وحدة المقاربات القانونية

نظرة عن قرب إلى الهوية والبنية القبلية في سورية

مقدمة

تستكشف هذه الورقة معنى القبيلة وتشكلها في الشرق الأوسط، مع التركيز على سورية. إن فهم الهوية والبنية القبليتين[1] وكيفية تغيرهما عبر التاريخ هو مفتاح لفهم القبائل في الشرق الأوسط بصورة عامة، وفي سورية على وجه الخصوص. هذه الدراسة مهمة وحيوية من أجل بناء أساس متين لفهم أكثر عمقًا للهوية السورية القبلية وبنيتها. تبحث هذه الدراسة في جوانب عدة؛ يمكن أن تحدد وتحيط بمفهوم القبيلة بشكل أفضل. وتشير الورقة إلى أن مفهوم القبائل أكثر تعقيدًا بكثير مما يبدوعليه للوهلة الأولى، وأنه ليس مفهومًا ثابتاً، ولا قالبًا واحدًا يناسب القبائل جميعها في سورية.

يتفحص القسم الأول مفهوم “القبيلة” في سورية، وما يميزها من مفهوم القبيلة في أجزاء أخرى من العالم. تُعرّف القبائل في سورية من خلال بنيتها الاجتماعية ومعاييرها واقتصادها وقوانينها القبلية. في هذا القسم، سأركز على البنية الاجتماعية وعلى الأعراف، بما يشرح طبائع القبيلة، ومنها: القربى، والشرف، والسمعة الفردية، وغيرها، ثم سأتحدث عن اقتصاد الرعي عند القبائل، وأخيرًا، الزراعة بوصفها جزءًا من سمات القبيلة. توضح هذه الدراسة كيف أثّر نمط الاقتصاد في تصنيف القبائل، وفي كلٍ من الهوية والبنية القبليتين. أخيرًا، سأدرس كيفية ممارسة القانون القبلي في سورية. إن المخطط الناتج عن النظام الاجتماعي والاقتصادي والقانوني القبلي؛ سيسمح لي بفحص الطريقة التي تتفاعل بها القبيلة في سورية مع القبائل الأخرى ومع الحكومة المركزية.

يستعرض القسم الثاني الهوية القبلية في أدبيات باحثين عرب وغربيين مختلفين للوصول إلى فهم أفضل لكيفية عرض قضية القبائل وتقديمها. وقد أنتجت هاتان الفئتان من الكتاب دراسات عن القبائل في الشرق الأوسط، بما فيها سورية.

يوفر تفحص منشوراتهم مراجعة لمجال دراسة القبيلة في سورية، والنواحي التي تمت معالجتها، والمجالات التي تحتاج إلى مزيد من التحقيق. كان الرحالة الغربيون والمستكشفون والعلماء يكتبون أثناء فترة الاستعمار الغربي. عند زيارتهم منطقة الشرق الأوسط للمرة الأولى، دُهشوا لإيجاد عالم مختلف تمامًا عن عالمهم، عالم يعتمد في الغالب على الرعي والزراعة.[2] فعكسوا في تجاربهم الازدراء أو الرومانسية. انتقد الباحثون العرب بشدة الكتاب الغربيين، واتهموهم بأنهم مستشرقون وجواسيس وعملاء استعماريون. الباحثون العرب -قبل القرن التاسع عشر وبعده- هم المصدر الآخر المهم لدراسة القبائل. ركزوا على علم الأنساب وتسمية القبائل المختلفة، وتوفير القرائن لتاريخ القبائل وتفاعلها مع الفئات الاجتماعية الأخرى في مجتمعها. ومع ذلك، بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى، فإن الدراسات الحديثة التي أنتجها باحثون عرب بشأن القبائل في سورية الحديثة محدودة العدد. في هذا القسم من الورقة، سأتفحص هاتين المجموعتين من الكتاب جنبًا إلى جنب، في حين إنه لم تقدم أي من المجموعتين أي تحليل معمق حقيقي، لكن كتاباتها تُقدّم مصادر مهمة لفهم كيف تغيّرت معايير القبائل وأنماطها مع مرور الوقت.

يتناول القسم الثالث ثنائية الدولة والقبيلة من خلال دراسة العلاقة التاريخية والنظرية بين الاثنتين. وقد عدَّ بعض الباحثين القبائلَ تشكيلات سابقة للدولة في طريق تطورها؛ لكي تصبح دولًا. هذا الرأي هو نتيجة لتبني مفاهيم مُسبقة عن القبائل في الشرق الأوسط، نجمت عن مقارنة القبائل في هذه المنطقة بالقبائل في أجزاء أخرى من العالم. والحقيقة، هي: أن القبائل أسهمت في بناء الدولة في الشرق الأوسط، وكذلك في التعايش والتشابك مع الدول. لقد تعاملت دول الشرق الأوسط على الدوام مع القبائل، وتلاعبت بها، وفي الوقت نفسه استفادت القبائل من سلطة الدولة لتعزيز قوتها الذاتية وكسب النفوذ.[3] ثم سأشرح في هذا القسم كيف لعب تفاعل القبيلة مع الحكومات المركزية القوية في سورية دورًا أساسيًا في تغيير طبيعة القبائل. إن طبيعة كل من القبيلة والدولة أدت إلى دخولهما في علاقة صراع على السلطة. لقد اكتسبت القبائل السلطة كلما كانت الدولة ضعيفة، وفقدتها كلما كانت الدولة قوية. بكلمات أخرى: هناك علاقة عكسية بين سلطة القبيلة وقوة الدولة؛ لهذا اكتسبت القبائل في سورية بعد الأزمة المزيد من القوة، وصار القانون العرفي القبلي يُمارس أكثر من ذي قبل، وصار يُستعان بمنطق الصُلحة القبلية نفسه من قبل أنواع مختلفة من مبادرات التقاضي البديلة التي وضعتها مختلف الفصائل العسكرية والمنظمات غير الحكومية.

[1]أستخدمُ هذين المفهومين- في إطار هذه الورقة- للإشارة إلى المعنى التالي: الهوية القبلية هي الشعور بالانتماء إلى القبيلة والتضامن مع الجماعة. والبنية القبلية هي بناء القبيلة بتراتبية القرابة فيها، والمشيخة، ومختلف الفروع والتحالفات. سيتم شرح كل من المفهومين في النص بأكمله وتحديدًا في القسم الثالث، حيث سيتم شرحهما على نطاق واسع.

[2]Steen, E.J. van der, Near Eastern Tribal Societies During the Nineteenth Century: Economy, Society and Politics between Tent and Town, Sheffield; Bristol, CT: Equinox, 2013: xi.

 

[3]Eickelman, D.F., The Middle East and Central Asia: An Anthropological Approach, Upper Saddle River, N.J: Prentice Hall, 1998: 124; see also: Khoury, P.S., and Kostiner, J., eds., Tribes and State Formation in the Middle East, Berkeley: University of California Press, 1990: 40.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية