مراجعات كتب

العلويون؛ الخوف والمقاومة

اسم الكتاب: العلويون الخوف والمقاومة: كيف بنى العلويون هويتهم الجماعية في سورية؟

اسم المؤلّف: تورشتين شيوتز وورن

ترجمة: ماهر الجنيدي

مراجعة: فادي كحلوس

دار النشر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة/ دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع

مكان النشر: تركيا

تاريخ النشر: 2018

 

 

المحتويات

الفصل الأول: اكتشاف سورية

مستويات التحليل

الفصل الثاني: المنهجية

الفصل الثالث: الإطار النظري

الفصل الرابع: السياق

الدولة العلمانية والخطاب الرسمي

الفصل الخامس: بناء الهوية

الفصل السادس: بناء المجتمع

الفصل السابع: بناء السياسة

خاتمة

 

 

قليلة ونادرة هي الكتب العربية التي تناولت موضوعاتها الهويّات الطائفية في سورية، على الرغم مما تمثله سورية من واقعٍ ثري جعل من نفسه قبلة للباحثين والمهتمين بهذا الشأن من شتى أنحاء العالم. ولم تسلط تلك الكتب النادرة الضوء على الهويات الطائفية ببعدها الحيوي (ماهيتها- تأثرها وتأثيرها- خصوصيتها- علاقتها وعلائقيتها بالطوائف الأخرى، إلخ)، بل اقتصرت على تناول تاريخيتها ومرجعياتها الدينية. وفي أحسن الأحوال مرت على وضعها ضمن مرحلة سياسية ما مرورًا توصيفيًا فقط.

الكتاب “المترجم إلى العربية” الذي نحن بصدده الآن، يقدم محتوى معرفيًا غنيًا عن الطائفة العلوية، إن الغنى المُقدم لا يأتي فقط من كونه يغطي معلومات وحقائق ووقائع وآراء جديدة، بل من الخوض في “الممنوع” الذي ألفه السوريون، وفي الكشف عن جوانب مهمة من الخصوصية المجتمعية للطائفة العلوية، كالخصوصية التي تمتلك كل طائفة أو أقلية نصيبًا منها التي جرى التكتم عليها إما خوفًا من “الآخر” أو سبيلًا من سبل مقاومة الفناء أو بغية استثمارها سياسيًا. ويتجلى غنى الكتاب أيضًا في البحث في المآلات الممكنة والاحتمالات الواردة لهذه الهويّات الطائفية الأقلياتية في سورية وتأثيرها في سورية عمومًا. فالكتاب يبيّن خطر جهل كل طائفة بأخرى وانعكاسات ذلك في بنيتها أو هويتها بكونها معوقًا من معوقات تشكل الهوية الوطنية السورية.

لم يتطرق الكاتب “تورشتين وورن” إلى الطائفة العلوية بوصفها مذهبًا أو ملّة، أي إنه لم يناقشها ببعدها الديني فقط، بعكس الكتابات معظمها التي تناولت العلويين، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فتطرق إلى كيف يرى العلويون “الآخر” السني أو الدرزي أو المسيحي، وكيف بنوا هويتهم تبعًا لهذا “الآخر”، كيف تعامل حافظ الأسد مع الطوائف في سورية؟ وكيف عززت “علمانية” النظام تقوقع الطوائف على ذواتها، بل طرح سؤالًا في غاية الأهمية: هل نظام الأسد علويًا؟. هذا كله وغيره، يجعلنا نقرأ عن العلويين بوصفهم “نموذجًا” للهويات الطائفية الأقلياتية الأخرى، فالتعميم الحذر هنا وارد، حال صرف النظر عن الجانب الديني ومسمياته لهذه الأقليات الطائفية، وتناولها فقط ضمن سياقها التاريخي والمجتمعي والسياسي. ليظهر لنا أن ما ينطبق على العلويين -هنا- يندرج على الأقليات الدينية والأقوامية الأخرى.

تبقى مسألة الهوية الوطنية هي “أم المسائل” في سورية وغيرها من البلدان العربية، وقد عانت المنطقة العربية ما عانته عقودًا طويلة بسبب غيابها، وما واقع الأقليات الهوياتية -دينية أو أقوامية- إلا جزء من هذه المسألة/ الأزمة. ولكون الإنسان عدو ما يجهله؛ فإن ألف باء الخروج من تيه الانغلاق والخوف من “الآخر” هو معرفته، بدل تأليف الأساطير حوله، هو معرفته معرفة متبادلة؛ أن نعرفـ”ه” ويعرفـ”نا”. لنعي جميعًا في النهاية ذاتَنا الجمعية. فالاستعمار والاستبداد اللذان لم تعرف سورية غيرهما في تاريخها الحديث؛ جهدا واستثمرا في “لعبة الأقليات والأكثرية”، وحالا دون إذابتها في هوية وطنية، بل على العكس من ذلك، فبذريعة هذه “اللعبة” أُنشئت “دول”، ووضع لها كلاب حراسة حرصت على مدى عقود على توسيع الهوة ما بين “مكوناتها”، ورسخت الكره والخوف في ما بينهم، حتى تجاوزت تلك الممارسات بوصفها “أدوات ووسائل سلطة” واقعها، وأمست ثقافة مجتمعية، ليس من اليسير تجاوزها.

أظن أن تناول طائفة ما في سورية، “كما يتضح من خلال هذا الكتاب” هو تناول للطوائف كلها بطريقة أو بأخرى، فبعيدًا من السرد التاريخي لتشكل الهويات وخصوصية المعتقد، يتجلى الوضع العام للناس في سورية من خلال نظرة ورؤى وطرائق وأساليب تعامل هذه الطوائف في ما بينها، مع تداخلاتها سياسيًا واجتماعيًا. فحين يقول الكاتب على سبيل المثال: “السوريون يتظاهرون معظم الوقت بما لا يبطنون” فهذا لا يخص طائفة بعينها، بل هو أثر وانعكاس ثقافة رؤية السوريين لهذا الآخر. وحين يجري تناول “الحدود الصارمة بين الطوائف” فإننا هنا أمام مكر طغمة حاكمة راق لها هذا الواقع وكرّسته لترسيخ سلطتها “فسورية بلد رقابة مشددة يعد فيها طرح المسائل الطائفية طرحًا تقسيميًا مدمرًا للنسيج الاجتماعي”، وهذا لم يتأتَّ إلا من زاوية إبقاء الخوف كامنًا ما بين الطوائف، وعدم إتاحة الفرصة لانفتاحها على بعضها، وقد ألبس الأسد هذه الممارسات والمنهجيات لبوسات مختلفة “الحفاظ على الوحدة الوطنية، لا هوية في سورية سوى الهوية العربية السورية، الانتماء الوطني هو السائد، إلخ” وليبقى الهدف من ذلك هو التفرد بالحكم من الأسد خيارًا وحيدًا و”آمنًا”، فتهمة “إثارة النعرات الطائفية” هي التي تسببت بسجن عدد من معارضيه من الطوائف كلها ومنهم العلويين.

في مقدمة الطبعة العربية خوف دفين من الآخر حوّل الإنسان إلى حيوان، كانت زيارة الكاتب الأولى إلى سورية عام 2002 وشعر بأن أهلها أكثر انفتاحًا وتسامحًا، وبعد زيارات متتالية ومع تحسّن قدراته على التحدث باللغة العربية؛ أدرك الكاتب وجود نزعة مختلفة وراء هذا الانفتاح وذاك التسامح، أثار هذا التناقض اهتمامه، فقد بدا له محفوفًا بالخطر. فكأن الناس يتظاهرون معظم الوقت بما لا يُبطنون.

أكثر ما واجه الكاتب هو الحديث عن مزيات العلويين وهيمنتهم، أما العلويون الذين التقى بهم سواء في قرى الجبال الساحلية أم في ضواحي دمشق، لم يكونوا على الإطلاق في مثل هذه الحال، وتحدثوا عن كونهم محض ضحايا مثلهم مثل الجميع.

عندما فتّش الكاتب عن أدبيات تتناول العلويين لم يعثر إلا على ما يتعلق بالطقوس والمعتقدات وكانت كتابات لا موضوعية. ومن هنا نشأت فكرة البحث التي أثمرت هذا الكتاب “كيف يرى العلويون أنفسهم، وكيف هي علاقتهم ببقية الشعب السوري من خلال انقسام (نحن وهم).

استخدم الكاتب نظرية الخطاب لفهم الهوية الدينية في سورية، ولم يكن الدين هو ما يهمه، بل الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تنشأ عن رؤية العالم من منظور الدين أو العرق فقط، واختزال الناس بكونهم أعضاء في هذه المجموعات. الدافع هو الخوف، ومن الخوف تنشأ الكراهية.

في السنوات التاليات سئل الكاتب عما إذا قد رأى الصراع المقبل أو إذا ما استغرب ما حدث في 2011 فصاعدًا. وجوابه هو: فوجئت بأن ما حدث قد حدث عندما حدث. وفوجئت بأن استجابة النظام جاءت قاصرة وحمقى. ما لم يفاجئني هو التطورات الطائفية القاسية التي أعقبت ذلك، الكراهية الكامنة التي قد واجهتها في كثير من السوريين كانت بحاجة فقط إلى أوضاع ملائمة كي تزدهر، وهنا تضافرت من النواحي جميعها القوى التي جعلت جرعةً كافية من الخوف تحول الإنسان إلى حيوان.

التحامل والتحيز اللذان لمسهما الكاتب في سورية يتجليان خطابيًا في كلمة (لكن) الحتمية التي تعقب عبارات التسامح واللياقة السياسية. وتعلّم الكاتب حينها أن اللوم يجب أن يتوجه إلى الذات، لا إلى مكان آخر. وحين يسمع السوريين يقولون إن “الحرب الأهلية” هي من فعل الغرباء انتابته غصة فالتغيير لن يبدأ، والتعافي لن يحدث، ما لم ير السوريون معظمهم حصتهم من المسؤولية عمّا حدث. ويدركون بأننا لا نستطيع فهم الآخرين من خلال التحامل والحكم المسبق عليهم، وحين نصغي بما يتجاوز ميلنا إلى أن نعرف أكثر منهم. حينئذ يبدأ الغضب والخوف بالتلاشي.

 

الفصل الأول: اكتشاف سورية

أحاول إظهار كيف أن العصبية الطائفية، وبخاصة في حالة العلويين تتعلق بعوامل لا تعد ولا تحصى، وإن فهمهم وفهم الأقليات الأخرى في أي مكان آخر، يجب ألا يُبتسر في نصوص كتبهم المقدسة، أو يُختزل في مزاعم الآخرين بشأن معتقداتهم. وقصد هذا الكتاب هو المساهمة في فهم الديناميات التي تشكل الهويات والسياسات الطائفية في سورية في وقتها الحاضر. ويقدم قرينة من الطرائق المختلفة التي يبني فيها العلويون أنفسهم ومجتمعاتهم، بالعلاقة بالطوائف الأخرى. وسؤال هذا الكتاب/ البحث هو: كيف بنى العلويون السوريون هويتهم الجماعية؟

 

مستويات التحليل

ما يحاول الكتاب فعله هو فهم كيف يصوّر العلويون دورهم بوصفهم جماعة في سورية. تبين تجربتي أن الهويات الطائفية تكتسي أهمية كبرى في سورية. ليس هذا الكتاب أطروحةً عن الدين على الإطلاق. فهو يولي العقائد والمعتقدات أهمية ثانوية فحسب. فالمسألة هنا هي مسألة أقلية يجري تعريفها وفقًا للدين. فبسبب الحدود الصارمة بين الطوائف في سورية تتخذ الطوائف شكل جماعات عرقية، فقد صاغت الطوائف لنفسها هويات ثقافية بقدر ما هي دينية. الكتاب يتحدث عن العلويين بصورة عامة بوصفهم جماعة، وهذا لا يمثل العلويين جميعهم. فالهوية علائقية ومتغيرة، وستختلف طريقة بناء العلويين لهويتهم تبعًا للزمان والمكان. ويتعين الإشارة إلى أن أقوال مصادري وطرائق رواية آرائهم هي أمور اعتمدت عليّ شخصيًا وعلى الأوضاع، فسورية بلد رقابة مشددة يعد فيها طرح المسائل الطائفية طرحًا تقسيميًا مدمرًا للنسيج الاجتماعي.

 

الفصل الثاني: المنهجية

تحدث الكاتب في هذا الفصل عن التحديات التي تواجه البحوث في سورية، نظرًا إلى طبيعة الدولة ونظام الحكم فيها، والمسائل الطائفية تعد مسائل سياسية بامتياز، والحديث فيها من المحرمات، فهو “يهدد أمن الدولة”، وأي حديث عام عنها يمكن أن يسمعه شخص يعمل لمصلحة (الاستخبارات).

وعن مخطط الكتاب يقول الكاتب: دراستي الهوية الجماعية وجّهت إلى ما كان أمامي من احتمالات لجمع المعلومات، والمقاربة الأكثر وضوحًا كانت استخدام قصص شخصيات الدراسة التي يروونها عن أنفسهم وكيفية وصفهم لهويتهم.

وحول المقاربة والتموضع يقول: من أجل النفاذ إلى الميدان؛ فإنني اتبعت عن وعي تكتيك التعبير عن انحيازي الواضح، وجاءت أكثر محادثاتي إثارة للاهتمام بعد أخذي موقفًا حازمًا والتصريح بشكوكي نحو التطرف السّني. أو الإشادة بالفوارق الاجتماعية أو الثقافية التي تجعل العلويين مختلفين. ولم يكن ذلك بهدف الكذب، بل وسيلة لكسب ثقة الناس وإفهامهم أنني أقف إلى جانبهم.

اتبع الكاتب في بحثه أساليب عدة للحصول على المعلومات هي: الرصد، الأحاديث غير الرسمية، عدد محدود من المقابلات المرجعية. والاعتماد الغالب هو على العلويين إضافة إلى بعض الأشخاص من مكونات مختلطة. وكمصادر جرت الاستعانة بالمهتمين الذين شعروا بأريحية التحدث. وهم من أبناء الثلاثينات والعشرينات من العمر وأغلبهم من الذكور الجامعيين، أما جغرافيًا فقد اقتصر البحث على مصادر يعيشون في المناطق الساحلية وإلى حد أقل في الجبال الساحلية. إضافة لإلى صادر مكتوبة أو عبر الإنترنت.

وفي معرض حديث الكاتب عن التحليل يقول: لم أبحث عن الحقائق بل عن المعنى، وهذا ما يعدّ تفسيرًا نقديًا؛ أي النظر إلى أبعد مما يُقال، وتفسير المعنى المضمر في التصريحات والتصرفات.

 

الفصل الثالث: الإطار النظري

يتلخص غرض هذا الفصل في تقديم إطار لتحليل الهوية العلوية وليس الحكم عليها، ويعرض الكاتب الخلفية البنائية الاجتماعية لنظرية الخطاب، وكيف تولت نظرية الخطاب شرح بناء الهوية الفردية والجماعية.

البنائية في العلوم الاجتماعية هي نظرية تمثل جزءًا من النقد العام للأنماط المتجذرة لكيفية فهمنا وتفسيرنا العالم الذي نعيش. وتتسم بالنسبية؛ فلا وجود لحقيقة مطلقة، والحقيقة تُشاد اجتماعيًا، أي إن المقاربة البنائية لا يمكنها أبدًا أن تفسر، لذا فالتركيز سينصب على الفهم أو على فهم ما الذي يبني المعرفة.

تسعى نظرية (تحليل الخطاب) لكشف آليات بناء المعنى: تتخلق الخطابات وتوجد من خلال التعبير والصياغة، وهذه آلية يجري فيها تعريف حقيقتنا من خلال بناء المعنى، والمعنى ينشأ من خلال العلاقات بين المفهومات، وهذه العلاقات في تغير مستمر. وهناك نزاع بين الخطاب وهويته ويدعى الاختصام أو المناوأة: ترتبط فكرة الهيمنة ارتباطًا وثيقًا بالسلطة، والسلطة ليست أمورًا يمارسها شخص لتهديد شخص آخر، بل ينظر إليها نتاجًا لخطاب. تصبح السلطة مرئية في خضم عملية التعبير والصياغة التي تحدث دائمًا في خضم صراع مستمر. فالسلطة هي السيطرة على تعريف يشكل معنى، وعلى ما يُلفظ إلى خارج الخطاب. فالسلطة هي تثبيت المعنى بغية جعل بعض الممارسات والإجراءات الاجتماعية مقبولة، وكذلك لتهميش الممارسات والإجراءات الاجتماعية المتضاربة، وعليه فالسلطة أثر من آثار الخطابات. بهذا فإن قوة الجماعات أو الأفراد تتأتى من مكانهم في الخطاب، فيمارسون السلطة بالاعتماد على خطابات تقرّ أعمالهم وتبيحها. وعندما تصل الأشياء إلى مستوى معين من الموضوعية، لا تعود هذه السلطة محسوسة، بل تغدو بدهيات غير متنازع عليها. ومع ذلك تظل السلطة موجودة لكن غير مرئية.

في حين تمتلك النظريات الأصلية (كالماركسية والوضعية) فهمًا ماهويًا جوهريًا للهوية، فترى أن الأفراد يقعون في مركز التصنيفات التي تمكّنهم، فإن البنائية ترى الهوية بوصفها نتاجًا لعملية التصنيف. ويصبح الفهم البنائي للهوية الفردية هو أنها لا تنشأ من داخل الشخص، بل هي شيء موجود بين الناس، فهي علائقية. وطريقة تشكل الهويات الجماعية وفقًا لنظرية الخطاب تتبع عن كثب نمط تشكل الهوية الفردية، مع بناء (ذات) جماعية، المركزي في تكونها هو تقليص الاحتمالات، حيث يعوّل على شيء محدد بوصفه العنصر الأساسي للهوية. وبذا فإن مفهوم (الآخر) يكتسي بأهميته بالنسبة إلى هويات الجماعات، فإن عملية التعبير والصوغ تتطلب ليس فقط تعريف ما هو الشيء، ولكن في الوقت نفسه وبالقدر ذاته من الأهمية، تعريف ما ليس عليه هذا الشيء، ما يعني أن التعريف علائقي. وهذا يعني أن الهوية يجب أن تحتوي على علامات مشتركة بين أعضاء الجماعة جميعهم، تميز الـ(نحن) بوضوح عن الـ(هم)، إذ إن الـ(هم) هم من يشكلون الـ(نحن) في نهاية المطاف.

وعن الاختصام/ المناوأة -ضمن الإطار النظري لتحليل الهوية العلوية- يقول الكاتب: يمتلك كل شخص مصفوفة هويات مختلفة، فردية أم جماعية، تتعايش في وقت واحد، ويعتمد تنشيطها على الخطابات التي يعمل الشخص في إطارها. ومن ثم فإن هذه الهويات توجد فقط بوصفها جزءًا من الخطابات، وهي تتداخل أحيانًا فتخلق تضاربًا في المعنى. يتعزز هذا التضارب من جراء طريقة عمل الخطابات، من حيث ما تطرده إلى خارجها التأسيسي، مثال: خطاب (الحضارة الغربية)؛ فهو مؤسس على استبعاد البلدان، والعادات، والشعوب التي تعد جميعًا بطريقة أو بأخرى (همجية). لكن مع توسيع سلسلة التكافؤ لتشمل مزيدًا من العناصر، يصبح من الواضح أن ما تشترك به كل هذه العناصر ليس سوى (نقيض) الحضارة الغربية. وهكذا وبافتراض أن أفريقيا والهند وآسيا وأميركا الجنوبية محاصرة في سلسلة التكافؤ، فسيجري إفراغ مفهوم (الهمجية) تدريجيًا إلى نقطة لا يمكن معها أن يعرّف إلا على أنه (غير متحضر)، أي يشكل تهديدًا للحضارة. وبنتيجة ذلك، يتأسس خطاب (الحضارة الغربية) في مواجهة خارج تأسيسي يمنعه من أن يكون ما هو عليه. وبالطريقة ذاتها، في عملية الصوغ، توجد الهويات من خلال وضعها وجهًا لوجه مع خطر يهدد تلك الهوية ذاتها. تعرقل الهويات إحداها الأخرى، لأنها تستلزم من رعاياها أدوارًا وأفعالًا متفاوتة. وهذا ما يسمى الاختصام.

وتقدم نظريات السيطرة والمؤامرة، أو النخبة والرعية، طريقة مثيرة في تحليل الاختصام وردات الفعل على تضارب الهويات. تتعامل هذه مع السياقات القمعية حيث معارضة الواقع الراهن أمر خطر، والنظرية تتعامل مع كيفية المحافظة على السطوة ومع أشكال المعارضة المتاحة للمنشقين. ففي حالة الإطار النظري لهذا الكتاب، فإن هذه وضعية تُفرض فيها الهيمنة، وتسبب خصومة من جرّاء تضارب هويات رعاياها. لكن بسبب الوضع القمعي، فإن معارضة مهيمنة تأخذ شكل نص مخفي، يمثله الخطاب السري للمسيطر عليهم، ونادرًا ما ينفذ إليه المسيطر. على السطح، يخضع المسيطر عليهم لتوقعات المسيطر، ويراؤون أمامه. أما تحت السطح، حين يكونون بين أمثالهم، فهم يمارسون النص المخفي في ردة فعل على النص العلني. وبنتيجة لذلك، فإن انضباط المسيطر عليهم يغدو شكلًا من أشكال التمويه والإخفاء نظرًا إلى صلابة النص. وفي كثير من الحالات يصبح إخفاء المعتقدات الحقيقية والنيات الفعلية للجماعات مسألة حياة أو موت لها في وجه الجور والإجحاف. ويجب على الرعية أن تعطي الانطباع بقبول أدوارها وأن تعيش في وئام مع الأحوال.

في نظرية الخطاب؛ تتيح الهيمنة ثلاثة ردات فعل لرعاياها. الأكثر شيوعًا هو التماهي، ويحدث عندما يتقبل أفراد الرعية هويتهم من دون تردد وعن طيب خاطر. أما عندما يشعر الناس بمعنى في هويتهم لا يمثلهم فإن مقاومتهم يمكن أن تأخذ شكل نقض التماهي. وهي ردة فعل شخصية تحارب ذاتًا ضمن حدود الهيمنة ومن ثم في الوقت نفسه يعيد إنتاجه. فهو لن يسعى لقلب نظام الهيمنة، بل لتحسين منزلته داخل ذلك النظام. فيما رفض التماهي من ناحية أخرى، هو عملية تفكيك، وهو نقد يستخدم غموض الخطاب وتزعزعَه لإعادة ترتيب اللحظات، ومن ثم كشف المحتمل الذي يشكل معنى الهوية من شخص يدعي التحدث من منطلق بعيد عن الهويات الجماعية كلها وتسمى هذه العملية: الهيمنة المضادة.

المقاومة تأخذ شكلين: مقاومة داخل النص العلني، وهي الأقل خطرًا، أو من خلال نص مخفي. مثال على الشكل الأول: نزلاء سجن نرويجي ناضلوا من أجل تحسين وضع توزيع غير منظم للامتيازات والعقوبات، فاعتمدوا على الإنفاذ الصارم للقواعد في المجالات الأخرى لتشغيل السجن ومجتمعه كله. بذا من خلال تأكيد قواعد التنظيم والمساواة وأعرافها هذه التي تسوّغ دور إدارة السجن، أمكنهم الزعم بأن الإدارة انتهكت القواعد، فخلقوا بهذا تغييرًا من دون التشكيك بشرعية كونهم مسيطرًا عليهم.

لكن مقاومة النص العلني التي لا تأخذ شكل تمرد مفتوح تستند إلى تسلل أجزاء من النص المخفي إلى النص العلني بأشكال لا تستجر انتقام المسيطر. يحدث هذا عبر مجموعة متنوعة من استراتيجيات المكر والتمويه، حيث تختفي الرسالة أو يختفي الرسول. إن إخفاء الرسالة يعني اتباع طرائق غامضة في استخدام اللغة والرموز، أما إخفاء الرسول فيسمح بأعمال مقاومة أكثر انفتاحًا، بافتراض أن مهندسها غير معروف. وتعد الشائعات شكلًا قويًا من أشكال المقاومة مجهولة الاسم، تنتشر بخاصة في المجتمعات التي يخضع التواصل العام فيها للضبط والسيطرة.

يوجد شكل أكثر ارتقاءً للتمويه، هو تحول أجزاء النص المخفي إلى فولكلور أو ثقافة شعبية، مع معاني تتعارض أو تنتقص من التفسيرات الرسمية. فالثقافة الشعبية هي أقل خضوعًا لتحكّم المسيطر. يمكن لتعبيرات هذا التمويه أن تأخذ أغاني وحكايات وطقوس يتكرر كثير منها عبر الثقافات. ثمة شكل مهم آخر قد تأخذه، وهو الأيديولوجيات والتعابير الدينية للمحرومين التي تحتج ضمنًا على مصيرهم الدنيوي. لكن من المهم أن نلاحظ أن المقاومة تأخذ في كثير من الأحيان شكل تخريب وتهديدات صريحة عندما يكون الشخص وراءها آمنًا بعيدًا من يد الانتقام.

القسم الأخير من الإطار النظري يتناول نظريتي القومية والسرد، وإدراج هذه النظريات ليس زعمًا بوجود أي مشروع سياسي ذي نزعات استقلالية أو انفصالية لدى علويي سورية. وإنما بسبب بعض التشابه بين هذا النوع من الهوية الجماعية وحالة العلويين. الشبه الأكثر جلاءً هو الترسيم الواضح للطوائف في سورية، فضلًا عن التركز الجغرافي للعلويين في منطقة واحدة من البلاد.

 

الفصل الرابع: السياق

يشرح هذا الفصل القوى السياسية التي شكلت على مدى 100 عام الماضية، بغية رسم خلفية للفصول الثلاثة الآتية التي تشكل تحليل بناء الهوية العلوية في سورية.

لم تحظ الأقليات المسلمة غير السنية في عهد العثمانيين بالاعتراف بوصفها ملّة، وكانت تتعرض لاضطهاد منتظم، وبخاصة المسلمين الشيعة، بما في ذلك العلويون. شجع الفرنسيون في ظل الانتداب تمكين الأقليات، بما في ذلك العلويون والدروز والمسيحيون. وبافتراض أن الطوائف الإسلامية غير السنية كانت الأكثر حرمانًا، فقد كانت -نسبيًا- الأكثر استفادة من سياسية الفرنسيين. فاضطلع أتباعها بدور متميز في القوات المسلحة وارتقوا في سلك الضباط، ولأنها رأت مستقبلها داخل سورية موحدة؛ ألقت الأقليات بثقلها وراء القومية العربية التي وعدت بالمساواة والاندماج على أساس وحدة اللغة والعلمانية. ولاقى هذا تشجيعًا أيضًا من النخب التي كانت تحتاج إلى خلق هوية موحدة بدلًا من الولاءات القبلية والطائفية.

عام 1970، أقدم حافظ الأسد، وهو علوي من اللاذقية على إطاحة الرئيس وجلب فصيل أقل راديكالية إلى السلطة وصار رئيسًا بعد عام، خلال السنوات التاليات، نأى الأسد عن السياسات الأكثر تطرفًا في البعث، وحوّل الدولة إلى نظام ملكي رئاسي. حقيقة أنه علوي، وأقرب مؤيديه هم من أبناء طائفته، ستكون لها عواقب على نظرة الشعب السورية إلى النظام في السنوات المقبلة.

يشكل العلويون نحو 11 في المئة من سكان سورية (ميلوني نسمة). ونتذكر أنه عام 1920 حين وسع الفرنسيون سيطرتهم لتشمل سورية، لم يكن هناك علويون مسجلون بوصفهم سكانًا للمدن الساحلية: اللاذقية، جبلة، بانياس، طرطوس. وهذه المدن كانت حكرًا على أبناء السّنة والمسيحيين. وأول تعداد فرنسي، أظهر أن العلويين تشاركوا في بلدات مع المسيحيين وليس مع السنة. وبعد فرض الحكم الفرنسي بدأ العلويون يهاجرون إلى المدن الكبرى في الساحل.

العلويون طائفة دينية في إطار المذهب الشيعي الإثني عشري في الإسلام، يتحدثون اللغة العربية، ولا يختلفون عن باقي السوريين على نحو يمكن تحديده. تقوقع العلويون تاريخيًا في جبل النصيرية، وتعرضوا للاضطهاد بحجة كونهم مرتدين ومسلمين هراطقة، وكانوا يعدّون متوحشين يهددون استقرار حياة السهول الزراعية. تحت الإمبراطورية العثمانية جرى تحويلهم إلى فلاحين متعاقدين بالسخرة، واستغلالهم. لكن في عهد الانتداب الفرنسي كان لهم موقع الأفضلية جنبًا إلى جنب مع الأقليات الأخرى. وكان الجيش مسرحًا لازدهارهم أما القطاعات الأخرى فكانت مغلقة أمامهم بسبب فقرهم. وبوصفهم علمانيين متشددين، انضموا إلى الأحزاب القومية العربية الراديكالية، وأصبحوا مهمين جدًا في حزب البعث، خصوصًا عندما أصبح فرع اللاذقية للحزب مهيمنًا. بلغ تمكين العلويين أوجهُ مع رئاسة الأسد ونظامه، وانتشرت مزاعم أن النظام السوري (علوي)، أي الدولة هي من العلويين وإليهم.

الروابط الطائفية والقبلية والإقليمية ضرورية لاحتكار السلطة بعد استيلاء البعث إلا أنها وحّدت الأقسام الرئيسة للقوات المسلحة والفصائل السياسية ما ساهم في استقرار الوضع في سورية، واستمر ذلك برئاسة حافظ الأسد حين وضع أشخاصًا من بلدته أو ضباطًا زملاءه في المناصب الرئيسة في القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات القوية، كان كثير من هؤلاء بالضرورة علويين.

استطاع العلويون إثراء أنفسهم بعد ثورة 1963، إذ أدوا وظيفة جماعة ذات حظوة لموظفين محتملين، يمكنهم شغل وظائف مكتبية ووظائف في الجيش، لكن تحسن الأحوال المعيشية للفلاحين بمثل حصولهم على فرص التعليم شكل عنصرًا لصعودهم بوصفهم جماعة من الفقراء إلى الطبقة الوسطى. و(مشكلة) وجود العلويين في السلطة في سورية لها بعد ثان. فأحد أسباب تعرضهم للاضطهاد والمعاملة السيئة حتى العصر الحديث هو التصورات السائدة عنهم لدى السّنة المهيمنين الذين ينعتون معتقدات العلويين بالكفر بالإسلام. وكان هذا الحال عندما توجه زعماء الدولة العلوية تحت الانتداب الفرنسي برجاء عدم إدماجها في الجمهورية السورية. فالعلويون يرفضون أن يلحقوا بسورية المسلمة، وبحسب رسالة العلويين إلى فرنسا خلال الانتداب “فالدين الرسمي للدولة هو الإسلام ووفقًا للإسلام فإن العلويين كفار. والدين الإسلامي رعى دومًا روح الكراهية والتعصب الراسخة في قلوب العرب المسلمين ضد كل ما هو غير مسلم. ما من أمل في أن يتغير الوضع بتاتًا. لذلك فإن إلغاء الانتداب سيعرّض الأقليات في سورية لمخاطر الموت والفناء. وسيبيد حرية الفكر والمعتقد”.

قليل هو المعروف عن مبادئ الدين العلوي ومعتقداته، وهذا يعود إلى السرية التي بنيت عليها معتقداتهم. وصف الرحالة الأوروبيون خلال القرنين 18 و19 عقيدتهم بأنها تقوم على التأثيرات الإسلامية والوثنية والمسيحية.

ينبني لاهوت العلويين على نشر واحد من كتبهم المقدسة السرية، كتاب المجموع، عام 1859. وهو يفسر أن المجتمع العلوي ينقسم بين ملقَّنين وعامة الجمهور. لا يسمح سوى للملقنين بتعلم الأسرار الداخلية للإيمان. ولا يتعين على عامة الجمهور سوى الاطلاع على المعتقدات الأساس، وتكريم الأئمة والاحتفال بالأعياد. يدور الإيمان حول الطبيعة الدورية للعالم، إذ تأتي التجليات الدينية كلها على شكل ثالوث إلهي يتألف من المعنى الخفي لله، والتعبير الخارجي للمعنى، والمبشر. التجلي الأخير كان إسلاميًا، إذ كان علي، هو الذات الإلهية؛ وكان محمد تعبيره، فيما كان سلمان الفارسي موصلًا للتعبير. وهكذا يكون كتاب المجموع قد وضع النبي محمد في مرتبة أدنى من علي الذي يملك تقليديًا هذه الوضعية في الإسلام الشيعي، ولكن مع منحه صفة الألوهية. وهذا ضد تعاليم الإسلام السني والشيعي، لذا يُطلق على العلويين تسمية “غلاة الشيعة” ويؤكد كتاب المجموع الاعتقاد بتناسخ الأرواح وتعاليم أخرى لا تتفق مع الإسلام العقائدي. أدى ما يوضحه كتاب المجموع إلى إعلان التقليديين من السّنة أن العلويين غير مؤمنين، رافضين مزاعم العلويين بأنهم مسلمون. ووضعهم الشيعة موضعًا مشكوكًا فيه كونهم يؤلهون عليًا.

مزاعم لدى المسلمين المتطرفين تقول إن العلويين يتظاهرون بقشور الإسلام لحماية أنفسهم، في حين إنهم في باطنهم مرتدون يجب أن يستتابوا أو يقتلوا. وما حقيقة غياب المساجد في المناطق العلوية، وأن مشايخ الدين العلوي شعروا بالحاجة إلى المحافظة على الدين سرًا، إلا أمورًا غذت التكهنات بشأنهم. إن من كشف كتاب المجموع هو شخص علوي تحول إلى اليهودية أولًا، ثم صار سُنيًا وأخيرًا اعتنق المسيحية قبل اغتياله. وبالنظر إلى أن هذا الكتاب هو واحد من كتب مقدسة عدة، ينبغي أن نتوقع أن هناك ما هو أكثر من هذا في معتقداتهم.

عام 1973 أصدر ثمانون رجلًا علويًا بيانًا رسميًا، ربما بناء على طلب حافظ الأسد، يقول إن الشائعات عن معتقدات العلويين “قذف” يستند إلى التنقيب في الماضي وتكرار تلفيقات أعداء العروبة والإسلام. وأكدوا أن كتابهم هو القرآن، وأنهم مسلمون شيعة إثنا عشريون. وهذا لا يلغي الخلاف الداخلي بين الفرق المختلفة داخل الدين العلوي. فأكثر المشايخ العلويين شأنًا وخلال مؤتمر سري في سورية أعقب البيان؛ قال إن تأليه عليًا كان نتيجة جهل. وتتفاقم الانقسامات بسبب غياب وجود تسلسل هرمي ديني، فضلًا على وجود فرق مختلفة ذات مذاهب مختلفة ضمن العلويين. ولا تملك العلوية تقاليد تفرض قواعد دينية على أتباعها. إنها باطنية وخاصة، فالمسائل الدينية للتأمل، وهو ما يفسر غياب وجود دين ظاهري منظم. وهناك اختلافات قبلية تقسم المجتمع العلوي.

عندما شجعت فرنسا العلويين على تعريف أنفسهم بوصفهم ديانة مستقلة، كما فعل الدروز، أصر العلويون على الانتماء إلى المذهب الإثني عشري (الجعفري)، وتجدد هذا عندما أصبح واضحًا بأن مستقبلهم سيكون ضمن سورية التي يهيمن عليها السّنة، فالسّنة حريصون على دمج العلويين وعام 1936 اتخذ الأمر شكلًا متبادلًا عندما أعلن القادة العلويون أنهم مسلمون ينطقون الشهادتين، ويتبعون أركان الإسلام الخمسة، أصدر مفتي فلسطين الأكبر بأن العلويين مسلمون صالحون. وبالنظر إلى أن العلويين يزعمون أنهم شيعة إثنا عشرية إلا أن اللافت هو عدم مبادرة أي سلطة شيعية في إيران والعراق لدعم مزاعمهم.

حين جاء حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، اكتسبت هذه القضية أهمية جديدة، أساسًا لأن الدستور الجديد نصّ على أن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلمًا، وأن النظام بغية تعزيز شرعيته وشرعية الأسد، اتبع سياسات لتحويل العلويين إلى مسلمين جيدين، سواء أكان من خلال الدعم الخارجي أم عبر الإصلاحات الداخلية. وللحصول على شرعية كمسلمين، لجأ الأسد إلى موسى الصدر، الزعيم الروحي للطائفة الشيعية في لبنان، واعترف الصدر عام 1973 بالعلويين شيعة. في الوقت الذي أصدر فيه مشايخ العلويين بيانًا مماثلًا.

 

الدولة العلمانية والخطاب الرسمي

أدرك حافظ الأسد أنه عندما جاء إلى السلطة أن تحقيق الاستقرار في البلاد يعيّن عليه تقديم تنازلات للسّنة. وللحد من نفوذ رجال الدين في المجال السياسي، حيدهم من خلال منحهم سلطة متزايدة في المجال الاجتماعي، فأصبحت سورية دولة علمانية على السطح، بدلًا من بناء مجتمع علماني. وبقيت مسائل الأسرة وقانون الأحوال الشخصية تحكم من خلال التشريعات الدينية لكل طائفة دينية على حِدة. فالمسلمون تحكمهم الشريعة الإسلامية والمسيحيون تحكمهم القواعد الدينية لكنائسهم.

وحين عززت قوة الإسلام السياسي، كانت ردة الفعل الفورية للنظام هي تضييق الخناق عليه. وجاء أقسى ردات فعل النظام تطرفًا خلال انتفاضة الإخوان المسلمين في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وذروتها الدموية الختامية عام 1982. ولجأ الأسد إلى تعزيز قوة رجال الدين السّنة المعتدلين بغية القطع مع العناصر المتطرفة، ووضع المساجد والمدارس القرآنية جميعها تحت السيطرة والمراقبة. فسيطر على أهل السنة من خلال توجيههم إلى أشكال مقبولة من الإسلام السني لا تتعارض معه ولا مع العلويين. وهذا عنى أيضًا تحول العلويين إلى مسلمين جيدين في نظر أهل السنة. وبات العلويون من الآن فصاعدًا يُعدون مسلمين، وجرى تثبيط أي إشارة إلى الخلافات الطائفية لمصلحة هوية إسلامية تحتضن الجميع. وتوقف ذكر الطائفة على بطاقات الهوية السورية. وعندما شكل جميل الأسد أحد إخوة حافظ، منظمة سياسية حشدت جزءًا من المجتمع العلوي في أوائل الثمانينات، جرى حلها سريعًا بأوامر من حافظ الأسد، وقد استخدم حافظ الأسد نفوذه لدى مشايخ العلويين للتخفيف من المعتقدات التي تخالف الإسلام وللتوافق مع معتقدات الشيعة وخصوصًا موضوع التبجيل المفرط لعلي بن أبي طالب. وأصبح الأسد يصوم ويصلي على الطريقة السنية. ونظّم العلويين للذهاب إلى مكة لأداء مناسك الحج.

يتجلى إحباط وجود هوية علوية منفصلة في مناهج التعليم الديني في المدارس السورية. فلساعتين إلى ثلاث ساعات أسبوعيًا، ولمدة 12 عام، بدرس التلاميذ السوريون التربية الدينية المسيحية أو الإسلامية. والإسلام الوارد في الكتب المدرسية هو إسلام سني تقليدي، ولا يوجد أي ذكر للأقليات الإسلامية التي تعيش في سورية، أو للإسلام الشيعي ككل، أو حتى للمدارس الفكرية المختلفة داخل الإسلام السني. فالعلوية لا تُذكر أبدًا في المدارس السورية وأنها تندرج ضمنًا تحت الإسلام. وهذا تجسيد لخلاصة الخطاب الرسمي، لذلك لم يتعلم السوريون شيئًا عن معتقدات بعضهم واختلافاتها. هذا الخطاب الذي ينكر وجود توترات طائفية في سورية ويساعد بذلك على تعزيز فكرة أن الطائفية تمثل تصنيفًا قويًا. وقد وُجد هذا الخطاب من خلال التدخل المهيمن وقد فُرض باستخدام القوة وحوفظ عليه عبر التلويح بمغبة انتهاك القانون.

 

الفصل الخامس: بناء الهوية

كنت أفاجأ بأن سرديات مصادري متشابهة، ما يدل على إجماع واسع على خطابهم التاريخي، وأن التشكيل النهائي لهويتهم جرى من خلال الصراع مع أهل السّنة الذي هم (الآخر) بالنسبة إلى العلويين.

اسم (العلويين) جاء من انتمائهم إلى مدرسة علي بن أبي طالب، وثمة اسم آخر وهو (النصيريون) وهو مستقى من محمد بن نصير الذي كان تلميذًا لدى الإمام الحادي عشر للشيعة ويعد مؤسس الدين العلوي. لكن هذا الاسم لا يحظى بالشعبية بين العلويين بسبب طبيعته الازدرائية التي اكتسبها في مرحلة ما، فهو يجعلهم أتباع إنسان لا أتباع الله وأنبيائه؛ أما لقب (علوي) فينطوي على وقع إسلامي مقدس. كما أشار بعض مصادري إلى أن اسم النصيريين هو تصغير للمسيحي (نصراني) ليعني في فحواه المسيحيين الصغار.

الجذور والمعتقدات: تحاذي الأغلبية العلوية تاريخها مع تاريخ الإسلام، والإسلام الشيعي على وجه الخصوص، ويطلق عليه الكاتب اسم (الخطاب (العلوي) الإسلامي) في حين إن ثمة أقلية تحيد جذريًا عن وجهة النظر هذه، ويشير الكاتب إلى هذا الخطاب باسم (الخطاب (العلوي) النقدي) الذي يؤكد جذورًا ومعتقدات غير مقبولة في الإسلام السائد اليوم. ويقول أحد المصادر: إن الكتب العلوية المقدسة تضرب جذورها إلى الحضارة اليونانية، ويشير إلى الإسكندر الأكبر بوصفه علويًا.

يؤكد الخطاب (العلوي) النقدي ما يعتقده المسلمون عن العلويين في ما يخص شخص علي، ويدعى أن عليًا هو خاتم الأنبياء وأهمهم في سلسلة طويلة من التجليات تمتد إلى اليونانيين. التجليات هي تمظهر الله وتأخذ شكل ثالوث. يعتقد العلويون أن الإنسان عندما يموت يتجسد من جديد وفقًا للحياة التي عاشها، يمكن للولادة الجديدة أن تأخذ شكل بشر أو حيوانات.

يتقاطع الخطاب (العلوي) الإسلامي مع الخطاب (العلوي) النقدي إذ يموضع جذور العلويين الزمنية عند نقطة انحرافهم عن الإسلام الشيعي، مع ظهور تعاليم ابن نصير. فمن هذه النقطة تنساب سرديات مصادري كلها وتتدفق بالمسار ذاته.

أدى التفوق العددي والسياسي لأهل السّنة إلى القمع والاضطهاد. وبعد أن كان العلويون منتشرين في أنحاء الشرق الأوسط ومتمركزين في العراق وبلاد فارس، هاجروا نحو الجزء الغربي من بلاد الشام حيث استطاعوا العيش في ظل أوضاع أكثر أمنًا وهذا ما يسمونه الارتحال العظيم إلى الأراضي التي تشكل اليوم تركيا وسورية ولبنان والأردن وفلسطين.

العصر الذهبي: على الرغم من قصره، هو المرحلة بعد نزوحهم إلى سورية وإنشائهم دولة علويين. تمثلت ذروة الحكم الذاتي في القرن العاشر الميلادي مع دولة حلب، دولة حدودية متاخمة للإمبراطورية البيزنطية المسيحية. وكان أعظم أبطالهم حاكمها سيف الدولة. ويسارع العلويون ليشيروا إليه بالعلوية. وحقيقة أنه لم يجرِ الاعتراف بوصفه علويًا أمر يعدونه مؤامرة سنية لتجريد العلويين من فضلٍ يستحقونه.

مع استسلام حلب لضغط البيزنطيين؛ غدا موقف العلويين صعبًا. ثم عاد التوازن حين وصل الصليبيون إلى الأراضي المقدسة في نهاية القرن 11.  وكانت العلاقة بين الصليبيين والعلويين علاقة تعاون متبادل. على الرغم من وصف الحملة الصليبية من التاريخ العربي بأنها كارثية إلا أنها كانت بالنسبة إلى العلويين حظًا طيبًا لهم. ويمثل هذا التعاون بحسب أحد مصادري: بداية علاقة تاريخية طويلة ومتينة بين المسيحيين والعلويين. فجرى تزاوج على نطاق واسع.

الانكسار والصدمة: بدأ الاضطهاد الجدي واسع النطاق عام 1266 ميلادي، عندما أصدر “بيبرس” مرسومًا أن الدين الرسمي لإمبراطورية الشرق الأوسط هو الإسلام السّني. ومنع وصول أبناء الديانات الأخرى من النفاذ إلى المناصب العامة في الإدارة أو التعليم. ما أدى إلى تهميشهم بعد ازدهارهم في حلب. وعام 1305 ميلادي، حدثت صدمة العلويين؛ فقد أصدر ابن تيمية فتوى فحواها: النصيرية أشد كفرًا من اليهود والمسيحيين. بل أكثر كفرًا من كثير من المشركين. ومع هذه الفتوى تحول القمع إلى اضطهاد وقتل وحشي. والمجزرة الأكثر شهرة في هذه المدة هي مذبحة كسروان في لبنان. حيث قتل كثيرون والقلة التي هربت ذهبت إلى جبال سورية الساحلية. هذه الرواية تغفل ذكر العلويين عند الأغلبية السنية، وتقول إن المستهدفين بالقتل كانوا من الشيعة كما ذكر أحد مصادري، وهدفها على حد زعمه على غرار رواية سيف الدولة في حلب. وعام 1516 بعد الفتح العثماني لدولة المماليك حل الحضيض التاريخي المطلق، ففي ظل حكم السلطان سليم الأول ذُبح العلويين على نطاق غير مسبوق. وطردوا من حلب وغيرها من المدن الكبرى، وهذا كان نزوح العلويين الثاني، واستقروا في جبال العلويين قرونًا عدة حالهم حال الطوائف الشيعية التي تعرضت للاضطهاد. وفي القرن التاسع عشر بحسب إشارة مصادر أخرى جرى سحب العلويين ببطء إلى النظام الإقطاعي من قبل ملّاك السهول السّنة. وكانت الأسر تجبر على بيع بناتها خادمات لدى الأسر السنية ويجبرن على ممارسة الجنس، بينما كان العثمانيون يقمعون بقسوة محاولات الثورة على هذا الظلم. واستمر هذا حوالى الستين عامًا.

السيطرة والمقاومة: بعد نزوح العلويين إلى الجبال، ظل بعضهم مقيمًا في محيطهم العدائي الذي يهيمن عليه السّنة. أخفوا معتقداتهم عن أعين السلطات والجيران معًا، وتظاهروا بأنهم مسلمون سنة (تقية). ولم يخبروا حتى أطفالهم بدينهم الحقيقي حتى يبلغوا عمرًا يمكنهم فهم الحاجة إلى السرية، وحتى يومنا هذا -بحسب أحد المصادر- يوجد في حلب عائلات علوية يتناقلون معتقداتهم سرًا جيلًا إلى جيل. ولطول مدّة الإخفاء، فقد العلويون عددًا لا يحصى من العائلات التي نست من هي في الواقع. وفي الإحصاء الذي جرى عام 1956 لم يجرؤ كثير من العلويين الذي يعيشون في المدن التي يسيطر عليها السنة كشف دينهم للسلطات وسُجلوا على أنهم سّنة.

الإخفاء والتمويه للمعتقدات هو شكل من أشكال المقاومة يلجأ إليه المحكومون في الحالات التي يشكل فيها الحاكمون خطرًا على أرواحهم وممتلكاتهم. فالسرية والباطنية سمة تميز الهوية الرئيسة للعلويين حتى في سورية المعاصرة.

الانبعاث: سياسة فرق تسد الفرنسية كانت فرصة عظيمة للعلويين ليجري تضمينهم في الدولة السورية، فلقد منح المستعمر الفرنسي الأفضلية للأقليات، وأعدها ضد النخب التقليدية. وهذا سهّل وصول الأقليات إلى مناصب في الحكومة والقوات المسلحة. ويصف العلويون هذا بأنه استعادة حقوق مسلوبة منذ زمن. مرة أخرى نجد أن هذه السردية التاريخية العلوية تقف موقف معارضة للتاريخ السوري الرسمي الذي ينظر إلى الانتداب الفرنسي على أنه مشروع إمبريالي. يقول أحد الأكاديميين من اللاذقية إن القصص السيئة عن الفرنسيين بنيت على أساس سوء سلوك أفرادهم المنحدرين من مستعمرات أفريقية مثلًا.

إحدى الدول التي أقامها الفرنسيون خلال الانتداب، كانت دولة العلويين. وحاول زعماء الطائفة العلوية ثني الفرنسيين عن إدماجها في دولة سورية عندما انتهى الانتداب مفضلين أي خيار بديل. ولم يقتصر هذا على العلويين؛ إذ خشيت الأقليات على حقوقها في ظل هيمنة أهل السنة. لكن عند إثارة موضوع الدولة العلوية المستقلة اليوم، فإن العلويين الذين طرحت الموضوع معهم جميعهم عدّوها فكرة سيئة للغاية. وشخص منهم قال إنها كانت مؤامرة لتقسيم الشعب السوري بغية تعزيز الحكم الفرنسي. وشدد آخر على أن العلويين عرب وأن هذه الهوية يجب أن تكون الأساس للهوية السورية.

 

الفصل السادس: بناء المجتمع

اختلاف مجتمع العلويين عن مجتمع السنّة يتناول كيفية عدم خضوع العلويين للقواعد التي يخضع لها السّنة؛ يقول العلويون: المجتمع العلوي أكثر تساهلًا في الكحول ولا يعترض على تناوله، وأن النساء العلويات أكثر حرية وأكثر مشاركة في المجتمع من النساء السنيات. والتفاعل بين الرجال والنساء في المجتمع العلوي لا يخضع للضبط الموجود في المجتمع السني. وأن العلويون مواقفهم متسامحة تجاه الدين والمجتمع في مقابل السلوك المتطرف للسنّة. يقول أحد المصادر: إحراق السفارة النرويجية والسفارة الدانماركية في دمشق بعد نشر كاريكاتيرات حول النبي محمد في الإعلام هو رد غاضب وعنفي، وعلى الرغم من أن العلويين لم يحبوا تلك الكاريكاتورات إلا أنهم ذوو عقل متحرر لا تستثيره تلك الأفعال ولا يمكن أن تكون ردودهم عنفية.

إن علاقة العلويين بالطوائف الأخرى تقوم على الغموض بدلًا من الاعتراف بأن لديهم وجهات نظر سلبية تجاه الطوائف الأخرى. وحين يقول مصادري بأن لهم أصدقاء غير علويين يتبين لاحقًا أن معظمهم من المسيحيين ونادرًا ما يكونون من السنّة. والحالة الوحيدة التي يعترف فيها مصادري بصورة حرة بمشكلة الدين، هي الزواج. ومعظم حالات الزواج التي جرت مع طوائف أخرى هي بينهم وبين المسيحيين.

العلاقات بين العلويين والسنّة تمثل أكبر انقسام طائفي في الساحل السوري. ومشكلة العلويين هي مع المجتمع السني وليس الأفراد. وقد ورث العلويون الخوف من المجتمع السني فلديهم إيمان راسخ بأن أهل السنة في الجوهر يؤمنون بأنهم الوحيدون الذين يعرفون الإسلام الحقيقي، وأن هذه الحقيقة يجب أن تنتشر بالقوة بين المسلمين الآخرين. وإن أساس كرههم للسنّة يعود إلى قناعتهم بأن أهل السنّة لا يحبون العلويين. فالخارج البنيوي للهوية العلوية ليس (غير علوي) بل (ضد علوي) وهذه الهوية محددة ومهددة من الهويات الأخرى ومن السنّة قبل كل شيء.

العلاقات بين العلويين والمسيحيين: يشير العلويون إلى المسيحيين في سردياتهم التاريخية بصورة إيجابية. ويقولون بأنهم والمسيحيون متشابهين جدًا ثقافيًا. وهناك حالة مشاركة للقدر بين الأقليتين اللتين تشعران بالخضوع إلى الأغلبية السنّية. وتشير بعض المصادر إلى أنهم يتشاركون في معتقداتهم حول القديسين، ويتشاركون في عدد من مقامات الأولياء في الجبال المحيطة بالساحل السوري.

 

الفصل السابع: بناء السياسة

هل هو نظام علوي؟  المسألة في هذا الفصل هي تكوين انطباع عن رأي العلويين في هذا الشأن؛ وأتت أراء المصادر على الشكل الآتي:

عادةً عند مواجهة العلويين بادعاءات أن النظام علوي، يجيبون على الفور أن الأمر ليس كذلك. وينفون قطعيًا أنهم استفادوا من النظام بسبب دينهم، وأن محسوبية النظام تعتمد على الدعم الذي توفره العلاقات الشخصية وعلى المسنادة التي تقدمها العائلات القوية بغض النظر عن طائفتها.

بعضهم عد أنه كان خطأ كبيرًا من علويي السلطة أن يمتلكوا مثل هذا الدور المركزي الواضح في النظام، ويخشى أصحاب هذا الرأي أن يدفع العلويون ثمن هذا لاحقًا.

بعض آخر افترض أن النظام يمثل ذاته فقط. ويتوقون إلى وجود من يدافع عن مصالح العلويين، لا أن يدافع العلويون عن مصالح النظام.

وأحد المصار يشير إلى أن العلويين اعتادوا شعور أن النظام يمثلهم بعد أن شهدوا تحسنًا في ثرواتهم، لكن هذا الشعور قد أضعفته التحالفات العليا بين العائلات السنية القوية والعائلات العلوية ذات السلطة السياسية. فالنظام هو أكثر اهتمامًا بديمومته من مصالح العلويين.

بعض انتقد النظام لما سببه من مشكلات طائفية أساءت إلى اسم (العلوي). فهذا مضر جدًا في حال جاء نظام جديد لا يمكنه ضمان حقوق العلويين.

أما بعضهم فقالوا: إن الدافع وراء دعم آبائنا لحافظ هو استياؤهم من البرجوازية الغنية التي زعم حافظ وبعثه معارضتها. ونحن اليوم نراقب كيف أن الحكام العلويين وأبناءهم أصبحوا الشيء نفسه الذي علمونا أن نحتقره.

لم يكن من مصلحة النظام، كي يحافظ على السلطة بيده، أن يعزز أي تفاهم حقيقي بين الطوائف. وبدلًا من ذلك ولتعزيز شرعيته، كان يغرس لدى المواطنين الخوف من الحرب الأهلية من خلال تعزيز الأخبار المتعلقة بتهديدات التطرف الإسلامي، في الوقت الذي كان يكبت أنواع الحوار الطائفي المفتوح كله.

أما عن الخوف المقيم في أوساط العلويين، فهناك أمران يفاقمان هذا الخوف:

الأول: ما عاناه اللبنانيون من الحرب الأهلية التي امتدت 15 عامًا. وما مثله العراق الشبيه بالوضع في سورية؛ فحالما زال استقرار النظام توجهت الطوائف إلى رقاب بعضها. وفي هذا الإطار تتسرب تعبيرات تشير إلى أن الوئام بين الطوائف في سورية أمر مصطنع، هش، سريع الزوال.

الثاني: ما يتعلق بالمعارضين السوريين في الخارج؛ ومثال على ذلك رسالة الرئيس الحالي لحزب الإصلاح السوري المعارض فريد الغادري، التي أرسلها في تشرين الأول/ أكتوبر 2006 ودعا فيها العلويين إلى العودة إلى جبالهم.

الأوضاع السياسية وتأثيرها: كانت ثيمة الدور الذي لعبته السياسة في كيفية بناء الهوية العلوية هي الخطر الذي يشكله أهل السنّة ومتطرفو السنّة على العلويين. بيد أنه كلما ازداد خطر الخارج قل تناولهم التهديدات القادمة من الداخل. وهناك سببان لهذا:

الأول: الهوية السورية الشاملة تتقوى عندما تكون هناك حاجة إلى التكاتف ضد عدو خارجي، خصوصًا من “إسرائيل”.

الثاني: حين يبدو النظام مدافعًا عن الحقوق العربية فإن هذا ينعكس إيجابًا على العلويين. فالعلويون يشعرون بأن المشاعر السلبية من النظام تنعكس عليهم. والعكس؛ إذا ما شوهد النظام يقاتل من أجل قضية عربية وإسلامية.

من جهة ثانية؛ على الرغم من وجود تاريخ طويل من العداء للشيعة في العالم السنّي، وانعكاس ذلك على العلويين، إلا أن هذا العداء تغير مع قيام الثورة الإيرانية، وبدأ السنّة يحترمونهم وقد تعزز هذا الاحترام مع موقف إيران وحزب الله ضد “إسرائيل”.

الدعم العلوي للنظام: ليس هدف هذا الكتاب إطلاق تعميمات حول إذا ما كان العلويون عمومًا يدعمون النظام في سورية. ونظرًا إلى وجهات نظر المصادر سنجد أنها تراوح بين الدعم الكامل له والاشمئزاز المطلق منه. وأن معظم المصادر لا يرون بديلًا من النظام الحالي اليوم، فيؤيدونه بصمت. ويسندون دعمهم السلبي ذاك إلى قلقهم وخشيتهم من أن يضطلع المتطرفون السنّة بدور قوي. “وهذا ما روج له النظام كثيرًا”.  والنتيجة هي حالة يفضل فيها عدد من العلويين نظامًا مختلًا يحمي حقوقهم بوصفهم سوريين، على شيء آخر غير معروف.

في الختام: الهوية العلوية هي هوية ملاذ؛ فهي تنظم تجارب الناس اليومية، أو تجعلهم يعملون بصفتهم جماعة. ويرى بعض العلويين أن عليهم الانفتاح الكامل وكشف كل شيء عن معتقداتهم مهما كانت النتيجة. وهذا من شأنه على الأقل تمهيد الطريق لإجراء مناقشة طائفية مفتوحة قبل أن يفوت الأوان، فتقرر الأساطير ردة فعل أهل السنّة.

 

خاتمة

في مراجعتي لهذا الكتاب، أبقيت على سياق الفصول والفقرات كما هو، وقدمت ملخصًا وافيًا لها، أما الفقرات التي ارتأيت بأنها قد تكررت أو ضُمنّت في فصول وفقرات أخرى، فقد عمدت إلى حذفها. ويبقى لدي بوصفي قارئًا لهذا الكتاب، تساؤلات صغيرة، وملاحظات عابرة، استدعتني إلى الوقوف عليها:

1- هل يمكن اعتماد الخلاصات التي خلص لها الكاتب في نهاية كل فصل من فصول الكتاب نتيجة علمية؟ مع الأخذ بالحسبان الإسهاب الذي قدمه الكاتب حول منهجه المتبع وطرائقه ووسائله من جهة، والمسوّغات المحقة التي تواجه هذا النوع من البحوث المتعلقة بحساسية الموضوع المطروح والخطر الأمني المتعلق به، ونقص المراجع حوله من جهة أخرى. فقد تحدث الكاتب عن العينة التي أجرى معها المقابلات “وهي عينة شابة من 20-30 عامًا، ومعظمها من الذكور.. إلخ”

2- على الرغم من أهمية معلومات الكتاب وغناها؛ فقد كان من الممكن سبر آراء أخرى (غير علوية) حول المسائل التي يتناولها الكتاب، بالمنهج والأسلوب والطرائق والوسائل ذاتها. وهذا في رأيي عامل إثراء إضافي وارد.

3- لم يتناول الكتاب معارضي الأسد من العلويين الذين قضوا سنينًا طويلة في غياهب سجونه سابقًا، أو العلويين المنضوين في صفوف أحزاب المعارضة الوطنية السورية حتى لحظة إنجاز الكتاب. أظن أنه لو جرى ذلك، لقدّم غنى إضافيًا. ولتعرفنا إلى وجهات نظر قد تكون أعمق من الآراء العامة المقدمة.

4- قدم الكاتب توصيفات غير صحيحة أحيانًا، تنم على جهل في المفهومات التي تناول وصفها، على الرغم من ندرة ورودها في هذا الكتاب؛ لكن من الصواب الإشارة إليها، مثال: ففي الصفحة 87 والحديث عن العلويين “وبوصفهم علمانيين متشددين، انضموا إلى الأحزاب القومية الراديكالية، وأصبحوا مهمّين جدًا في حزب البعث.”  إذ لا يمكن وصف طائفة بأكملها بأنها علمانية أو علمانية متشددة من جهة، ومن جهة أخرى أظنّ بأن الكاتب قد أطلق -خطًأ- وصف علماني، تعبيرًا عن الانفتاح الديني لدى العلويين نسبةً إلى السّنة بحسب رأيه. وإذا كان قصده بأن العلويين متشددون تجاه مطلب فصل الدين عن الدولة، فإن ذلك أيضًا لا يعني أنهم علمانيون متشددون.

 

 

ماهر الجنيدي

مستشار إعلامي، وكاتب صحافي ومترجم سوري، من مواليد حمص. يتولى حالياً رئاسة تحرير القسم العربي في مؤسسة “تعبير” الإعلاميّة، وينشر أعمدته السياسية والثقافية باستمرار في صحيفة “النهار” اللبنانية و”الحياة” اللندنية. له نحو 20 كتاباً مترجماً، منها: “سياسات هشة: الدول الضعيفة في الشرق الأوسط الكبير”، جامعة جورجتاون 2014. ومن مؤلفاته: “الثورة اليتيمة”، الصادر عن دار جود 2014.

تورشتين شيوتز وورن

باحث نرويجي متخصص بالجغرافيا البشرية، درس علوم الاجتماع في جامعة أوسلو حيث حاز على شهادة الماجستير في الجغرافيا البشرية. ولأغراض هذا الكتاب، زار تورشتين سورية في العام 2002، وتابع زياراته لها حتى 2009.

فادي كحلوس

مشارك في مرصد حرمون الخاص وفي برنامج المبادرات المدنية التابعين لمركز حرمون للدراسات المعاصرة، مدير سابق لمكتب مركز حرمون للدراسات المعاصرة في تركيا، من مواليد 1979، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، ناشط سياسي واعلامي، من مؤسسي (تجمع أحرار دمشق وريفها للتغيير السلمي – لجان التنسيق المحلية – تجمع أحرار ثورة الكرامة) 2011، له عديد من المقالات والقراءات النقدية منشورة في عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية