تحليل سياسي

التداعيات الداخلية لثورات الربيع العربي والبدائل المحتملة

تمهيد

كانت سلسلة ثورات الربيع العربي أقرب إلى انفجارات اجتماعية في البلدان التي حكمتها أنظمة استبدادية عسكرية النشأة، حظرت معظم الأنشطة السياسية والاجتماعية، واعتمدت خطابًا دعائيًا لتأبيد سلطة الزعيم الأوحد الذي امتزج وحزبه وحاشيته في هيكلية الدولة ووظفوها لحماية سلطتهم.

جاءت هذه الممارسات في عصرٍ تسارع فيه التطور الاقتصادي والاجتماعي، وغزته وسائل التواصل واجتاحته العولمة، ما كشف عن اتساع الهوّة بين حرية التفكير التي فرضت نفسها على امتداد معظم أنحاء الكرة الأرضية، وواقع الاستنقاع الفكري المعاش في منطقتنا العربية، وما نجم عنه من تضاؤل الإبداع والتجديد، والتفكير الممسوخ المقتصر على فرض سياسة اللون الواحد بما يتناسب واحتياجات الهيمنة على مقدرات البلاد والعباد.

ارتبط حجم التداعيات المرافقة لهذه “الانفجارات”، ولاحقًا حجم الخراب الناجم عنها، بدرجة القمع وكبت الحريات السياسية السائدة في بلدان الربيع العربي، علاوة على الظلم والعوز المرافق لكل استبداد، ومنه سوء توزيع الثروة الوطنية والسطو عليها، من قبل قلّة في رأس الهرم السلطوي. كما أنّ وجود تباينات اجتماعية ودينية وقومية، في ظلّ غياب ثقافة المواطنة، مكّن بعض القوى الداخلية والخارجية من اللعب على هذه التباينات، واستثمارها في محاولةٍ لإذكاء نار الصراع الأهلي، بعيدًا من المسار التاريخي المفترض للتحرّر من الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية – العلمانية التي تحمي مواطنيها وتساوي بينهم تحت سلطة القانون، ما يساعد في قيامهم بواجباتهم ونيل حقوقهم وتجلّي إمكاناتهم.

كشف ما سبق عن نقاط الضعف الكثيرة في مجتمعاتنا، ومنها طبيعة الموروث الرّافد للاستبداد ودور الدين الفاعل في تمكينه، ما يستدعي العمل على مسارات تنموية عدّة من أجل الخروج من حالة اجترار الماضي التي قد تبرّر حكم القلّة أو الفرد، وتستفيد من بعض القوى الدولية للحجر على شعوبنا “غير المؤهّلة” عن طريق أنظمة مستبدة، تقبل أي دور وظيفي يناط بها لخدمة الخارج، ما دام يساعد في إطالة استمرارها في السلطة.

لذا، وانطلاقًا من طبيعتها، لم تكن أنظمة الاستبداد قادرة على، أو في وارد، تطبيق إصلاحات سياسية تتلاءم مع مجريات العصر، باعتبار أنّ ذلك يتناقض مع طبيعتها ويفتح أبوابًا قد لا يمكن إغلاقها بسهولة، مثلما حدث مع ربيع دمشق في سورية عام 2000، بعد أن تمّ توريث السلطة من الأسد الأب إلى الأسد الابن برعاية دولية[1]، فعوضًا من القيام بإصلاحات سياسية تدريجية، لتنفيس الاحتقان الاجتماعي بعد عقدين من الممارسات القمعية في عهد الأسد الأب؛ قامت السلطة الجديدة – القديمة بتحديث نفسها، من خلال المراسيم أو “التوجيهات العليا” التي تتيحها صلاحيات الرئيس الواسعة[2]، وذلك بهدف إعادة ترتيب مراكز القوى داخل السلطة، ومنها إبراز شخصيات جديدة وشابة لتتساوق مع التجديد الشكلي الحاصل في قمة هرم السلطة.

كانت مهمة الوجوه الجديدة، في مفاصل السلطة وأجهزة الدولة، تلميع وإظهار الوجه الحداثي لمرحلة ما بعد التوريث، وانتهى دور هؤلاء بالتزامن مع إنهاء “ربيع دمشق” خلال عدة أشهر، وعودة استخدام وسائل القمع القديمة لتعزيز السلطة والتحكّم في مفاصل المجتمع وفعالياته المدنية باستخدام جميع الوسائل، بما فيها الوسائل الأيديولوجية والدينية، مع ترجيح ثقل هذه الوسيلة أو تلك، تبعًا للظروف والحاجة.

حين ألهبت شرارة “بوعزيزي” الاحتجاجات في المجتمع التونسي (17 كانون الأول/ ديسمبر 2010) وفتحت باب الربيع العربي على مصراعيه، كان الاستنقاع السياسي قد وصل إلى حدّه الأقصى في الكثير من البلدان العربية، ولم تلبث أن سرت العدوى إلى مصر وليبيا واليمن، وأخيرًا، وربما ليس آخرًا، إلى سورية.

لم يكن تسلسل اندلاع الثورات عبثيًا، فقد بدأت في أضعف حلقات الدكتاتوريات العربية، وبوجود تاريخ من الحركات الاحتجاجية السلمية وبعض الحرية الصحفية، كما في مصر وتونس، فكان من الأسهل الخروج إلى الشارع في هذين البلدين، في حين يعدُّ ذلك مغامرةً أشبه بمواجهة الموت في بلد مثل ليبيا أو سورية؛ بسبب تجارب سابقة ذات طابع دموي، كحوادث أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي في سورية، حين انتهى الصراع الدموي بين النظام والإخوان المسلمين بمجزرة حماة، في الثاني من شباط/ فبراير 1982، وكما حدث في مواجهات النظام الليبي مع “الإخوان المسلمين”، وبخاصة “الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة” التي حاولت الإطاحة بالحكم، عسكريًا، أكثر من مرّة، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي[3].

تمثّلت ردّة الفعل الشعبية على مجمل المشكلات والإحباطات المتراكمة في عهود الاستبداد الطويلة، برفع شعار الكرامة كتعبير عن مجمل المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكما كتب الباحث أديب نعمة بحق، فإن “تعبير الكرامة ليس تعبيرًا إنشائيًا مبهمًا، بل هو تعبير دقيق عن البعد السياسي والبعد الاقتصادي – الاجتماعي، والبعد النفسي والنفسي – الاجتماعي، في الفعل التغييري.”[4]

ولأسبابٍ تتعلق بشدة القمع ووحشيته، علاوة على أسباب اجتماعية بنيوية، لم يطل الوقت حتى أفسحت القوى المدنية الديمقراطية، مكرهةً، المجال للقوى الإسلامية على وجه الخصوص، لتصدُّر المشهد ومواجهة عنف الأنظمة بعنفٍ مقابلٍ، أدخل بعض بلدان الربيع العربي في حلقة عدمية من الدمار والموت. حدث ذلك التحول على نحوٍ سريع في ليبيا، واستمرت التظاهرات السلمية عدة أشهر في سورية واليمن، قبل أن يتصدّر العنف المشهد المضطرب وتظهر مختلف أشكال الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

[1] حضرت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت والرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى دمشق في 14 حزيران/ يونيو 2000 لتقديم التعزية لبشار الأسد بوفاة والده، لكن الرسالة السياسية المُراد إيصالها في هذه الحالة هي الموافقة على آلية انتقال السلطة بطريقة التوريث بحجة الحفاظ على الاستقرار وحتى لا تتحرك المياه الراكدة في هذه المنطقة غير المستقرة تاريخيًا، ولئلا تضاف عوامل قلق جديدة للوجود الإسرائيلي الطارئ تاريخيًا على المنطقة، وفي أثناء ذلك أشادت المسؤولة الأميركية بـ “الانتقال الهادئ والسلس للسلطة”.

[2] تتالى صدور مئات المراسيم الرئاسية منذ بداية حكم بشار الأسد، وحلت، عمليًا، محلّ القوانين، وصار دور السلطة التشريعية (مجلس الشعب) المصادقة الشكلية على إصدار هذه المراسيم لا غير، ولم يحدث أن طعنت بمرسوم للرئيس أو ردّته.

[3] هارون ي. زيلين، التيار الإسلامي في ليبيا، معهد واشنطن، نيسان/ أبريل 2013.

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/islamism-in-libya

[4] نعمة، أديب؛ الدولة الغنائمية والربيع العربي، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ص 46.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية