تحليل سياسي

حدود الحرب أو التفاوض في التصعيد الأميركي ضد إيران

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: حول ما تريده الولايات المتحدة من إيران

ثالثًا: طهران في حالة ارتباك وعجز عن المناورة

أ – العسكريون وقادة الحرس الثوري

ب – روحاني ووزرائه

ج – المرشد الإيراني

رابعًا: تحركات وجهود إضافية لعزل إيران سياسيًا

خامسًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

يتزايد التوتر في منحنى العلاقة الأميركية الإيرانية، منذ أن ألغى الرئيس الأميركي الاتفاق النووي، الذي عقدته الإدارة السابقة في ربيع العام 2015، وذلك تنفيذًا لوعوده الانتخابية حول نيته إلغاء الاتفاق، الذي درج على تسميته بالاتفاق السيء، إلا أنه وبعد أن انتهت فترة السماح في الثالث من مايو أيار الماضي، التي كانت ممنوحة لثمانية من الدول المستوردة للنفط الإيراني ومدتها ستة أشهر بغية تصفير الصادرات الإيرانية من النفط والغاز إضافة إلى عقوبات قاسية أخرى، فقد أتخذ التصعيد منحىً ينذر بأن الحرب باتت واقعة أو تكاد، وتتزاحم الأساطيل الأميركية في الخليج، وتجري الاستعدادات العسكرية واللوجستية اللازمة بطريقة ملفتة. أما على الجانب الإيراني فهناك حراك سياسي ودبلوماسي محموم، واستنفار عسكري سواءً على الأراضي الإيرانية وفي مضيق هرمز، أو لأذرعها من الميليشيات الشيعية المنتشرة في أكثر من دولة، كما ترتفع لغة الوعيد والتهديد الإيراني للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بخاصة من قادة الحرس الثوري الإيراني، فيما يحاول الساسة الإيرانيون إطلاق رسائل مناقضة لتصريحات العسكريين، وفي كل الأحوال فإن المرشد الإيراني صاحب القرار في إيران، قد حدد الموقف الإيراني بأنه لن يحارب ولن يفاوض، كذلك يكثر الرئيس الأميركي ووزير خارجية من تطميناته بأن الولايات المتحدة لا تريد الحرب، وليس لديها خطط لتغيير النظام الإيراني، بل يريدون تغيير سلوكه وتخليه عن طموحاته النووية وبرنامجه الصاروخي، ووقف نشاطاته المزعزعة لاستقرار المنطقة، أي أن ترامب يسعى لأن يجلب إيران إلى طاولة التفاوض حول اتفاق نووي جديد وسياسات إيرانية جديدة تحت التهديد بالحرب، ومابين اللا حرب واللا تفاوض، أو اتجاه الأمور نحو أحدهما، أو أن تكون الحرب ممرًا اجباريًا للتفاوض، تسود دول المنطقة حالة من الترقب والحذر، باعتبار أن بعضها أو كلها، قد يتخذها الطرفان ساحة لتبادل الرسائل الاستفزازية وجس النبض، من نمط الهجوم الذي تعرضت له السفن الأربعة في المياه الاقتصادية لدولة الإمارات العربية قبالة أمارة الفجيرة على خليج عمان، واتهمت إيران بالوقوف خلفه.

قد يكون من الصعب ترجيح أحد الخيارين على الأخر، نظرًا لأن كلا الخيارين يملك قدرًا كبيرًا من المبررات عند هذه العتبة من الصراعات الدولية المحتدمة حول الهيمنة والنفوذ في المنطقة وعليها، ولا يمكن الجزم بأنه يمكن تجنب السقوط في الهاوية، إذا ما زلت قدم أحد الطرفين من على حافتها مهما كانت مهاراته، فتاريخ الصراعات طالما أكدت القاعدة التي تقول بأن الحرب عند القادرين عليها، تتكفل بانجاز ما عجزت عنه السياسة، فأيهما سوف يتقدم على الآخر السياسة أم الحرب في الصراع الأميركي – الإيراني المتصاعد؟.

 

ثانيًا: حول ما تريده الولايات المتحدة من إيران

كثيرون هم الذين يأخذون على الولايات المتحدة عدم امتلاكها استراتيجية واضحة تجاه المنطقة ومن ضمنها إيران، وهذا استنتاج يجافي المنطق، عندما يخص دولة بحجم ودور الولايات المتحدة في العالم، قد لا تكون الاستراتيجية الأميركية واضحة بالقدر الكافي، وهذا يُلقي بالغموض أحيانًا على سياساتها، ويصعّب من توقع تصرفاتها حيال الملفات الساخنة.

لقد مارست إدارة أوباما طيلة سنيها الثماني سياسة مداهنة لإيران وغض الطرف عن سياساتها التوسعية، ليس فقط مكافأة لها على تعاونها مع الولايات المتحدة في حربي أفغانستان والعراق وحسب، وإنما أيضا لأن السياسة التدخلية الإيرانية، كانت تخدم السياسة الأميركية حيال ثورات الربيع العربي، حيث هدفت سياسة أوباما لاستيعاب تلك الثورات ثم التحكم قدر الإمكان بنتائجها، بغض النظر عما سببته التدخلات الإيرانية من دمار وقتل في أكثر من دولة من خلال حرسها الثوري أو ميليشياتها الشيعية، إلى الحد الذي خيل فيه للكثيرين أن إيران خُولت بمعنى ما بصياغة الوضع الإقليمي سياسيًا وأمنيًا، دون إهمال رغبة أوباما الجامحة آنذاك بانجاز اتفاق مع إيران حول ملفها النووي، الذي يقلق إسرائيل، ويهدد النفوذ والمصالح الأميركية على المدى الطويل.

مع قدوم الإدارة الجديدة، التي تتبنى سياسة هجومية دون أن تطبقها بالضرورة، كان الدور الإيراني يفقد أهميته، وأصبح عائقًا أمام إعادة ضبط الأوضاع بالمنطقة، التي شكلت فيها إيران ودربت وسلحت عشرات الميليشيات في أكثر من دولة، تعمل خارج سلطة تلك الدول، وتأتمر بأوامر الحرس الثوري، وباتت خطرًا على استقرارها، ومنذ الأيام الأولى لإدارة ترامب، بدأت مرحلة التصعيد ضد إيران واتهامها بزعزعة استقرار المنطقة، وكانت باكورة قرارات ترامب إلغائه الاتفاق النووي من طرف واحد أيار/ مايو 2018، طالبًا من إيران إعادة التفاوض حول اتفاقية جديدة لملفها النووي، ينهي الطموحات النووية الإيرانية للأغراض العسكرية، ذلك أن الاتفاق السابق أخّر المشروع عشرة أعوام لا أكثر، كما أنه أعاد فرض العقوبات التي رفعها سلفه، بل فرض عقوبات أشد وطأة طالت صادراتها من النفط والغاز والمعادن الثمينة، كما وإخراج المصرف المركزي الإيراني وخمسين بنكًا إيرانيًا من نظام “سويفت” للتحويلات المالية الأمر الذي سيكبل التجارة الإيرانية، تلاها القرار بوضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية ذلك القرار الذي وصفه روحاني “بالقرار الأحمق”، سوف يمنع أي دولة في العالم من تزويد طهران بالسلاح بعد نفاذ القرار، ثم توجت تلك الإجراءات بالشروط الإثنتي عشرة التي أطلقها وزير خارجيته جورج بومبيو، وهي تطال بشكل أساسي الملفين النووي والصاروخي وتدخلات إيران في المنطقة ودعمها للإرهاب وانتهاكات حقوق الانسان في الداخل الإيراني، ثم تتالى بعدها الحشود الأميركية في منطقة الخليج بشكل تفوق فيه غاية التهديد أو مجرد التلويح بالقوة، وهذا الجهد الأميركي يستهدف لجم الطموحات الإيرانية العسكرية والسياسية، وجلبها مرغمة إلى طاولة المفاوضات وفق أجندته نتيجة الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب بها العقوبات، ويبدو أن الرئيس الأميركي واثق من أن سياسة” التفاوض تحت الضغط”، ستحقق الأهداف التي يسعى إليها.

من الواضح أن جميع الدول ملتزمة بالعقوبات الأميركية حتى لو لم تكن بعضها راضيةً أو موافقةً على هذه العقوبات، لكن لا قدرة لها على تحمل تبعات خرقها، فالأوربيون الذين حاولوا ثني ترامب عن قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي دون جدوى، قد فشلوا بإيجاد نظام للتبادل المالي مع إيران “انستيكس” يتيح لشركاتهم التعامل معها، على الرغم من مشاركتهم للولايات المتحدة قلقها من البرنامج الصاروخي الإيراني وتدخلاتها في المنطقة، لكنهم يفضلون حل هذه الملفات عبر الحوار والتفاوض مع إيران، ويرون أن العقوبات أو التهديد بالحرب سيعقد الأمور، ويزيد من التوتر في المنطقة، كذلك الأمر بالنسبة للصين وتركيا والهند حيث لم يتجاوز رفضها للعقوبات بعده اللفظي، وسوف تلتزم بتطبيق العقوبات على أرض الواقع.

يؤكد الرئيس الأميركي ووزير خارجيته على وجه الخصوص بشكل دائم، أنه ليس لدى الولايات المتحدة خططًا للحرب مع إيران أو العمل على تغيير نظامها، لكن تتداخل على الدوام تصريحات مناقضة لذلك، ربما هي من عدة المواجهة حيث يعتبرها القادة الإيرانيون حربًا نفسية، يشنها الرئيس الأميركي المولع ببث رسائله غالبًا عبر تويتر وأعضاء إدارته الآخرين، بما يوحي بتحضير الرأي العام الأميركي والعالمي لحرب ما ضد إيران.

يقول الرئيس الأميركي في تغريدة له بتاريخ 20 أيار/ مايو الماضي: “إذا كانت إيران تريد الحرب فستكون نهايتها رسميًا، إياكم وتهديد الولايات المتحدة”، هذا التهديد رد عليه ظريف عبر توتير وبحذر محسوب “أن إيران سوف تشهد نهاية ترامب، لكن ترامب لن يشهد نهاية إيران”، ومن جهته صرح وزير الخارجية الأميركي قائلًا: “ليس في نية الولايات المتحدة الأميركية مهاجمة إيران، لكن القادم أسوأ”، وفي معرض رده على أسئلة أحد الصحفيين هل تعولون على تغيير داخلي في إيران، أجاب مازحًا “إذا كنا ننوي ذلك هل نقول لهم ماذا سنفعل”.

بررت الولايات المتحدة حشودها الضخمة في منطقة الخليج بناءً على معلومات استخبارية أميركية، بأن مصالحها وقواتها في المنطقة، يمكن أن تتعرض لتهديدات مصدرها إيران أو أذرعها، وقد زار بومبيو بغداد بشكل مفاجئ بتاريخ 8 أيار/ مايو الماضي، وحذر العراقيين بأن الولايات المتحدة سوف تمارس حقها بالدفاع عن النفس، كما وضع الحكومة العراقية بصورة المعلومات الاستخبارية التي بحوزة بلاده، وتفيد باستعداد بعض الميليشيات العراقية المتمولة من طهران للقيام بأعمال عدائية تستهدف المصالح الأميركية، وإمعانًا في التصعيد، فقد حذر بومبيو طهران من أن “أي هجوم يقع على القوات أو المصالح الأميركية في المنطقة من قبل أي مجموعة تابعة لإيران، سوف تتحمل إيران المسؤولية عنه”.

من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة، تستبعد الخيار العسكري في هذه المرحلة، أقله حتى تتضح نتائج العقوبات الاقتصادية، وجلاء فيما إذا كانت ستفي بالهدف الأميركي من هذه المواجهة، لكن وإضافة للعقوبات القاسية، التي تحاول إدارة ترامب من خلالها “طحن إيران” كما وصفها رئيس مجلس العلاقات الدولية بأميركا، هناك عمل أميركي حثيث لعزل إيران سياسيًا على المستوى الدولي، كما أن الرئيس الأميركي ومن خلال سياسته الحازمة حتى الآن تجاه إيران، فقد حرم إيران من ثلاث أوراق كانت تعتبر ركائز أساسية في استراتيجيتها.

أولها حرمانها من حروب الوكالات التي تفضلها، وتعتمد عليها من خلال ميليشياتها المنتشرة في أكثر من دولة في المنطقة، بحيث تبعد الحرب عن أراضيها وتخوضها بدماء الآخرين من أتباعها، وتعرف طهران حاليًا أن الحرب يمكن أن تنتقل ببساطة إلى عمقها في حال تصرفت أذرعها بالخارج على النحو الذي كانت تمارسه ميليشيات حزب الله أو الحوثي أو غيرها.

وثانيها حرمانها من إمكانية التفاوض السري خلف الكواليس، كما كان يجري سابقًا، وهو نهج تحبذه طهران بحيث لا يخرج إلى العلن سوى الاتفاقات المنجزة والناجحة من وجهة نظرها، بما يمكنها من الاستمرار في خطابها التعبوي الموجه للداخل الإيراني ولأتباعها بالمنطقة، ويبقي معزوفة المقاومة والممانعة وتحرير القدس بضاعة متداولة في أسواق المنطقة على الرغم من تناقص أعداد المشترين، بعد أن انكشفت توسعيتها وعدوانيتها تجاه شعوب المنطقة.

وثالثها تبخر مقولة أو تنميط إيران بأنها منقسمة بين معتدلين ومحافظين، وعلى دول العالم المعنية تشجيع المعتدلين، تلك المقولة التي طالما لعبت عليها إيران في علاقاتها الدولية، وكانت دول الاتحاد الأوربي أكثر المروجين لهذه الفكرة خدمة لمصالحها في إيران، الآن وبعد أن أزيحت هذه المقولة من ساحة التداول، تصبح حكومة روحاني بلا رهانات على اعتدالها خارجيًا ولا داخليًا، وإذا أضيف لها أنها أصلاً بلا صلاحيات حقيقية، تصبح غير مؤهلة لخوض مفاوضات مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يستلزم من طهران ومرشدها ترتيب وفود تفاوضية جديدة غير تلك التي قادها جواد ظريف، مما يجعل خيار التفاوض مستبعد مرحليًا.

 

ثالثًا: طهران في حالة ارتباك وعجز عن المناورة

إن إعادة فرض العقوبات وتوسعتها وتشديدها لدرجة تصفير صادرات إيران من النفط والغاز والمعادن، ووضع الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية، أوقع الجمهورية الإسلامية وحكم الملالي في أسوأ أزمة يتعرضون لها منذ العام 1979، وأوقع النظام الإيراني في حالة من الارتباك، وضيّق أمامهم ساحة المناورة، فلا هم راغبون بالحرب ولا قادرون عليها، كما أن كلفة التفاوض وفقًا للأجندة الأميركية المستجدة لا تقل عن مثيلتها بالحرب، من حيث أن الطريقين قد يؤديان إلى تحديد مصير النظام، وهو أكثر ما يحرص عليه الملالي، وأن تكتيك توازع الأدوار بين مسؤولي إيران، مابين عسكريين ينهجون نهج التهديد والاستعراض وجس النبض عبر الاستفزاز المحسوب، ومدنيين يلطفون تصريحات الصقور، ويبحثون عن أي ثغرة في جدار العلاقات مع الولايات المتحدة، لم يعد مجديًا، ويمكن من خلال استعراض ردود فعل مسؤولي إيران تميز ثلاثة خطوط او أشكال لها.

أ – العسكريون وقادة الحرس الثوري

يقول علي رضا تنكسيري قائد القوات البحرية التابعة للحرس “إذا تم منع إيران من تصدير نفطها عبر مضيق هرمز فسوف نقوم بإغلاقه”، ذات الرسالة وجهها حسن سلامي الرئيس الجديد للحرس الثوري، أما قاسم سليماني رجل إيران القوي وقائد فيلق القدس الذراع العسكرية الإيرانية في الخارج، الذي يجيد المفاوضات المترافقة مع التهديد بالقوة فإنه يرى أن إعادة التفاوض سيأخذ إيران إلى موقع تكون فيه الخاسرة، وقال “إذا خضعنا لاتفاق ثانٍ، فسوف نضطر لتطبيق اتفاقات أخرى، إنهم يريدون أن تخسر البلاد هويتها بالمضمون، فالولايات المتحدة تريد من المفاوضات مع إيران في حال حصلت، أن تجري على خطين الأول نووي، والثاني إقليمي، وأنها تريد أن تحرم إيران من نفوذها الإقليمي، كما حرمانها من استكمال مشروعها النووي”، ونفس الفكرة كررها الأدميرال علي شمخاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حيث قال “إن الدور السلبي للدول المعادية لإيران ليس السبب فيه طبيعة النشاطات النووية الخطرة أو الصاروخية أو الاقليمية لإيران، بل السبب فيه هو معارضتهم لتحول إيران إلى قوة في المنطقة”، ويعتبر أن السياسات الاقليمية لإيران تشكل بلا شك الورقة الرابحة لإيران في تأمين مصالحها وأمنها الدائمين.

ب – روحاني ووزرائه

في حديث وجهه روحاني للرأي العام الإيراني قائلًا أن بلاده “كانت دومًا أمة تفاوض ودبلوماسية، كما كانت أمة حرب ودفاع”، كما وجه غضبه للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، كونهما تعهدتا تعويض النقص في سوق النفط العالمية نتيجة تصفير الصادرات الإيرانية، وفي أحدث تصريحاته موجهًا كلامه للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران “مستعدة للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، إذا التزمت أميركا بالقوانين الدولية، وأن بلاده لن تفاوض تحت التهديد”.

أما جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية الذي يجيد دبلوماسية الابتسامات، فإنه أخذ دور تبريد مواقف المتشددين في إيران، فقد نفى نية إيران الإقدام على إغلاق المضيق بقوله: “إن إبقاء المضيق مفتوحًا هو مصلحة لإيران وأمنها القومي، وإيران لا تسعى إلى المواجهة مع واشنطن، لكننا نملك القدرة للدفاع عن أنفسنا، وإذا منعتنا واشنطن من تصدير نفطنا فلماذا نسهل على الآخرين تصدير نفطهم”، ويبقى تصريحه الأوضح في هذا السياق، بأن بلاده سوف تتصرف “بحكمة” إزاء سياسات خطيرة من جانب الولايات المتحدة، وأن إيران سوف تسمح للسفن الحربية الأميركية بالمرور في مضيق هرمز.

في سياق نشاط دبلوماسي إيراني محموم يشمل أكثر من سبعين دولة، في محاولة من إيران لشرح موقفها ومواجهة إجراءات عزلها سياسيًا، صرح ظريف من بغداد بأن بلاده “مستعدة لتوقيع معاهدات عدم اعتداء مع دول المنطقة”، وعدا عن أن هذا العرض يفتقر للجدية، وجاء متأخرًا كثيرًا، فإن انعدام الثقة وحالة التوجس تجاه إيران من قبل جيرانها، تجعل هذا العرض بلا معنى، كما حاول خلال وجوده في نيويورك من خلال مقابلاته العديدة مع وسائل الإعلام الأميركية بما فيها فوكس نيوز، جس نبض الإدارة الأميركية حيال المبادرات الإيرانية المتناثرة، ومنها ما يتعلق بالسجناء الأميركان عند الطرف الإيراني، لكن لم يظهر من الإدارة أية بوادر استجابة، لأن عين الإدارة الأميركية على إعادة التفاوض حول الملف النووي بالدرجة الأولى.

ج – المرشد الإيراني

بما أن المرشد الإيراني علي خامنئي هو صاحب السلطات الحقيقية، وبما أن همه الأساس في هذه المرحلة الحرجة، الحفاظ على نظامه وتأمين توافق بين مراكز القوى المتنافسه على خليفه له، لذلك نجد أن تصريحاته المتكررة حذرة وحمالة أوجه، فقد قال منذ أشهر: “إن رد الفعل الإيراني، سيكون من نوع الفعل الأميركي”، كما وصف في تصريح له بتاريخ 14 أيار/ مايو الماضي المفاوضات مع الولايات المتحدة بأنها “سم”، وتابع “لا نحن ولاهم يسعون إلى الحرب، إنهم يعلمون أن ذلك لا يصب في صالحهم”، وفي تصريح جديد له بتاريخ 29 مايو/ أيار 2019، يعلن أن طهران “لن تتفاوض مع واشنطن خاصة فيما يتعلق بالقدرات العسكرية”، ويبدو أن المرشد الذي رفع شعارات الاقتصاد المقاوم وطالب الشعب بالصبر في مواجهة العقوبات، يعتبر أن حالة اللا حرب و اللا تفاوض ركنًا أساسيًا من استراتيجية ما يسميه “المقاومة الرشيدة” ويعمل بها بانتظار ظروف أكثر ملائمةً.

واقعيًا من المؤكد أن العقوبات الأميركية بدأت تأثيراها بالظهور، وتنعكس مباشرة على حياة الإيرانيين ومعيشتهم، فالميزانية الجديدة التي وضعت على أساس تصدير 1.5 مليون برميل نفط يوميًا، سوف تعاني عجزًا قدره 40%، كما أقر مركز الإحصاء الإيراني أن نسبة التضخم ارتفعت إلى 51% منذ بداية السنة الإيرانية الجديدة، ومن جهته توقع البنك الدولي أن الاقتصاد الإيراني سيعاني انكماشًا بنسبة 6%، هذه المعطيات لا تسر الإيرانيين، وليس لدى النظام ما يقدمه لهم سوى الشعارات، وكل ما يعلنه الإيرانيون عن خبراتهم بالالتفاف على العقوبات بات واهيًا، لأن الولايات المتحدة وعلى غير نظرية الاحتواء المزدوج التي طبقت على إيران في السابق، أجبرت العالم كله مكرهًا على المشاركة بحصار إيران، كما أن مراهنة إيران على الوقت والصبر حتى الانتخابات الأميركية القادمة، على أمل أن تأتي بإدارة جديدة، تبخرت هي الأخرى بخاصة بعد صدور تقرير مولر وتبرئته لترامب من تهمة التواطؤ مع الروس بالانتخابات الماضية، حيث أصبحت يد ترامب طليقة بما يكفي للتصرف، بل حتى لإعلانه الترشح للانتخابات القادمة، في ظل هذه الوقائع ومع اشتداد العقوبات وتفاقم تداعياتها، ليس أمام النظام الإيراني سوى سلوك طريق التفاوض، لكن بعد أن تستنزف كل الوقت الذي سيسمح لها به الآخرون.

 

رابعًا: تحركات وجهود إضافية لعزل إيران سياسيًا

منذ عامين وإسرائيل لا تني تعلن عن جهدها الدبلوماسي والعسكري لمنع إيران من التموضع عسكريًا وأمنيًا في الأراضي السورية، وقد نفذت مئات الغارات الجوية والضربات الصاروخية ضد مواقع ومستودعات للحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له في كل الأراضي السورية وعلى وجه الخصوص في المنطقة الجنوبية وريف دمشق، هذا التوجه الإسرائيلي يحظى بدعم أميركي ورضا روسي إن لم يكن أكثر من رضىً، ليس على أدل ذلك من الإعلان عن اجتماع يضم مسؤولي الأمن القومي في الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل في مدينة القدس خلال شهر حزيران/ يونيو الجاري، وغايته بحث سبل العمل المشترك لإخراج إيران من سورية، وأن هذا الهدف تم الاتفاق عليه بين الرئيسين الأميركي والروسي على هامش قمة العشرين في طوكيو.

كما بات علنيًا انخراط كلًا من السعودية والإمارات بشكل حثيث وفعال في الجهد الأميركي لعزل إيران سياسيًا على المستوى الدولي، فليس خافيًا أن الدولتين مستهدفتان من قبل المشروع التوسعي الإيراني، وبخاصة المملكة العربية السعودية نظرًا لمكانتها الدينية بحكم وجود مكة المكرمة ضمن أراضيها، وبحكم أن النظام الإيراني يبني شرعيته على العامل الديني، ثم جاءت فرصة تلك الاستفزازات الأربعة المحسوبة وهي (ضرب سفن الشحن الأربعة قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي منها سفينتين سعوديتين، ثم استهداف مضخة ضخ نفطية قرب الرياض، كما وإطلاق صاروخ باليستي باتجاه مكة، وهاتان العمليتان تبنتهما ميليشيا الحوثي، ورابعها استهداف المنطقة الخضراء في بغداد بصاروخ كاتيوشا)، هذه الاستفزازات اتهمت إيران بالوقوف ورائها، ويعتقد أن إيران أرادت من ورائها استكشاف رد الفعل الأميركي والمدى والشكل الذي يمكن أن يأخذه، على اعتبار أن مثل هذه العمليات يمكن لإيران التملص من المسؤولية عنها، لكنها أعطت الفرصة للرياض للدعوة لثلاثة مؤتمرات خليجية وعربية وإسلامية عقدت في مكة يومي 29 و30 أيار/ مايو 2019 هدفت من خلالها الرياض لفضح السياسات العدوانية لإيران تجاهها وتدخلاتها في دول المنطقة وتهديدها لإمدادات النفط العالمية، وقد جاءت بيانات القمة الثلاث مؤيدة للموقف السعودي، وذهب بيان القمة العربية الذي اعترض عليه الوفد العراقي أبعد من ذلك حيث تضمن أحد بنوده أن الدول العربية “تؤيد الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة بحق إيران”، ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذه الأجواء حيث جال جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي على دول الخليج قبيل تلك القمم، وصرح بأن “إيران تقف خلف الهجمات على السفن الأربعة، وأن الولايات المتحدة تتدارس مع حلفائها سبل الرد على الاعتداءات الإيرانية”، تصريحات بولتون اعتبرتها إيران تهريجًا.

هذه الجهود السعودية على طريق عزل إيران، كانت قد سبقتها زيارة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لباكستان في شهر نيسان/ إبريل الماضي، ويرجح أن الوضع الأفغاني والمفاوضات الأميركية مع طالبان كانت الموضوع الأساسي في زيارة بن سلمان بهدف سحب الورقة الأفغانية من اليد الإيرانية.

 

خامسًا: خاتمة

صحيح أن التشديد الخانق للعقوبات وآخرها تلك التي استهدفت قطاع البتروكيماويات، سوف يدفع القوى الإيرانية لتوحيد صفوفها دفاعًا عن مصالح إيران ولو ظاهريًا، لكن الصحيح أيضًا وتحت ضغط الأزمة ستزداد الاصطفافات وتتعدد الرؤى للخروج من الأزمة، فهناك من يرى أنه لم تعد من جدوى باستمرار إيران التزامها الاتفاق النووي، مادامت أوربا عاجزة عن تعويض إيران عن خسائرها بفعل الحصار، وهناك من يدعو للبحث عن سبل للتفاوض واستبعاد شبح الحرب، وأن تلتفت إيران لمشاكلها الداخلية، وهناك من يقول بخيار المواجهة، لكن مابين هذا وذاك فإن إيران باتت تدرك أكثر من ذي قبل ضعف قدرتها على تحمل هذه العقوبات، وباب الصفقات قد أغلق بوجهها، وكل ما يشاع عن وساطات يابانية أو سويسرية أو عمانية، أو غيرها لم يعلن عنها بعد، لن تجد طريقها للحلحة الأمور وفتح باب التفاوض، بالمقابل فإن “ستاتيك” اللا حرب واللا تفاوض لا يمكن أن يستمر للأبد على الرغم من غياب الرغبة في الحرب لدى الطرفين، لذلك ربما يكون خيار حرب من نوع ما وفي حدود ما خيارًا واردًا لفتح باب التفاوض الموصود.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية