تحليل سياسي

التناغم الأميركي – الإسرائيلي حول مستقبل الجولان المحتل

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: التعريف بواقع الجولان المحتل

ثالثًا: أهم المعطيات حول الجولان المحتل (1967 – 2019)

رابعًا: تجاوز ترامب لقواعد السياسة الأميركية المعلنة

خامسًا: تداعيات التناغم الأميركي – الإسرائيلي حول مستقبل الجولان المحتل

سادسًا: المخاطر المحدقة بمستقبل سورية

سابعًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

بينما يعاني الشعب السوري، طوال ثماني سنوات ونيّف، من عسف شبيحة النظام السوري وحلفائها الإيرانيين والروس، جاء قرار الرئيس الأميركي ترامب، في 25 آذار/ مارس الماضي، باعتبار الجولان المحتل أراضٍ إسرائيلية، حاملًا احتمالات عديدة للمرحلة القادمة. وقد جاء القرار في سياق التغيّرات الإقليمية، التي فرضت تداخل الملفات، بحيث أصبح الوضع بين سورية و”إسرائيل” مرتبطًا بالوضع الإقليمي، خاصة توتر العلاقات الأميركية مع إيران وتركيا من جهة، والتنسيق الروسي مع “إسرائيل” من جهة ثانية.

ولا شك أن قرار ترامب يضع الولايات المتحدة الأميركية خارج السياق القانوني للشرعية الدولية، كما يؤدي إلى تعميق الصراع في المنطقة، ويفتح شهية إسرائيل على المطالبة بفرض سيادتها على الضفة الغربية إضافة إلى الجولان المحتل.

 

ثانيًا: التعريف بواقع الجولان المحتل

يقع الجولان المحتل في الجنوب الغربي من سورية، يبعد عن دمشق 60 كيلو متر، وهو نقطة عبور بين أقطار بلاد الشام (فلسطين، سورية، لبنان الأردن)، ويتمتع بأهمية استراتيجية بحكم موقعه المميّز وتنوّع تضاريسه. وقد استولت إسرائيل على نحو 1200 كيلو متر مربع من أصل مساحته البالغة 1860 كيلو مترًا مربعًا، خلال حرب العام 1967. كما احتلت مساحة 510 كيلو أمتارًا مربعة أخرى، خلال حرب العام 1973، تم إرجاعها إلى سورية نتيجة مفاوضات العام 1974، التي أشرف عليها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، ونتج عنها إقرار خط وقف إطلاق النار وإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح.

حاليًا يعيش فيها 24.500 مواطن سوري، موزعين على خمس قرى وبلدات محتلة من أهمها مجدل شمس، وفي المقابل يستوطنها 20 ألف مستوطن إسرائيلي موزعين على 33 مستوطنة من أهمها كتسرين. وكان الجولان المحتل، قبل الاحتلال، يحتوي 150 قرية وعشرات المزارع، تعرّضت جميعها للتدمير، كما تم تهجير حوالي 80 بالمائة من سكانه.

وتعتبر بحيرة طبريا خزان مياه “إسرائيل”، حيث تبلغ مساحتها 166 كيلو مترًا مربعًا وتتسع لأكثر من 4 مليارات متر مكعب من المياه. كما أن عمليات التنقيب الأميركية والإسرائيلية أكدت وجود بحر من النفط، مما دفع مجلة “إيكونوميست”، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، لنشر مقال تحت عنوان “ذهب أسود تحت الجولان”. كما أن صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية كتبت، في 11 نيسان/ أبريل الجاري، أن اعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية على الجولان يرمي إلى تحقيق سيطرة أميركية وإسرائيلية على كميات كبيرة من النفط والغاز، من المتوقع اكتشافها في الجولان.

وفي مجال الاقتصاد، دخلت خزينة “إسرائيل” مليارات الدولارات من عائدات الجولان المحتل، الذي ينتج أفضل أنواع الخضروات والفاكهة، إذ وفق المصادر الإسرائيلية فإن 21 بالمائة من إنتاج إسرائيل من الكرمة يأتي من الجولان، وكذلك 50 بالمائة من المياه المعدنية، و40 بالمائة من لحوم البقر. إضافة إلى أهميته السياحية، حيث يعتبر جاذبًا للسياحة الداخلية الإسرائيلية، خاصة لمراكز التزلج على الجليد.

 

ثالثًا: أهم المعطيات حول الجولان المحتل (1967 – 2019)

في أعقاب حرب الأيام الستة في حزيران/ يونيو 1967 كان الجولان المحتل مشمولًا بالقرار الدولي 242، الذي اعتُمد في أعقاب الحرب، وينص على “عدم القبول بالاستيلاء على أراضٍ بواسطة الحرب”، كما دعا “إسرائيل” إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل سلام شامل، يؤدي إلى الاعتراف بحق جميع الدول بالعيش ضمن حدود آمنة. وعاد مجلس الأمن الدولي، بعد حرب 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، إلى اعتماد القرار 338 الذي أكد ما دعا إليه القرار 242، لكنّ “إسرائيل” لم تعر القرارين أي انتباه. بل إنها أعلنت، في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981، فرض قوانينها وسلطاتها على الجولان. لكنّ مجلس الأمن الدولي اعتمد بالإجماع القرار 497، الذي اعتبر ما فرضته “إسرائيل” ملغيًا وباطلًا ومن دون فعالية قانونية على الصعيد الدولي.

ومنذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام العربي – الإسرائيلي في سنة 1991، وطوال جولات المفاوضات السورية – الإسرائيلية في عدة محطات طوال تسعينيات القرن الماضي، لم يفاوض الجانب الإسرائيلي على أساس رفض الانسحاب من الجولان، وإنما على عمق هذا الانسحاب ومداه الجغرافي. وحتى نتنياهو، الذي ترأس الوزارة الإسرائيلية في عام 1996، لم يكن بإمكانه التنصل العلني من مبدأ الانسحاب من الجولان، بالرغم من محاولته إعادة المفاوضات السورية – الإسرائيلية إلى نقطة الصفر، بالتنصل من “وديعة رابين”، التي تتضمن تعهدًا إسرائيليًا بالانسحاب من الجولان مع ترتيبات متفق عليها بين الطرفين.

في الواقع لم تتوقف إسرائيل، منذ إعلانها ضم الجولان في العام 1981، عن محاولة إقناع أميركا بالاعتراف بقرارها هذا، ولم ينجح مسعاها، حتى أن إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان رفضت الاعتراف بقرار الضم الإسرائيلي. لكنّ “إسرائيل” استغلت الحالة السورية، خاصة الحديث عن التقسيم، في السنوات الأخيرة، للدفع في هذا الاتجاه مع حليفتيها الفاعلتين في سورية: الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حيث كان موضوع ضم الجولان حاضرًا في كل محادثاتها معهما. وقد اعتقدت أن الفرصة قد حانت ليعترف العالم بضم الجولان إليها، وأقدمت على خطوات رمزية لتعبر عن هذه الرغبة، إذ عقد نتنياهو اجتماعًا لحكومته في الجولان المحتل، في 17 نيسان/ أبريل 2018. حيث أعلن أن “الجولان سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد”، وطالب حكومات العالم أن تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.

منذ الأيام الأولى للحراك الشعبي السوري من أجل الحرية والكرامة، في آذار/ مارس 2011، رأت “إسرائيل”، بسبب معرفتها الدقيقة بطبيعة النظام السوري التي كان شعارها “الأسد أو نحرق البلد”، وتحويلها الصراع إلى حرب متعدد الأطراف، أن سورية تسير نحو الانقسام والتفتت إلى “جيوب إثنية ودينية”، كما ورد في بحث نشره مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، بما سيضمن التشكيك في المشروعية القانونية للمطالبة بالجولان، وبالتالي يصبح ضمه، ليس أمرًا واقعًا بحكم الاحتلال الإسرائيلي منذ سنة 1967، بل أمر يمكن إعطاءه شكلًا شرعيًا في مرحلة لاحقة.

كان مركز أبحاث الأمن القومي، في تقرير سابق أصدره في كانون الأول/ ديسمبر 2015، أشرف عليه الجنرال احتياط أدوي ديكل، قد نصح بأن “تتجه الحكومة الإسرائيلية نحو إقامة علاقات واتصالات، ووضع خطط عمل مع لاعبين محليين وإقليميين ودوليين لهم مصالح مشابهة لتلك التي تخص إسرائيل”، لما لهؤلاء اللاعبين من تأثير في الواقع عند رسم ملامح سورية في المرحلة المقبلة. وعليه، دعا التقرير صانعي القرار الإسرائيلي إلى “صياغة المصالح الجيو – استراتيجية من خلال النظر إلى الغد وليس إلى الأمس، حيث أن ثمة (فرصة فريدة) لتغيير المكانة الدولية لهضبة الجولان، نشأت بفضل تضافر عمليات تاريخية ونضوجها في النقطة الزمنية الحالية. حيث أنه لا أفق آخر في الجولان باستثناء الأفق الإسرائيلي، ولن يتاح الاستقرار الإقليمي من خلال موطئ قدم لإيران وحزب الله في بحيرة طبريا”.

ومما ساعد إسرائيل على تحقيق مطامعها ذريعة وجود الإيرانيين، جيشًا وميليشيات متنوعة، في سورية. إذ تعتبر هذا الوجود تهديدًا لأمنها، فحددت خطوطًا حمراء تمنع استخدام الأراضي السورية لنقل الأسلحة لحزب الله. إضافة إلى منع وجود قوات عسكرية تابعة لإيران وميليشياتها في جنوب سورية، في المنطقة القريبة من الجولان السوري المحتل.

ويعتقد قادة إسرائيل أن استمرار الصراع الإقليمي والدولي على سورية قد قوّض المطالب السورية بالجولان المحتل وعزّز قبضتها عليه، ومن هنا يوسّعون نطاق وجودهم هناك، من خلال بناء مساكن إضافية، وتشجيع السياحة والاستثمار في البنية التحتية والصناعة. كما أنهم يعتبرون ضماناتهم الاستراتيجية هي “وديعة أميركية” شاملة بشأن الجولان، بما في ذلك ضمانات رئاسية وتشريعات في الكونغرس، تضمن السيادة الإسرائيلية هناك. بالاستناد إلى أنه، في العام 1975، صدر تعهد رئاسي من الرئيس الأميركي في حينه، جيرالد فورد، لرئيس الحكومة الإسرائيلية، اسحق رابين، تضمن اعترافًا أميركيًا في شأن حاجة “إسرائيل” الماسّة لهضبة الجولان حتى في وقت السلم. وإن الإنجاز المطلوب والممكن لـ “إسرائيل” هو تحديث الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأميركي بشأن الجولان. من هنا جاء تجديد مطلب الاعتراف الدولي بضم الجولان، وجاءت الفرصة سانحة لإسرائيل، حين حدث تحوّل مهم في الموقف الأميركي التاريخي.

صدر التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان في العالم لعام 2018، وكان لافتًا أنه نزع صفة الاحتلال عن الأراضي العربية المحتلة في الضفة الغربية والجولان، وهو التقليد الذي ظل سائدًا في التصريحات والبيانات الرسمية الأميركية منذ سنة 1967. حيث اختلف الوضع تمامًا في عهد إدارة ترامب، الذي بدأ سلسلة من الإجراءات الأحادية، تضمنت الاعتراف بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل”، ثم قرر نقل السفارة الأميركية إليها. وفي 21 آذار/ مارس الماضي، غرّد ترامب على تويتر “بعد 52 عامًا، حان الوقت للولايات المتحدة أن تعترف بالكامل بسيادة “إسرائيل” على مرتفعات الجولان، التي تتسم بأهمية استراتيجية وأمنية بالغة لدولة “إسرائيل” والاستقرار الإقليمي”، ثم جاء توقيعه الإعلان رسميًا في 25 آذار/ مارس، هدية لزائره نتنياهو الذاهب للانتخابات في “إسرائيل”.

لقد جاء إعلان ترامب متجاهلًا واقعيتين تاريخيتين، عرضت فيهما “إسرائيل” على سورية عودة هضبة الجولان إلى السيادة السورية مقابل اتفاقية سلام: أولاهما، من خلال مفاوضات مباشرة، أشرف عليها الرئيس الأميركي بيل كلينتون في العام 2000، مع كل من حافظ الأسد ويهود أولمرت. وثانيتهما، بوساطة تركية تحت رعاية الرئيس التركي أردوغان في عام 2008. حيث تعثرت المحاولتان، بسبب خلاف الطرفين على مساحة من الأرض لا تزيد على مائتي متر مربع. وكذلك تجاهل ترامب لرفض الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، الاستجابة لمطلب نتنياهو بإصدار بيان أميركي للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.

في محاولته تبرير إعلانه حول الجولان، الذي يقطع مع أكثر من خمسين عامًا من السياسات التقليدية الأميركية، ركّز على مزاعم الاعتبارات الأمنية لـ “إسرائيل”. بينما في الواقع أراد أن يدعم نتنياهو في الانتخابات البرلمانية، وفي الوقت نفسه الحسابات الانتخابية لترامب في العام 2020 للاستفادة من اللوبي الصهيوني المؤثر في أميركا. والأخطر من الأمرين السابقين، إرادته في تقديم تصوّر جديد لطبيعة وشروط وشكل الحل المستقبلي للصراع العربي – الإسرائيلي، طبقًا لـ “صفقة القرن” التي يبشّر بها.

لم يمر قرار ترامب حول الجولان المحتل بدون ردود فعل عليه، ففي جلسة علنية لمجلس الأمن الدولي قال ممثلو 14 دولة: إن القرار الأميركي لن يغيّر وضع هضبة الجولان، باعتبارها أرضًا احتلتها “إسرائيل” في العام 1967. ومن جهتها، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، إن أنكار إدارة ترامب احتلال “إسرائيل” لمرتفعات الجولان السورية يعد “انتهاكًا للقوانين الدولية”، وأضافت المنظمة أن قرار ترامب “يظهر عدم احترام إدارته للحماية الواجبة للسكان السوريين بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان”.

 

رابعًا: تجاوز ترامب لقواعد السياسة الأميركية المعلنة

أنهى الرئيس ترامب، بقرار الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، نصف قرن من الالتزام الأميركي بالقرارات الدولية، التي تعتبر الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في العام 1967 أراضٍ محتلة تستوجب الحل بين الأطراف بالمفوضات، وفتح الباب لما هو أخطر، يبدأ من الجولان ويمتد إلى المنطقة كلها. حيث خرق القرارات الأممية، وألغى صفة الاحتلال عن الوجود الإسرائيلي في الجولان، بما يؤدي إلى استحالة تفكير القيادات الإسرائيلية اللاحقة بالانسحاب، في حال عادت المفاوضات السورية – الإسرائيلية، لأنها ستكون “متنازلة عن أرضها، عن سيادتها الوطنية”.

إن الرئيس ترامب، بما يقوم به في سياق الصراع العربي – الإسرائيلي، يقطع مع قواعد معلنة في السياسة الأميركية على مدى عقود سبعة، كما في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما في الاعتراف بالجولان تحت السيادة الإسرائيلية. وقد تكون قرارته بشأن القدس والجولان من أخطر القرارات:  فمن ناحية هي تتناقض مع القوانين الدولية، وتتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة الذي ينطلق من عدم جواز تغيير حدود الدول عن طريق القوة. ومن ناحية ثانية، تحرج أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، على اعتبار أن قرارات ترامب تستهدف مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002، والتي ترتكز على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام.

لا يخفف من خطورة الموقف الأميركي الجديد من الجولان المحتل إدانة رأس النظام السوري وسياساته، على نحو ما جاء على لسان المندوبة الأميركية السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي، التي قالت “إن الفظائع التي مازال يرتكبها بحق شعبه تثبت أنه ليس أهلًا لحكم أحد”.

وهكذا، إذا كانت الإدارات الأميركية المتتابعة قد أوهمتنا بدور الوسيط النزيه لإيجاد حل سلمي للصراع العربي – الإسرائيلي، فإن إدارة الرئيس ترامب قد نسفت ما تبقى من رصيد أميركي للعب دور الوساطة في أزمات المنطقة. وقد اعترض على قرار ترامب مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، الذي كان مؤيدًا لإسرائيل في كثير من المواقف، إذ أعلن رئيس المجلس ريتشارد هاس “إنني أختلف كلية مع ترامب، وأحذر من أن هذا ليس هو الوقت المناسب لاعتراف أميركا بسيادة إسرائيل على الجولان، ولا توجد أية دولة عربية تقبل إقامة اتفاق سلام مع إسرائيل بعد هذا القرار، الذي يخالف قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي يرفض الاستحواذ على أراضٍ عن طريق الحرب”.

 

خامسًا: تداعيات التناغم الأميركي – الإسرائيلي حول مستقبل الجولان المحتل

اعتراف الرئيس الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل يمثل تطورًا خطيرًا، ينطوي على تداعيات متنوعة: يمثل انتهاكًا صريحًا لمقررات الشرعية الدولية، ويؤسس لعالم من الفوضى وفرض الأمر الواقع بالقوة، حين يعتبر أن ضمان أمن “إسرائيل” بمثابة أساس لشرعية احتلال الغير بالقوة، وبذلك يقيس القانون الدولي بمقياس إسرائيل بدلًا من أن يقيس “إسرائيل” بمقياس القانون الدولي. ويبدو أن مصير الجولان المحتل سيدخل في مسار “منطقة متنازع عليها”، مرشحة للتلويح – لاحقًا – بمقترح تبادل أراضٍ مقابل إبقاء مستوطنات إسرائيلية في قلب الجولان، واستثمار مشترك إسرائيلي – سوري لموارده الاقتصادية والسياحية.

إن سياسة ترامب ستؤدي إلى مزيد من التوتر في المنطقة، بل ستؤدي إلى زيادة المواقف المتطرفة الإسرائيلية، من خلال دعم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، التي تمت في 9 نيسان/ أبريل، والتي أدت إلى نجاح التحالف اليميني الأكثر تطرفًا. ثم أن عدم التزام أميركا بالمبدأ الدولي الأساسي الرافض للاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، يفتح المجال أمام استيلاء دول على أراضٍ من دول مجاورة. وبذلك يقدم ذريعة لروسيا وإيران لتعزيز وجودهما في سورية، بل يحرم أميركا من حق الادعاء بأن موقفها من مسألة شبه جزيرة القرم هو “موقف مبدئي” كما تقول، وقد ذكر مارتن إنديك، مفاوض وسفير أميركي سابق في “إسرائيل”، إن قرار ترامب بشأن الجولان “سيوفر الذريعة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتبرير ضم روسيا لشبه جزيرة القرم”. ومن المفارقات أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد أصدرت “إعلان القرم”، في العام الماضي، قالت فيه “روسيا تقوّض المبدأ الدولي القائل بأن أية دولة لا يحق لها أن تغيّر بالقوة حدود دولة أخرى”!! مما يعكس نفاق السياسة الأميركية.

ربما يكون لقرار ترامب بشأن الجولان المحتل تداعيات لجهة الترتيبات المستقبلية في سورية، كأن يُطلب من رأس النظام السوري قطع أية صلة مع إيران وحزب الله، وأن يتعهد بالدخول في “صفقة القرن” التي يدور الحديث عنها، والتي يمكن تلمّس معالمها الأولى من خلال “إعادة ترتيب أوراق المنطقة وخطوطها الجغرافية والسياسية”، بما تنطوي عليه عن إدخال بند تبادل الأراضي إلى معاهدات سورية – إسرائيلية في المستقبل، طبقًا لما أشار إليه الصحفي الإسرائيلي شمعون شيفر، في “يديعوت أحرنوت” يوم 24 آذار/ مارس 2019: “فكرة شعب وحده يسكن لا يمكنها أن تحل محل نيل كرسي على طاولة الشعوب”. وربما أيضًا سيكون ممكنًا نشر قوات أميركية في المنطقة المجردة من السلاح، كما هو الحال في سيناء، بهدف خلط الأوراق من جديد، بهدف إلقاء الكرة في ملعب روسيا لإحراجها، بل إضعاف موقفها ودورها في الحل السياسي للمسألة السورية.

من التداعيات ذات التأثير في المستقبل، يمكن أن نشير إلى الموقف الرافض لقرار ترامب من كل الدول العربية والغربية، بالرغم مما كان ملفتًا للنظر فيما حصل في مجلس حقوق الإنسان، حيث أكد أن الجولان سورية بأغلبية 26 صوتًا مقابل 16 وامتناع 5 دول عن التصويت، مما يدل أن هوية الجولان السورية ليست أمرًا بديهيًا بالنسبة إلى عدد مهم من الدول، معظمها دول أوروبية. مما يشير إلى أن الحقوق قد لا تصمد طويلًا، مع استمرار حالة العطالة السورية والعربية.

إن أحد التداعيات الرئيسية لقرار ترامب يتمثل في تعزيز النفوذ الإيراني في سورية، بما يتناقض مع سياسة المواجهة والحصار التي أطلقتها إدارة ترامب تجاه إيران. إذ ينطوي القرار على دعوة إيران إلى العمل بالمثل، والعمل على استمرار المقتلة السورية لترسيخ وجودها في سورية. ولسان حالها يقول: لماذا يحق لـ “إسرائيل” أن تضم الجولان بالقوة، ولا يحق لها أن تزيل الحدود بين إيران والعراق وسورية ولبنان، وتجعل من إقامة “الهلال الشيعي” هدفًا مشروعًا.

أشار فريدريك هوف، المسؤول السابق في وزارة الخارجية والمشارك في المفاوضات السورية – الإسرائيلية السابقة، لصحيفة “غارديان” البريطانية: “قرار ترامب ستكون له سلبيات ديبلوماسية محتملة على إسرائيل وأمن الإسرائيليين، كما سيمكّن نظام بشار الأسد من تغيير الموضوع من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى احتلال إسرائيل للأراضي السورية”.

وأخيرًا، يعطي قرار ترامب ضوءًا أخضر لمخطط تقسيم سورية، خاصة بعد تمسك الإدارة الأميركية بالورقة الكردية في شمالي شرق سورية، واللعب بورقة الاختلافات بين المكوّنات السورية العرقية والدينية.

 

سادسًا: المخاطر المحدقة بمستقبل سورية

تعقيدات المسألة السورية، وفقدان السوريين للقرار حول مصير بلدهم، في ظل استمرار حكم النظام السوري تحت الوصاية الروسية والإيرانية، يبعث على التساؤل عن حجم المخاطر التي ينطوي عليها التناغم الأميركي – الإسرائيلي حول مستقبل الجولان المحتل. إذ يبدو أن أميركا و”إسرائيل” يراهنان على تغيير الخريطة السورية، التي تعاني ويلات ثماني سنوات من الصراع في سورية وعليها. فقد عوّلت إسرائيل على اعتبار المقتلة السورية فرصة يتوجب استغلالها في الجولان، بطي موضوع احتلاله، والتخلص من “الإطار المفاهيمي” الذي تم التوصل إليه في أيار/ مايو 1995، والعودة إلى فكرة “الأمن قبل السلام”، من خلال بقاء المستوطنات الإسرائيلية، بل توسيعها، في الجولان المحتل. وقد يكون السيناريو، الذي تأمله إسرائيل، هو نشوء دويلات على أنقاض سورية الموحدة، وبالتالي يسهل المحاججة بحق إسرائيل – قانونيًا – في ضم الجولان إليها بشكل نهائي.

تتزايد المخاطر عندما ننظر إلى سلوك النظام السوري منذ سنة 1974، حيث ساوت في حساباتها بين تحرير الجولان واستمراره محتلًا، وقد تشددت في مفاوضاتها مع إسرائيل، بما يخدم ديماغوجيتها حول “المقاومة” و”الممانعة”، لاستمرار إعلانها حالة الطوارئ، واحتفاظها بجيش “عقائدي” كبير جدًا، وأجهزة أمن متضخمة، بهدف ضبط الداخل السوري وتثبيت سلطتها. وقد ظهر ذلك جليًّا حين ثار الشعب السوري، في آذار/مارس 2011، من أجل حريته وكرامته ودولة الحق والقانون، حيث سحبت السلطة القوات القريبة من الجولان المحتل، لكي توجّه رصاصها إلى صدور شباب الحراك الشعبي. مما جعل مندوب ألمانيا، في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الدولي، كريستوف هيوسجن، يتهم النظام السوري بـ “النفاق”، بعد تأكيده أن المخاوف الأمنية لإسرائيل “لا تبرر بسط سيادتها على الجولان”، ولكنه استدرك قائلًا “من السخرية أن يكون هناك نظام معروف بارتكاب جرائم فظيعة (ضد شعبه) يأتي إلى مجلس الأمن الدولي، وينتقد الآخرين لمخالفتهم القانون الدولي”.

في الواقع، لا تنسى الذاكرة الوطنية السورية ديماغوجية خطاب النظام السوري حول انتمائه إلى “محور المقاومة”، في كل مكان ما عدا الجولان المحتل. ومن المفارقات أن السوريين، ذوي الصدور العارية أمام وحشية قوات هذه السلطة، قارنوا بين معاملة إسرائيل للفلسطينيين الذين يقاومونها، وبين معاملة سلطتهم حين طالبوها بالحرية والكرامة، والمفجع أن المقارنة جاءت لصالح إسرائيل.

لقد كان الجولان المحتل “وديعة حافظ الأسد” لدى إسرائيل، استثمرها طوال فترة حكمه لمدة ثلاثين سنة، في خطابه “المقاوم” بوصفه مصدرًا لـ “شرعية” افتقدها. وفي العام 2000، قبيل وفاته، رفض عرض الرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي تضمن إعادة “إسرائيل” كامل الجولان المحتل مقابل السلام، ليترك لوريثه بشار تلك الوديعة ليستمر في الاستثمار فيها من بعده. وقد فضح رامي مخلوف، ابن خال بشار ومستثمر أموال آل الأسد المنهوبة من الشعب السوري، هذا التوجه للسلطة، حين صرّح إلى صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في 11 أيار/ مايو 2011 “إذا لم يوجد استقرار هنا في سورية فمن المستحيل أن يوجد استقرار في إسرائيل. ولا توجد طريقة ولا أحد يضمن ما الذي سيحصل إذا لا سمح الله حصل أي شيء لهذا النظام”. ومن هنا اعتبرت أغلب مراكز التفكير الإسرائيلية أن بقاء سلطة بشار الأسد “مصلحة قومية عليا لإسرائيل”، وأن “الأسد أفضل الخيارات الممكنة لنا”، ناهيك عن أن “المصلحة الإسرائيلية الحالية تكمن في أن يستمر القتال في سورية”.

إن سياسة النظام السوري إزاء الجولان أوصلتنا إلى مخاطر اليوم، إذ تحولت “إسرائيل” من سياسة محاولة السلام مع سورية إلى سياسة السعي للاعتراف الدولي بسيادتها على الجولان، حيث فضّلت هذه السلطة مصادرة إسرائيل للجولان كله على محطة إنذار مبكّر وبضعة أمتار من بحيرة طبريا لمصلحة “إسرائيل”، وهذا تصرّف مشبوه بحسابات موازين القوى.

 

سابعًا: خاتمة

إن التناغم الأميركي – الإسرائيلي، حول مستقبل الجولان المحتل، يستوجب إعادة قراءة الاستراتيجية السورية إزاء “إسرائيل”، انطلاقًا من الاعتراف بأن استرداد الحقوق يبقى منوطًا بإحداث تغيير في موازين القوى، بعناصرها كلها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية. بمعنى أنها معادلة الدولة الوطنية أولًا، وأن معادلة السلام الإقليمي هي معادلة الحقوق والعيش الكريم بين دول الجوار، لا معادلة الشعارات وابتزاز المشاعر الوطنية. مما يدعونا للتفكير بأهمية مشروع سوري متكامل، للخروج من حالة التشرذم الحالية، كرافعة سياسية بوسعها أن تضمن مستقبل السوريين، قبل حدودهم، إذ إن قيام الدولة الوطنية الحديثة هو الكابح الأهم للتعديات المستمرة على حرياتنا وحدودنا.

لا شك أن سورية، التي سيعاد تشكيل دولتها الوطنية الحديثة، دولة مواطنيها الأحرار المتساويين في الحقوق والواجبات، ستعود لسردية الوطنية السورية الجامعة، بما فيها الجولان المحتل.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية