صالون الكواكبي

“إشكاليات العلاقة بين الدين والدولة والسياسة” على طاولة صالون الكواكبي في إسطنبول

عقد (صالون الكواكبي) -أحد برامج دعم الحوار في مركز حرمون للدراسات المعاصرة- أمس السبت، ندوةً حواريةً بعنوان (إشكاليات العلاقة بين الدين والدولة والسياسة)، مستضيفًا فيها السياسيَّ التونسي عبد الفتاح مورو.

قال مورو إن هذه القضية “قديمة قدم الإسلام، حيث إن أولى القضايا التي ظهرت بعد وفاة النبي محمد (ص) هي قضية الحكم، وكانت مثار جدل كبير انتقل من النزاع السياسي، إلى النزاع الاجتماعي، ثم إلى النزاع العقدي، حيث تكونت جلّ المذاهب العقدية، بناء على الإجابة عن هذه القضية أو الموقف المتخذ منها”.

أضاف مورو، في محاضرته التي سبقت الحوار، أن هذه القضية “ما فتئت تعاودنا بعد سفر بعض علمائنا إلى أوروبا، ورؤية ما حصل فيها بعد الثورة الفرنسية، حيث لمحوا الفارق العظيم بين واقعهم وواقعنا، وتألموا كثيرًا لذلك؛ فبدأ الحديث عن قضية الحكم، باعتبار أن الإجابة عنها قضية أساسية”.

وتابَع موضحًا: “في بداية القرن العشرين، طُرحت القضية بشكل أشدّ تأكدًا وأكثر اهتمامًا، لأن سقوط الخلافة في عام 1926، وما دار حول الخلافة قبيل ذلك السقوط، دفع المهتمين بقضية المسلمين إلى طرح سؤال جديد: إذا سقطت الخلافة؛ فمن سيقوم مكانها؟ فجاء عبد الرازق الذي نشر كتابه عام 1925 والذي أثار قضية أن الدين الإسلامي لم يقل قولًا في مسألة الحكم، وأن مسألة الحكم لا علاقة لها بالدين، وأنها مسألة مدنية بحتة… وبقيت هذه القضية تتفاعل في محطات القرن العشرين، وأعيدت هذه القضية طرحًا مؤكدًا بمناسبة الثورات العربية، حيث تحرك الإسلاميون بشتى فئاتهم -الإخوان المسلمون وغيرهم- وطرحت من جديد قضية الموقف من الحكم، وموقف الإسلاميين من الحكم.. والآن تُطرح القضية باعتبارها تهمّ شعوبنا أيضًا، هذه الشعوب التي تدرك أنها لم تحظ باهتمام حكامها”، مشيرًا أيضًا إلى أن “الحلول التي كانت تطرح لتوازن الحكم في بلداننا هي حلول سَيف، ولم يتم تقديم حل قانوني أو حلّ شرعي”.

يرى مورو أن مقولة (الدولة الإسلامية هي دولة دينية) “تفتقر إلى الدليل ولا أساس لها. لم يعرف تاريخنا نحن -معاشر المسلمين- مفهومَ الدولة الدينية أصلًا، بدليل ما روي عن الرسول (ص) بأنه قال (ساس اليهودَ أنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي.. إلا أنه لا نبيَّ بعدي، ولكن خلفاء متعددون)، ما يعني أن الخلفاء ليسوا بصفة القداسة، الأمر الذي جعلنا نعتبر الخلفاء بشرًا مثلنا؛ فالخليفة يُراقب ويُعاقب، ويُختار ويُستبعد”.

وأكد أن “الإسلام في نصوصه لم يُقدم شكلًا للدولة قط، والثابت أن الرسول (ص)، عندما قاربه الموت، حدّث الناس وكلمهم بقضايا عقيدتهم، وفي شؤونهم الاجتماعية، الاقتصادية.. لكنه لم يتعرض لقضية الحكم، وهو يعلم أن هذه القضية ستكون إشكالية، لأنه ترك رؤوسًا متقاربة، ليس فيها رأس يبرز أمام الرؤوس”.

وذهب إلى أن “ما يفرزه الصندوق (الاقتراع) واجب الاحترام، عند أي مجتمع يحتكم في فصل نزاعاته السياسية عن طريق الصندوق. ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن هناك حكَمًا بيننا في مجتمعاتنا ودولنا غير الصندوق، والذي يلوح بنظرة إلى الجيش، ونظرة إلى الشرطة، ونظرة إلى من يكفروا أو يُبعدوا، هو مخطئ في فهمه لتوازن القوى في المجتمعات العصرية. اليوم العالم يفك نزاعاته عن طريق القانون، والذي يخرج عن ذلك يعيد علينا شبحًا مظلمًا لماضٍ داس الملايين من البشر ظُلمًا… الدستور يحدد حدود ما ينبغي أن نحترمه، والدساتير جُعلت لتضفي على المجتمعات إطارًا محددًا لا يخرجون عنه.. ما خرج عن ذلك هو محض اجتهاد”.

حول الندوة وأهميتها، قال الدكتور باكير أتجان (المحلل السياسي التركي): “يجب أن نعرف أن الدين هو عامل مهم جدًا في المجتمعات -سواء في السابق أو في المستقبل- وله تأثير على الناس، ولا بدّ أن تُناقش قضية الدين والدولة بين فينة وأخرى، لأنها عاملٌ أساس في المجتمعات، وهنا لا أريد أن أقول إن الأمر يرتبط بالدين الإسلامي فقط، بل بجميع الأديان: السماوية وغير السماوية”، مضيفًا في حديثه إلى (جيرون) أن “الاتفاق بين أطراف المجتمع حول هذه القضية مستبعد؛ لأنه في كل فترة لا بد أن يكون هناك جهة -دين أو غيره- تحكم، ولكن ربما يمكن الوصول إلى أهداف مشتركة، فعلى سبيل المثال، عندما خرجت الولايات المتحدة إلى العراق؛ وضعت دستورًا يُودي إلى تفاهم بين جميع الاعتقادات السائدة هناك، سواء دينية أو غير دينية”.

في السياق، قال الصحفي السوري عدنان عبد الرزاق: “على الرغم من تكرار هذا العنوان -على الأقل منذ عقود طويلة- فإنه برأيي مهم جدًا، لكن مع بعض التغيير بطريقة الطرح والمعالجة، وحتى الجمهور”، عادًّا خلال حديثه إلى (جيرون) أن هذه القضية “بالغة الأهمية، وعندما نأتي بالزيت والنار -إن صح التعبير- في طروحات كهذي؛ سنخرج بمزيد من الخلاف، السيد عبد الفتاح مورو وصّف، شخّص، ساق أمثلة، وكانت الخلاصة في آخر حديثه عندما تحدث عن كيفية بناء المجتمعات الإنسانية، من خلال العلوم الإنسانية وعدم الاقتصار على العلوم الدينية، وهنا كان الممسك”.

تابع: “الخلاف الذي رأيناه مع عبد الفتاح هو من جمهور الإسلاميين، وليس من جمهور العلمانيين، إذًا يمكننا القول -كمراقبين أو كحضور أو كمثقفين- أن العلة فيهم، لأنهم هم من يختلفون على المسائل الجذرية”.

يرى عبد الرزاق أنه لا يمكن للأمة العربية، أو للشرق الأوسط، أو لسورية أن تتلمس طرق النجاح أو التطور إلا إن وجدنا حلّا لهذه المعضلة، والحل في هذه المعضلة -برأيي- هو في الاتفاق فيما بينهم، وليس فيما بينهم وبيننا”.

يذكر أن عبد الفتاح مورو هو أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية في تونس عام 1971، وهو نائب رئيس حزب النهضة التونسي، ونائب رئيس مجلس النواب التونسي منذ انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2014، ويُعرف بفكره المنفتح، ومن أقواله “التجربة التونسية أعربت عن رشدها، عندما بادر الإسلاميون بمد أيديهم إلى العلمانيين، ليدركوا أن اختلاف المرجعية الأيديولوجية لا يمنع التعاون في حل مشاكل الوطن”.

تأتي هذه الندوة ضمن برنامج دعم الحوار وتنمية الثقافة، الذي يعمل عليه (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، وقد نظّم (صالون الكواكبي) عدة حوارات ولقاءات فكرية، كان آخرها استضافة الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في العاصمة القطرية الدوحة.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية