تحليل سياسي

إدلب… ابتعاد شبح الحرب يكشف الخلافات

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: قمة كشف المستور

ثالثًا: إثبات وجود

رابعًا: توافق أم اضطرار

خامسًا: واقعية روسية أم انكسار

سادسًا: حجّة “الإرهاب”

سابعًا: خيارات وتحالفات

ثامنًا: خاتمة

 

 

أولًا: مقدمة

ابتعد شبح الحرب عن مدية إدلب في سورية، وانقسمت الآراء والتخمينات، بين من يعتقد أنه ابتعاد موقّت، وسرعان ما ستطل الحرب برأسها من جديد في أول منعطف خلافي بين الفرقاء المعنيين أكثر من غيرهم بهذه المنطقة، وبين من يعتقد أن التوافق على وقف الهجوم على إدلب سيكون منعطفًا حقيقيًا يميل بالقضية السورية نحو الحل السياسي الشامل.

ستُحدد الأيام المقبلة من دون شك إن كانت إدلب ساحة معركة مؤجلة أم نقطة تحول شاملة، لكن ما جرى حولها خلال الأسابيع القليلة الأخيرة كشف وجود تناقض واسع في المصالح بين روسيا وإيران من جهة وتركيا من جهة أخرى، على الرغم من كونهم ضمن حلف سياسي – عسكري يرعى “مناطق خفض التصعيد” التي اتّفق عليها في (سوتشي) نهاية العام الماضي.

وعلى الرغم من صغر مساحة إدلب الجغرافي، إلا أن حجم التناقضات بين روسيا وتركيا أكبر بكثير من مجرد رقعة جغرافية، وهو مُرشّح لأن يكبر ليتحول إلى خلاف، خاصة أن أساس التحالف بينهما كان ردة فعل أكثر من كونه تخطيطًا استراتيجيًا مخططًا له.

 

ثانيًا: قمة كشف المستور

كشفت القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس الروسي بنظيريه الإيراني والتركي في السابع من أيلول/ سبتمبر وجود تناقض كبير بين هذا الثلاثي الذي تبنّى مراقبة وضمان “مناطق خفض التصعيد” في سورية في مؤتمر أستانا (كانون الثاني/ يناير 2017)، إذ كانت المناكفات واضحة واختلافات المصالح كبيرة، خاصة في ما يتعلق بمصير إدلب، على الرغم من حرص هذه الأطراف على أن يكون البيان الختامي للقمة إيجابيًا ولا يوحي بوجود أي خلاف.

شدَّد البيان الختامي المشترك لتلك القمة على التزام الدول الثلاث المستمر سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض كل محاولات خلق حقائق جديدة على الأرض بحجة مكافحة الإرهاب، وأعربوا عن تصميمهم على الوقوف ضد الأجندات الانفصالية التي يمكن أن تُقوّض الأمن القومي للدول المجاورة، وأشار إلى أهمية معالجة الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب بما يتماشى مع قرارات “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي عُقد في (سوتشي)، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، والعزم على مواصلة التعاون من أجل القضاء نهائيًا على تنظيم (داعش) و(جبهة النصرة) والمشاريع المرتبطة بهما، مع الإشارة إلى أنه سيكون هناك فصل بينها وبين جماعات المعارضة المسلحة التي انضمت إلى نظام وقف إطلاق النار، وأخيرًا شدّد على أنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للقضية السورية بل عملية سياسية متفاوض عليها.

ما سبق لا يُشكّل مصدر خلاف أو قلق لأي من الثلاثي الضامن، ولا يوحي بوجود إشكاليات أو خلافات، لكنّ القمة التي ركّزت أساسًا على مصير آخر معاقل المعارضة السورية المسلحة انتهت من دون اتفاق على عكس البيان، فقد دفعت تركيا بكل ثقلها لتطبيق وقفٍ دائم لإطلاق النار في إدلب، رفضته روسيا وإيران، وأصرّتا على أن إدلب يجب أن تعود إلى حضن النظام السوري وسيطرته، مدّعين أن كل من فيها من مقاتلين -تقريبًا- هم من المتطرفين الواجب القضاء عليهم.

شدّدت أنقرة على أنها تسعى لتجنب وقوع مجزرة هناك، وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إذا تمكّنا من إعلان وقف إطلاق النار اليوم هنا، أعتقد أن هذا سيكون أحد أهم الخطوات في هذه القمة”، مُضيفًا أن “أي هجوم على إدلب سيسفر عن كارثة ومجزرة ومأساة إنسانية كبيرة للغاية”، وقال أيضًا “لا يمكن قبول ترك سكان إدلب تحت رحمة نظام الأسد الذي لا تزال مجازره ضد شعبه في ذاكرتنا”.

من جهتها شدّدت موسكو على أنها لن تُنهي عملياتها العسكرية من دون تحقيق انتصار مُبرم ضد “الإرهاب” لمصلحة النظام السوري، ورفض الرئيس فلاديمير بوتين وقف إطلاق النار في إدلب، وقال إنهم “يريدون سحب الإرهابيين لتجنبيهم التعرض للهجوم”، وأضاف “للحكومة الشرعية في سورية الحق، ويجب أن تُسيطر في نهاية المطاف على جميع أراضيها الوطنية”.

بدت النبرة الروسية وكأنها إعلان حرب لا رجعة فيه، وكلامها يُمهّد الطريق لشن هجوم وشيك على إدلب، ويدعم هذه النظرية حشد النظام السوري وحليفه الإيراني قواتهما قرب إدلب استعدادًا لهجوم نهائي وشيك.

 

ثالثًا: إثبات وجود

تلا القمة الثلاثية بيوم واحد اجتماع لمجلس الأمن الدولي، ناقش بشكل أساسي قضية إدلب، ووفق المتوقع، لم ينتج عنه أي شيء مفيد يُذكر سوى تصريحات صوتية، إذ ركّز مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي مستورا على الجانب الإنساني فحسب، وأعاد الحديث عن وجوب فتح عددٍ كافٍ من ممرات الإجلاء الطوعي المحمية للمدنيين في كل اتجاه، أي أراد تسهيل التهجير والتغيير الديموغرافي بحجة إبعاد البشر عن ويلات الحرب المّدمّرة المرتقبة، من دون أن يُركّز إلا لمامًا على ضرورة عدم شن الحرب أساسًا، أو أن يفتح الباب لاستثمار القدرة التركية على وضع حدٍّ للفصائل المتشددة المتناثرة في شمال غرب سورية، أو التركيز على ضرورة أن يكون هناك فرز دقيق للفصائل المتشددة عن الفصائل العسكرية المعارضة الأخرى قبل بدء أي معركة.

بعدها بأيام، قام دي مستورا نفسه بدعوة ممثلين عن روسيا وتركيا وإيران للاجتماع في جنيف لمناقشة اللجنة الدستورية التي تبناها بناء على مخرجات (سوتشي)، ولم يتم التطرق إلى قضية إدلب وكأن النقاش الذي شهده مجلس الأمن كان لرفع العتب.

في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت في 11 أيلول/ سبتمبر، كان الموقف الأوروبي واضحًا في رفضه شنّ هجوم عسكري على إدلب، وأكّد على أن الثورة في إدلب هي ثورة شعبية، وأن مسألة الإرهاب هي أمر نسبي ويستوجب بالضرورة من الجميع حماية المدنيين وتجنيبهم ويلات الحرب، وكذا كان الموقف الأميركي متشددًا إزاء أي احتمال لاستخدام أسلحة كيماوية في إدلب من قبل النظام السوري أو حلفائه.

بعيد القمة الثلاثية مباشرة، زادت تركيا من وجودها العسكري في إدلب وحولها، ودعمت مراكزها الاثني عشر، دعمتها بأسلحة ثقيلة، وفي المقابل، صعّد النظام السوري عسكريًا وشن بدعم من سلاح الجو الروسي غارات على العديد من القرى في ريف إدلب، وتعرضت إلى غارات هي الأعنف منذ تهديد دمشق مع حليفتها موسكو بشن هجوم وشيك على المنطقة، ونفذت طائرات روسية عشرات الغارات وألقت مروحيات النظام السوري أكثر من خمسين برميلًا متفجرًا على المناطق الآهلة بالسكان، واستمر كل طرف -الروسي والتركي- يرسل رسائله غير المباشرة إلى الطرف الآخر.

تذرعت روسيا بأنها تملك معلومات مؤكدة بأن مقاتلي فصائل “إسلامية متشددة” سورية يخطِّطون للقيام بهجمات كيماوية في إدلب، وتتهم (هيئة تحرير الشام) و(الحزب الإسلامي التركستاني) وآخرين من (الخوذ البيضاء) بتحضير سيناريوهات من هذا القبيل، وافتعال حوادث تدفع إلى اتهام القوات الحكومية السورية باستخدام غازات سامة ضد المدنيين، لتستحضر تدخلًا عسكريًا غربيًا، وهو ما أثار حفيظة الغرب الذي يمتلك معلومات سابقة بأن من يمتلك الكيماوي هو النظام السوري، وأي اتهامات لفصائل المعارضة أمر عبثي وتهرب من المسؤولية.

 

رابعًا: توافق أم اضطرار

إضافة إلى حرصها على خط الدفاع العسكري الأول الذي يحمي حدودها من القوى الانفصالية الكردية، ومن قوات النظام السوري، تخشى تركيا أن يتسبب الهجوم العسكري على إدلب بلجوء عشرات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من المعارك في إدلب إلى أراضيها، وأن تواجه البلاد حملة نزوح بشري لا تستطيع تحملها، وهي التي تستقبل نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري في الوقت الراهن، وهو ما تُحذّر الأمم المتحدة منه في حال شنّ النظام السوري وروسيا وإيران هجومًا على إدلب، وقدّرت عدد النازحين المرتقبين هربًا من “الكارثة الإنسانية” بنحو 800 ألف نازح.

مهما كانت اللهجة الروسية تصعيدية، يصعب عليها أن تقفز فوق مصالح تركيا الاستراتيجية ببساطة، خاصة أن الأخيرة تعتبر منطقة إدلب وما حولها منطقة أمن قومي، وخط دفاع أول يحمي الأراضي التركية من القوى الانفصالية الكردية السورية التي تحلم بإقامة فدرالية كردية شمال سورية.

لاحتواء الموقف، قالت تركيا إن لديها القدرة على فرز الفصائل الإرهابية عن غيرها من الفصائل، عبر عمليات عسكرية دقيقة يمكن أن تقودها هي، وربما اتفقت مع روسيا وراء الكواليس على أثمان ما في ملفات ومناطق أخرى غير إدلب، تجارية أو سياسية أو عسكرية، في سورية وفي غيرها.

في ختام لقائهما في منتجع (سوتشي) الروسي يوم 17 أيلول/ سبتمبر، وبعد ترقّب وقلق شديد خيّم على سكّان شمال غرب سورية، أعلن الرئيسان، الروسي والتركي أنه لن يكون هناك عمليات عسكرية في إدلب، وأنهما اتفقا على إقامة “منطقة منزوعة السلاح” في إدلب وريفها بحلول الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2018، تكون تحت مراقبة من قبل بلديهما، إضافة إلى جملة تفاصيل لم يُعلن عنها في ذلك اليوم.

أتى الاتفاق الروسي – التركي على تحييد مدينة إدلب في شمال سورية ومنع النظام السوري وحليفه الإيراني من شنّ حرب واسعة عليها بعد فَشَل القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس الروسي بنظيريه الإيراني والتركي، والتي كشفت عن تحدٍ تركي لروسيا تجلى في رفض تركيا بالمطلق لحرب في إدلب.

كما جاء هذا الاتفاق بعد سلسلة تظاهرات عمّت كل مدينة إدلب وريفها، شارك فيها نحو مليون سوري من المقيمين في المنطقة وفق تقديرات غير رسمية، لم تُرفع فيها راية أي تنظيم مسلح، بل علم الاستقلال فحسب، وطالب المتظاهرون المجتمع الدولي بمنع النظام السوري من الهجوم على المدينة التي يقطن فيها نحو ثلاثة ملايين مدني، وهذه التظاهرات التي غلب فيها اللون المدني المعتدل على اللون الإسلامي الأصولي، أكّدت التماسك الشعبي في المدينة، كما أكّدت على أن المدينة هي حاضنة بالكامل لقوى المعارضة، وأن أي عملية عسكرية فيها ستكون طويلة وصعبة ومكلفة لكل الأطراف، على مستوى المدنيين في المدينة والنظام والروس من خلفه، ولا شك في أنه كان لها تأثير ما.

من الواضح أن إدلب لن تشهد حربًا على المدى القريب على الأقل، ومن المحتمل أن تكون نقطة تحول للمشهد العسكري والسياسي في سورية، بعد أن بات واضحًا أنها نقطة توازن للأطراف الإقليمية والدولية المتناقضة المعنية بالقضية السورية.

 

خامسًا: واقعية روسية أم انكسار

لم تجر الرياح في إدلب هذه المرة كما أراد الروس، ولا كما رغب النظام السوري، ولم ينجح الروس في تطويع المسار في شمال سورية كما فعلوا في جنوب سورية، لأن الجار الشمالي يختلف عن الجار الجنوبي بشكل كبير؛ فالأردن تخلى بسهولة عن مقاتلي المعارضة في جنوب البلاد لأن مصالحه لن تتأثر فيما لو عادت المنطقة إلى سيطرة النظام السوري، وكذلك مصالح “إسرائيل”، بينما في الشمال هناك تركيا الأكثر تشددًا وتمسّكًا بالمعارضة السورية المسلحة في الشمال الغربي لأن هزيمة المعارضة في هذه المنطقة يعني انكشاف خاصرة تركيا للمشروع الانفصالي الذي تحلم قوى كردية سورية به، وكذلك لمشروع النظام السوري الذي يريد استعادة السيطرة على المناطق السورية كافة بأي ثمن.

هذه المرة، وقفت إدلب، التي تُعتبر آخر معاقل المعارضة السورية، كشوكة أمام الروس، ولم يستطيعوا استيعابها وتحويلها إلى منطقة “صديقة” للنظام السوري، ويعود ذلك لعدة أسباب، أهمها:

أ– أن الروس ربما شعروا بورطة مُقبلة إن شنوا هجومًا على ثلاثة ملايين من البشر، بينهم نحو 40 ألف مقاتل مع أسرهم، ممن تم ترحيلهم من بقية المحافظات والمدن السورية إلى إدلب، والذين لن يقبلوا بتوقيع “اتفاقيات مصالحة” مع الروس لأنهم خبروا خذلان الضامن الروسي وعدم التزامه تعهداته، ولهم في غوطة دمشق ودرعا في جنوب سورية خير مثال، حيث نكث الروس وألغوا بنودًا في الاتفاقات المكتوبة مع الكتائب المسلحة في هذه المناطق بعد أن سحبوا سلاحهم الثقيل، بل واعتقلوا بعض قادة المقاتلين (درعا)، وأصبحت مناطق المصالحات مسرحًا للنظام السوري وأجهزته الأمنية التي نكثت العهود التي ضمنها بدوره الطرف الروسي.

ب- فشل الروس في إقناع تركيا بالتخلي عن هذه المنطقة الحساسة استراتيجيًا بالنسبة إليها، والتي كانت داخلة ضمن اتفاقية خفض التصعيد التي وقعها الروس وضمنوها مع تركيا وإيران نهاية العام الماضي، فعلى الرغم من الضغوط الروسية والإيرانية التي تختلق الذرائع والمبررات لتركيا من أجل السماح باجتياح المدينة، ظل الأتراك متشددين إلى أبعد حد، عبّرت عن هذا التشدد تصريحات الرئيس التركي في نهاية قمة طهران.

ج- لم يستطع الروس إقناع الغرب بأن يدخلوا معهم في معركة “محاربة الإرهاب” ضد بعض الفصائل المتشددة في إدلب، ذلك أن حجة “الإرهاب” باتت حجّة “فضفاضة” لم يعد بالإمكان تمريرها على الغرب الذي يريد تحديدات واضحة. كما أن الرئيس أردوغان وعد أن يُدجن هذه الفصائل “الإرهابية”، إما عن طريق إقناعها بحل نفسها أو عن طريق تحويلها إلى قوى سياسية لا عسكرية، أو، وهو ما أعلنه الأتراك، بشن حرب عليها عبر فصائل المعارضة المدعومة من تركيا والجيش التركي.

لكن، ابتعاد احتمال حدوث حرب ضد إدلب، لن يمنع من أن تكون هناك عمليات عسكرية محلية ومحدودة، في الغالب سيشنها الأتراك، وربما بالتعاون مع الروس، وسيكون المستهدف الأساس مقاتلي “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا)، عمليات أشبه بالعمليات القيصيرية لاستئصالها، وهو ما سيوافق عليه الروس لأنه يخلصهم من خطر يُهدد قاعدة حميميم، التي تشهد كل فترة هجمات بواسطة طائرات مسيّرة تنطلق من مقاتلي هذا التنظيم المُصنّف حتى أميركيًا كتنظيم إرهابي.

بدا الاتفاق انتصارًا للسياسة التركية التي استخدمت عناصر القوة التي تملكها، بما فيها الدبلوماسية، ومنها التلميحات الضمنية بأنها لن تقف على الحياد تجاه ما يمكن أن يجري لإدلب، لكنها ستتصرف بروية وضمن أصول التحالفات، ونبّهت الغرب من احتمال حدوث موجات هجرة كارثية لن تحتملها، ما يهدِّد بتسربها إلى أوروبا، أو أنها ستُغلق حدودها نهائيًا، ما يعني ضمنيًا أن يُقاتل نحو 60 ألف مسلح من الفصائل المعارضة ومن الفصائل المتشددة حتى الموت.

ما يُضعف الاتفاق أنه لم يُحدد الفصائل التي ستُصنّف “غير إرهابية” وشدّد على ضرورة نزع السلاح من كل الفرقاء، وهذا سيشمل تلقائيًا فصائل المعارضة السورية، فضلًا عن أنه منح تركيا وقتًا محددًا ضيقًا لإيجاد حل للفصائل المتشددة الإرهابية، وهذا ما قد يوفّر للروس حجّة للتراجع عن الاتفاق وإيقاع الأتراك في مأزق وإعادة سيطرة النظام السوري على إدلب.

 

سادسًا: حجّة “الإرهاب”

تستغل روسيا والنظام السوري سيطرة (هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقًا) المرتبطة بالقاعدة على قسم كبير من إدلب، وهذا الفصيل المسلح يواجه رفضًا من أغلبية فصائل المعارضة السورية المسلحة الأخرى، التي لا تريد التحالف معه، لكنها ترفض قتاله الآن، لأن هدفها الأهم الدفاع عن المنطقة من احتمال شن النظام السوري عملية عسكرية واسعة فيها.

استطاعت (هيئة تحرير الشام) السيطرة على جزء كبير من إدلب، وطرد الفصائل الأخرى، وإقامة ما يُعرف بـ “حكومة الإنقاذ”، وتسعى تركيا لاحتواء الوضع والعمل لتحويل هذا التنظيم إلى حركة سياسية، أو حل نفسه، وهي في سباق مع الزمن في هذا الموضوع، لكن آلاف العناصر الأجنبية في الهيئة ممن صعد نفوذهم، يملكون توجهًا متطرفًا يرفض ترك القتال في إدلب.

تدخلت تركيا في إدلب، ودعمت فصائل مسلحة في (درع الفرات)، نسّقت بدورها مع (هيئة تحرير الشام) لتفادي التصادم معها، وفشل الجهد التركي في إقناع الهيئة بحل نفسها كمبرر لسحب فتيل المعركة المقبلة. هذه المعادلة المُعقّدة تُصعّب الأمر على تركيا وتجعلها في موقف حساس عليها أن تتعامل معه بمهارة في الفترة القصيرة المقبلة قبل إحلال اتفاق المناطق منزوعة السلاح منتصف تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

في المقابل، لسحب ذريعة الإرهاب التي لم يتوقف الروس عن ترديدها، ولإبعاد شبح الحرب والتهجير، ولأنهم خبروا الحرب السورية، وخبروا سوء العسكرة وخيباتها، وللمحافظة على مدينتهم من التدمير، قام سكان إدلب ومؤسساتها المحلية بتنظيم مجتمعهم بعيدًا عن الفصائل العسكرية، وبروح السلمية البحت، وهو ما أثبتته التظاهرات الأهلية المليونية التي خرجت في المدينة وريفها، وتأمل المعارضة السورية أن تستطيع تركيا حل مشكلة تصنيف الفصائل، لتتخلص المنطقة من صفة “الإرهاب” التي يتخذها الروس ذريعة لتهديداتهم المتواصلة.

لكن إشكاليات الفصائل المسلحة مُعقّدة في حقيقة الأمر، وهناك تضاد واضح بين المدنيين والعسكريين في إدلب، وسرعان ما يدب الخلاف بينهما عندما يقوم المدنيون بأي نشاط أو حراك ثوري، فالنهج الأيديولوجي المتأسلم الذي تتبناه هذه التنظيمات المسلحة يحدّ ويُقيّد كل نشاط مدني لا يصب في استراتيجيته ويخدم أهدافه.

 

سابعًا: خيارات وتحالفات

فيما لو فشل اتفاق المنطقة المعزولة من السلاح في إدلب، من المتوقع أن يكون منعطفًا في العلاقة التركية – الروسية، والعلاقة التركية – الأميركية؛ فتركيا التي وافقت على الدخول كطرف ضامن لمناطق خفض التصعيد في سورية من خلال مؤتمر (أستانا)، لأسباب تتعلق بأمنها القومي من جهة، وخذلان الإدارة الأميركية لها من جهة ثانية، وتقرّبًا من موسكو بعد إسقاط أنقرة طائرة عسكرية روسية عام 2015 من جهة ثالثة، وانسداد العملية السياسية في جنيف من جهة رابعة؛ تعي الآن أنه من مصلحتها أن تُقوّي الشعرة التي تربطها بالولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي خلال عقود، وتجعلها حبل سرّة متين، ذلك لأن الولايات المتحدة قادرة على ضمان الأمن القومي لتركيا، العضو الشريك في حلف الناتو، فيما لو انفصلت عرى العلاقة مع روسيا، ويمكن لها أن تعمل بتروٍّ لحلّ التنظيمات المتطرفة لتكون العودة الأميركية أكثر سلاسة وسهولة.

من المؤكد أن تركيا مرغمة في جانب من سلوكها، فهي لا تريد أن تخسر تحالفها مع موسكو، خاصة أن الأخيرة تدعمها مرحليًا ضد مشروع (الإدارة الذاتية الكردية) في سورية، كما تساعدها في تحقيق توازن في مواجهة الإدارة الأميركية، لكنها في المقابل لا تريد أن تتزعزع التشكيلات العسكرية التي أنشأتها من بقايا (الجيش الحر) ومجموعات (درع الفرات) وغيرها في إدلب وحولها، كما أنها لن تُغامر في فسح المجال للمشروع الكردي الانفصالي، وهذا الخطر قد يدفعها للقفز إلى الطرف الأميركي حتى لو اضطرت إلى إعادة جدولة أولوياتها واصطفافاتها.

لا يمكن الاعتماد على الوعود الروسية، والاطمئنان لاستمرار الاتفاق الروسي – التركي، فالكثير من وعود روسيا كانت جوفاء خلال السنوات السبع الأخيرة في ما يتعلق بالقضية السورية، والاتفاقية لا تعدو أن تكون عملية تجميلية مرحلية لامتصاص الحليف التركي خوفًا من انتقاله إلى الجانب الأميركي، ولتفادي مواجهة عسكرية مع ما تبقى من المعارضة السورية، وهو كمٌّ كبير هذه المرة، واحتمال أن يقود هذا إلى رمال متحركة، إضافة إلى أنه قد يكون استراحة لفسح المجال أمام مناورة روسية لتحقيق مصالحات مع فصائل المعارضة المسلحة للعودة إلى “حضن الوطن” من دون قتال، ومن دون حاجة إلى المواجهة مع الحليف التركي.

 

ثامنًا: خاتمة

في إطار العلاقات الإقليمية والدولية السائدة، وفي ظل تضارب مصالح الدول الكبرى في الشرق الأوسط، وتنافر مصالح الدول الإقليمية وصراعها، تبدو إدلب عصا التوازن، وساحة لمعركة باردة بين هذه الأطراف، من الممكن أن تتحول إلى حرب “حامية” في أي وقت تختل فيه موازين المصالح أو تجري فيه اتفاقيات فرعية من وراء الكواليس.

قد تكون إدلب نقطة تحوّل في مسار الثورة السورية، وبداية للانتقال السياسي، وقد تكون أيضًا بداية فك التحالف الروسي – التركي، وعودة تركيا إلى حلفها الأساس والأثبت مع شمال الأطلسي ومع الأميركيين، وقد تكون، وهو أضعف الاحتمالات، بقعة اشتباك مفتوحة ومعركة طويلة بين أطراف عديدة، إقليمية ودولية، سينتج عنها من دون شك قلب لكل المعادلات الراسخة الآن في الشرق الأوسط.

 

اضغط هنا لتحميل الملف

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية