مراجعات كتب

الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة (من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة)

اسم الكتاب: الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة

اسم المؤلّف: عبيد خليفي

مراجعة ناظم بن إبراهيم: باحث ومترجم تونسي، نشر نصوصًا ومقالات في عدد الصحف والمجلات التونسية والعربيّة، وله مجموعات شعرية وترجمات ودراسات في النقد الأدبي.

يُعدّ أطروحة ماجستيـر في الحضارة العربيّة بعنوان: “مقدّمة لتاريخ النصّ القرآني” في جامعة منّوبة/ تونس.

دار النشر: مسكلياني للنشر والتوزيع

مكان النشر: تونس

تاريخ النشر: 2018

 

 

 

المحتويات

مقدّمة

الإسلام المبكّر من الدعوة الدينيّة إلى القتال المقدّس

1- القتال بوصفه ردّة فعل طبيعيّة؛ التاريخُ في خدمة التأويل

2- القتال بوصفه عنفًا منظّمًا؛ التاريخُ ضدّ طموحات التأويل أو منقلبًا عليه

3- الحركات الإسلاميّة المعاصرة؛ الجهاد منقلبًا على التأويل والتاريخ معًا

4- العودة إلى الدعوة وفشل المشروع الإصلاحيّ؛ التأويل يفشلُ في احتواء التاريخ

5- العودة إلى الهجرة والقتال؛ لا تأويلَ ولا هُم يحزنون

6- العودة إلى الدولة؛ لا تاريخ ولا هُم يفرحون

خاتمة

 

 

 

مقدّمة

يعد “الجهاد” من المفهومات الرئيسة الّتي وسمت الخطاب الإسلاميّ المعاصر سواء تعلّق الأمر بالمقاربات الفكريّة والحضاريّة الّتي حاولت تأوّلهُ، أم بالظواهر الحركيّة الّتي وظّفتهُ داخل أيديولوجيّاتها السياسيّة والحربيّة بأشكال مختلفة ومراحل متعدّدة من تاريخ الوطن العربيّ راوحت في دمويّتها بين الاكتفاء بنشر الخطاب الجهاديّ أحيانًا، وتحويله إلى أمر واقع وضرورة مُلّحة في أحيانٍ أخرى. وقد يعودُ هذا الحضور المركزيّ لمفهوم الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة إلى مأزق مركزيّ أساسهُ الاستناد إلى مرجعيّة تراثيّة وسرديّات متحرّكة داخل شرط تاريخيّ مُنتَهٍ، قصدَ معالجةِ تاريخيّةٍ مغايرة وجغرافيا سياسيّة جديدة وبنية اجتماعيّة مُتململة وممزّقة داخل أسئلتها الحضاريّة وأوّلها السؤال القديم الجديد: “لماذا تقدّمَ الغربُ وتأخّرَ المسلمون؟”.

ولمّا ألحّت هذه الحركات على كون “الابتعاد عن تعاليم الدّين” هو الجواب الوحيد الممكن عن هذا السؤال، وجدت نفسها مطالبة بإعادة إنتاج السرديّات القديمة والقيام بعمليّة إسقاط Projection أساسها استلهام تكتيكات الوجود السياسيّ من التجربة النبويّة ونصوصها التأسيسيّة قرآنًا وحديثًا وسيرة نبويّة بغضّ النظر عن سياقاتها وملابسات تدوينها وتاريخيّتها الّتي شغلت أكثـر من مفكّر عربي أمثال هشام جعيّط ومحـمد أركون ومحمّد عابد الجابري وأكثر من مستشرق أمثال ماكسيم رودانسون وثيودور نولدكه وباتريسيا كراون، وغيـرهم. وعلى الرغم من أنّ بعض هؤلاء –وإن بدا متمسّكًا بالصرامة العلميّة والمنهجيّة– كرّس حياتهُ للبحث عن تسويغ تاريخيّ للإيمان من خلال محاولة إعادة تشذيب المصادر القديمة وإعادة تأوّلها بما يتماشى مع الإعلاء من كونيّتها (الّتي لم تخلُ منها) ومع حقوق الإنسان والنسبيّة والمعارف الحديثة، والتقليص من طابعها العنيف (الّذي لم تخلُ منهُ أيضا) من خلال البحث عن مسوّغات نَسخه والاكتفاء بتذكّره بوصفه جزءًا من تاريخ أمجاد المسلمين ونبيّهم وصـحابته؛ فإنّ فاعليّة هذه المصادر في التاريخ العربيّ المعاصر ظلّت أمرًا واقعًا ما زلنا نعاينه وندفع ثمنهُ، وبخاصّة بعدَ أن تغذّت بالتوازنات الإقليميّة والمصالح الدوليّة التي توضحت بشكل جليّ مع ثورات الربيع العربي.

وقد تستمدُّ هذه الفاعليّة مشروعيّتها من الثالوث التاريخيّ الّذي وسم أنواع العنف جميعها؛ الدّيني/ السياسيّ والمتكوّن من العناصر الآتية: الدين والعنف والدولة، وبإمكاننا أن نغيّـر ترتيب هذه العناصر كيفما شئنا، وأن نحصّل داخل علاقاتها التبادليّة على نتيجة واحدة هي: دولة تستندُ إلى الدّين وتحتكر العنف. غيـر أنّ هذا العنف ليسَ عنفا نابعًا من القوانين البشريّة الّتي على أساسها تحافظ الدولة على كيانها وتعبيرها عن الإرادة الجماعيّة لمن يكوّنها ويضع مؤسّساتها، بل هو عنفٌ مقدّسٌ يقدّم نفسه على أساس أنّهُ يستمدّ مشروعيّتهُ من الإرادة الإلهيّة خارجَ أيّ ممكن بشريّ، فالجماعة المتديّنة تنظرُ إلى المجتمع بوصفه ضدًّا وجبَ التعاملُ معهُ داخلَ منطقيْن مركزيّين أساسهما الترغيب والترهيب، فإمّا أن يلتحق هذا الضدُّ بالجماعة راغبًا أو راهبًا طوعًا أو يبتلعهُ طوفانُ الدّم تكفيـرًا وقتلًا.

مع ذلك، يظلّ هذا الفهم الأوّليّ لميكانيزمات تفكير الجماعات الإسلاميّة تصوّرًا عامًّا يمكنُ أن ينطبق على مجمل الحركات الدينيّة من دون أن يقدّمَ فهمًا عميقًا لمفهوم الجهاد في التـراث الإسلاميّ ولكيفيّات توظيفه الأيديولوجيّ لدى هذه الحركات وتاريخ تطوّر استعمالهم له بحسب تغيّـر الأوضاع السياسيّة العربيّة والإقليميّة والدوليّة.  ولعلّ هذا ما حاولهُ عبيد خليفي[1] في كتابه “الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة”[2] من خلال مقاربة مزدوجة رمى فيها إلى تأصيل مفهوم الجهاد في التراث العربي الإسلاميّ من ناحية، وتتبّع مسارات استعمال هذا المفهوم في الأدبيّات الحركيّة بداية من تمثّلات جيل “الصـحوة الإسلاميّة”، مرورًا بتنظيم الإخوان المسلمين والتجربة الأفغانيّة بمختلف منعرجاتها، وصولًا إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة أو ما سمّاهُ بـ “جيل السيف المتوحّش”. وعلى الرغم من طغيان الطّابع التأريخي[3] الّذي جعل من الكتاب سردًا لسلسلة من الحوادث المتعلّقة بزعماء الجهاد الإسلاميّ ومسيراتهم وتحرّكاتهم الفرديّة والجماعيّة، فقد مثّلَ مفهوم الجهاد الخيط الناظم الّذي ربط مُجملَ هذه الحوادث داخل قراءة تفهّميّة/ نقديّة تحاول رفع اللبس عن هذا المفهوم المقدّس في النصّ – المدنّس في التاريخ. فكيفَ تشكّل مفهوم الجهاد في الإسلام المبكّر؟ وما هي الأسس المرجعيّة الّتي استندت إليها الحركات الإسلاميّة واستمدّت منها مشروعيّة استعماله؟ وهل ثمّة اختلاف بين هذه الحركات في توظيفه؟ وإلى أيّ مدى يمكن عدّ الدّين بريئًا من هذه الاستعمالات؟ وما ممكنات التجاوز التأويليّ لمآزق النصّ الدينيّ؟ هل نحنُ إزاء أزمة فهم أو أزمةِ إبستيميّة تسويغيّة كرّسها المؤرّخون القدامى والفقهاء والإخباريّون؟ وهل يمكن تبرئة “الدولة الوطنيّة الحديثة” أو “الدولة الأمة” من تجذّر الظاهرة الإسلاميّة الجهاديّة في المجتمعات العربية؟

 

الإسلام المبكّر من الدعوة الدينيّة إلى القتال المقدّس

أو؛ من “ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهُم بالّتي هي أحسنُ ” (النحل: 16 / 125) إلى “قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّمَ الله ورسوله” (التوبة: 9 / 29)

تنطلقُ بعض الدّراسات الّتي بحثت في تاريخ النصّ القرآنيّ والتحوّلات الطارئة على خطابه من الثنائيّة الرئيسة المعروفة: مكّي – مدني، وغالبًا ما ترتبط المرحلة المكيّة في هذا الإطار بالدعوة القيميّة والإقناع بصدق النبوءة وتكوين الأقليّة المؤمنة بمحمّد، في حين ترتبطُ المرحلة المدينيّة بالدولة الإسلاميّة الناشئة واتّحاد المهاجرين بالأنصار ووضع بعض القوانين الجديدة الّتي حدّدت موقع الإسلام داخل السياق اليهو-مسيحيّ Le contexte Judéo-chrétien، وعلى الرُّغم من عدم وجود أدلّة نهائيّة تُرجّحُ انتماء آيات الدعوة كلها إلى المرحلة المكيّة وانتماء آيات القتال المحايث لنشأة المؤسسة المحمّديّة كلها إلى المرحلة المدينيّة، فإنّ هذا النزوع إلى التقسيم الثنائيّ (مكّي / مدني) متأسّسٌ على محاولة فهم الشرط التّاريخيّ الّذي تشكّل في سياقه الإسلام المبكّر وفهم موازين القوى الّتي حدّدت ملامح الخطاب القرآني الّذي لم يكن غريبًا عن عصره وعن ملابسات سيرة نبيّه. وواقعيًّا لم يكن النبيُّ محمّد في البداية “قادرًا على ردّ الفعل تجاه العنف القُرشيّ أو حتّى ردّه”[4] وستصير سيرة مقاومته لهذا العنف أرقى أنواع “الجهاد” في التأويل الإسلاميّ لاحقًا على الرغم من تأخّر ظهور هذا المصطلح مقابل مصطلح “القتال” الّذي لا يمكن البتّ في مسألة “تلازم ظهوره مع الهجرة” على حدّ عبارة عبيد خليفي. وبغض النظّر عن هذا الالتباس يمكن أن نخلص في هذا المستوى إلى فرضيّتيـن حاول الكاتب تتبّعهما في ما يتعلّق بمفهوم الجهاد في الإسلام الناشئ: فرضيّة تأويليّة تتعلّق بممكنات فهم آيات الإذن بالقتال، وأخرى تاريخيّة متّصلة بتطوّر العنف المنظّم الملازم لتأسّس دولة المدينة ومراحل انتشار الإسلام.

 

1- القتال بوصفه ردّة فعل طبيعيّة؛ التاريخُ في خدمة التأويل

تُجمعُ أغلب المصادر التاريخيّة الّتي تناولت بدايات الإذن بالقتال في النصّ القرآني على ورود هذا الإذن في الآيتيْـن التاسعة والثلاثين، والأربعين من سورة الحـجّ: “أُذِنَ للّذينَ يُقاتَلونَ بأنّهُم ظُلِموا وإنَّ اللّه على نصرهم لقَدير (39) الّذينَ أُخرجُوا من ديارهم بغيـر حقٍّ إلّا أن يقولوا ربُّنا اللّهُ ولولا دفعُ اللّه النّاسَ بعضهُم ببعض لهُدّمَتْ صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكَرُ فيها اسمُ اللّه كثيرا ولينصُرنّ الله من ينصرهُ إنّ الله لقويٌّ عزيز (40)”. ولئن لم يخرُج مؤلّف الكتاب عن السرديّات الإسلاميّة التراثيّة في إثبات هذا الإذن وربطه بالأذى القرشيّ المادّي والمعنوي الّذي تعرّض إليه الرسول وعدّه ردّة فعل طبيعيّة ناتجة من “الظُّلم والإخراج من الديار بغيـر حقّ” كما هو واضح في الآيتين؛ فقد طوّع هاتيْن الآيتيْن إلى تأويل ينسخُ فاعليّتهما خارج السياق المحمّديّ من خلال التركيز على معطييْن رئيسيْن:

الأوّل: عدمُ الابتداء بالقتال (الّذين يُقَاتَلونَ بأنّهُم ظُلِموا)، وهُو ما يعطّلُ إمكان التشريع للقتال خارجَ التعرّض للظلم من ناحية مبدئيّة. وبغضّ النظر عن الجدل الّذي يمكن أن يطرحهُ شكلُ الآية (يُقاتَلون/ يُقاتِلون) الّذي تحسمهُ الآية الثانية -بوصفها توسّعًا في الآية الأولى وتفسيرا لها- من خلال تحديد طبيعة هذا الظلم (أُخرجوا من ديارهم بغير حق)، فإنّ هذا الحُكم يظلّ محدّدًا في “تخصيص تاريخيّ يتعلّق بتجربة النبيّ محمّد وحده”[5]، وليست محاولاتُ إطلاقه اللاحقة من حركات الإسلام السياسيّ سوى محاولة لإعادة إنتاج “النبويّ” المكفول بالرعاية الإلهيّة داخل تاريخيّته، في حيّـز “البشريّ” النسبيّ اللاحق للنبوّة الخاتمة.

الثاني: التركيـزُ على مصطلح الدّفع (ولولا دفعُ اللّه النّاسَ بعضهُم ببعض) الّذي سيصبح من المصطلحات المركزيّة في أدبيات الإسلام السياسيّ بمسميّات مختلفة لعلّ أهمّها نظريّة التدافع الاجتماعي الّتـي تقضي بكون التقاتل أمر ضروريٌّ قدّرهُ الله منذ قابيل وهابيل، وجعلهُ داخل كينونة الفعل البشريّ. وإذ يأتي الكاتب على بعض الاستعمالات الّتـي تستند إلى هذا المصطلح لتسوّغ ممارسة العنف ضدّ الأنظمة الاستبداديّة من منظور الإسلام السياسيّ[6]، يقترحُ إمكانيّة تأويليّة أخرى لمصطلح الدّفع بالاستناد إلى الخطاب القرآنيّ نفسه في آية “اِدفَع بالّتي هيَ أحسن” (فصّلت: 41/ 34) والنّاظر في هذه الآية يمكن أن يتبيّن “أنّ إظهار الحقّ لن يتحقّق في الأساس إلا بالوسائل السلميّة”[7] ما يجعلُ العنف وسيلة لاحقة غير قابلة للاستعمال خارجَ مُستنداتها الأخلاقيّة وخارج استيفاء مراحل الحجاج الفكريّ والجدل العقليّ جميعها.

تبدو هذه القراءة الأوليّة لبـروز مصطلح القتال في الدعوة المحمّديّة منطقيّة سواء تعلّق الأمر بالتدقيق التاريخيّ في ملابسات ظهوره أم بالمجهود التأويليّ المبذول لجعله خاصًّا بالمرحلة النبويّة، غيـر أنّها أهملت نقطة أساسيّة يمكن أن يكون لها دور في تحديد ملامح المأزق الّذي سيجدُ التأويل به نفسه أمام تطوّر العنف الإسلاميّ خطابًا وممارسةً مع نشأة الدولة المدينيّة. ومفادُ هذه النقطة أنّ الخطاب القرآنّي في آيتيْ الإذن بالقتال المذكورتيْن موجّهٌ إلى الجماعة المؤمنة لا إلى النبـيّ وحدهُ، وهو ما يفتـرضُ وجود وحدة بين النبيّ وجماعته، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا ونقول إنّ شخص النبيّ مذوّبٌ داخل الجماعة في هاتيْن الآيتين (الّذينَ يُقَاتَلون/ أُخرِجُوا مِن ديارهم)، وهو ما يعكس بدايات تشكّل وعي النبيّ نفسه من التحوّل من محض “نبيّ أعزل” متّهم بالجنون (وفي هذا آيات كثيرة تردّ عنه هذه الصفة ويكون الخطاب فيها مخصّصًا للنبيّ وحده) إلى قائد جماعة مستعدّ لنكران ذاته داخلها من أجل أن تنتشر الدّعوة الّتي جاء بها وأقنع بها جماعته. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهمَ ما سيحدثُ من انقلابات لاحقة على الطابع السلميّ للدعوة لا قصدَ ممارسة نوع من التقويم المعياريّ الّذي لسنا بصدده، وإنّما من أجل الوصول إلى قراءة نقديّة نستوعب من خلالها كيفيّات تطوّر العنف ومن ورائه مفهوم الجهاد في المراحل اللاحقة لانتشار الاسلام في شبه الجزيرة العربية.

 

2- القتال بوصفه عنفًا منظّمًا؛ التاريخُ ضدّ طموحات التأويل أو منقلبًا عليه

يستمدّ المشروعُ التأويليُّ أهميّتهُ من القراءة الأخرى الممكنة الّتي يُمكن أن يقدّمها للتراث العربيّ الإسلاميّ لا من خلال تشذيبه أو تخليصه من طابعه التمجيديّ الّذي كرّستهُ السلطة وهي تؤرّخُ لنفسها فحسب، وإنّما من خلال محاولة إعادة تأوّل الخطاب الدّينيّ داخل ميكانيزمات تعاليه أيضًا، أي داخلَ لغته بوصفها شكلَ إقامته في التاريخ وشكلَ اللازمنيّة الّتي ينشدها. غيرَ أنّ هذا المشروع يجدُ نفسهُ مقابل مآزق شتّى عندما ينقلبُ عليه التاريخ الّذي لم يستطع -على الرغم من الوعي الحذِر الّذي كُتِبَ به- تخليص نفسه من دمويّته من آليّات اشتغاله العنيفة بما هو صراع قد يتّخذ أكثـر من شكل دينيّ أو سياسيّ أو اقتصاديّ. هنا، كان تتبّع الوعي الّذي كُتب به تاريخُ السرايا والمغازي الأولى ضروريًّا بالنسبة إلى عبيد خليفي لفهم تطوّر جذور خطاب الجهاد، ومن ثم مستويات تمثّله اللاحقة، وفي هذا الصّدد يمكنُ أن نلاحظَ أوّليًّا أن خطاب العنف بعد أن أصبحَ ضرورة موضوعيّة لانتشار الدعوة ما كان ليكتسي مزيدًا من المشروعيّة خارجَ استبدال مصطلح القتال الّذي إلى جانب كونه بشريًّا، فإنّ له وطأة داخل المحيط الحجازيّ، بمصطلح أكثـر ارتباطًا بالتجربة الدّينيّة لا يسوّغ هذا القتال فحسب، وإنّما يجعل منه فعلًا مقدّسًا لا يستقيمُ الإيمانُ بالدّين الجديد من دونهُ (مَنْ ماتَ ولم يغزُ ولم يُحدّث به نفسهُ ماتَ على شُعبةِ نفاق / صحيح مُسلم 10: 19)، وكان لـ”الجهاد” هذا الدّور في شـحن التجربة الحربيّة المحمّديّة بمجمل المعاني الدينيّة الحافّة بها. غير أنّ تكريس هذا المفهوم الجديد مرّ بمراحل مختلفة يمكن أن نُجملها في الآتي:

– التمهيد والمناورة: وانطلق مع تكوين السرايا الّتي تذكر المصادر أنّها لم تقلّ عن سبع وأربعين سريّة كانت من مهمّاتها المناورة في المحيط المكيّ قصد استعراض القوة العسكرية الناشئة بعد استقرار ملامح الاتفاق السياسيّ في دولة المدينة مع الصحيفة والبيعتيْـن وموادعة اليهود وعقد العهود معهم. ولم تشهد هذه المرحلة اشتباكًا مباشرًا بقدر ما كانت استفزازًا سياسيًّا للقرشيّين وفرصة لأتباع الرّسول ليتدرّبوا على الغزو ويستعدّوا للمعارك اللاحقة الّتـي تدلّ الوقائع على الوعي المحمّدي بقدومها وبضرورتها.

– التنفيذ L’exécution ومباشرة العمل الحربي: وكانا مع الغزوات الّتـي اهتمّت بالخارج المدينيّ ووجّهت اهتمامها إلى مكّة من ناحية، ومع قتال اليهود في الدّاخل المدينيّ وإزاحتهم من المشهد الدينيّ والسياسيّ للدولة الناشئة. وتذكر المصادر في ما يتعلّق بالغزوات مشاركة النبيّ في تسعٍ منها يحفل المخيال الإسلامي من بينها بأربعٍ: “بدر النّصر وأحدُ الهزيمة وخندق الصّمود والفتح كغزوة غطّاها مشهد احتفاليٌّ لم يعبأ كثيرًا بسيوف بقايا المشركين”[8]. وأمّا في ما يتعلّق بيهود المدينة فقد شهد التعاطي النبويّ معهم تطوّرًا واضحًا للعنف في الخطاب القرآنيّ[9]، وفي مستوى الممارسة كان التهجير والإجلاءُ مع بني قينقاع وبني النضير مقابل القتل والاغتيال بعد الحصار والسبي مع بني قريظة الّذين تذكر المصادر أكثـر من ستمئة رجل منهم طاله الذبح، بحجّة واحدة لا نجدُ غيرها في القرآن والحديث والسيرة، وهي نقضُ العهود مع رسول الله من دون أن يكون شكلُ هذا النقض وملابساته واضحيْـن. وبغضّ النظر عن “الحرج الأخلاقي” الّذي يجدُ الضمير الإسلامي نفسه في مواجهته بحسبَ ما يشير إليه المؤلّف، فإنّ هذا التحوّل الدمويّ في العلاقة مع اليهود لا يرتبط فقط بالسياق الحضاريّ للجزيرة العربيّة المرتبط بالصراع القبليّ القديم في المحيط الحجازيّ، وإنّما يندرجُ ضمن بحث الإسلام عن اعتـراف وعن موقع لهُ بوصفه دينًا ختمًا في السياق اليهو – مسيحيّ، وليس الجدل مع اليهود الموثّق في القرآن الّذي كان حوالى ثلثه مخصّصًا لهذه الفئة من دون غيرها سوى دليل على ما شكّلته من خطر على الدعوة الناشئة الّتي أكّدت أكثر من مرّة على نسبها الإبراهيميّ، وصارعت بشراسة من أجل الاعتراف بها رسالة لا رسالة بعدها.

– تكريس المفهوم واستقراره: ولم يكن ذلك بالعسيـر، وبخاصة بعد توسّع قاعدة الأتباع والخبرة الّتي اكتسبها المسلمون الجدد في الحرب بعدَ تذويب مؤسسة الثأر ومؤسسة الغنيمة داخل مؤسسة الجهاد لا بوصفه قيمة دينيّة فحسب، وإنما بوصفه ركيزة استراتيجيّة من ركائز الدولة الجديدة وطموحها في التوسّع. وجاءت سورة التوبة لتلخّص رؤية الإسلام للجهاد، ولتكون إحدى المرجعيّات الأساسيّة لخطاب الجهاد لدى حركات الإسلام السياسيّ لاحقًا، وبخاصّة آيتها الخامسة الشهيرة[10]، هذه الحركات الّتي لن تميّز بينَ “الظاهرة النبويّة المحفوظة بالوحي” والظاهرة الإسلاميّة بما هي تصرّف بشريّ نسبيّ، وبما هي “أحداث تاريخيّة ترتبط بمواقع حربيّة عاشتها نخبة الصحابة بقيادة النبيّ محمّد”[11]. ولئن تحوّل فعلُ الجهاد إلى الدّاخل الإسلامي مع حروب الردّة الّتي قادها الخليفة الأوّل أبو بكر الصدّيق في سياق بدأت فيه ملامح الدولة الجديدة في الاتضاح أكثـر، فقد اتّجه مجدّدًا إلى الخارج مع الفتوحات الّتي إلى جانب كونها صدّرت مشروعات الصراع الداخليّ إلى خارج المحيط المدينيّ محاوَلةً للمحافظة على استقرار الحُكم فيه، فقد تحفّزت بالغنيمة والطموح السياسيّ في التحوّل من دولة ناشئة إلى امبراطوريّة ستوحّد لاحقًا الكتلتين الاقتصاديّتين البيزنطيّة والساسانيّة، وتحكمهما على الرغم من سيف الفتنة الّذي سيحدث شرخًا تاريخيّا داخل المسلميـن سيغطّي بظلاله مراحل كثيرة لاحقة من التاريخ الإسلاميّ.

إنّ ما يمكنُ أن نستخلصهُ ممّا سبق أنَّ العنف كان ضرورة سياسيّة وسط الرفض الّذي لاقته الدعوة الإسلاميّة في البداية، وهو عنفٌ لم تخلُ منه أيّ حضارة ناشئة في صراعها من أجل السيطرة والاعتـراف. ويمكن أن يتيح لنا هذا التتبّع لمسار تطوّر خطاب العنف في الإسلام في المرحلة المحمّديّة أو المراحل اللاحقة الخروجَ بملاحظتين رئيستين: الأولى –وهي ما حايثهُ عبيد خليفي وهو يؤسس لجينالوجيا العنف الإسلاميّ– مفادها أنّ الجهاد بوصفه مصطلح العنف الإسلاميّ الأساسيّ في مجمل السرديّات تَكَرّس في الممارسة السياسيّة وفي الخطاب التراثيّ اللاحق أكثر من استقراره مفهومًا في النصوص التأسيسيّة للإسلام (القرآن والحديث) الّتي ارتبطت بمفهومات أكثر استعمالًا مثل الغزو والقتال، فالإسلام لم يستطع التخلّص من هذه المفهومات الأقرب إلى بيئة الجزيرة العربية من الجهاد. وأمّا الملاحظة الثانية فهي أنّ الجهاد، وإن بَدا أمرًا إلهيًّا وإلزامًا من مصدر الوحي في التجربة المحمّديّة، فإنّ ملامح تشكّله بوصفه استراتيجيّة سياسيّة وعسكرية بدت واضحة في أثناء نشر الدعوة، وترسّخت مع دولة الخلافة الرّاشدة، واكتملت مع الإسلام الإمبراطوريّ، ليصبح الجهاد الغطاء الأيديولوجيّ للآلة العسكريّة العربيّة الإسلاميّة متجاوزًا معاني القتل والهدم نحو معاني المجاهدة من أجل البناء والتعميـر الحضاريّيْن بعد أن كان مقتصرًا على كونه “المشروعيّة الدينيّة للعنف العربيّ البدويّ”[12].

 

3- الحركات الإسلاميّة المعاصرة؛ الجهاد منقلبًا على التأويل والتاريخ معًا

غالبًا ما تتأسّس مآزق النخب العربيّة في تعاملها مع مسألة الجهاد الإسلاميّ المعاصر على إشكالات إعادة تأويل النصّ الدينيّ و”تجديده” من ناحية والتأكيد على تاريخيّتهِ من ناحية أخرى، الأمران الّذان نراهُما متناقضيْن لما نلمسهُ من تلازم بين الدّينيّ والتاريخيّ في التجربة الإسلاميّة، والتأويلُ في هذا الإطار لا يتجاوز كونه محاولة فاشلة في تسويغ الإيمانِ (الّذي لا يتقضي التاريخ ضرورةً) بالتاريخ (الّذي قد يتناقض في ثوريّة حقيقته مع الإيمان بصفته تسليمًا متعاليًا). مع ذلك، تظلّ محاولات التأسيس لميتافيزيقا عربيّة إسلاميّة (بالمعنى الفلسفيّ) مشروعًا ممكنًا. في هذا الإطار انكبّت هذه النخب على محاولة تقديم تأويل آخر ممكن ومناقض لذاك الّذي تقدّمه الحركات الإسلاميّة، لتجدَ نفسها في مأزق الميثيّ والتاريخيّ مرّة ثانية، وذلك ما أنتجَ أكثر من إسلام (إسلام تنويريّ وإسلام حداثيّ وإسلام وسطيّ وإسلام جهاديّ وغيره من أنواع الإسلام). والرأي عندنا أنّ هذا التنوّع، وإن كان يعكس قدرة الدين على أن يكون “حمّال أوجه”، فإنّهُ يحجبُ أزمة إبستيميّة لا تتعلّق بالقطيعة الّتي تفترضها الحداثة مع ما سبقها، وإنّما ببنية العقل الّذي يواجه مجملَ هذه الإشكالات. وفي هذا الصدد يمكنُ أن نميّـز بأكثر ما يمكن من التبسيط بين بنيتيْن: بنية تبحثُ في الماضي عن حلول للحاضر وتشمل الحركات الإسلاميّة كلها وأغلب النخب العربيّة الحديثة[13] مع الفرق التأويليّ الّذي أشرنا إليه، وبنية تبحثُ في الحاضر عن حلول للحاضر ولا تتعامل مع الماضي إلا بوصفه إطارًا لتفكيك البنية السابقة. ولمّا كان الجهادُ مدرجًا ضمنَ البنية الأولى، أُسّست محاولات الإسلام السياسيّ كلها على إعادة إنتاجه، وتشكّلت محاولات النُخب العربيّة كلها داخل أفق إعادة تأويله، وفي الحالتين ظلّ هذا المفهوم قائمًا بالقوة، وبالفعل في الواقع وفي أذهان النّاس.

 

4- العودة إلى الدعوة وفشل المشروع الإصلاحيّ؛ التأويل يفشلُ في احتواء التاريخ

لا يمكنُ لاثنيْن أن يختلفا حول أهميّة الإرث الاجتهاديّ الّذي تركهُ ما يُسمّى “جيل الصحوة الإسلاميّة”[14] الّذي برزَ في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع تفكّك الإمبراطوريّة العثمانيّة وهيمنة الاستعمار الغربيّ على جلّ الأقطار العربيّة الإسلاميّة، غير أنّ المتمعّن في هذا الإرث يمكنهُ أن يلاحظ أمريْن رئيسيّن: الأوّل أنّ مقاربته في الإجابة عن سؤال “لماذا تقدّم الغرب وتأخّر المسلمون؟” تمحورَت حول سؤال الهويّة، أو بعبارة أدقّ حول ممكنات التقدّم مع المحافظة على الهويّة الّتي تهدّدها نزعات التغريب الاستعماريّة داخل ثنائية الأصالة والمعاصرة الشهيرة. والثاني، أنّ عدّ الدّين المكوّن الأساس لهذه الهويّة دفع جيل الصحوة إلى المناداة بإحيائه وتخليصه من الشوائب التي طالته من خلال نقد النموذج العثماني والعودة إلى إرث الخلافة الراشدة ومواءمته مع “روح العصر” ليكون مرجعيّة الـحداثة الإسلاميّة المزعومة.

لكنّ هذا الحُلم على نبله لن يستمرّ طويلًا لمعايير كثيـرة، أهمّها أنّ طبيعة المجتمعات العربيّة المتخلّفة الّتي لم تخرُج من الإقطاع ولم تدخل في الحداثة[15] حالت دون رواج الأفكار الجديدة لهذا الجيل جماهيريًّا (الأزمة الّتي ستلازم النخب الاجتهاديّة اللاحقة كلها) بل بالعكس، كانت جاهزة لتقبّل أفكار جماعة الإخوان الناشئة وهي ترفعُ شعارها بكلّ وضوح: “الله غايتنا، الرسول زعيمنا، القرآن دستورنا، الجهاد سبيلنا، والموتُ في سبيل الله أسمى أمانينا”، وبينما كانت الدّول الوطنية تحاول التأسيس لحداثتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة كان نقيضُها يكبر في أحشائها بعد أن فشل المشروع الإصلاحيّ في أن يقدّم أجوبة واضـحة عن أسئلة ملامح المجتمع العربيّ الجديد وعن طبيعة الحكم فيه وعن خياراته الثقافيّة والاجتماعيّة. ولمّا كان التطبيق الحرفيّ أيسر من التفكيـر الرحب فشل مشروع الاجتهاد أمام مشروع الجهاد الّذي لم تنجح الدولة الحديثة في إلغائه بعد أن حضر بقوّة في محاربة “المستعمر الكافر”.

وقد وجدُ هذا المشروع مجالهُ الحيويّ في ثلاثة وجوه: الجماعة الإسلاميّة الباكستانيّة مع أبي الأعلى المودودي سنة 1941،  والحركة الوهابيّة الّتي استعادت السيطرة على المجال الحجازيّ وأسست الدولة الإسلاميّة، وجماعة الإخوان المسلمين (مع حسن البنا سنة 1928) الّذي خاض صراعات طويلة مع النظام المصريّ واكتملت رؤيته للجهاد مع سيّد قطب[16] بعد فشل تجربة الجماعة واغتيال حسن البنا سنة 1949، الرؤية الّتي أدّت مرّة أخرى إلى إعدام سيد قطب سنة 1966 والقضاء على تنظيم 1965 في السجون المصريّة.

5- العودة إلى الهجرة والقتال؛ لا تأويلَ ولا هُم يحزنون

أرجعت حركات الإسلام السياسيّ فشل التجربة الجهاديّة المصريّة إلى رفع سلاح الجهاد زمن الدعوة لا زمن التمكين بعدَ الهجرة، وهو تفسير منطقيّ إذا ما قرأنها داخل مرجعيّاته الّتي ترى في القيادات الجهاديّة أشباهًا للرسول وخلفاء له، وفي أتباعهم صحابة جددًا، وفي الدّول العربيّة مجالًا مكيًّا جديدًا كافرًا، وفي الدول الّتي يمكن أن ينطلقوا منها للجهاد فضاءً مدينيًّا ممكنًا. من هنا لم يعُد للتأويل مكان لدى الحركات الجهاديّة وصار اهتمامهم كله منكبًّا على فهم التوازنات العسكريّة والسعي لبناء خبرة حربيّة معاصرة[17] استفادوا من تجاربها المختلفة الّتي انطلقت مع تجربة الأفغان العرب بقيادة عبد الله عزّام الّذي طوّر مفهوم الجهاد من صيغته الوطنية إلى صيغته العالميّة[18] بطريقة أربكتْ التمثّل العربيّ الإسلامي لهذه الظاهرة.

ولم يوسمْ الجهاديّون بـ”الإرهابيّين” إلّا في وقت متأخّر بعدما طال خطرهم القوى العالمية الرأسماليّة (11 سبتمبر 2001) الّتي أسهمت في إنتاجهم، واستثمرت وجودهم في صراعها مع “المدّ الشيوعيّ الكافر” في ثمانينيات القرن العشرين. وصار تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن (الّذي لم يقطع مع الإرث الجهاديّ الّذي تركهُ عزّام) العدوّ الرئيس بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركيّة الّتي غزت أفغانستان والعراق لتقضي على أغلب القواعد الجهاديّة في القيادة العامة الأفغانيّة وتسهم بذلك في تطوير فروعه من ناحية وفي تغذية الصراع الطائفيّ في العراق بعد سقوط بغداد في 9 نيسان/ أبريل 2003. ومستولية على مجهودات المقاومة العراقيّة الوطنيّة البعثيّة التي كانت تواجه الغزو طوّرت الحركات الجهاديّة رؤيتها لإدارة الصراع على الأرض من حروب العصابات وما تفترضه من كرّ وفرّ إلى المواجهة النظامية المباشرة واستفادت من خبرة حربيّة كبيرة حمت الكهف الّذي خرج منهُ وحش “تنظيم الدولة الإسلاميّة”.

 

6- العودة إلى الدولة؛ لا تاريخ ولا هُم يفرحون

سيبقى يوم الاثنين 28 تموز/ يوليو 2014 محفورًا في الضمير العربيّ إلى جوانب تواريخ هزائم كثيرة، غير أنّ هذا اليوم لن يرتبط بالهزيمة فحسب، وإنّما سيرتبط بخروج العرب المسلمين من التاريخ مع إعلان أبي بكر البغداديّ خليفة للمسلمين ودولتهم في العراق والشام بإدارتها القائمة على الولاية والحسبة والدواوين والقضاء الشرعيّ، ولتصبحَ قبلة المهاجرين والأنصار الجهاديّين من أصقاع العالم كله في واقع عراقيّ مزّقته الطائفيّة وواقع سوريّ أُنهكت فيه الدولة الوطنيّة مدّة طويلة قبل أن تتمكّن دحر هذا الكابوس الّذي كان ثمرة لإرث عقائديّ كبيـر ولإرث تنظيميّ معقّد انخرط في مشروع “الربيع العربيّ” وتدعّمت مشروعيّة دمويّته مع فشل الإسلام السياسيّ في أن يكون طرفًا حقيقيًّا في الانتقال الديمقراطيّ وفي أحلام التغيير السلمي.

 

خاتمة

ليسَ الجهادُ في المخيال الأنثروبولوجيّ العربيّ الإسلاميّ في نهاية الأمر سوى ذاك العنف المقدّس الّذي أمر به الله الرّسول وأصحابه ودعّمهم فيه بالملائكة أحيانًا من أجل إعلاء كلمته وتطبيق شريعته على الأرض، وليسَ الجهادُ في التاريخ سوى المؤسّسة العربيّة الّتي أنشأها نبيّ الإسلام بعبقريّة كبيرة وهيمن من خلالها على المجال الحجازيّ مؤسّسًا لدعوة جديدة تموقعت في السياق اليهو – مسيحيّ ثمّ احتوته داخلها بوصفها المنتهى والختم. ولعلّ ما يمكن أن نخرج به بعدَ تتبّع الجهد المعرفي لعبيد الخليفي وهو يتابع مسار تطوّر مفهوم الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة هو الآتي:

أولًا: أنّ مفهوم الجهاد بما هو حكم شرعيّ استلهمه الفقهاء من التجربة المحمّديّة وسوّغوه بالنصّ القرآني الواضح والحديث المثبت السند والسيرة الأولى، لم يتطوّر في حدّ ذاته وإنّما تكتيكاته واستراتيجيّاته وارتباطاته العالميّة هي الّتي تطوّرت.

ثانيًا: أن مشروع الجهاد (دولة الخلافة) لا يمكن إلا أن يكون مشروعًا قروسطيًّا، بل مدخلًا لإعطاء المشروعيّة لبعض الدول القائمة على الدّين مثل دولة الاحتلال الإسرائيليّة التي عدّت مؤخرًا اليهودية دينها الرسميّ، ويتفكّك صراع الأرض أمام قوّة الأسطورة الدينيّة.

ثالثًا: أنّ الجهاد استفاد من البنية المتخلّفة للمجتمعات العربيّة ووجد فيها حاضنة شعبيّة دعمته بطاقة بشريّة كبيـرة، ومن دعم بعض القوى العالميّة الّتي وفّرت لهُ إمكانات لوجستيّة هائلة ليخوض حربها بالوكالة.

رابعًا: أنّ الاختلاف المزعوم بين الإسلام الحركيّ والإسلام الجهاديّ هو اختلاف باطل أساسهُ تبادل الأدوار بحسب موازين القوى والممكنات السياسيّة في كلّ قطر عربيّ.

خامسًا: أنّ الدول الوطنيّة الحديثة ليست بريئة من انتشار الفكر الجهادي في ظلّ غياب استراتيجيّات ثقافيّة وطنيّة واضحة وفي ظلّ ارتهانها إلى خيارات دوائر النهب العالميّ، وفي ظلّ عدم تأسيسها لديمقراطيّات حقيقيّة وتكريسها للفكر الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد طوال أكثر من ستة عقود.

ويبقى أخيرًا أن نشير إلى أن هذا الكتاب اكتفى بتناول الجهاد السنيّ، وأهمل الجهاد الشيعيّ الّذي قد تطرحُ قراءته أكثر من مُشكل معرفيّ، وخاصّة أنه اتّخذ أشكالًا مختلفة حضر من خلالها مثل الثورة الإيرانيّة والمقاومة اللبنانيّة.

[1]جامعيّ تونسيّ يبحثُ في الفكر الإسلامي. يشتغل في مركز البحوث في حوار الحضارات والأديان المقارنة. خاض تجربة السجن في انتفاضة الحوض المنجمي في تونس سنة 2008، فكانت له فرصة الحوار مع بعض الجهاديين، ليتخصص لاحقًا في الجماعات الإسلاميّة الجهاديّة.

[2]خليفي (عبيد)، الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة؛ من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة، ط1، (تونس: مسكلياني للنشر والتوزيع، 2018).

[3]ملاحظة: بما أنّنا لم نتبنّ قراءة خطّيّة للكتاب وأردنا الابتعاد عن الطابع السكولائي الّذي يفتـرض ذكر أبوابه في المقدّمة فإننا نوردها هنا: (الباب الأول: في تأصيل مفهوم الجهاد (ص49 – 149)؛ الباب الثاني: الجيلُ الأوّل: سيف الجماعة والتنظيم (ص165 – ص283)؛ الباب الثالث: الجيلُ الثاني: سيف التكفير والهجرة (ص293 – 423)؛ الباب الرابع: الجيلُ الثالث: السيف المتوحّش (ص433 – 553)).

[4]المرجع نفسه، ص 49.

[5]المرجع نفسه، ص 54.

[6]لئن يبدو “الاستبداد السياسيّ” مصطلحا عامًّا يمكن أن تتفق حولهُ الأدبيّات “الديمقراطيّة” كلها، ويمكن أن تتّفق على رفضه مجموع القوى المعارضة (بما في ذلك الإسلاميّون) داخل أي نظام استبداديّ، فإنّنا نذهب إلى كون رؤية الإسلاميين للاستبداد مختلفة عن رؤية القوى الوطنية الديمقراطية الأخرى، وسنتوسّعُ في هذه المسألة في مقالة ننشرها قريبًا بعنوان: “الاستبداد كما نراهُ والاستبداد كما يراهُ الإسلاميّون”.

[7]خليفي، المرجع نفسه، ص58.

[8]المرجع نفسه، ص68.

[9]يمكن أن نذكر من هذه الآيات: “ولمّا جاءهم كتابٌ من عند الله مُصدّق لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين” (البقرة: 89)؛ “وإمّا تخافنَّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين. ولا يحسبنّ الّذين كفروا سَبَقُوا إنّهُم لا يُعجزُون. وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تُنفقوا من شيء في سبيل الله يوفَّ إليكم وأنتم لا تُظلمون” (الأنفال: 58 – 60). “ولولا أن كتب الله عليهم الجلاءَ لعذّبهم في الدنيا” (الحشر: 3).

[10]“إذا انسلخَ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيثُ وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إنّ الله غفور رحيم” (التوبة: 5).

[11]خليفي، المرجع نفسه، ص90.

[12]المرجع نفسه، ص 150.

[13]قد يبدو هذا الرأي صادما بالنسبة إلى بعضهم، لكنّهُ ينبع من رؤية مفادها أنّ مقولات التجديد الدينيّ ليست في نهاية الأمر سوى محاولة لإنعاش المرجعيّات الدينيّة وخلق نوع من الفاعليّة الجديدة لهذه المقولات المنتهية الصلوحيّة.

[14]يمكن أن نذكر من هذا الجيل أسماء عدد من المصلحين مثل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده وعبد الرّحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وغيرهم.

[15]تجدرُ الإشارة إلى أنّنا نميّـز بين مفهوميْن منفصلين في الاستعمال ومتـرابطين في التاريخ حين نتحدّث عن الحداثة. الأوّل، الحداثة Modernisme والثاني، الحداثة Modernité، أي الحداثة بما هي عصرنة وتقدّم اقتصاديّ، والحداثة بما هي فلسفة ورؤية للعالم. ولئن لم يكن هذان الوجهان منفصلين في السياق الغربيّ فقد ظلّا في اختصام دائم في السياق العربيّ الإسلاميّ.

[16] خليفي، المرجع نفسه، ص 282.

[17]المرجع نفسه، ص 346.

[18]المرجع نفسه، ص 458.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية