صالون هنانو

اللّامركزيّة السّياسيّة؛ أحد نماذج الحكم التي يروّج لها في سورية

المحتويات

الدّولة البسيطة أو ما يعرف بالدّولة الموحّدة

الدّولة المركّبة

 

بدايةً القضيّة السّوريّة هي ثورة شعبيّة ضدّ نظام قمعي استبدادي جثم على قلب الشّعب السّوري خمسين عامًا، وعلى الرغم من كلّ محاولات النّظام خلال الثّورة للتحشيد الطّائفي واللّعب على وتر الأقليات والإرهاب ما زالت ليومنا هذا وكما كانت مكوّنات الشّعب السّوري متعايشة بمناخ من المودّة والمحبّة والاحترام بأبهى صورها.

أمّا بالنسبة إلى الظلم والقهر والإقصاء، فقد وقع على مكوّنات الشّعب السّوري كلها، إذًا فجوهر المشكلة في النّظام لا في المكوّنات ولافي المناطق، ومن ثم فشكل الحكم ليس المعضلة التي تواجهنا حتى تطرح أشكالًا بديلة من مثل التقسيم أو اللّامركزية السّياسيّة والفدرالية حلًّا لتعذّر التّعايش بين هذه المكوّنات أو المناطق.

وإذا رجعنا إلى هذه الدّعوات التي يروّج لها في الآونة الأخيرة حول شكل الحكم في سورية تزامنًا مع الموت والدّمار وقبل أن تتحرّر سورية من قبضة النّظام فكأنّنا أمام دولة وليدة تشكّلت حديثًا ونبحث لها عن شكل حكم يلائمها، ولم تكن هي دولة قائمة منذ سبعين سنةً.

فسورية لا تحتاج إلّا إلى دستور يحفظ الحقوق والحرّيّات العامّة ويجسّد التّداول الدّيمقراطي للسلطة ويحقّق العدالة الاجتماعيّة لأبناء الشّعب السّوري جميعهم من دون استثناء.

سورية بلدٌ ذو أغلبيّة عربيّة سنّيّة بنسبة تزيد على سّتين في المئة من مجمل الشّعب السّوري البالغ عدده ثلاثة وعشرين مليون نسمة، أمّا نسبة الأربعين في المئة من السّكان فينتمون إلى أقلّيات عرقية وطائفية مختلفة، ومع التّحوّل الدّيمقراطي القادم لسورية أخذت تتنامى تخوّفات لدى الأقلّيات من ديمقراطيّة الأكثريّة التي يمكن أن تفرض قيمها ورؤاها على هذه الأقلّيات من خلال الاستحقاق الدّيمقراطي عبر الانتخابات.

لذلك راحت تدّعي هذه الأقلّيات ضرورة إيجاد طريقة تحفظ لها حقوقها من تسلّط الأكثريّة، على الرغم من أنّ فوبيا تسلّط الأكثرية هذه لامسوّغ لها لأنّ الأكثريّة لم تستلم السّلطة في سورية بشكل نظام مستقرّ منذ الاستقلال حتى تدّعي التّخوّف من تجربة سابقة، ومع ذلك أخذت تطرح أشكالًا لنظام الحكم مثل اللّامركزيّة الإداريّة واللّامركزيّة السّياسيّة والفدراليّة وفي الوقت نفسه تريد أن تضع توافقات تحقّق مصالحها خارج إطار نظم الدّيمقراطيّة واستحقاقاتها.

وقبل هذه وتلك فعند بناء أيّ نظام سياسيّ في بلد ما من العالم لا بدّ وأن يُبحث عن شكل ينسجم وطبيعة ذلك البلد ومجتمعه وتاريخه وقيمه وتطلّعاته حتى يحقّق القبول والرضا من عموم الشّعب، ويحظى بالشّرعيّة والاندماج والاستمرار، لأنّه يستمدّ قوّته من القوى الاجتماعيّة والسياسيّة الحاضنة له، وإلّا فإنّه سيعاني أزمة سياسيّة واجتماعيّة يصعب معالجتها والعودة إلى مرحلة ما قبل الفشل.

لهذا لا يجوز أن نستورد لبوس تجربةٍ في بلدٍ أجنبيّ يختلف في طبيعته التاريخيّة والاجتماعيّة والعقائديّة والجغرافيّة عن منطقتنا، ونأتي به ونطبّقه في بلدنا، ونلبسه لبوسًا ليس على مقاسه لا شكلًا ولا مضمونًا ولا لونًا، لأنّ الفارق كبيرٌ بين مفهومات تلك الشّعوب وشعوب منطقتنا وانتماءاتها.

وإذا ما عدنا إلى تلك الأشكال التي يروّج لها فلنبدأ باللّامركزيّة السّياسيّة؛

هذا المصطلح نظام سياسيّ وقانونيّ وإداريّ والدّستور الذي كتب بمقتضاه هو الذي ينظّم الحياة السّياسيّة والقانونيّة والإداريّة في البلد الذي يتغيّر هو الآخر وحدةً وشكلًا.

فاللّامركزيّة السّياسيّة تؤثّر في شكل الحكم في الدّولة، فتتحوّل من دولة موحّدة إلى دولة اتّحاديّة فدراليّة حتمًا، وذلك وفق مقتضيات المجال السّياسيّ الذي يمنحه هذا الشّكل من الحكم لكلّ منطقة أو إقليم.

فنظام اللّامركزيّة السّياسيّة يقتضي توزيع السّلطات التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة بين الحكومة المركزيّة والمحلّيّة، فإلى جانب السّلطات الثلاث الأساسيّة للدّولة الفدراليّة التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة نجد سلطات مماثلة لها في كلّ إقليم، وإلى جانب الدّستور الفدرالي هناك دستور خاصّ بكلّ إقليم هذا ما يعني وجود ازدواجيّة في النّظام السّياسي الذي يمارس السّيادة الدّاخليّة، فسلطات الدّولة الاتّحادية تمارس السّيادة المستندة إليها من شعب الاتّحاد وسلطات الأقاليم تمارس السّيادة من خلال شعب الإقليم، لذلك فكما هناك تخوّفات من سلطة المركز فكذلك هناك تخوّفات أولى من التجزئة التي تخلقها اللّامركزيّة السّياسيّة.

إذ يفرّق علماء القانون الدّستوري بين نوعين من الدّول؛

 

الدّولة البسيطة أو ما يعرف بالدّولة الموحّدة

وتقوم على وحدة الشّعب والإقليم والسّلطة والسّياسة، لذلك يكون لهذه الدّولة بسبب تجانسها ووحدتها شعبًا وأرضًا نظام سياسيّ وطني موحّد، أي سلطة سياسيّة واحدة في المستويات الثّلاثة -التّشريعيّة والقضائيّة والتّنفيذيّة- ويتخوّف في هذه الدّولة من تجزئة السلطة السياسيّة للاحتمال الكبير الذي يتسبّب في تفتيت الدّولة والمجتمع.

 

الدّولة المركّبة

أي الدّولة كبيرة الحجم ذات القوميّات والدّيانات المتعدّدة التي تتكوّن من دويلات عدة أو ولايات وأقاليم كالولايات المتّحدة الأميركيّة أو الاتّحاد السوفياتي سابقًا أو بعض دول في أوروبا، وهنا تتوزّع السّلطة السّياسيّة فيها بين الحكومة الاتّحاديّة والولايات، وذلك بسبب التّنوّع وعدم التّجانس العرقي واللّغوي والدّيني والثّقافي، ولذلك يطلق على هذا النّظام السّياسيّ ما يعرف بالنّظام الفدرالي لهذا فاللّامركزيّة السّياسيّة لا توجد إلّا في الدّول المركّبة من دون البسيطة الموحّدة.

وإذا قيل: إنّ هناك تجاربًا كثيرة لهذا الشكل من الحكم في دول العالم فنقول: نعم صحيح هناك نسبة أربعين في المئة من دول العالم شكل الحكم فيها فدرالي، ولكن أغلب هذه الدول كانت مجزّأة في الأصل دويلات أو ولايات وأقاليم مستقلّة ثمّ جُمِّعت وفق هذا النّظام السّياسي، فهي دول مركّبة في الحقيقة.

أمّا سورية، بناء على ما أوردنا، فلا أظنّ أنّ أحدًا يجادل في أنّها دولة بسيطة بمعنى أنّها دولة واحدة موحّدة ومتجانسة أرضًا وشعبًا، فهي تفتقد إلى أيّ من مقوّمات الفدراليّة (ديمغرافية وجغرافية)، ومن ثم لا تنسجم مع شكل الحكم هذا فضلًا عن أنّها دولة موحّدة لا يعقل أن نقوم بتفكيكها ومن ثمّ نعيد تجميعها من جديد بهذا الشّكل بغطاء فدرالي، وعلى أسس قوميّة وطائفيّة، ومسبقًا نردّد المناطق الكرديّة والعربيّة والدرزيّة والعلويّة والسنيّة على الرغم من أنّها متداخلة وموزّعة في كافّة المدن والأحياء فهذه التسميات غير صحيحة بوصفها توزيعًا ديمغرافيًاّ.

باستثناء مدينة السويداء فنسبة السنّة في اللّاذقيّة تزيد على خمس وسبعين في المئة، والحسكة نسبة العرب فيها تزيد على سبعين في المئة، علاوة على أنّ هذه الخيارات فقط لساسة نخب الأقلّيّة، وليست مطلبًا شعبيًّا

وإنّ أيّ محاولة لاعتساف الواقع السّوري، وتطبيق نظام اللّامركزية السّياسيّة عليه، وتقسيم السّلطة السّياسيّة الواحدة إلى سلطات عدة في مستوى المحافظات والمناطق والنّواحي؛ ما هي إلّا عمليّة تمزيق لمفهوم المواطنة الواحدة، وتجزئتها إلى مناطقيّة وإثنية وعرقيّة، وهذا ما ينتج أزمة هوية بحسب تعبير علماء الاجتماع والسياسة أي تكريس الشّعور بالهوية المناطقيّة والطّائفيّة والعرقيّة، وغلبة هذا الشّعور على الشّعور بالهوية الوطنيّة الجامعة، ومن ثم ستفتّت البنية الاجتماعيّة، وتخلق حالًا من التناحر والصّراع المناطقي والطائفي والعرقي.

أمّا نظام اللّامركزيّة الإداريّة: فهذا هو الذي يمكن أن يطبّق في الدّولة الموحّدة البسيطة كسورية، إذ توزع الوظائف الإداريّة في الدّولة بين السّلطة المركزيّة في العاصمة وهيئات مستقلّة تتمتّع بالشخصيّة الاعتباريّة محلّية محافظات ومدن وبلدان وبلديّات ومؤسّسات هيئات عامّة تتمتّع بحرية القرار في ما يخوّله لها القانون، وذلك بإشراف السلطة المركزية التي تمارس دور الرقابة الإدارية على هذه الهيئات، وبذلك فإنّ ذلك لا يمس وحدة السلطة السياسيّة التي هي مظهر من مظاهر الدولة الموحّدة البسيطة مع توسيع الصلاحيات التنفيذية لهذه المؤسّسات والهيئات الإدارية المحلّية

ومن ثم شكل الحكم هو خيار شعبي عام لا يمكن أن يحدد في خضمّ الموت والدّمار والتهجير ووفق هذه التّجاذبات، وإنّما يستوجب مرحلة انتقاليّة تتجاوز محنة الفوضى والاستقواء بالسلاح فما بالك باللّامركزيّة السّياسيّة التي تستوجب بالضرورة الاستقرار السّياسي، ولو بأضعف حالاته، هذا في حال إمكان تطبيقها، وهي في الأصل متعذّرة كما أوردنا في دولة بسيطة مثل سورية.

نحن بحاجة إلى تعزيز التّماسك الاجتماعي والتقريب بين الهويات والانتماءات ووضعها في إطار وطني عام، مع عدم التّفريط بحقوق ومصالح أيّ مجموعة إثنية أو عرقية لحساب الأغلبية، ومن الأسلم أن يقوم الدستور على أساس المواطنة، ولا توضع فيه أيّ محاصصة أو قضايا طائفيّة أو عرقيّة فالوطن للجميع، ويجب أن يستوعب الجميع، ومشكلتنا ليست في المركزيّة السّياسيّة وطبيعة الدستور، وإنّما في التّطبيق من نظام استبدادي قمعي.

وتطلّعات أيّ شعب هي المشاركة السياسية وتداول السلطة – وهذه بالإمكان تحقيقها لممثّلي الشّعب كافة ضمن المركزيّة السّياسيّة – وحفظ الحقوق والحريّات العامّة، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة، هذا إذا ما احترم الدّستور وساد القانون.

فهذا ما يجب أن يكون هدفًا ومبتغى شعبنا بعامّة، وما عدا ذلك فهي نزعات بعيدة كلّ البعد عن مبدأ المواطنة، وتستهدف تمزيق الوطن.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية