانيون والنظام على الانخراط في مباحثات أستانة كانوا يأملون باستكمال الانتصارات التي حققوها تحت جناح الحليف الروسي الأقوى منذ خريف عام 2015، لكن الروس لم يتركوا لأطراف محور “المقاومة والممانعة” الكثير فيما يتعلق بالقدرة على المناورة، فالكلمة الأخيرة لهم، وهم الذين يحددون الأهداف ويعطون الحصص ويستثمرون الانتصارات، ويتحالفون مع إسرائيل وغيرها على حساب المحور أو بعض أطرافه، كما أن دخول تركيا في هذا التحالف فرض على محور “الممانعة والمقاومة” قيودًا يصعب تجاوزها، وخاصةً بعد تحولها إلى قوة على الأرض السورية والتطور المضطرد في العلاقات الروسية – التركية.

لم يكن لمعظم فصائل المعارضة السورية المسلحة، بفعل الضعف أو الارتهان الإقليمي، من خيار سوى اللجوء إلى الحليف التركي لتمثيلها في الاتفاق الجديد، وقد ربطت تركيا دخولها في التحالف باستبعاد “قوات حماية الشعب” الكردية من المشاركة، لما تعتبره مساسًا بأمنها القومي، أو أن يتمثّل هذا الحزب ضمن وفد النظام في حال تمّت دعوته. في هذا السياق أيضًا، رحبت “الهيئة العليا للمفاوضات” باتفاق أستانة على لسان منسقها العام، رياض حجاب، الذي فضّل إجراء المباحثات في جنيف، فيما عارضت بعض الفصائل العسكرية الاتفاق، على الأرجح بسبب استبعاد الدول الداعمة والممولة لها كالسعودية وقطر عن المباحثات.

على الصعيد الدولي، رحبت مجموعة الخضر في البرلمان الأوربي بالاتفاق، واعتبرته “خطوة مشجعة ويساهم في تخفيف معاناة جزء من الشعب السوري”. كما صوت مجلس الأمن بالإجماع لصالح مشروع القرار الروسي – التركي حول اتفاق أستانة في اليوم الأخير من عام 2016، لكن مع إجراء بعض التعديلات عليه، والتي تؤكّد بأن الاتفاق جزء من المفاوضات الهادفة إلى العودة إلى مسار جنيف التفاوضي. كما وافقت الولايات المتحدة على الاتفاق، لكنها أعربت عن قلقها من الدور الإيراني فيه.

من أكثر مقررات مباحثات أستانة إثارةً للاهتمام، وللإشكاليات في نفس الوقت، كان إنشاء مناطق خفض التصعيد التي تم الاتفاق عليها في الجولة الرابعة من المباحثات التي عُقدت في أيار/ مايو 2017، كإجراءات عملية مكّنت دول تحالف أستانة الثلاثي من تنسيق الجهود والاتفاق على المصالح التي يتعلق حجمها بقوة ونفوذ كلٍّ من هذه الدول في سورية.

من جهتها، عارضت “إسرائيل” على طول الخط وجود إيران والمجموعات التابعة لها في سورية على العموم، وفي منطقة خفض التصعيد في الجنوب على وجه الخصوص، فعملت على الحيلولة دون ذلك بمفردها، ومن ثم عبر التنسيق مع الحليف الروسي، وبسبب هذه المخاوف الإسرائيلية، تطلّب الأمر ضمان منطقة خفض التصعيد في الجنوب على أعلى المستويات، وذلك في القمة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في مدينة هامبورغ الألمانية في 7 تموز/ يوليو 2017.

 

رابعًا: العلاقات البينية لأطراف التحالف الثلاثي

تمت الدعوة إلى مؤتمر أستانة من قبل روسيا وتركيا أواخر العام 2016، على أن يشارك فيه ممثلون عن المعارضة المسلحة وشخصيات سياسية معارضة، علاوة على ممثلين عن النظام والقوات الكردية. لم تطرح روسيا فكرة مؤتمر أستانة كبديل لمؤتمر جنيف علانيةً، واعتبرته مجرّد سبيل آخر يمهّد للعودة إليه، لكن واقع الحال، وكما تبين لاحقًا، كان يشير إلى النية في تحويل مسار الحل السياسي من جهد دولي مشترك في جنيف إلى حلّ روسي للصراع من أجل استثمار النجاحات العسكرية جراء القصف الجوي المدمّر.

وكان لا بدّ من أن تتوجّه روسيا إلى تركيا التي تحوز على ثقة معظم المعارضين، والتي أصرّت على حضور “الهيئة العليا للتفاوض”، بينما عارضت روسيا دعوة هذه الهيئة، ويبدو أن التوافق بين الدولتين حصل بعد أن تم استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي والهيئة من المشاركة في المؤتمر. لم تكن طهران ودمشق راضيتين عن موقف موسكو من الفصائل الإسلامية، وكانتا تريدان الاستمرار بالخيار العسكري حتى النهاية، بخاصةٍ بعد أن قلب التدخل الروسي من الجو، منذ خريف العام 2015، ميزان القوى لصالحهما على الأرض.

كانت العمليات العسكرية الروسية ضد الجماعات المقاتلة المدعومة من تركيا قد أفضت إلى تعكير الأجواء بين البلدين، لكن، وبعد فترة قصيرة من العداء الذي أعقب إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية أواخر عام 2015، عادت العلاقات بينهما إلى سابق عهدها، لا بل أنها أضحت أكثر متانة، فقد تنبّه الطرفان إلى المصالح التي تجمعهما في سورية، وضرورة وقوفهما معًا في مواجهة الولايات المتحدة، فتركيا لم تعد تثق بالحليف والشريك الأميركي منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، بينما استغل بوتين هذا الحدث ليتضامن مع الحكومة التركية عبر اتصال هاتفي مبكر مع الرئيس أردوغان.

على الرغم من أن أهداف المؤتمر كانت تتلخص بوقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة المسلّحة، باستثناء “داعش” و”النصرة”، وتحييد المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية وبدء عملية انتقال سياسية، إلا أن الأولويات فيما يتعلّق بتحقيق هذه الأهداف كانت موضع خلاف بين مختلف الأطراف. كما حصل خلاف على دور بشار الأسد، حيث رفضت تركيا بقاءه بعد المرحلة الانتقالية، في مقابل إصرار إيران على ذلك، ولو بصلاحيات أقل، في حين تركت روسيا الخيار للسوريين عن طريق الانتخابات.

في الوقت الذي بدأت فيه اجتماعات أستانة في بداية العام 2017، كانت تركيا على وشك إكمال سيطرتها على جيب إعزاز – جرابلس – الباب تحت مسمى عملية “درع الفرات”، والتي دعمت فيها فصائل سورية معارضة لتتقدّم على حساب تنظيم “داعش” من جهة و”قوات سوريا الديمقراطية”، التي عمادها “وحدات حماية الشعب” الكردية، من جهة أخرى. بذلك تمكّنت تركيا من فصل التواجد الكردي في منطقة الجزيرة عنه في عفرين، في إطار هدفها المعلن لمنع تشكيل كيان كردي مستقل في شمال سورية. بالطبع، لم يكن ذلك ليتحقق من دون غضّ نظر روسيا عن هذا الاجتياح التركي، بعد سيطرة النظام وحلفائه على مدينة حلب بدعم روسي مباشر صيف عام 2016، ما يشير إلى ضربٍ من المقايضة؛ حلب في مقابل الجيب المشار إليه أعلاه من الشمال السوري.

لم تلبث تركيا أن عقدت صفقةً أخرى مع روسيا تخلّت بموجبها عن دعم فصائل الغوطة الشرقية، لتتمّ السيطرة عليها من قبل قوات النظام بدعم روسي، منتصف نيسان/ أبريل 2018، ولتتمكّن هي من اجتياح منطقة عفرين بمساعدة فصائل سورية معارضة في ما يسمى بعملية “غصن الزيتون”، التي انتهت في 18 آذار/ مارس 2018. وبذلك تكون تركيا قد استفادت من تحالف أستانة بصورة عامة، ومن العلاقة مع روسيا على نحوٍ خاص، لتحقق نصف حلمها بالسيطرة على كامل الشريط الحدودي في الشمال السوري.

فيما يتعلق بالعلاقة الروسية – الإيرانية، ومنذ البداية، كان ضعف إيران تجاه روسيا نابعًا من كونها هي التي استدعت التدخل الروسي إلى سورية، بعد أن عجزت عن دعم النظام في وجه تقدم فصائل المعارضة المسلحة والجهاديين المدعومين من قبل عدة أطرافٍ إقليمية، فتكامل الجهد الروسي الجوي مع القوى التي تديرها إيران على الأرض في تحقيق الفوز على مختلف الجماعات المسلحة المعادية لهما.

لكنّ المعارك ما لبثت أن توقّفت على حدود منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب، واستُبدلت عملية الاجتياح الوشيكة باتفاقٍ روسي – تركي على حلٍّ يعتمد على تنظيم الوجود المسلح وتفكيكه، عوضًا عن الاعتماد على القوة المسلحة وحدها، ما قلّل حاجة روسيا إلى الميليشيات الشيعية. كما أن روسيا كانت قد بدأت بتدريب وتشكيل مجموعات عسكرية موالية لها على حساب مجموعات الدفاع الوطني التي تأتمر بإيران، علاوة على إدخال المزيد من مقاتلي المعارضة المنضوين في إطار المصالحات في الوحدات الجديدة، كالفيلق الخامس.

ترافق ذلك أيضًا مع زيادة مضطردة في التنسيق الروسي – الإسرائيلي، والذي سمح لإسرائيل بتوجيه الضربات ضد المواقع الإيرانية بحرية، من ضمن الهدف الإسرائيلي المتمثل بمنع إيران من إنشاء قواعد ثابتة لها في سورية. وعلى الرغم من بعض التوترات التي شابت العلاقات الروسية – الإسرائيلية من وقتٍ إلى آخر، بخاصةٍ بعد تسبُّب إسرائيل بإسقاط طائرة التجسس الروسية بصاروخ أرض – جو سوري خريف 2018، فلم تلبث الأمور أن عادت إلى مجاريها، وتعزز التنسيق بين الدولتين، ما انعكس مزيدًا من الضعف في العلاقات الروسية – الإيرانية ضمن تحالف أستانة الثلاثي، إلى حدٍّ أن بقاء التحالف ذاته بات على المحكّ في الوقت الحاضر.

هكذا، وبعد أن كانت العلاقة الثنائية الروسية – الإيرانية حيويةً قبل تحالف أستانة الثلاثي، لحاجة روسيا إلى المجموعات العسكرية المؤتمرة من قبل طهران على الأرض، مالت الكفّة بالتدريج لصالح العلاقات الروسية – التركية بعد قيام هذا التحالف، وتحققت فيها مكاسب وصفقات مهمة للطرفين، سواء من خلال التنسيق في إطار هذا التحالف أو بالعمل على نحوٍ ثنائيّ من خارجه.

أما العلاقات التركية – الإيرانية في إطار تحالف أستانة، وبالرغم من التناقضات التي تشوبها، فإن ذلك لم يمنع الدولتين من التعاون في سورية، ولو مكرهتين، فلم ترغب أي منهما أن تصل العلاقات بينهما إلى حدّ القطيعة، نظرًا للمصالح التي تربطهما في غير مسألةٍ ومكان، وأهمها حاجة إيران إلى السوق التركية من أجل تجاوز العقوبات الأميركية، في مقابل حاجة تركيا إلى النفط والغاز الإيرانيين. بهذا الصدد، وعند لقائه مع وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في 17 أبريل/ نيسان 2019، قال وزير الخارجية التركي، تشاوش أوغلو “في الميدان السوري، لدينا منذ البداية نقاط اختلاف مع إيران في مواضيع عدة، لكننا قررنا التعاون معها لإيجاد حل سياسي”.

 

خامسًا: مأزق الحل السياسي الروسي

يبدو أن الروس في سعيهم لمواجهة الولايات المتحدة، القوة الوحيدة التي يمكنها الوقوف في وجه طموحاتهم، حاولوا مهادنة كل الدول الفاعلة في سورية، سواء منها المتدخّلة عسكريًا أو تمويليًا. بكلامٍ آخر، ما لم تحققه روسيا عن طريق الحرب، حاولت ومازالت تحاول تحقيقه من خلال القيام بصفقات مع الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، وبخاصة تركيا، صاحبة النفوذ الأكبر على المعارضة السورية المسلحة، مستفيدةً من ارتباك وتردّد السياسات الأميركية في سورية والمنطقة بشكل عام.

من جهة ثانية، ومع أنّ الولايات المتحدة كانت قد وافقت على التدخل العسكري الروسي في سورية أو غضّت النظر عنه، كمصلحة مشتركة في احتواء الجماعات المسلحة التي انتشرت كالفطر على تربة الثورة السورية، فإن القيود الأميركية كانت صارمة عند تجاوز روسيا للخطوط الحمر في مناطق النفوذ المتّفق عليها، كما حدث عند تقدّم قوات تتبع شركة “فاغنر” التي يستخدمها الجيش الروسي باتجاه أحد حقول النفط قرب دير الزور في 7 شباط/ فبراير 2018، حيث قُتل وجرح المئات من المتعاونين الروس في الردّ الأمريكي العنيف.

لذا، لم تنجح مساعي روسيا حتى الآن بفرض حلّ سياسي يناسبها، فقد وقفت الولايات المتحدة، ومعها الدول الفاعلة في الاتحاد الأوروبي، حجر عثرة أمام محاولة الالتفاف الروسية على المسار التفاوضي في جنيف، واعترضت على محاولات روسيا الهادفة إلى تشجيع اللاجئين السوريين على العودة قبل بدء عملية الانتقال السياسي، واستغلالها للأوضاع المذرية التي يعيشها اللاجئون في مخيمات دول الجوار، كما رفضت الدول الغربية الدعوة الروسية لإعادة الإعمار، وربطت المساهمة في عملية التمويل الهائلة التي تحتاجها هذه العملية بعملية الانتقال السياسية، مدركةً بأن روسيا لا تستطيع تحمل عبء التكاليف.

أمام مختلف العوائق التي ظهرت تباعًا أمام مشروع الحل السياسي الروسي المزعوم، عاد الروس مؤخرًا للحديث عن استئناف محادثات جنيف. فقد قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف، في لقاء جمعه مع وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي في 7 نيسان/ أبريل 2019، “نأمل أن تتخذ الأمم المتحدة خطواتٍ من أجل إعادة الحوار حول الأزمة السورية في جنيف…”، ما يمثل اعترافًا صريحًا بأن الحل السياسي على الطريقة الروسية دونه الكثير من العقبات، إن لم يكن قد وصل إلى طريقٍ مسدودة.

في هذه الأثناء، خلال الوقت الضائع بانتظار الحل السياسي، تقوم روسيا بجهد محموم من أجل هيكلة الأمن والجيش في الاتجاه الذي يعمل لصالحها على المدى البعيد، وذلك لجعل الجيش أكثر حرفيةً وتوازنًا، بخلاف الرغبة الإيرانية في تحويل بقايا الجيش إلى مجموعة من الميليشيات فاقدة الانتماء الوطني، كما فعلت في العراق ولبنان واليمن. يتوافق الجهد الروسي في تحجيم الانتشار السرطاني الإيراني في بنية الدولة السورية مع أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية المطاف، ما قد يمهد لتنسيق أكبر بين الروس والأميركان حول المسألة السورية، تكون إسرائيل رافعته وعرابته.

من جهة ثانية، تحظى الإجراءات الروسية الهادفة إلى تحجيم الدور الإيراني في سورية بتأييد مقبول من معظم مكونات المجتمع السوري، فعلاوة على رغبة إيران في الحفاظ على النظام كما كان قبل 2011، رغم اختلاف الظروف والمواقف، فإن محاولات التمدد الإيرانية تعدُّ عوامل تفرقة تضاف إلى الكم الكبير من المشاكل التي خلّفها الاستبداد في البنية الاجتماعية السورية، والتي تحتاج إلى مشروع وطني جامع، وليس إلى المزيد من التدخلات الخارجية المحرّضة على الانقسامات المذهبية.

 

سادسًا: خاتمة

إن استمرار تحالف أستانة مرهون بالمصالح التي يمكن أن تتحقق لدوله الثلاث، ولو بصورة متفاوتة، كانعكاس لأهمية ودور كلّ منها في الحدث السوري، لذا، فإن الدور الروسي هو المهيمن على سياسات التحالف. مع ذلك، يبدو أن تحالف أستانة الثلاثي بدأ بالترنُّح على أبواب منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب، وتضاءل الدور الإيراني فيه، بعد تزايد الضغوط الروسية وعمليات القصف الإسرائيلية والعقوبات الأميركية. كما كان الاتفاق الثنائي الروسي – التركي حول إدلب في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، مؤشرًا مهمًا لتنامي العلاقة بين البلدين على حساب العلاقة الروسية – الإيرانية في هذا التحالف، ولو أن اتفاق إدلب ذاته في مأزقٍ أيضًا، ومازال تطبيقه متعثّرًا، نظرًا لاختلاف أجندات الدولتين وأولوياتهما في سورية.

يمكن القول إن تحالفات الدول الضامنة للمفاوضات في مؤتمر أستانة كانت، ومازالت، تكتيكية الطابع، وهي محكومة بمصالح مؤقتة ومشروطة بظروف محددة تزول بزوالها، ولا يمكن مقارنتها بالتحالف الاستراتيجي الأميركي – الإسرائيلي، أو بالتحالف الروسي – الإسرائيلي حول سورية، والذي تجاوز التكتيك، ولو أنه لم يصل إلى مستوى الاستراتيجية.

الغاية الأساس من تحالف الدول الضامنة الثلاث في أستانة هي التحكم بالنشاط المسلح على الأرض وخدمة مصالح أطراف التحالف، أما التوصُّل إلى حل للمسألة السورية، متشابكة الأسباب والمصالح، فأمر دونه الكثير من العقبات، ليس لتعارض مصالح الدول المنضوية في إطار هذا التحالف فحسب، إنما لرفض الإرادة الدولية لمشروع الحل المنبثق عن أستانة وسوتشي والتمسك بمسار جنيف، ولو أنه شبه معطّل في الوقت الحالي.

من هنا صعوبة الاستثمار الروسي لنجاحاتهم العسكرية في سورية، وإن استفراد الروس بالحل السياسي محكوم بالفشل على الأغلب، وربما وصل الروس أنفسهم إلى هذه النتيجة، ما قد يفسّر دعوة وزير الخارجية الروسي الأخيرة إلى الأمم المتحدة من أجل استئناف محاولات حل المسألة السورية في جنيف، ولو أن الوضع الدولي الحالي لا يشير إلى حماس الدول المعنية بالعودة إلى هذا المسار، ما يجعل مثل هذه التصريحات الروسية مجرد كلام.

في خضمّ الصراعات والتحالفات الدائرة في سورية وحولها، فإن الطرف الخاسر الأكبر هم السوريون، كونهم يفتقدون إلى مشروع وطني يجمعهم في إطار دولة ديمقراطية، عوضًا عن الوطنية المزيفة التي فرضها الاستبداد على مقاس مصالحه. ويبدو أن حالة الوهن هذه ستبقى ما دام المشروع الوطني وحامله غائبًا، ما يستدعي بذل المزيد من الجهود في هذا المنحى بلا إبطاء.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية